الغلط كعيب للإرادة


الغلط كعيب للإرادة

162 – تعريف الغلط : يمكن تعريف الغلط بأنه حالة تقوم بالنفس تحمل على توهم غير الواقع . وغير الواقع أما أن يكون واقعة غير صحيحة يتوهم الإنسان صحتها ، أو واقعة صحيحة يتوهم عدم صحتها . والغلط بهذا التعريف الشامل ينتظم كل أنواع الغلط ، ولا يقف عند نوع معين منها . والذي نريده هنا هو غلط يصيب الإرادة ، فينبغي أن نمحص هذا النوع من الغلط بتمييزه عن غيره من الأنواع الأخرى وبرسم الدائرة التي تحصر نطاقه حتى نستطيع بعد ذلك أن نبين قواعده وأحكامه .

163 – الغلط المانع : وأول نوع من الغلط نستبعده من دائرة بحثنا هو ما يسمى عادة بالغلط المانع ( erreur – obstacle ) . وهو غلط يقع ، طبقاً لنظرية تقليدية في الفقه الفرنسي ، في ماهية العقد ، كما إذا عطى شخص لآخر نقوداً على أنه قرض وأخذها الآخر على إنها هبة ، أو في ذاتية المحل ، كما لو كان شخص يملك سيارتين من صنفين مختلفين فباع احداهما والمشتري يعتقد أنه يشتري الأخرى ، أو في السبب ، كما إذا اتفق الورثة مع الموصي لهم على قسمة العين الشائعة بينهم ثم يتضح أن الوصية باطلة .

وظاهر أن هذا النوع يعدم الإرادة ولا يقتصر على أن يعيبها . ففي الأمثلة التي قدمناها لم تتوافق الإرادتان على عنصر من العناصر الأساسية : ما هية العقد أو المحل أو السبب . فالتراضي إذن غير موجود ، والعقد باطل أي منعدم . وهذا هو الذي يدعونا لاستبعاد الغلط المانع من دائرة البحث ، فهو يتصل بوجود التراضي لا بصحته ، ونحن الآن في صدد صحة التراضي بعد أن فرغنا من الكلام في وجوده .

164 – اختلاف الإرادة الظاهرة عن الإرادة الباطنة : وقد تختلف الإرادة الظاهرة عن الإرادة الباطنة ، فيؤخذ بإحداهما دون الأخرى كما بينا فيما تقدم . والكلام في الإرادتين وفرق ما بينهما ليس كلاماً في عيوب الإرادة ( [2] ) ، بل كلام في الإرادة ذاتها ، أي في وجودها لا في صحتها . فيجب استبعاد هذه المسألة أيضاً من دائرة البحث ( [3] ) .

165 – الغلط في النقل أو في التفسير : والغلط الذي يعنينا بحثه هنا هو الغلط الذي يقع وقت تكون الإرادة ( erreur sur la formation de la volonte ) وهناك غلط لا يعيب الإرادة يجب كذلك استبعاده من دائرة البحث ، وهو غلط يقع في وقت نقل الإرادة إذا نقلت على غير وجهها ، وهذا ما يسمى بالغط في النقل ( erreur de transmission ) ، أو يقع في تفسيرها إذا فهمها من توجهت إليه على غير حقيقتها ، وهذا ما يسمى بالغلط في التفسير ( erreur d’interperetation ) . والفرق بين الغلط الذي يقع وقت تكون الإرادة والغلط الذي يقع في النقل أو في التفسير أن الغلط الأول هو حالة تقوم بنفس من صدرت منه الإرادة ، أما الغلط الآخر فحالة تقوم بنفس من توجهت إليه الإرادة ( [4] ) .

166 – الغلط الذي يعيب الإرادة : ويبقى ، بعد استيعاب ما قدمناه من أنواع الغلط ، الغلط الذي يصيب الإرادة ، وهو الذي يعنينا بحثه ويجب أن نرسم له دائرة واضحة المعالم . فهو من جهة غلط يقع في تكون الإرادة لا في نقلها ولا في تفسيرها ، وهو من جهة أخرى لا يعدم الإرادة كما هو الأمر في الغلط المانع ، ولا يختلط بوجودها ذاته كما هو الأمر في الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة .

وإذا كان الغلط الذي يعيب الإرادة لا يجوز أن يقع على ركن من أركان العقد وإلا اعدم التراضي كما رأينا ، إلا أنه يجب مع ذلك أن يكون غلطاً جوهرياً حتى يعيب الإرادة . ثم أن الغلط هو أمر نفسي يستكن في الضمير ، فوجب لاستقرار التعامل إلا يستقل به المتعاقد الذي وقع في الغلط ، بل يتصل به المتعاقد الآخر على وجه من الوجوه حتى يمكن الاعتداد به .

خلص لنا من ذلك أن الغلط الذي يعيب الإرادة يجب أن يكون : ( أولاً ) غلطاً جوهرياً واقعاً على غير أركان العقد . ( ثانياً ) غلطاً لا يستقل به أحد المتعاقدين بل يتصل به المتعاقد الآخر .

فتتكلم إذن في المسالتين الآتيتين : 1 – متى يكون الغلط جوهرياً وعلى أي شيء يقع . 2 – كيف يتصل المتعاقد الآخر بالغلط ( [5] ) .

أ – متى يكون الغلط جوهرياً وعلى أي شيء يقع

167 – معيار الغلط الجوهري في القانون الفرنسي وكيف تطور من معيار موضوعي إلى معيار ذاتي : ورث الفقه الفرنسي التقليدي عن القانون الفرنسي القديم تقسيم الغلط من حيث تأثيهر في صحة العقد إلى أنواع ثلاثة : غلط يجعل العقد باطلا وهو الغلط المانع الذي سبقت الإشارة إليه ، وغلط يجعل العقد قابلا للإبطال لمصلحة العاقد الذي وقع في الغلط ، وغلط لا يؤثر في صحة العقد . وقد سبق أن بينا الحالات الثلاث التي يكون فيها الغلط مانعاً فيجعل العقد باطلا . أما الغلط الذي يجعل العقد قابلا للإبطال فيكون في حالتين : ( 1 ) غلط يقع في مادة الشيء محل الالتزام الناشيء من العقد ، وهو ما تعبر عنه المادة 1110 من القانون المدني الفرنسي بالغلط الواقع في مادة الشيء ذاتها ( substance meme de la chose ) . ( 2 ) غلط يقع في شخص المتعاقد إذا كانت شخصيته محل اعتبار في العقد . والغلط الذي لا يؤثر في صحة العقد يكون في أحوال أربع : 1 – غلط في وصف لا يتعلق بمادة الشيء محل الالتزام . 2 – غلط في قيمة الشيء محل الالتزام . 3 – غلط في شخص المتعاقد إذا لم تكن شخصيته محل اعتبار في العقد . 4 – غلط في الباعث على التعاقد .

ولكن القضاء في فرنسا لم يأخذ بهذه النظرية التقليدية . وجاري الفقه الحديث القضاء في ذلك . فلم يأخذ بالتقسيم الثلاثي للغلط ، إذ استبعد النوع الأول وهو الغلط الذي يجعل العقد باطلا ، لأنه يتصل بوجود التراضي لا بصحته كما قدمنا . وهدم الحاجز ما بين النوعين الثاني والثالث ، فإن التمييز ما بين هذين النوعين قد قام على قواعد جامدة تضيق بما تقتضيه الحياة العملية ، وخير منها معيار مرن يمكن تطبيقه على الحالات المتنوعة . فمن الغلط ما يقع في قيمة الشيء أو في الباعث على التعاقد ومع ذلك يؤثر في صحة العقد لأنه كان هو الدافع إلى التعاقد . ومن الغلط ما يقع في مادة الشيء ومع ذلك لا يؤثر في صحة العقد لأنه لم يكن هو الدافع . فالعبرة إذن ليست بان الغلط وقع في مادة الشيء أو في قيمته ، بل العبرة بأن الغلط كان غلطاً جوهرياً ( essentielle ) ، أي بأنه كان هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد ( la raison principale et determinte ) فلا تكون هناك حالات محددة يؤثر فيها الغلط في صحة العقد وحالات أخرى محددة كذلك لا يؤثر فيها الغلط ، بل تهدم هذه القواعد الضيقة ، وتزول الحواجز ما بين حالات وأخرى ، ونستبدل معياراً بقاعدة ، ويصبح الغلط مؤثراً في صحة العقد متى كان هو الدافع إلى التعاقد ، وذلك في جميع الحالات ، تبعاً لملابسات كل حالة وظروفها الخاصة .

وتطور الفقه الفرنسي من الأخذ بمعيار موضوعي إلى الأخذ بمعيار ذاتي نهاه واضحاً في تفسير عبارة ” الغلط في مادة الشيء ذاتها ” الواردة في المادة 1110 من القانون الفرنسي . فقد بدا الفقهاء الفرنسيون في العهد الأول يفسرون هذه العبارة تفسيراً حرفياً ، ويذهبون إلى أن المراد بذلك هو الغلط الذي يتعلق بالمادة التي يتكون منها الشيء ، ومادة الشيء هي مجموعة الخصائص التي تدخله في جنس معين وتميزه عن الأجناس الأخرى . ويقدمون عادة المثل الذي أتى به يوتييه : شخص اشترى ( شمعدان ) من نحاس مطلى بالفضة وهو يعتقد أنه من فضة خالصة ( [6] ) . ثم أخذ الفقهاء في عهد ثان يعدلون عن هذه الفكرة الموضوعية بإدخال عامل ذاتي في تحديد هذا النوع من الغلط . وأول من سار من الفقهاء في هذا الطريق هما الأستاذان أوبرى ورو ( [7] ) ، فقد أخذا في الأصل بالمذهب الموضوعي كقاعدة عامة ، فذهبا إلى أن المراد بمادة الشيء هي العناصر المادية التي تكونه والخواص التي تميزه من الأشياء الأخرى طبقاً للمتعارف بين الناس ، ولكنهما اضافا إلى ذلك جواز أن يتفق المتعاقدان على توافر صفة معينة في الشيء فتصبح هذه الصفة جوهرية بالنظر إلى غرض المتعاقدين لا بالنظر إلى مادة الشيء من حيث هي . ثم هجر الأستاذ لوران ، في عهد ثالث ، المعيار الموضوعي وأخذ بالمعيار الذاتي جملة واحدة ، فذهب إلى أن نية المتعاقدين وحدها هي التي تحدد مادة الشيء والأوصاف المعتبرة فيه ( [8] ) . واقتفى سائر الفقهاء اثر لوران في هذا المنحى ، فذهب الأستاذان بودري وبارد إلى أن المراد بمادة الشيء هي الأوصاف الرئيسية التي اعتبرها المتعاقدان أو أحدهما في ذلك الشيء والتي ما كان التعاقد يتم بدونها ( [9] ) ، وذهبت الأستاذة بلانيول وكولان وكايبتان وجوسران إلى هذا الرأي ( [10] ) .

فالعبرة إذن ، طبقا للمعيار الذاتي ، بالأوصاف المعتبرة في نظر المتعاقدين لا بالخصائص التي تكون مادة الشيء في ذاته ، فقد يشتري شخص شيئاً على أنه أثر تاريخي ويعتقد في الوقت ذاته أنه مصنوع من ذهب فيتضح أنه مصنوع من ( البرونز ) ، فهذا غلط في ” مادة الشيء ” ، ولكنه بحسب نية المشتري ليس غلطا في الصفة المعتبرة عنده ، فما دام الشيء الذي اشتراه هو الأثر التاريخي الذي يقصده ، فلا يعنيه بعد ذلك إن كان من ذهب أو من معدن آخر . وقد استبدل الفقه والقضاء في فرنسا بعبارة ” مادة الشيء ” ( substance de la chose ) عبارة أخرى اشتقاها من الكلمة ذاتها هي الصفة الجوهرية ( qualite substantielle ) ، أي الصفة التي اعتبرها المتعاقد في الشيء . والمعيار الذاتي ما هو في الواقع إلا نتيجة منطقية لمبدأ سلطان الإرادة ، فما دامت إرادة العاقد هي التي تنشيء الرابطة القانونية فيجب الأخذ بهذه الإرادة في حقيقتها وعلى وجهها الصحيح ، لا معيبة بما تأثرت به من غلط أو غير ذلك من العيوب .

