تعريف العقد


تعريف العقد

36 – الاتفاق والعقد : يميز بعض الفقهاء بين الاتفاق والعقد .

فالاتفاق ( convention ) هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه . فالاتفاق على إنشاء التزام مثله عقد البيع ، ينشيء التزامات في جانب كل من البائع والمشتري . والاتفاق على نقل التزام مثله الحوالة ، تنقل الحق أو الدين من دائن لدائن آخر أو من مدين لمدين آخر . والاتفاق على تعديل التزام مثله الاتفاق على اقتران أجل بالالتزام أو إضافة شرط له . والاتفاق على إنهاء التزام مثله الوفاء ينتهي به الدين .

والعقد ( contrat ) اخص من الاتفاق ، فهو توافق إرادتين على إنشاء التزام أو على نقله . ومن ذلك يتضح أن كل عقد يكون اتفاقاً . أما الاتفاق فلا يكون عقداً إلا إذا كان منشئاً لالتزام أو ناقلا له . فإذا كان يعدل الالتزام أو ينهيه فهو ليس بعقد .

وقد نقل القانون المدين الفرنسي هذا التفريق بين العقد والاتفاق عن بوتييه ودوما ، إذ عرف العقد في المادة 1101 بأنه اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرين بإعطاء شيء أو بفعله أو بالامتناع عن فعله . فالعقد إذن بمقتضى هذا التعريف اتفاق ينشيء التزاماً ، فهو نوع ( espece ) والاتفاق جنس ( genre ) له . ويلاحظ أن التعريف الذي أورده القانون الفرنسي يجمع بين تعريف العقد وتعريف الالتزام ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

37 – لا أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد : ولا نرى أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد . ونتفق في هذا مع أكثر الفقهاء . وإذا كان الفقهاء الذين يقولون بالتمييز يرون أهمية له من حيث الأهلية ، فهي تختلف في العقد عنها في الاتفاق ، فإنه يلاحظ على هذا الرأي أن الأهلية تختلف باختلاف العقود ذاتها ، فهي في عقود التبرع مثلا غيرها في عقود المعاوضة ، ومع ذلك لم يقل أحد إن هناك فرقاً ما بين الهبة والبيع من حيث أن كلا منهما عقد لمجرد أن الأهلية تختلف في أحدهما عنها في الآخر .

وكان المشروع التمهيدي يورد تعريفاً للعقد لا يميز فيه بينه وبين الاتفاق . فنصت المادة 122 من هذا المشروع على أن ” العقد اتفاق ما بين شخصين أو أكثر على إنشاء رابطة قانونية أو تعديلها أو إنهائها ” . وهذا هو تعريف المشروع الفرنسي الإيطالي في المادة الأولى منه . وقد قصد من إيراد هذا التعريف في المشروع نفي كل تفرقة بين العقد والاتفاق وجعلهما شيئاً واحد كما صرحت بذلك المذكرة الإيضاحية ( [1] ) . وإذا كان هذا التعريف قد حذف في المشروع النهائي فإن هذا الحذف لا يعني عدولا عن عدم التمييز بين الاتفاق والعقد ، بل كان الحذف مجاراة لسياسة تشريعية هي تجنب الإكثار من التعريفات الفقهية ( [2] ) .

لذلك نرى أن يعرف العقد بأنه توافق إرادتين على إحداث اثر قانونين سواء كان هذا لااثر هو إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهاؤه .

38 – وجوب الاتفاق على إحداث اثر قانونين : والمهم في العقد أن يكون هناك اتفاق على إحداث اثر قانوني . فإذا لم يكن المراد إحداث هذا الأثر فليس هناك عقد بالمعنى القانونين المقصود من هذه الكلمة . ويتبين ذلك من الظروف والملابسات .

فقد يدعو شخص آخر إلى وليمة ، في نطاق المجاملات الاجتماعية ، فيقبل المدعو ، ولا يقصد الطرفان من هذا الاتفاق أن ينشئا التزاماً قانونياً فيما بينهما . فإذا تخلف المدعو أو عدل الداعي لم تترتب على ذلك مسئولية في جانب من اخل منهما بوعده . ولكن قد يكون تقديم الطعام التزاماً قانونيناً إذا قصد المتعاقدان ذلك . ويتبين قصدهما من الظروف . فإذا اتفقت شركة مع مستخدم عندها على أن تقدم له الغذاء أثناء عمله في جهة نائية ، أو تعهد صاحب الفندق أن يقدم الطعام للنزيل ، فهذا التعهد ذو اثر قانوني وهو ملزم للمتعهد .