168 – معيار الغلط الجوهري في القانون المصري معيار ذاتي : وبالمعاير الذاتي أيضاً أخذ الفقه والقضاء في مصر منذ عهد القانون القديم . وقد أسعفها في ذلك نصوص هذا القانون ذاتها ، فقد كانت المادتان 134 / 194 من القانونين الوطني والمختلط تنصان على أن ” الغلط موجب لبطلان الرضاء متى كان واقعاً في أصل الموضوع المعتبر في العقد ” ، وجاء في النص الفرنسي للقانون المصري القديم : ” متى كان واقعاً في الناحية الرئيسية التي كانت محل اعتبار في الشيء ” ( le rapport principal sous lequel la chose ete envisage dans le contrat ) . فالنصوص كما نرى تذهب بوضوح إلى الأخذ بالمعيار الذاتي ، وقد نقلت لا عن نصوص القانون الفرنسي بل عن القضاء والفقه في فرنسا بعد التطور الذي أسلفنا ذكره ( [11] ) .

وجاء القانون الجديد مؤيداً للمعيار الذاتي وصريحاً في وجوب الأخذ به . فقد نصت المادة 120 على أنه ” إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد . . . ( [12] ) ” . صم نصت المادة 121 على أنه : ” 1 – يكون الغلط جوهريا إذا بلغ حدا من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط . 2 – ويعتبر الغلط جوهريا على الأخص . أ – إذا وقع في صفة للشيء تكون جوهرية في اعتبار المتعاقدين ، أو يجب اعتبارها كذلك لما يلابس العقد من ظروف ولما ينبغي في التعامل من حسن النية . ب – إذا وقع في ذات التعاقد أو في صفة صفاته ، وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد ( [13] ) ” .

ويتبين من هذه النصوص أن القانون الجديد قد أخذ بالمعيار الذاتي . فالغلط الجوهري عنده هو الغلط الذي يبلغ ، في نظر المتعاقد الذي وقع في الغلط ، حداً من الجسامة بحيث كان يمتنع عن إبرام العقد لو لم يقع في الغلط . فهو إذا وقع في صفة للشيء وجب أن تكون هذه الصفة جوهرية في اعتبار المتعاقدين ، وإذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته وجب أن تكون تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد .

على أن الأخذ بالمعيار الذاتي يقتضي أن يكون المعيار متعلقاً بحالة نفسية قد يدق الكشف عنها في بعض الأحيان . لذلك اتخذ القانون الجديد قرينة موضوعية لتنم عن هذه الحالة النفسية ، فقضى بأن صفة الشيء تكون جوهرية ، ليس فحسب إذا اعتبرها المتعاقدان جوهرية وفقاً لما انطوت عليه نيتهما بالفعل ، بل أيضاً إذا وجب أن يكونا قد اعتبراها جوهرية وفقاً لما لابس العقد من ظروف ولما ينبغي في التعامل من حسن النية . فالظروف الموضوعية للعقد ووجوب أن يسود التعامل حسن النية يهديان – إذا لم نهتد من طريق آخر – إلى تعرف نية المتعاقدين . فإذا اشترى شخص من تاجر في الآثار قطعة ظنها أثرية ، ثم اتضح إنها ليست كذلك ، فمن حق المشتري أن يقيم من واقعة أنه تعامل مع تاجر الآثار قرينة على نيته ، وأن يتخذ من هذه القرينة ذاتها دليلا على نية المتعاقد الآخر ، وأن يتمسك بما ينبغي أن يسود التعامل من حسن النية فلا يكلف نفسه أن يتحقق من الصفة الأثرية للقطعة ما دام قد اشتراها من تاجر في الآثار ، بل كان الواجب على هذا أن ينبه المشتري إلى أن القطعة ليست أثرية لو كان عالماً بذلك .

169 – على أي شيء يقع الغلط : والغلط الجوهري ، على النحو الذي اسلفناه ، يصح أن يقع ، لا في صفة الشيء وفي الشخص فحسب ، بل أيضاً في القيمة وفي الباعث ( [14] ) . والعبرة بأنه غلط جوهري ، لا بأنه وقع في هذا أو في ذاك . ونستعرض الآن الغلط في هذه الأحوال المختلفة .

170 – الغلط في صفة جوهرية في الشيء : إذا طبقنا معيار الغلط الجوهري على الغلط في وصف الشيء ، فإن الغلط لا يؤثر في صحة العقد إلا إذا كان هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد كما قدمنا . وفي القضاء المصري في ظل القانون القديم – والقانون الجديد أتى مؤكداً للقانون القديم كما اسلفنا – أمثلة كثيرة على ذلك . فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الترخيص الذي أعطته الحكومة في استغلال أرض كانت تعتقد إنها لا تحتوي إلا على كميات صغيرة جداً من الملح يجوز إبطاله إذا تبين أن هذه الأرض تحتوي على كميات كبيرة يمكن استغلالها بسهولة ( [15] ) . وقضت بأن بيع الأوراق المالية الصادرة من شركة حكم ببطلانها يجوز إبطاله للغلط الذي وقع فيه المشتري بشأن صفة جوهرية في الشيء المبيع ( [16] ) . وقضت بأنه إذا باع شخص أرضا على أنها تحد من الجهة البحرية بشارع عرضه خمسة أمتار ، وتبين بعد ذلك أن هذا الشارع لا وجود له مما يجعل الأرض محصورة من جهاتها الأربع ولا منفذ لها يؤدي إلى الطريق العام ، فإن البيع يجوز إبطاله يسبب الغلط الواقع في صفة جوهرية في الشيء المبيع ( [17] ) . وقضت بأن بيع قماش على أنه قابل لأن يغسل ثم يتبين أنه غير قابل لذلك يجوز إبطاله للغلط في صفة جوهرية في الشيء ( [18] ) . وقضت بأن بيع شيء على أنه قديم مع أنه مجرد تقليد للقديم يجوز إبطاله للغلط في صفة جوهرية في الشيء المبيع ، ولا يلتزم المشتري برفع دعوى الإبطال في ثمانية أيام من وقت العلم بالحقيقة لأن هذا هو ميعاد رفع الدعوى في ضمان العيوب الخفية ، أما هنا فالدعوى دعوى أبطال للغلط ( [19] ) . وقضت بأنه يعتبر غلطاً في صفة جوهرية في الشيء قبول حوالة حق مع اعتقاد أن الحق مضمون برهن ، ويتبين بعد ذلك أن الرهن قد سقط قيده وأن العقار المرهون بيع إلى الغير ، فشرط عدم ضمان المحيل يبطل في هذه الحالة ( [20] ) . ولكن لا يعتبر غلطاً في صفة جوهرية في الشيء المبيع أن يقع خطأ في بيان حدود الأرض المبيعة ما دامت نمرة الأرض في خريطة فك الزمام قد ذكرت صحيحة وكان يمكن تمييز الأرض ومعرفتها من وراء ذلك ( [21] ) . ولا يعتبر غلطاً يجعل العقد قابلا للإبطال أن يتضح أن الأرض المبيعة محصورة إذا لم يذكر البائع أن لها منفذاً بل بين حدودها وموقعها وكانت معرفتها مستطاعة بذلك ( [22] ) .

171 – الغلط في شخص المتعاقد : وإذا طبقنا معيار الغلط الجوهري على الغلط في شخص المتعاقد ، فإن الغلط لا يؤثر في صحة العقد إلا إذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد كما هو نص المادة 121 . مثل هذا الغلط إنما يقع في العقود التي تكون فيها شخصية المتعاقد محل اعتبار كعقود التبرع بوجه عام وبعض عقود المعاوضة . وهو قد يقع في ذات المتعاقد إذا كانت هي محل الاعتبار ، كالغلط في شخص الموهوب له أن الوكيل أو المزارع أو الشريك . وقد يقع في صفة جوهرية من صفات المتعاقد كانت هي الدافع إلى التعاقد كأن يهب شخص لآخر مالا معتقداً أن هناك رابطة قاربة تربطه به فيتضح أن الأمر غير ذلك ، وكأن يؤجر شخص منزلا لامرأة يعتقد أن سلوكها لا ريبة فيه فيتضح إنها امرأة تحترف العهارة حتى لو لم تكن تباشر مهنتها في المنزل ، وكأن يتعاقد شخص مع أحد الفنيين ( مهندس أو صانع في عمل يقتضي مهارة فنية ) وهو يعتقد أنه يحمل شهادة فنية فيتضح أنه لا يحملها وانه غير ماهر في فنه ( [23] ) . وتقدير ما إذا كانت شخصية المتعاقد أو صفته كانت هي محل الاعتبار وهي التي دفعت إلى التعاقد مسألة من مسائل الواقع لا من مسائل القانون ، ينظر فيها إلى ظروف الدعوى مما يمكن أن يستدل به على نية المتعاقدين . فالمعيار ذاتي . وهو المعيار الذي يطبق في جميع نواحي نظرية الغلط .

172 – الغلط في القيمة : رأينا أن النظرية التقليدية لا تقيم لهذا الغلط وزناً فلا تجعله يؤثر في صحة العقد . أما إذا سايرنا النظرية الحديثة وهي التي أخذ بها القانون المصري ، وطبقنا معيار الغلط الجوهري على الغلط في القيمة ، وجب أن نقول إن الغلط في قيمة الشيء إذا كان هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد يجعل العقد قابلا للإبطال . فإذا باع شخص سهماً بقيمته الفعلية ، وكان يجهل أن هذا السهم قد ربح جائزة كبيرة ، كان له أن يطلب إبطال البيع للغلط في قيمة الشيء الذي باعه . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة ، في قضية اتفق فيها صاحب البضاعة مع صاحب السفينة على أن يكون سعر نقل البضاعة إما بحساب حجمها أو بحساب وزنها طبقاً لما يختاره صاحب السفينة ، وطلب هذا أن يكون السعر بحساب الحجم فتبين أن حساب الحجم يزيد على حساب الوزن ثمانية أضعاف ، ولم يكن صاحب البضاعة يدرك ذلك بدليل أنه رفض الاتفاق مع صاحب سفينة أخرى على سعر يقل كثيراً عن السعر الذي يطالب به ، بأن صاحب البضاعة في هذه الحالة يجوز له أن يطلب إبطال عقد النقل ( [24] ) .

173 – الغلط في الباعث : تقدم القول إن النظرية التقليدية تميز بين الغلط في السبب والغلط في الباعث ، فتجعل الأول يبطل العقد بطلاناً مطلقاً ، وتجعل الثاني لا اثر له في صحة العقد . والنظرية التقليدية عندما نميز بين السبب والباعث تنظر إلى السبب في نظريته التقليدية أيضاً فيكون هو الغرض المباشر الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه . فإذا اتفق الورثة مع الموصى له على قسمة العين الشائعة بينهم ، ثم يتضح أن الوصية باطلة أو إنها سقطت بعدول الموصي ، كان هناك غلط في السبب بمعناه التقليدي ، فإن الورثة قصدوا من التزامهم بعقد القسمة غرضاً مباشراً هو إفراز نصيبهم من نصيب الموصى له باعتبار أن هذا يملك بالوصية حصة في العين ، وتبين أنه لا يملك شيئاً ، فهذا غلط في السبب ( [25] ) . أما الغلط في الباعث ، وهو الذي لا يؤثر في صحة العقد طبقاً للنظرية التقليدية ، فمثله أن يبيع شخص عيناً وهو مريض ويعتقد أنه في مرض الموت ، ثم يشفى المرض ، لهو لا يستطيع أن يطعن في البيع بدعوى أنه صدر منه وهو في مرض الموت لأن هذا الطعن لا يقبل إلا من الورثة وبشرط أن ينتهي المرض بالموت ، ولا يستطيع أن يطعن في البيع بالغلط في الباعث ولو أن الدافع له إلى التعاقد هو اعتقاده وقت البيع أنه يموت . فإذا تركنا النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة ، وطبقنا معيار الغلط الجوهري ، كان الغلط في الباعث في هذا المثل غلطاً جوهرياً يجيز للبائع أن يطلب إبطال البيع ( [26] ) .

ونرى من ذلك أن التمييز يبقى قائماً بين الغلط في السبب والغلط في الباعث ما دمنا نحتفظ بالنظرية التقليدية في السبب ولو هجرنا النظرية التقليدية في الغلط . فلا يزال الغلط في السبب بمعناه التقليدي يجعل العقد باطلا ، أما الغلط في الباعث فيجعل العقد قابلا للإبطال وفقاً للنظرية الحديثة في الغلط ، ولا يؤثر في صحة العقد وفقاً للنظرية التقليدية .

أما إذا هجرنا النظرية التقليدية في السبب إلى النظرية الحديثة ، فإن الغلط في السبب يختلط بالغلط في الباعث ، ويصبحان شيئاً واحداً ، ولا يكون ثمة محل للقول بأن الغلط في السبب يجعل العقد باطلا والغلط في الباعث يجعل العقد قابلا للإبطال . ويتعين الأخذ بأحد الأمرين : إما أن يكون الغلط في كل من السبب والباعث – فهما شيء واحد في النظرية الحديثة في السبب – من شأنه أن يجعل العقد باطلا ، وإما أن يكون هذا الغلط من شأنه أن يجعل العقد قابلا للإبطال . ولا يجوز التفريق بينهما في الحكم . وقد وقف كثير من الفقهاء حائرين عند هذه المسألة الدقيقة ، يتحسسونها ولكن لا يجرؤون على قول حاسم فيها . فهم يقولون بالنظرية الحديثة في السب ويخلطونه بالباعث ، ويقولون بالنظرية الحديثة في الغلط ويجعلون معياره الغلط الجوهري ولو وقع في الباعث ، ولكنهم يقفون عند هذا ويبقون على التمييز فيما بين الحالتين ، فيجعلون الغلط في السبب من شأنه أن يجعل العقد باطلا ، والغلط في الباعث من شأنه أن يجعل العقد قابلا للإبطال . فيترتب على هذا التناقض خلط عجيب ما بين منقطتي السبب والغلط ، إذ تبقى منطقة مشتركة فيما بينهما يتنازعها كل منهما ، فإذا سمينا هذه المنطقة بالسبب المغلوط ( cause erronee ) كان العقد باطلا ، وإذا سميناها بالغلط في الباعث ( erreur sur le motif ) كان العقد قابلا للإبطال ( [27] ) .

هذا التناقض المعيب توقاه القانون المصري الجديد . فهو قد أخذ بالنظرية الحديثة في كل من الغلط والسبب ، وانبنى على ذلك وجود هذه المنطقة المشتركة فزحزحها من منطقة السبب إلى منقطة الغلط ، وجعل نظرية الغلط وحدها هي التي تنطبق أحكامها على هذه المنطقة ، فيكون الغلط في كل من السبب والباعث من شأنه أن يجعل العقد قابلا للإبطال . ولا يكون هناك محل للقول بأن السبب المغلوط يجعل العقد باطلا ، فالسبب الذي يجعل العقد باطلا في القانون الجديد هو السبب غير المشروع وحده ( [28] ) .

174 – الغلط في الواقع والغلط في القانون : وفي كل ما قدمناه من تطبيقات لمعيار الغلط الجوهري ، سواء وقع الغلط في الشيء أو الشخص أو القيمة أو الباعث ، لا نفرق بين ما إذا كان الغلط هو غلط في الواقع أو غلط في القانون . فما دام جوهرياً ، أي مادام هو الذي دفع إلى التعاقد ، فإنه يجعل العقد قابلا للإبطال . وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 122 من القانون المدني الجديد إذ تقضي بما يأتي : ” يكون العقد قابلا للإبطال لغلط في القانون إذا توافرت فيه شروط الغلط في الواقع طبقا للمادتين السابقتين ، هذا ما لم يقض القانون بغيره ( [29] ) ” . ولم يكن القانون القديم يشتمل على نص في هذه المسألة ، ولكن القضاء والفقه في مصر سارا على أن الغلط في القانون كالغلط في الواقع يجعل العقد قابلا للإبطال ( [30] ) .

والذي كان يلبس الأمر في هذه المسألة وقت قيام القانون القديم غير مشتمل على نص فيها هو وجود قاعدة أخرى معروفة تقضي بان الجهل بالقانون لا يقبل عذراً ، أو كما يقولون : ” لا يفرض في أحد أنه يجهل القانون ” ( Nul n’est cense ignorer la loi ) . ولكن مجال تطبيق هذه القاعدة لا يكون إلا حيث توجد أحكام قانونية تعتبر من النظام العام ، فيجب على جميع الناس مراعاتها ولا يجوز لأحد أن يخل بها بدعوى أنه يجهلها ، ويفترض أن كل شخص يعرف هذه الأحكام ، وإلا لما أمكن تطبيقها تطبيقاً منتجا لو أفسحنا جانب العذر في ذلك . ويدخل في هذه الأحكام القوانين الجنائية وبعض من القوانين المدنية وهي التي تعتبر من النظام العام . مثل ذلك أن يقرض شخص آخر بفائدة تزيد على 7 في المائة وهو يجهل أن الحد الأقصى للفوائد هو 7 في المائة ، فليس للمقرض في هذه الحالة أن يطلب إبطال عقد القرض بدعوى الغلط في القانون وانه ما كان يقرض نقوده لو علم بان الحد الأقصى للفائدة لا يزيد على 7 في المائة ، بل يبقى القرض صحيحاً وتنقص الفائدة إلى 7 في المائة . أما إذا كان الغلط واقعاً في مسألة قانونية لا تعتبر من النظام العام ، فلا شك في أنه يمكن الاحتجاج بهذا الغلط والتمسك به لطلب إبطال العقد ، إلا إذا نص القانون على غير ذلك كما فعل في عقد الصلح حيث تنص المادة 556 على أنه ” لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون ( [31] ) ” .

ومن المفيد أن نطبق هذا المبدأ على جميع أنواع الغلط التي سبق تفصيلها . فالغلط في القانون الواقع في صفة جوهرية في الشيء مثله أن يتعهد شخص بدفع دين طبيعي وهو يعتقد أن هذا الدين ملزم له مدنياً ، فيجوز له في هذه الحالة أن يطلب إبطال التعهد . ومثل الغلط في القانون الواقع في شخص المتعاقد أن يهب رجل لمطلقته مالا وهو يعتقد أنه استردها لعصمته جاهلا أن الطلاق الرجعي ينقلب بائناً بانتهاء العدة فلا ترجع إلى عصمته إلا بعقد جديد . ومثل الغلط في القانون الواقع في القيمة أن يبيع وارث حصته في التركة وهو يحسب أنه يرث الربع فإذا به يرث النصف . ومثل الغلط في القانون الواقع في الباعث ما قضت به محكمة الاستئناف المختلطة من أنه إذا اعترف الوارث بحق للغير في التركة معتقداً أن القانون الوطني هو الواجب التطبيق ، ثم تبين بعد ذلك أن القانون الإيطالي هو الذي يطبق ، وأن دعوى الغير ليست صحيحة طبقاً لهذا القانون ، فإن رضاء الوارث يكون مشوباً بغلط في القانون ( [32] ) .

ب – كيف يتصل المتعاقد الآخر بالغلط

175 – الغلط المشترك : لم نعرض في كل ما قدمناه إلا للمتعاقد الذي وقع في الغلط ، فهو الذي نطبق في شأنه المعيار الذاتي ، معيار الغلط الجوهري . ولكن هل يبقى المتعاقد الآخر بعيداً عن هذا الغلط ، غير متصل به على وجه من الوجوه ، والمعيار كما قدمنا ذاتي ، وكثيراً ما يكون جاهلا بأمر هذا الغلط بل ويكون غير متوقع له ؟ إننا إذا قلنا بذلك تزعزع التعامل ، ولم يأمن أي متعاقد أن يرى العقد الذي اطمأن إليه قد انهار بدعوى الغلط يقدمها الطرف الآخر ، وهو بعد لم يدخل في سريرته فيعلم إن كان رضاؤه قد صدر عن غلط !

من أجل ذلك قال كثير من الفقهاء أن الغلط الفردي لا يكفي ، بل يجب أن يكون الغلط مشتركاً بين المتعاقدين ( erreur commune ) . ذلك أن المتعاقد إذا وقع في غلط جوهري واشترك معه المتعاقد الآخر في هذا الغلط ، ثم تبينت الحقيقة وطلب المتعاقد الأول إبطال العقد ، فمن العدل أن يقره المتعاقد الآخر على بطلان العقد لسبب هو نفسه قد اشترك فيه ، ولا يعود هناك وجه للتذمر من تقلقل المعاملات وعدم استقرارها . فإذا فرضنا مثلا أن شخصاً باع لآخر صورة على إنها من صنع مصور مشهور ، وجب أن يكون كل من البائع والمشتري يعتقد أن الصورة هي من صنع هذا المصور حتى يجوز للمشتري طلب إبطال البيع للغلط إذا تبين أن الصورة ليست من صنعه . أما إذا كان المشتري وحده هو الذي يعتقد ذلك دون البائع ، فلا يكون هذا الغلط مشتركاً ، ولا يجعل البيع قابلا للإبطال حتى لا يفاجأ البائع بدعوى إبطال العقد وهو لا يعلم شيئاً عن الغلط الذي وقع فيه المشترى .

هذه هي نظرية الغلط المشترك ، وهذه هي الحجج التي يقدمها انصار هذه النظرية للتدليل على صحة نظرهم . ولكننا لا نشك بالرغم مما يقدمون من حجج ، أن النظرية لا تتمشى مع المنطق ، ولا تتفق مع العدالة ، ثم هي ليست ضرورية لتحقيق الغرض العملي المقصود وهو استقرار المعاملات إذ يمكن الوصول إلى هذا الغرض من طريق آخر .

أما أن النظرية لا تتمشى مع المنطق فظاهر ، لأن الغلط يفسد رضاء من وقع فيه ، ولا يمنع فساد هذا الرضاء كون المتعاقد الآخر لم يشترك في الغلط . فيجب منطقياً إبطال العقد إذا شاب رضاء أحد المتعاقدين غلط كان هو الدافع له إلى التعاقد ، سواء وقع المتعاقد الآخر في هذا الغلط أو لم يقع .

وأما أن النظرية لا تتفق مع العدالة ، فيظهر ذلك إذا فرضنا أن الغلط لم يكن مشتركاً ، ولكن المتعاقد الذي صدر منه رضاء صحيح كان يعلم بالغلط الذي وقع فيه المتعاقد الآخر ، وتركه مسترسلا في غلطه دون أن ينبهه إلى ذلك . فالغلط في مثل هذه الحالة يكون فردياً ، وليس من شأنها أن يبطل العقد طبقاً لنظرية الغلط المشترك . ويترتب على ذلك أنه ما لم يكن هناك تدليس من المتعاقد الأول ، ولنفرض أنه وقف موقفاً سلبياً محضاً ، فإن العقد يكون صحيحاً لا مطعن فيه . وبديهي أن هذه النتيجة تصطدم مع العدالة ، فإنه إذا كان عدلا أن يبطل العقد في حالة اشتراك الطرفين في الغلط ، فالأولى أن يبطل العقد إذا انفرد أحد المتعاقدين بالغلط وكان الآخر يعلم ذلك ولم ينبهه إليه .

وأما أن النظرية ليست ضرورية لاستقرار التعامل ، فإن ذلك يظهر في وضوح لو اخذنا بنظرية الغلط الفردي ، واقتصرنا على اشتراط أن يكون المتعاقد الآخر متصلا بهذا الغلط على الوجه الذي سنبينه فيما يلي .

176 – الغلط الفردي الذي يتصل به المتعاقد الآخر : يكفي إذن أن يكون الغلط فردياً ( [33] ) . ولكن إذا كان المتعاقد الآخر لم يشترك في هذا الغلط وجب ، حتى تمتنع مفاجأته بدعوى الغلط ، أن يكون على علم به أو أن يكون من السهل عليه أن يتبينه . وهذا ما تقضي به المادة 120 من القانون الجديد ، فهي تنص على أنه ” إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري ، جاز له أن يطلب إبطال العقد أن كان المتعاقد الآخر قد وقع مثله في الغلط ، أو كان على علم به ، أو كان من السهل عليه أن يتبينه ( [34] ) ” .

وتعليل ذلك أن الغلط إذا لم يكن مشتركاً ، وقاجأ المتعاقد الذي وقع في الغلط المتعاقد الآخر بعدوى الغلط ، ولزم أن تبطل العقد ، فإن المتعاقد الآخر حسن النية لا ذنب له في ذلك ، والمخطئ هو المتعاقد الأول الذي أهمل في كشف نيته ولم يجعل المتعاقد الآخر يتبين أو يستطيع أن يتبين ما شاب إرادته من غلط . فوجب عليه التعويض ، وخير تعويض في هذه الحالة هو بقاء العقد صحيحاً ( [35] ) . ولا يستقيم هذا التعليل إلا إذا كان المتعاقد الآخر لا علم له بالغلط وليس من السهل عليه أن يتبينه . أما إذا كان عالماً بالغلط وانه هو الدافع إلى التعاقد فلا حق له في الشكوى من إبطال العقد لأنه يكون سىء النية . وإذا لم يكن عالماً بالغلط ولكن ولكن كان من السهل عليه أن يتبينه وأن يتبين أنه هو الدافع إلى التعاقد ، فلا حق هل كذلك في الشكوى من إبطال العقد لأنه يكون مقصراً ( [36] ) . ويخلص لنا من كل ذلك أن الغلط الجوهري لا يجعل العقد قابلا للإبطال إلا إذا كان غلطاً مشتركاً ، أو كان غلطاً فردياً يعلمه المتعاقد الآخر أو يسهل عليه أن يتبينه .