وقد يتبرع صديق لصديقه بتقديم خدمة مجانية دون أن يقصد الالتزام قانوناً بتقديم هذه الخدمة . فإذا وعد مزارع جاره أن يقدم له المعونة دون مقابل في حصاد زرعه ، أو تقدم طبيب لمعالجة صديق له دون اجر ، أو عرض شخص على صديقه أن يستصحبه في سيارته ، فلا تنطوي هذه الاتفاقات على معنى الإلزام . وإنما يكون الإلزام إذا قصد إليه الطرفان . فالطبيب الذي تعهد أن يعالج فقيراً دون اجر يلتزم قانوناً بذلك .

وقد تقوم اتفاقات بين أعضاء الأسرة لا يقصد بها عقد التزامات قانونية . فالولد الذي يعمل مع أبيه في صناعته ، والزوجة التي تعين زوجها في تجارته ، والأب الذي يعد ابنه بجائزة إذا نجح في الامتحان ، لا يقصد أي منهم أن يرتبط ارتباطاً ملزماً . ولكن إذا قام هذا القصد ترتب على قيامه الارتباط القانوني . فقد يعمل الولد أجيراً عند أبيه ، وقد تشارك الزوجة زوجها في تجارته ، وقد يعد شخص بجائزة من يقدم خير تصميم لمبنى يريد إقامته فيفوز ابنه المهندس بالجائزة .

39 – تحديد منطقة العقد : وليس كل اتفاق يراد به إحداث اثر قانونين يكون عقداً . بل يجب أن يكون هذا الاتفاق واقعاً في نطاق القانون الخاص وفي دائرة المعاملات المالية .

فالمعاهدة اتفاق بين دولة ودولة ، والنيابة اتفاق بين النائب وناخبيه ، وتولية الوظيفة العامة اتفاق بين الحكومة والموظف . ولكن هذه الاتفاقات ليست عقوداً إذ هي تقع في نطاق القانون العام : الدولي والدستوري والإداري .

والزواج اتفاق بين الزوجين ، والتبني في الشرائع التي تجيزه اتفاق بين الوالد المتبني والولد المتبني . ولكن يجر إلا تدعي هذه الاتفاقات عقوداً وإن وقعت في نطاق القانون الخاص ، لأنها تخرج عن دائرة المعاملات المالية .

فإذا وقع اتفاق في نطاق القانون الخاص وفي دائرة المعاملات المالية فهو قعد . تستوي في ذلك العقود التي يقف فيها المتعاقدان على قدم المساواة وتلك التي يذعن فهيا أحد المتعاقدين للأخر ، والعقود التي توفق ما بين مصالح متعارضة وتلك التي تجمع ما بين مصالح متوافقة ، والعقود الذاتية ( actes subjectifs ) وتلك التي تنظم أوضاعاً مستقرة ( actes – regle, actes – condition ) وكان بعض فقهاء القانون العام يريدون إخراج عقود الإذعان ( contrats d’adhesion ) والعقود التي تجمع ما بين المصالح المتوافقة كعقد الشركة ، والعقود التي تنظم اوضاعاً مستقرة كالعقود الجماعية ( contrats collectives ) ، من منطقة العقد . ولكن هذا الرأي لم يسد في القانون المدني .

40 – المذهبان الشخص والمادي في العقد : سبق أن أشرنا إلى مذهبين في الالتزام ، أحدهما شخصي ينظر إلى الالتزام كرابطة شخصية ، والآخر مادي ينظر إليه كقيمة مالية . هذان المذهبان نراهما أيضاً في العقد . فالمذهب الشخصي يرى العقد وليد الإرادة الباطنة أو الإرادة النفسية . والمذهب المادي يراه وليد الإرادة الظاهرة أو الإرادة المادية .

والقوانين اللاتينية ، هنا أيضاً ، هي التي تذهب مذهباً شخصياً في العقد ، وتأخذ بنظرية الإرادة الباطنة ( volonte interne ) ، وعندها أن العبرة بإرادة المتعاقدين التي يكنانها في الضمير ، وما التعبير المادي عن هذه الإرادة إلا مجرد دليل يكشف عنها . فإن اتفق هذا التعبير مع الإرادة الحقيقية أخذ به ، وإلا فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني .

أما القوانين الجرمانية فتأخذ في كثير من الأحوال بالإرادة الظاهرة ( volonte externe, declaration de volonte ) ، وتقف عند التعبير عن الإرادة ، ولا شأن لها بالإرادة الحقيقية ، فالتعبير المادي عن الإرادة ليس مجرد لدليل عليها ، بل هو الإرادة ذاتها : الإرادة في ثوبها الاجتماعي حيث يمكن التعرف عليها . وهذا المظهر المادي هو المظهر الذي يجب الوقوف عنده ، ما دام العقد ينشيء روابط اجتماعية . ولا عبرة بالإرادة التي تنطوي عليها النفس ، فهي من الظواهر النفسية ، لا يعبأ القانون بها وهو ينظم الروابط الاجتماعية . وسنعود إلى هذا الموضوع ببيان أو في فيما يلي .


 ( [1] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 10 في الهامش .

 ( [2] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 11 في الهامش وص 9 في الهامش

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s