فإذا تحددت نظرية الغلط في على هذا النحو فإنها لا تتنافى مع استقرار التعامل ، ذلك لأن المتعاقد الذي وقع في الغلط لا يدع للمتعاقد الآخر سبيلا للزعم بأنه فوجئ بطلب إبطال العقد . فقد ثبت ( [37] ) أن هذا المتعاقد الآخر كان مشتركاً في الغلط ، أو كان يعلم به ، أو كان من السهل عليه أن يتبينه . وهو في الأولى حسن النية ولكن مقتضى حسن نيته أن يسلم بإبطال العقد ، وهو في الثانية سيء النية والإبطال جزاء لسوء نيته ، وهو في الثالثة مقصر وتعويض التقصير الإبطال ( [38] ) .

وغنى عن البيان إننا إذا اشترطنا أن يكون المتعاقد الآخر متصلا بالغلط على النحو المتقدم ، فإن ذلك يعني أن يكون على بينة أيضاً من أن هذا الغلط الجوهري هو الدافع إلى التعاقد كما سبق القول ( [39] ) .

ويتبين مما قدمناه أنه لا تبقى إلا حالة واحدة لا يكفي فيها الغلط الفردي لإبطال العقد ، هي ألا يتمكن المتعاقد الذي وقع في الغلط من إثبات أن المتعاقد الآخر كان مشتركا في هذا الغلط أو كان يعلم به أو كان من السهل عليه أن يتبينه ( [40] ) .

177 – تطبيق الغلط الذي يتصل به المتعاقد الأخذ على أحوال الغلط المختلفة : ويحسن أن نطبق نظرية الغلط الذي يتصل به المتعاقد على أحوال الغلط المختلفة – الغلط في الشيء والغلط في الشخص والغلط في القيمة والغلط في الباعث – حتى نتبين أن هذه النظرية تكفل استقرار التعامل على نحو مرضى .

فإذا كان الغلط في الشيء ، وكان في صفة اعتبرها أحد المتعاقدين ولتكن مثلا أن الشيء الذي اشتراه أثرى ، وجب على المشتري إذا طلب إبطال العقد أن يثبت أن الشيء الذي ظنه اثريا ليس إلا مجرد تقليد وانه لم يكن ليشتريه لو كان قد علم بحقيقته . ثم يثبت إلى جانب ذلك أن البائع كان يظن مثله أن الشيء أثرى وأن هذه الصفة هي التي دفعت المشتري إلى الشراء ، أو يثبت أن البائع كان على بينة من أن الشيء غير أثرى وكان مع ذلك يعلم ، أو من السهل عليه أن يعلم ، أن المشتري إنما انساق إلى الشراء لأنه كان يظن أن الشيء أثرى . واثبات كل ذلك يكون يسيراً لو عنى المشتري وقت التعاقد أن يبين أنه إنما يشتري الشيء لأنه أثرى . فإذا هو لم يبين ذلك فقد يتيسر الإثبات من القرائن والظروف ، كارتفاع الثمن إلى درجة لا تجعل قيمة الشيء المقلد متناسبة بتاتاً مع هذا الثمن ، وكالمهنة التي اتخذها البائع لنفسه إذا فرض أن هذا البائع مهنته الاتجار في الأشياء الأثرية .

وإذا كان الغلط في الشخص ، كمن يهب لآخر مالا وهو يعتقد أنه ابن له غير شرعي ثم يظهر عدم صحة ذلك ، فللواهب أن يطلب إبطال الهبة للغلط ، ولكن يجب عليه أن يثبت إلى جانب الغلط الدافع أحد أمرين : أما أن الموهوب له أكان يشاطر الواهب الاعتقاد بأنه أبن غير شرعي له وأن هذا كان هو الدافع إلى الهبة وإما أن الموهوب له مع علمه بأنه ليس ابن الواهب كان يعلم ، أو يسهل عليه أن يعلم ، بالوهم الذي قام في ذهن الواهب وأن هذا الوهم هو الذي دفعه إلى التبرع .

وإذا كان الغلط في القيمة ، كما إذا باع شخص لآخر سهماً بقيمته الفعلية وهو لا يعلم أن هذا السهم قد ربح جائزة كبيرة ، استطاع البائع أن يطلب إبطال الهبة للغلط ، ولكن يجب عليه أن يثبت إلى جانب الغلط الدافع أحد المرين : إما أن الموهوب له كان يشاطر الواهب الاعتقاد بأنه ابن غير شرعي له وأن هذا كان هو الدافع إلى الهبة ، وإما أن الموهوب له مع عمله بأنه ليس ابن الواهب كان يعلم ، أو يسهل عليه أن يعلم ، بالوهم الذي قام في ذهن الواهب وأن هذا الوهم هو الذي دفعه إلى التبرع .

وإذا كان الغلط في القيمة ، كما إذا باع شخص لآخر سهماً بقيمته الفعلية وهو لا يعلم أن هذا السهم قد ربح جائزة كبيرة ، استطاع البائع أن يطلب إبطال البيع للغلط ، ولكن عليه أن يثبت أن المشتري كان يجهل مثله أن السهم قد ربح الجائزة ، أو أن هذا المشتري مع علمه بربح الجائزة كان يعلم ، أو يسهل عليه أن يعلم ، بجهل البائع لذلك . ولا شك في أن مجرد بيع السهم بقيمته الفعلية دون حساب للجائزة كاف وحده ليكون قرينة على أن المشتري كان إما مشتركاً في الغلط ، وإما عالما به ، وإما على الأقل كان من السهل عليه أن يتبينه .

وإذا كان الغلط في الباعث ، كما إذا باع مريض شيئاً وهو يعتقد أنه في مرض الموت ثم شفى ، كان للبائع في هذه الحالة أن يطلب إبطال البيع للغلط إذا هو اثبت أن المشتري كان يعتقد هو أيضاً أن البائع في مرض الموت ، أو أن المشتري يعلم ، أو يسهل عليه أن يعلم ، أن البائع كان يعتقد أنه في مرض الموت وأن هذا الاعتقاد هو الذي دفع المريض إلى البيع . وقد تقوم تفاهة الثمن مع خطورة المرض قرينة على ذلك .

ويتضح من التطبيقات المتقدمة أن القول بالغلط الفردي لا يصطدم مع استقرار التعامل متى روعيت قواعد الإثبات التي بينها .

178 – التمسك بالغلط على وجه يتعارض مع حسن النية : وقد أشتمل القانون الجديد على نص من شأنها أن يخفف من حدة الطابع الذاتي في الغلط . فقضت المادة 124 بما يأتي : ” 1 – ليس لمن وقع في غلط أن يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية . 2 – ويبقي بالأخص ملزما بالعقد الذي قصد إبرامه ، إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد ( [41] ) ” .

ويتبين من هذا النص أن أي تمسك بالغلط ، إذا تعارض مع حسن النية ، يكون غير جائز . فإذا اشترى شخص أرضا وهو يعتقد أن لها منفذاً إلى الطريق العام ، ثم يتضح إنها محصورة ، فيعرض عليها البائع النفقات التي يقتضيها حصوله على حق المرور إلى الطريق العام مما يحقق له كل الأغراض التي قصد إليها ، فيأبى إلا إبطال العبي ، جاز أن يكون التمسك بالغلط في هذه الحالة متعارضاً مع ما يقضي به حسن النية ، فلا يجاب المشتري إلى طلبه . ويمكن اعتبار هذا الحكم تطبيقاً من تطبيقات نظرية التعسف في استعمال الحق .

وقد أورد الشق الثاني من النص تطبيقاً من أهم تطبيقات هذا المبدأ . فقضى بأن المتعاقد الذي وقع في الغلط يبقى ملزماً بالعقد الذي قصد إبرامه إذا اظهر الطرف الآخر استعدادها لتنفيذ هذا العقد . فإذا باع شخص سهماً بقيمته الفعلية ، وكان يجهل أن هذا السهم قد ربح جائزة كبيرة ، يبقى مع ذلك ملزماً بالبيع إذا نزل له المشتري عن هذه الجائزة . وإذا تعاقد شخص مع قاصر وهو يعتقد أنه بلغ سن الرشد ، فليس له أن يتمسك بالغلط إذا أجاز الوصي العقد . وإذا اشترى شخص شيئاً وهو يعتقد أنه أثرى ، فإنه يظل مرتبطاً بالعقد إذا عرض البائع أن يعطيه الشيء الأثري الذي قصد شراءه ( [42] ) .


 ( [1] ) أنظر المادة 14 من المشروع الفرنسي الإيطالي . وكانت المادتان 133 / 193 من القانون المدني القديم تنصان على أنه ” لا يكون الرضاء صحيحاً إذا وقع عن غلط أو حصل بإكراه أو تدليس ” – هذا ولما تليت المادة 166 من المشروع التمهيدي في لجنة المراجعة اقترح حذفها لأن الأحكام التي تقررها منصوص عليها في المواد التالية ، فوافقت اللجنة على ذلك ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 141 في الهامش ) . وننقل هنا النظرة العامة التي وردت في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في شأن عيوب الإرادة ، ومنها يبين ما استحدثه القانون الجديد : ” تتضمن النصوص المتعلقة بالغبن أهم ما استحدث المشروع من أحكام بشأن عيوب الرضاء . فقد اقتفت هذه النصوص اثر التقنينات الجرمانية والمشروع الفرنسي الإيطالي ، وجعلت من الغبن سبباً عاماً للبطلان النسبي وانتقاص العقود إذا اتيح لأحد المتعاقدين أن يستأثر بربح فاحش من طريق استغلال حاجة المتعاقد الآخر أو طيشه . وقد يؤخذ على هذا الحكم أن أعماله ينتهي إلى تحكم القاضي . يبدأن في سابقات التشريع ما يحمل على التغاضي عن هذا النقد والاطمئنان إلى ما جرى عليه المشروع . فالتقنينات الحديثة ، وفي طليتتها التقنين الألماني والتقنين السويسري والتقنين النمساوي المعدل والتقنين البولوني والتقنين اللبنانين والتقنين الصيني والتقنين السوفيتي ، بل والمشروع الفرنسي الإيطالي رغم نزعته المحافظة ، تجعل جميعاً من الغبن سبباً عاماً للبطلان . ثم إنه ليس ثمة ما يدعو إلى الإشفاق من تحكم القاضي في هذه الحالة أكثر من سواها ، فهو بذاته القاضي الذي يتولى في حياته اليومية تقدير الغلط الجوهري والنية الحسنة والباعث المشروع والضرر الجسيم والباعث المستحث وما إلى ذلك . وعلى أن النص في الغبن بوجه عام لا يستتبع اطراح الأحكام التقليدية الخاصة بصور معينة منه يعبر فيها عن معناه بالأرقام ، توخياً لإحلال الكم محل الكيف ، كأحوال الغبن في البيع والقسمة والاتفاق على سعر الفائدة – ويراعى من ناحية أخرى أن المشروع استحدث أحكاماً جزيلة الفائدة بشأن ما يشوب الرضا من عيوب أخرى ، فواجه مسائل عديدة أغفلها التقنين المصري الحالي ، كالغلط المشترك والغلط في القانون وغير ذلك . ثم إنه عدل النصوص المتعلقة بالتدليس تعديلا يكفل زوال الخلاف القائم بين النصوص العربية والنصوص الفرنسية في التقنين الحالي ( القديم ) . وتناول فوق ذلك مسائل أخرى كسكوت أحد المتعاقدين عمداً عن واقعة يجهلها المتعاقد الآخر . أما النصوص الخاصة بالإكراه فقد روعى في وضعها أن تكون متناسقة مع ما ورد بشأن التدليس . فالإكراه ، سواء أكان صادراً من أحد المتعاقدين أم من الغير ، له ما للتدليس من اثر في صحة العقد . وقد قضى المشروع ، فيما يتعلق بتقدير الإكراه ، على التناقض المعيب الذي تنطوي عليه نصوص التقنين الحالي ( القديم ) . . . بأن احتكم إلى معيار شخصي بحث ، قوامه الاعتداد بجنس المكره وسنه وحالته الاجتماعية والصحية ومزاجه وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة ما يقع عليه . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 139 – ص 140 ) .

 ( [2] ) هذا ما لم يؤخذ بالإرادة الباطنة وتستظهر مغايرتها للارادة الظاهرة ، فقد ترجع هذه المغايرة إلى غلط وقع فيه المتعاقد الذي صدرت منه هذه الإرادة . ولكن ليست كل مغايرة بين الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة غلطاً ، فالهازل والشخص الذي يضمر غير ما يظهر في حالة التحفظ الذهني ( reserve montale ) كلاهما تختلف إرادته الظاهرة عن إرادته الباطنة دون أن يكون واقعاً في غلط .

 ( [3] ) وقد يقع الغلط في الإرادة الظاهرة كما يقع في الإرادة الباطنة . والغلط الذي يقع في الإرادة الظاهرة ليس هو مغايرتها للإرادة الباطنة ، بل هو غلط يقع في التعبير عن الإرادة ذاته أي في الإرادة الظاهرة . ويأتي سالي بمثل على ذلك : شخص عنده حصانان ، حصان اسود فيه عيب يريد بيعه من اجله وحصان ابيض لا عيب فيه ولا يريد بيعه . فإذا قال : ابيعك الحصان الأبيض ، وهو يريد أن يقول : الأسود ، كان هناك غلط في الإرادة الظاهرة . أما إذا اعتقد خطأ أن الحصان الأبيض هو المعيب ، فقال ابيعك الحصان الأبيض ، كان هناك غلط في الإرادة الباطنة لا في الإرادة الظاهرة . والقانون الألماني يجعل العقد قابلا للإبطال لكل من هذين النوعين من الغلط ( أنظر في هذا الموضوع سالي في الإعلان الإرادة ص 11 وما بعدها – نظرية العقد للمؤلف ص 359 هامش رقم 4 ) .

 ( [4] ) وقد أشتمل المشروع التمهيدي على نص هو المادة 172 من هذا المشروع ، جرى بما يأتي : ” تسري الأحكام الخاصة بالغلط في حالة ما إذا نقل رسول أو أي وسيط آخر إرادة أحد المتعاقدين محرفة ” . وقد حذفت هذه المادة في المشروع النهائي ” لأنها تقرر حكماً تفصيلياً لا حاجة إليه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 166 – ص 167 في الهامش ) . والنص المحذوف مع مذكرته الإيضاحية يوهم أن الغلط في النقل أو في التفسير غلط يعيب الإرادة والصحيح أنه يكون سبباً في عدم توافق الإرادتين فلا ينعقد العقد . هذا ما لم يؤخذ بالإرادة الظاهرة في حالة التحريف في النقل ( قارن المادة 120 من القانون الألماني ) ، فيكون العقد صحيحاً ويؤخذ بالإرادة المحرفة على انها هي الإرادة الصحيحة لمن صدرت منه هذه الإرادة . والقضاء المصري يأخذ بالرأي الأول ولا يعتبر العقد قد تم لعدم توافق الإرادتين ، وقد سبق بيان ذلك ( أنظر آنفاً فقرة 122 في الهامش ) . وسواء اخذ بالرأي الأول تمشياً مع نظرية الإرادة الباطنة أو اخذ بالرأي الثاني تمشياً مع نظرية الإرادة الظاهرة ، فإن الوسيط الذي حرف الإرادة يكون مسئولا نحو المتعاقد الأول إذا انعقد العقد ، أو نحو المتعاقد الآخر إذا لم ينعقد .

ومن قبيل الغلط في النقل مجرد الغلط في الحساب وغلطات القلم . وهذا الغلط لا يؤثر في انعقاد العقد ولا في صحته . وقد ورد نص صريح في هذا المعنى في القانون الجديد ، فنصت المادة 123 على أنه ” لا يؤثر في صحة العقد مجرد الغلط في الحساب ولا غلطات القلم ، ولكن يجب تصحيح الغلط ” ( أنظر المادتين 536 / 658 من القانون القديم فيما يتعلق بتصحيح ارقام الحساب في عقد الصلح – وقد ورد نص القانون الجدي في المشروع التمهيدي تحت رقم المادة 170 ، وفي المشروع النهائي تحت رقم المادة 127 ، ووافق عليه مجلس النواب ، فلجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم المادة 123 ، فمجلس الشيوخ تحت الرقم ذاته . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 164 – ص 166 ) . والقضاء المصري مضطرد في هذا المعنى : محكمة الاستئناف الوطنية في أول ديسمبر سنة 1914 الشرائع 2 ص 139 – محكمة الاستئناف المختلطة في 9 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 56 – وفي 7 مارس سنة 1933 م 45 ص 194 – وفي 8 مارس سنة 1933 م 45 ص 195 – وفي 16 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص 36 – وفي 3 ابريل سنة 1934 م 46 ص 224 – وفي 21 ديسمبر سنة 1937 م 50 ص 57 . وقد قضت محكمة النقض بأن الخطأ في ذات الأرقام المثبتة بحساب المقاولة ( erreur de calcul ) يجوز طلب تصحيحه متى كان هذا الغلط ظاهراً في الأرقام الثابتة في كشف الحساب المعتمد من قبل ، أو متى كانت أرقام هذا الكشف قد نقلت خطأ من ورقة أخرى معترف بها ، أو كانت غير مطابقة لارقام أخرى ثابتة قانوناً . أما إعادة حساب تلك المقاولة من جديد فإن القانون يأباه ، لأن عمل المقاس والحساب النهائي عن المقاولة عبد إتمامها ما دام عملا متفقاً عليه في أصل عقدها ، فإن هذا الاتفاق متى نفذ بعمل المقاس والحساب فعلا ووقع عليه بالاعتماد ، فقد انقضت مسئولية كل عاقد عنه ، وأصبح هو ونتيجته ملزماً للطرفين ( نقض مدني في 7 نوفمبر سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 297 ص 923 ) . وقضت محكمة النقض أيضاً بأنه متى كانت محكمة الموضوع قد تبينت من واقع الدعوى أن التبايع الذي هو محل النزاع قد وقع على عين معينة تلاقت عندها إرادة المشتري مع إرادة البائع ، وأن ما جاء في العقد خاصاً بحدود هذه العين قد شابه غلط في حدين من حدودها بذكر أحدهما مكان الآخر ، فإنها لا تكون مخطئة إذا ما اعتبرت هذا الغلط من قبيل الغلط المادي الواقع حال تحرير المحرر المثبت للتعاقد لا الغلط المعنوي الواقع حال تكوين الإرادة المفسد للرضاء ( نقض مدني في 11 ديسمبر سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 242 ص 503 ) .

 ( [5] ) وثبوت واقعة الغلط مسألة موضوعية يستقل قاضي الموضوع بتقدير الأدلة فيها ( نقض مدني في أول ابريل 1948 مجموعة عمر 5 رقم 293 ص 586 ) .

 ( [6] ) أنظر في هذا المعنى ديرانتون 10 فقرة 114 – 116 – ماركاديه 4 فقرة 407 .

 ( [7] ) أنظر أوبري ورو 4 فقرة 343 مكررة ص 490 و 492 .

 ( [8] ) لوران 15 فقرة 488 .

 ( [9] ) بودري وبارد 1 فقرة 54 .

 ( [10] ) بلانيول 2 فقرة 1053 – كولان وكابيتان 2 ص 281 – جوسران 2 فقرة 69 – فقرة 72 .

 ( [11] ) أنظر في الفقه المصري دي هلتس الجزء الأول لفظ ( convention ) فقرة 56 – هالتون 1 ص 387 – فتحي زغلول ص 132 – والتون 1 ص 165 – ص 166 – الدكتور عبد السلام ذهني بك في الالتزامات فقرة 127 – الدكتور محمد صالح بك في الالتزامات فقرة 268 – الدكتور محمد وهيبة في النظرية العامة في الالتزامات فقرة 255 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 357 وما بعدها – الدكتور حلمي بهجت بهدوي فقرة 116 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت فقرة 156 وما بعدها .

وانظر في القضاء المصري محكمة النقض ( الدائرة المدنية ) في 7 نوفمبر سنة 1935 مجموعة عمر 1 ص 923 – محكمة قنا الاستئنافية في 26 مارس سنة 1908 المجموعة الرسمية 9 رقم 66 – محكمة الجزية الجزئية في 21 مارس سنة 1903 الحقوق 18 ص 140 – محكمة الاستئناف المختلطة في 7 يناير سنة 1892 م 4 ص 99 – وفي 22 ديسمبر سنة 1892 م 5 ص 56 – وفي 7 نوفمبر سنة 1910 م 23 ص 26 – وفي 19 يناير سنة 1911 م 23 ص 119 – وفي 17 مايو سنة 1911 م 23 ص 325 – وفي 16 مايو سنة 1917 م 29 ص 426 – وفي 16 مايو سنة 1917 م 29 ص 428 – وفي 25 مارس سنة 1922 م 36 ص 261 – وفي 26 نوفمبر سنة 1930 م 43 ص 44 .

 ( [12] ) أنظر المادة 23 من قانون الالتزامات السويسري ، والفقرة الأولى من المادة 37 من قانون الالتزامات البولوني . وانظر تاريخ نص المادة 120 من القانون الجديد فيما يلي عند الكلام في الغلط المشترك وفي الغلط الفردي ( فقرة 176 ) .

 ( [13] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 168 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – يكون الغلط جوهريا إذا كان من الجسامة بحيث كان يمتنع الطرف الذي وقع فيه إبرام العقد لو لم يقع في الغلط وقدر الأمور تقديراً معقولاً . 2 – ويعتبر الغلط جوهريا على الأخص في الأحوال الآتية : أ – إذا وقع في صفة للشيء تكون جوهرية في اعتبار المتعاقدين أو بالنسبة لما يلابس العقد من ظروف ولما ينبغي أن يسود التعامل من حسن النية . ب ) إذا وقع في ذات الشخص أو في صفة من صفاته ، وكانت تلك الذات أو تلك الصفة السبب الوحيد أو السبب الرئيسي في التعاقد . ج ) إذا وقع الغلط في أمور يعتبرها المتعاقد الذي يتمسك بالغلط عناصر ضرورية للتعاقد طبقاً لما تقضي به النزاهة في التعامل ” . وحذفت لجنة المارجعة الجزء ( ج ) من الفقرة الثانية لأن ذكر هذه الحالة مع الحالتين السابقتين يكاد يحيط بكل حالات الغلط فلا يصبح هناك معنى لايراد الفقرة الثانية على سبيل التمثيل . وأصبح رقم المادة 125 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وحذفت لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ عبارة ” وقدر الأمور تقديراً معقولاً ” من الفقرة الأولى لأنها تتضمن قيداً يحسن أن يترك أمره لتقدير القاضي ، وحذفت عبارة ” السبب الوحيد ” من الفقرة الثانية حرف ( ب ) لأن في عموم عبارة ” السبب الرئيسي ” الواردة في الفقرة ذاتها ما يغني عنها ، وأصبح رقم المادة 121 . وقد وافق عليها مجلس الشيوخ كما عدلتها لجنته ( أنظر مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 155 – ص 158 ) . وانظر المادة 15 من المشروع الفرنسي الإيطالي والفقرة الثانية من المادة 37 من قانون الالتزامات البولوني .

 ( [14] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد المادة 121 ما يأتي : ” وينبغي أن يكون الغلط المبطل للعقد جوهرياً . ولا يتحقق ذلك إلا إذا دفع من وقع فيه إلى التعاقد . ومؤدى هذا أن يناط تقدير الغلط بمعيار شخصي . وقد انتهى القضاء المصري والقضاء الفرنسي في هذا الشأن إلى تطبيقات ثلاثة تقررت في نصوص المشروع : ا ) أولها يتعلق بالغلط الذي يقع في صفة للشيء تكون جوهرية في اعتبار المتعاقدين أو بالنسبة لما يلابس العقد من ظروف ولما ينبغي أن يسود التعامل من حسن النية . وفي هذا الفرض يرتبط تقدير الغلط الجوهري بعامل شخصي هو حسن النية وبعامل مادي قوامه الظروف التي لابست تكوين العقد . 4 ) والثاني يتصل بالغلط الواقع في ذات شخص المتعاقد أو في صفة من صفاته ، إذا كانت هذه الذات أو تلك الصفة السبب الوحيد أو السبب الرئيسي في التعاقد . والمعيار في هذا الفرض شخصي بحث . ( ج ) والثالث خاص بالغلط الواقع في أمور يعتبرها من يتمسك به من المتعاقدين عناصر ضرورية للتعاقد طبقاً لما تقضي به النزاهة في التعامل ملاحظة : هذا التطبيق حذفته لجنة المراجعة كما قدمنا في تاريخ نص المادة 121 ) . وقد تنطوي صورة الغلط في الباعث في هذا التطبيق الثالث . بيد أنه يتعين الرجوع ، عند الإثبات ، إلى عنصر موضوعي أو مادي بحث ، هو عنصر نزاهة التعامل ، ويتضح من ذلك أن تقدير الغلط ، وإن كان قد نيط بمعيار شخصي بحث ، إلا أن تيسير الإثبات قد اقتضى الاعتداد بعناصر مختلفة ، فيها الشخصي والمادة ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 143 ) .

 ( [15] ) 7 يناير سنة 1892 م 4 ص 99 .

 ( [16] ) 7 نوفمبر سنة 1910 م 23 ص 26 – جازيت 1 ص 34 .

 ( [17] ) 19 يناير سنة 1911 م 23 ص 119 – وانظر حكماً ثانياً في 17 مايو سنة 1910 م 23 ص 325 – وحكماً ثالثاً في 18 يناير سنة 1939 م 51 ص 121 .

 ( [18] ) 18 مارس سنة 1946 م 58 ص 75 .

 ( [19] ) 19 مارس سنة 1913 م 25 ص 239 – وانظر حكماً آخر في 18 مارس سنة 1946 م 58 ص 74 ( وقد سبقت الإشارة إليه ) . وانظر في التمييز ما بين الغلط في الشيء والعيب الخفي فيه نظرية العقد للمؤلف فقرة 358 . وكان القانون القديم يوجب رفع دعوى العيب في ثمانية أيام من وقت العلم بالحقيقة ( م 324 / 402 ) ، أما القانون الجديد فجعل الدعوى تتقادم بانقضاء سنة من وقت تسليم المبيع ( م 452 ) .

 ( [20] ) 7 ابريل سنة 1931 م 43 ص 333 .

 ( [21] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 21 ديسمبر سنة 1916 م 29 ص 120 .

 ( [22] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 7 يناير سنة 1897 م ) ص 104 – وفي 8 ابريل سنة 1897 م ) ص 263 – وفي 18 ابريل سنة 1900 المجموعة الرسمية للقضاء المختلطة 25 ص 285 – وفي 7 فبراير سنة 1928 م 40 ص 187 .

 ( [23] ) أنظر في هذه الأمثلة وفي غيرها نظرية العقد للمؤلف فقرة 360 – فقرة 362 .

 ( [24] ) 16 مايو سنة 1917 م 29 ص 426 – جازيت 7 ص 135 رقم 400 – وفي قضية أخرى قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الغلط يجعل العقد قابلا للإبطال إذا كان غلطاً يؤثر تأثيراً كبيراً في الثمن باعتباره الرابطة الرئيسية في التعاقد ( 25 مارس سنة 1922 م 36 ص 261 ) . وفي قضية كان المدين فيها مطالباً بالدافع بالعملة المصرية ، فدفع للدائن بالعملة الفرنسية وقبل ممثل الدائن ( وكان حارساً قضائياً ) الوفاء بهذه العملة معتقداً أن الاتفاق يعطي المدين هذا الحق ، ثم تبين بعد ذلك أن المدين ملزم بالوفاء بالعملة المصرية ، فقضت محكمة الاستئناف المختلطة بإلزام المدين بدفع الفرق بين سعر العملتين في اليوم الذي كشف فيه هذا الغلط ( 25 نوفمبر سنة 1925 م 38 ص 76 ) . كذلك إذا استوفى المدين مبلغاً أقل مما يستحق عن غلط منه ، لم يكن هذا الوفاء مبرئاً لذمة المدين في كل الدين ( محكمة الاستئناف المختلطة في 25 مارس سنة 1920 م 32 ص 235 ) . أنظر أيضاً في الغلط في القيمة محكمة الاستئناف المختلطة في 3 ابريل سنة 1934 م 46 ص 224 ، وفي الغلط في القيمة في عقد التخارج محكمة الاستئناف المختلطة في 25 مارس سنة 1922 م 34 ص 261 – وحكماً ثانياً في 12 ديسمبر سنة 1916 م 29 ص 103 – وحكماً ثالثاً في 11 يونية سنة 1903 م 15 ص 350 . وانظر أحكاماً أخرى تقضي بغير هذا المبدأ في نظرية العقد للمؤلف ص 377 حاشية رقم 2 .

هذا ويلاحظ أن الفرق ما بين الغلط في القيمة والغبن يقوم على أنه ليس من الضروري أن المتعاقد المغبون يكون قد وقع في غلط بالنسبة إلى قيمة الشيء الذي يتعاقد عليه ، فقد يكون على بينة من قيمة الشيء الحقيقية ويقبل الغبن بالرغم من ذلك .

 ( [25] ) أنظر ما جاء في نظرية العقد للمؤلف فقرة 364 ، حيث ذكر من الأمثلة على الغلط في الباعث أن يصطلح الوارث مع الموصى له على أن يسلم الأول للثاني جزءاً من الشيء الموصى به دون الباقي ، ويكون الباعث على هذا الصلح اعتقاد الوارث أن الوصية قائمة وقت وموت الموصى ، ويتضح بعد ذلك أن الموصى كان قد عدل عنها . والفرق ظاهر بين هذا المثل ومثل قسمة الوارث مع الموصى له . ففي الحالة الأولى ينازع الوارث في الوصية وينتهي بالمصالحة عليها وقد دفعه إلى ذلك اعتقاده أن الموصى لم يعدل عنها ، ولكن اثر النزاع بقى في أن الوارث لم يسلم للموصى له إلا جزاءً من الشيء الموصى به .فالغلط هنا يقع في الباعث . أما في قسمة الوارث مع الموصى له ، فالوارث يسلم بالوصية لا ينازع فيها ، لذلك اقتسم مع الموصى له العين الشائعة ، وأعطاه نصيبه ، وهو القدر الموصى به ، كاملا بمقتضى عقد القسمة . فالغلط هنا يقع في السبب بمعناه التقليدي .

 ( [26] ) ومن أمثلة الغلط في الباعث ما يظهر فيه لأول وهلة أن الغلط ينبغي إلا يؤثر في صحة العقد . فلو اشترى شخص سيارة معتقداً أن سيارته القديمة قد كسرت في حادث اصطدام ثم يتضح عدم صحة ذلك ، أو استأجر موظف منزلا في مدينة معتقداً أنه سينقل إليها ثم يتبين بعد ذلك أنه لم ينقل ، كان هذا غلطاً في الباعث ، وينبغي إلا يؤثر في صحة العقد وإلا تعرض التعامل لخطر التزعزع وعدمالاستقرار . ولكن هذه النظرة الأولى غير دقيقة ، فإن الذي يعرض التعامل للتزعزع في مثل هاتين الحالتين ليس هو أن الغلطفي الباعث يكون غلطاً جوهرياً ، بل إن المتعاقد الآخر لا يكون له اتصال بهذا الغلط . وسنرى فيما يلي أن الغلط الذي يجعل العقد قابلا للإبطال يجب أن يشترك فيه المتعاقد الآخر ، أو أن يكون على علم به ، أو أن يكون من السهل عليه أن يتبينه . فلا يزعزع التعامل في شيء أن يطلب مشترى السيارة أو مستأجر المنزل ، في المثلين المتقدمين ، إبطال العقد ، ما دام المشتري في المثل الأول يستطيع أن يثبت أن بائع السيارة كان يعتقد مثله أن سيارته القديمة قد كسرت ف يحادث اصطدام وأن هذه الواقعة الموهومة هي التي دفعت المشتري إلى الشراء ، أو أن البائع كان على علم بان الواقعة التي دفعت المشتري إلى الشراء إنما هي واقعة موهومة ، أو كان من السهل عليه أن يتبين ذلك – وما دام المستأجر ، في المثل الثاني ، يستطيع أن يثبت أن المؤجر كان يعتقد مثله أنه نقل إلى المدينة التي استأجر فيها المنزل وأن هذا هو الدافع للاستئجار ، أو أن المؤجر كان على علم بأن النقل الذي دفع الموظف إلى استئجار المنزل إنما هو واقعة موهومة ، أو اكن من السهل عليه أن يتبين ذلك .

 ( [27] ) أنظر في التوفيق ما بين الغلط في السبب والغلط في الباعث بلانيول وريبير وبولانجيه سنة 1949 الجزء الثاني فقرة 205 وفقرة 299 وفقرة 304 وفقرة 824 – أما الفقه المصري فقد سار وراء الفقه الفرنسي في هذا التنقاض : أنظر الدكتور عبد السلام ذهني بك في الالتزامات فقرة 130 – الدكتور محمد وهيبة فقرة 260 وفقرة 318 – قارن نظرية العقد للمؤلف ص 375 هامش رقم 2 – وقارن والتون 1 ص 52 – ص 53 – ومن الفقهاء المصريين من لا يزال يرى الغلط في الباعث ( في ظل القانون القديم ) لا يؤثر في صحة العقد إلا إذا اختلط بصفة جوهرية في الشيء أو في الشخص ( الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت فقرة 159 ) . ومنهم من يتبين أن نظرية الغلط هي نظرية السبب غير الصحيح ، ولكنه يلحق تلك بهذه فيجعل الغلط جزءاً من نظرية السبب ، ثم يعود بعد ذلك فيجعل الجزاء على كل من الغلط والسبب غير الصحيح هو البطلان النسبي ( قابلية العقد للإبطال ) لا البطلان المطلق ( الدكتور حلمي بهجت بدوي ص 173 و ص 179 و ص 198 و 232 – ص 234 ) . أنظر أيضاً في هذا الموضوع مؤلفاً موضوعاً بالفرنسية للدكتور شفيق شحاته في الالتزامات ص 42 – ص 43 .

ويرى أن الذي دعا إلى حيرة الفقه في هذه المسألة الدقيقة هو تطور النظريات القانونية وتدخلها بعضها في بعض ، فتبقى الحلول القديمة قائمة بالرغم من إنها تقصر عن مسايرة هذا التطور . فقد كان مسلما في ظل النظريات التقليدية أن السبب غير الباعث ، وانبنى على ذلك أن الغلط في السبب يجعل العقد باطلا ، أما الغلط في الباعث فلا يؤثر في صحة العقد . ومنذ تطورت النظرية التقليدية في الغلط ، واستبدل بالمعيار الموضوعي معيار ذاتي ، أصبح الغلط في الباعث يؤثر في صحة العقد . ولكن هذا التطور لم يزعزع سلامة التمييز ما بين الغلط في السبب بمعناه التقليدي والغلط في الباعث ، فلا زال الغلط في حالة الأولى يجعل العقد باطلا ، أما الغلط في الحالة الأخرى فأثره بقى مختلفاً عن أثره في الحالة الأولى وإن كان قد تطور فأصبح يجعل العقد قابلا للإبطال . إلى هنا بقى التمييز سليما ما بين الغلط في السبب والغلط في الباعث . ولكن منذ تطورت نظرية السبب هي أيضاً ، كما تطورت نظرية الغلط ، واختلط السبب بالباعث في النظرية الحديثة ، صار متعيناً أن نجعل حكم الغلط في السبب هو حكما لغلط في الباعث دون تمييز بين الحالتين . ومع ذلك بقى الفقه إلى حد كبير محتفظاً بهذا التمييز ، ولم يلق بالا إلى ما حدث من التطور .

 ( [28] ) وسنرى عند الكلام في نظرية السبب أن القانون الجديد قد أخرج السبب المغلوط ( أو السبب غير الصحيح ) من منطقة السبب ، واقتصر على ذكر السبب غير المشروع .

هذا ويلاحظ أنه إذا كان حكم الغلط في السبب بالمعنى الحديث هو حكم الغلط في الباعث فيكون العقد قابلا للإبطال في الحالتين كما قدمنا ، فإن الغلط في السبب بمعناه التقليدي ، أي الغلط المتعلق بالغرض المباشر الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه ، لا يزال غلطاً يحول دون تكوين العقد لانعدام الرضاء أو لانعدام المحل على ما سنرى عند الكلام في السبب ، فإذا وقع جعل العقد باطلا كما أسلفنا القول .

 ( [29] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 169 من المشروع التهيدي على الوجه الآتي : ” الغلط في القانون كالغلط في الواقع ، يجعل العقد قابلا للبطلان ما لم يوجد نص يقضي بخلاف ذلك ” . وقد وافقت عليها لجنة المراجعة مع تعديلات لفظية ، وأصبح رقم المادة 126 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وترددت لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ طويلا في استبقاء المادة أو حذفها اكتفاء بالقواعد العامة ، واستقر رأيها أخيراً على استبقائها بعد تعديلها على الوجه الآتي : ” يكون العقد قابلا للإبطال لغلط في القانون إذا توافرت فيه شروط الغلط في الواقع طبقاً للمادتين السابقتين ، هذا ما لم يقض القانون بغيره ” . وأصبح رقم المادة 122 . ووافق عليها مجلس الشيوخ كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 159 – ص 164 ) .

 ( [30] ) دي هلتس لفظ ( Convention ) فقرة 60 – والتون 1 ص 186 – ص 189 – الدكتور محمود وهيبة فقرة 272 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 372 – الدكتور حلمي بهجت بدوي فقرة 123 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت فقرة 165 .

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بان الغلط الواقع في صفة جوهرية في الشيء يفسد الرضاء لا فرق في ذلك بين غلط في القانون وغلط في الواقع ( 20 مايو سنة 1915 م 27 ص 344 ) . وقضت كذلك بأن الاعتراف بصفة الحائز لعقار لا يكون صحيحاً إذا كان مبيناً على غلط في القانون ( 14 نوفمبر سنة 1918 م 31 ص 22 ) ، وبأن إمضاء الورثة على محضر جرد التركة ، وقد ذكر فيه بيع صادر من المورث في مرض الموت لأحد الورثة ، لا يعتبر إجازة لهذا البيع إذا كانت الورثة التي أمضت محضر الجرد تجهل حكم القانون في بيع المريض مرض الموت وانه يتوقف على إجازة الورثة ( 24 فبراير سنة 1897 م 2 ص 171 ) .

 ( [31] ) ولكن يجوز الطعن في الصلح لغلط في الواقع ، كما إذا صالح الدائن المدين على مبلغ الدين وكان الدافع لهذا الصلح توهم الدائن يسار المدين ( استئناف مختلط في 28 ابريل سنة 1938 م 50 ص 261 ) .

هذا وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد المادة 122 ما يأتي : ” قد المشروع . . . إلى القضاء على كل شك فيما يتعلق بحكم الغلط في القانون . فكثيراً ما يستبعد هذا الغلط من بين أسباب البطلان النسبي استناداً إلى قاعدة افتراض عدم الجهل بالقانون . والواقع أن نطاق هذه القاعدة لا يتناول إلا القوانين المتعلقة بالنظام العام ، وعلى وجه الخصوص ما تعلق منها بالمسائل الجنائية . أما إذا جاوز الأمر هذا النطاق فيكون للغلط في القانون ، متى ثبت أنه جوهري ، شأن الغلط في الوقائع من حيث ترتيب البطلان السنبي ، ما لم يقض القانون بغير ذلك ، كما هي الحال مثلا في عقد الصلح . وقد جرى القضاء المصري على ذلك : أنظر استئناف مختلط في 20 مايو سنة 1915 م 27 ص 344 – 5 فبراير سنة 1918 م 30 ص 204 – 14 نوفمبر سنة 1918 م 31 ص 22 ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 159 ) .

ويلاحظ أن المراد بالغلط في القانون الغلط في القواعد القانونية التي ليست محلا للخلاف ، فهذا هو الذي يحتج به . أما الغلط في المسائل المختلف عليها وترجيح أحد الآراء خطأ فلا اثر له في صحة العقد ( محكمة الاستئناف المختلطة في 23 يناير سنة 1930 م 42 ص 226 – وفي 24 مايو سنة 1934 م 46 ص 302 – وفي 6 مارس سنة 1945 م 57 ص 84 ) . ولكن يشترط أن يكون المسألة قد اختلفت فيها المحاكم فعلا ، فإذا لم تكن عرضت على المحاكم ، فإن الشخص إذا رجح رأياً خطأ منه عد هذا غلطا في القانون ( محكمة الاستئناف المختلطة في 16 يناير سنة 1924 م 36 ص 156 ) . وقد يتفق أن مسألة قانونية يبت فيها القضاء على نحو معين ، ويجرى تعالم الناس على مقتضى الرأي الذي سار عليه القضاء ، ثم يرجع القضاء عن رأيه إلى رأي آخر ، ففي مثل هذه الحالة يجرد اعتبار الغلط في القانون مؤثراً في صحة العقد ( أنظر في تحليل القضاء الفرنسي في هذا الموضوع رسالة الدكتور فهمي نور ص 71 – ص 76 ) .

وقد قضت محكمة النقض بأنه لا يجوز للاحتجاج على فساد الرضاء التمسك بأنه بني على حصول غلط في القانون إلا إذا كان الغلط قد وقع في حكم منصوص عليه صراحة في القانون أو مجمع عليه من القضاء . فإذا حرر أحد منكوبي حريق حدث بقطار سكة حديد الحكومة إقرارا بأنه تسلم من خزانة المديرية 150 جنيها بصفة إحسان ، وانه ليس له بعد إحسان الحكومة وعطفها هذا أي حق في مطالبتها بشيء ما ، فهذا الإقرار لا يعتبر مشوباً بغلط في القانون . والحكم الذي يعتبره كذلك مستنداً إلى أن المقر كان حين الإقرار يعتقد أن مصلحة السكة الحديد غير مسئولة عن الحادث ، وانه إذن يكون تنازل عما كان يعتقد أنه لا حق له فيه ، هو حكم مخالف للقانون متعين نقضه . وذلك لأن الأمر الذي حتمل أن يصاحب الإقرار كان يجهله هو المسئولية المترتبة على الدولة بسبب الخلل في تنظيم المصالح الحكومية أو سوء إدارتها ، وهذه المسئولية لا يقطع بها في القانون المصري نص صريح فيه أو إجماع من جهة القضاء ، فجهلها إذن لا يشوب الإقرار بالغلط المستوجب لفساد رضاء المقر ، ويتعين إذن أعمال الإقرار واخذ صاحبه به ( نقض مدني في 3 يونيه سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 127 ص 394 ) .

 ( [32] ) 5 فبراير سنة 1918 م 30 ص 204 – جازيت 8 رقم 193 ص 79 .

 ( [33] ) وقد سارت محكمة النقض في هذه النظرية إلى النهاية ، فاكتفت بأن يكون الغلط فردياً حتى لو كان الطرف الآخر حسن النية ، وأجازت الحكم له بتعويض تطبيقاً لقواعد المسئولية التقصيرية . فقضت بأنه إذا أثبت المتعاقد أنه كان واقعاً في غلط ، ثم أثبت أنه لولا هذا الغلط ما كان عقد لمشارطة ، حكم له ببطلانها ولو كان المتعاقد الآخر حسن النية غير عالم بغلط صاحبه ، إذ أن حسن نيته ليس من شأنه أن يقيم مشارطة باطلة ، وإنما هو قد يجعل له على الغلط حقاً في تعويض إن كان يستحقه طبقا لقواعد المسئولية . فإذا قضى الحكم ببطلان الإقرار الموقع من الممول بموافقته على تقدير مصلحة الضراب لأرباحه بناء على أن موافقته كانت عن غلط وقع فيه ، فإنه لا يكون بحاجة إلى تحري علم مصلحة الضرائب بغلطه ( نقض مدني في أول ابريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 295 ص 586 ) . ولكن يلاحظ أن مصلحة الضرائب لها وضع خخاص ، وشأنها ليست كشأن المتعاقد العادي . فهي إذا لم تعلم بغلط الممول كان كل ما أصابها من ضرر هو أن فات عليها ربح غير مشروع ، فهل لها أن تشكو من ذلك !

 ( [34] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 167 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري وقت اتمام العقد ، فيجوز له أن يتمسك بالبطلان إن كان المتعاقد الآخر ، ولو لم يرتبك خطأ ، قد جره بموقفه إلى الوقوع في الغلط ، أو كان واقعاً مثله فيه ، أو كان يعلم بوقوع الغلط ، أو كان من السهل عليه أن يتبين ذلك ” . وقد حذفت لجنة المراجعة عبارة ” ولو لم يرتكب خطأ ، قد جره بموقفه إلى الوقوع في الغلط ” لأن هذه العبارة تفترض حالة يندر وقوعها وإذا وقعت أمكن أن تندرج نحت حالة من الحالات الأخرى ، وحذفت عبارة ” وقت اتمام العقد ” لعدم ضرورتها . وأصبح رقم المادة 124 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . أما لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ فبعد تردد طويل وافقت على المادة كما أقرهامجلس النواب وأصبح رقمها 120 ، وقالت في تقريرها ما يأتي : ” اقترح الاعراض عن نظرية الغلط المشترك كما تقررها المادة 120 من المشروع ، ولم تر اللجنة الأخذ بهذا الاقتراح لأن فكرة الغلط الفردي في إطلاقها تخل باستقرار المعاملات وتفسح المجال لضروب من الادعاءات والمفاجآت انعقد الإجماع على وجوب توقيها . ونص المشروع في الغلط يتمشى مع النظرية التقليدية ، ولا تزال هذه النظرية صالحة للعمل بها ، فهي تؤدي إلى تحصيل نفس النتائج التي يصل إليها الفقه الآن عن طريق نظريات أخرى ، هذا إلى إنها تمتاز بالوضوح وهي بعد تستعرض فروضاً مختلفة في الغلط إذا كانت تشترك جميعاً في أن الغلط فيها مبطل للعقد فإنها تختلف في بقية الأحكام ، فالغلط إذا كان مشتركا بين البائع والمشتري كان البائع حسن النية ولا يتعرض إلا إلى إبطال العقد ، أما إذا انفرد المشتري بالغلط فالبائع إما أن يكون على علم بذلك ويكون سيء النية ويلزم فوق إبطال العقد بالتعويض وهذه حالة أدنى ما تكون إلى التدليس ، وإما أن يكون من السهل عليه أن يتبين غلط المشتري وقد يكون في الظروف في هذه الحالة ما يجيز اعتباره مقصراً والزامه بالتعويض بسبب هذا التقصير ” . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 140 – ص 154 ) .

 ( [35] ) بقاء العقد صحيحاً هو كما قررنا على سبيل التعويض . إذ أن العقد هنا لم يقم على إرادة المتعاقدين الحقيقية . لأن إرادة أحدهما غير صحيحة وهو يتمسك بإبطال العقد . بل قام العقد . بل قام العقد على أساس اعتبارات عملية تجرع لو استقرار المعاملات . وقد سبق أن أشرنا إلى أمثلة أخرى من هذا النوع ، منها العقد الذي تختلف فيه الإرادة الظاهرة عن الإرادة الباطنة ، ومنها العقد الذي لا يقترن فيه القبول بالايجار إلا حكماً ، فلا يقوم العقد في كل هذه الأحوال على توافق الارادتين ، بل على الثقة المشروعة .

وواضح في كل ما قدمناه أن المقصود بالارادة الإرادة الحقيقية لا الإرادة الظاهرة . ولو اعتددنا بالإرادة الظاهرة لقام العقد على توافق الارادتين . ومن ثم يصح القول بأن القانون الجديد قد أخذ في الحالات المتقدمة الذكر بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة ، تحقيقاً لاستقرار التعامل .

 ( [36] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الغلط الفردي كاف لإبطال العقد حتى لو لم يعلم به المتعاقد الآخر ما دام أنه كان يستطيع أن يعلم به . فقد اصطلح سنديك تاجر مفلس على دي للمفلس في ذمة إحدى الشركات ، وكان السنديك يجهل أن هذا الدين مضمون برهن ، ولو علم بذلك لما رضى بهذا الصلح . وثبت من جهة أخرى أن الشركة التي اصطلحت مع السنديك ، ولو إنها كانت لا تعلم بجهل السنديك بوجود الرهن ، إلا إنها كانت تستطيع أن تعلم ذلك من ظروف تعاملها مع هذا السنديك . فأبطلت المحكمة العقد للغلط ( 30 مارس سنة 1915 م 27 ص 250 ) .

 ( [37] ) والذي يدعى الوقوع في الغلط هو الذي ينهض بعء الإثبات . ويثبت وقوعه في الغلط واتصال المتعاقد الآخر بذلك بجميع طرق الإثبات ، لأنه يثبت وقائع مادية . ومما يجعل هذا الإثبات عسيراً أن يكون الغلط الذي وقع فيه غلطاً لا يعذر من اجله ، فإن مثل هذا الغلط يبعد أن يكون المتعاقد الآخر قد علم به أو كان من السهل عليه أن يتبينه . ومن هنا وجد معيار آخر هو الغلط المغتفر ( erreur excusable ) والغلط غير المغتفر ( erreur inexcusable ) . فالغلط المغتفر يفرض فيه أن المتعاقد الآخر كان على الأقل يسهل عليه أن يتبينه . أما الغلط غير المغتفر فيفرض فيه أن المتعاقد الآخر لم يكن من السهل عليه أن يتبينه إذ لا يتصور أن يقع أحد فيه . ويجوز إذن القول بأن الغلط إذا كان غير مغتفر كان هذا قرينة قضائية على جهل المتعاقد الآخر به وعلى أنه لم يكن من السهل عليه أن يتبينه .

 ( [38] ) هذا وقد رأينا أن المادة 167 من المشروع التمهيدي كانت تنص على حالة رابعة اغفلها المشروع النهائي لأنها تندرج في الحالات الأخرى ، وهي حالة ما إذا كان المتعاقد الآخر ، ولو لم يرتكب خطأ ، قد جر المتعاقد الأول بموقفه إلى الوقوف في الغلط .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ما يأتي : ” كان من واجب المشرع أن يقطع برأي معين في مسألة المفاضلة بين اشتراط الغلط المشترك ، وهو مما يقوم بذهن العاقدين معاً ، والاجتراء بالغلط الفردي . وقد اكتفى المشروع بالغلط الفردي بوجه عام . بيد أنه اشترط لترتيب حكم الغلط عند عدم اشتراك طرفي التعاقد فيه ، أن يكون أحدهما قد جر الآخر إليه بموقفه ، أو أن يكون عالماً بوقوعه ، أو أن يكون من السهل عليه أن يتبينه . ويلاحظ أن المتعاقد الآخر في هذه الفروض الثلاثة ينسب إليه أمر يرتب مسئوليته ، وهذا ما يبرر طلب البطلان . أما إذا بقى بمعزل عن ظروف الغلط ، بأن وقف موقوفاً لا يجر إلى الوقوف فيه أو امتنع عليه العلم به أو تبينه ، فلا يجوز التسليم ببطلان العقد إلا إذا سلم بوجوب تعويض هذا المتعاقد ، عملا بنظرية الخطأ في تكوين العقد ، وهذا هو ما اتبعه التقنين الألماني . . . ما المشروع فقد ذهب إلى ما هو أيسر من ذلك ، فبدلا من أن يخول من وقع في الغلط حق التمسك بالبطلان ، ثم يلزمه في ذات الوقت بتعويض ما يصيب العاقد الآخر من خسارة ، جعل للعقد حكم الصحة وهيأ بذلك اجدى تعويض لهذا العاقد . وليس هذا إلا تطبيقاً تشريعياً خاصاً لنظرية الخطأ في تكوين العقد . . هذا وينبغي التنويه بأمرين : ( أولهما ) أن الغلط الذي يبرر إبطال العقد ، وهو ما يشترك فيه المتعاقدان ، أو يتسبب فيه أحدهما ، أو يعلم به ، أو يكون في مقدوره أن يعلم به ، قد يلقب اصطلاحاً ” بالغلط المغتفر ” . ويصبح الغلط ” غير مغتفر ” ، ولا يؤدى بذلك إلى إبطال العقد ، إذا وقع فيه أحد المتعاقدين دون أن يشاركه فيه المتعاقد الآخر ، أو يجره إليه ، أو يعلم به ، أو يستطيع العلم به . ( والثاني ) أنه لا يقصد بعلم الطرف الآخر بالغلط تبينه واقعة الغلط فحسب ، بل ووقوفه على أن هذا الغلط كان دافعاً إلى ابرا العقد ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 142 – ص 143 ) .

هذا ويلاحظ أن القانون الجديد ، باشتراطه اتصال المتعاقد الآخر بالغلط ، وباتخاذه قرائن موضوعية لإثبات الغلط في ذاته ، قد تخفف من النزعة النفسية المغرقة التي تميز نظرية الغلط في المدرسة اللاتينية . وقد يرى بعض انصار هذه المدرسة في هذا ابتعاداً عن التقاليد اللاتينية ، ولكنه ابتعاد تبرره الرغبة في استقرار التعامل ، وهو على كل حال ليس ابتعاداً عن تقاليد الفقه والقضاء في مصر . والصلة ظاهرة بين القرائن الموضوعية التي تثبت الغلط وبين اتصال المتعاقد الآخر بالغلط ، فإن هذه القرائن الموضوعية كثيراً ما تثبت الغلط وتثبت اتصال المتعاقد الآخر به في وقت واحد .

 ( [39] ) أنظر في هذا المعنى الدكتور حلمي بهجت بدوي ص 190 هذا ، وحتى يتيسر للمتعاقد الذي وقع في الغلط أن يثبت ما يجب عليه إثباته ، يلجأ في أكثر الأحيان إلى أن يبين في العقد صراحة ما قام في ذهنه من الاعتبارات التي دفعته إلى التعاقد ، كأن يذكر الوصف الذي اعتبره في الشيء أو في الشخص أو الباعث الذي حمله على أن يتعاقد أو القيمة التي يقدرها للشيء ، حتى يثبت بذلك علم المتعاقد الآخر بالدوافع التي ساقته إلى التعاقد ، فإذا تبين بعد ذلك أنه كن واهما فيما قدره ثبت في الوقت ذاته أن المتعاقد الآخر كان عالما بما وقع فيه من الغلط . والقضاء الفرنسي يلجأ في كثير من أحوال الغلط إلى الاستناد إلى أن الشيء الذي وقع فيه الغلط كان محل بيان في العقد .

ونص القانون الجديد واضح في أن المطلوب إثباته هو أن يكون المتعاقد الآخر واقعاً في ذات الغلط الجوهري الذي وقع فيه المتعاقد الأول ، أو أن يكون على علم بهذا الغلط الجوهري أي على علم بان الغلط كان هو الدافع إلى التعاقد ، أو أن يكون من السهل عليه أن يتبين أن هذا الغلط الجوهري هو الذي ساق إلى إبرام العقد . وهذا معناه أن الغلط الجوهري يجب أن يقع في دائرة التعاقد ( dens le champs contractual ) . وكان من الممكن أن يقف القانون عند هذا الضابط الأخير ( أنظر الدكتور حلمي بهجت بدوي ص 190 ) ، لولا أن الحالات الثلاث التي فصلها النص يحسن تمييز كل حالة منها عن الأخرى لأهمية ذلك من الناحيتين العملية والقانونية .

أما الناحية العملية فأمرها ظاهر ، إذ التفصيل يرسم في ؟؟ صورة عملية من هذا الضابط . فلو اقتصر القانون على أن يذكر أن الغلط الجوهري يجب أن يقع في دائرة التعاقد لاحتاج النص إلى بيان وتفسير ، ولا يتم التفسير إلا بتفصيل هذه الحالات الثلاث ، ولعاب النص فوق ذلك أن تكون صيغته أدنى إلى الفقه النظري منها إلى التشريع العملي .

وأما الناحية القانونية فتستلزم تفصيل الحالات الثلاث لأن أحكامها ليست واحدة . فالحالة الأولى ، وهي حالة الغلط المشترك ، لا محل فيها للتعويض على المتعاقد الذي وقع في الغلط ، وبحسبه أن يبطل العقد ، ما دام المتعاقد الآخر كان مثله واقعاً في الغلط أي كان حسن النية . أما الحالتان الآخريان – وهما حالة علم المتعاقد الآخر بالغلط وحالة سهولة تبينه للغلط – فقد يكون فيهما محل للتعويض عن الضرر الذي أصابه من جراء سوء نية المتعاقد الآخر في حالة علمه بالغلط ، أو من جراء تقصيره في حالة ما إذا كان من السهل عليه أن يتبين الغلط . ( أنظر بلانبول وريبير وإسمان 1 فقرة 189 ) ، والتعويض أقرب مثالا في الحالة الثانية منه في الحالة الثالثة .

 ( [40] ) ومن ذلك يتبين أن محكمة استئناف مصر كان في استطاعتها أن تلجأ الىهذا المبدأ لتبرير حكم أصدرته على الوجه الآتي : ” إذا باع شخص عقاراً لتسديد دين مورثه ، وظهر له بعد ذلك أنه ليس مديناً ، فلا يجوز له أن يرفع دعوى ببطلان البيع للغلط لأنه كان يجهل براءة مورثه من الدين ، وذلك لأن الغلط في هذه الحالة يكون في الباعث له على التعاقد لا في سببه . والغلط في الباعث لا اثر له في صحة العقد اخذاً بالنظرية التقليدية للغلط الذي يعيب الإرادة . أما إذا أخذ بما استحدثه القه والقضاء من أن الغلط المؤثر في صحة العقد هو الحاصل في الدافع الرئيسي إلى التعاقد ، ومن ثم لا يعود هناك محل للتفرقة بين السبب والباعث ، فإنه إذا تبين من ظروف الأحوال أن الدائن قد خاصم هذا الوارث بعد وفاة المورث من أجل هذا الدين ، وانه أخذ في تدسدي الدين فعلا ، وانه في سبيل هذا التسديد باع عقاره أخيراً ليسدد ما اعتقد أنه باق من الدين في ذمته ، دون أن يعني بتحقيق هذا المسألة ومحاسبة الدائن ، و :أنه قبل التعاقد وهو في دخيلة نفسه يتحمل تبعة ما ينجلي عنه الواقع ، في هذه الصورة لا يعتبر العقد باطلا للغلط إذا اخلف الواقع ظنه ، لأن الواقع لم يخالف إرادته الفعلية بل هو خيب مجرد الأمل الذي يجول في خاطره دون أن يرقى إلى منطقة الإرادة ” ( 5 ديسمبر سنة 1945 المحاماة 29 رقم 104 ص 150 ) . ولو أن المحكمة قالت إن المشتري من الوارث لم يشترك في هذا الغلط الدافع ولم يعلم به ولم يكن من السهل عليه أن يتبينه لوصلت إلى عين النتيجة عن طريق قانوني سليم .

أما محكمة الاستئناف المختلطة فكانت أكثر توفيقاً في إبراز المعنى الصحيح حين قالت : ” لا يجوز للقضاء أن يبطل عقداً لمجرد أن أحد المتعاقدين قد وقع في غلط ما دام المتعاقد الآخر كان حسن النية وكان يجهل هذا الغلط ولم يكن واجباً عليه أن يتحقق ، وجوده ” ( أول يونيه سنة 1943 م 55 ص 171 ، وانظر حكماً آخر من محكمة الاستئناف المختلطة في 24 يناير سنة 1939 م 51 ص 126 ) .

 ( [41] ) تاريخ النص : ورد هذا النص كما هو في المادة 171 من المشروع التمهيدي . وأقرته لجنة المراجعة ، وأصبح رقم المادة 128 في المشروع النهائي . ووافق مجلس الشنواب على المادة دون تعديل . وقررت أغلبية لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ استبقاء النص دون تعديل ، وأصبح رقم المادة 124 . وتبين من مناقشات هذه اللجنة أن النص يعتبر تطبيقاً لنظرية التعسف في استعمال الحق . ووافق مجلس الشيوخ على النص كما أقرته لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 166 – ص 170 ) . وانظر المادة 25 من قانون الالتزامات السويسري والمادة 38 من قانون لالتزامات البولوني . وانظر أيضاً حكم محكمة الاستئناف المختلطة في 3 ابريل سنة 1934 م 46 ص 224 .

 ( [42] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد المادة 124 ما يأتي : ” ابيح لمن وقع في الغلط أن يطلب بطلان العقد لأنه لما كان ليتعاقد لو أنه تبين وجه الأمور وقدرها تقديراً معقولا . تلك هي علة حق التمسك بالبطلان ، وهي بذاتها مرجع حدوده . فمتى كان من المحقق أن العاقد قد أراد أن يبرم عقداً ، فمن الواجب أن يلتزم بهذا العقد ، بصرف النظر عن الغلط ، ما دام أن العاقد الآخر قد اظهر استعداده لتنفيذه . وعلى ذلك يظل من يشتري شيئاً ، معتقداً خطأ أن له قيمة أثرية ، مرتبطاً بعقد العبي ، إذا عرض البائع استعداده لأن يسلمه نفس الشيء الذي انصرفت نيته إلى شرائه . ويقارب هذا الوضع ما يتبع في تحويل العقود كما سيأتي بيان ذلك ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 167 ) . وسنرى عند الكلام في تحويل العقد إلى أي حد يتقارب الوضعان المشار إليهما في المذكرة الإيضاحية وإلى أي حد يختلفان .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s