أحكام الإثراء بلا سبب


أحكام الإثراء بلا سبب

785 – الدعوى والجزاء : إذا توافرت الأركان التي قدمناها في قاعدة الإثراء بلا سبب ، ترتبت أحكام هذه القاعدة ، ووجب على المثري تعويض المفتقر .

فالتعويض إذن هو جزاء الإثراء بلا سبب . ودعوى الإثراء هي الطريق إلى هذا الجزاء .

ونستعرض في مبحثين متعاقبين – كما قلنا في المسئولية التقصيرية – الدعوى والجزاء .

المبحث الأول

الدعوى

نستعرض في الدعوى ما يأتي : 1 ) طرفي الدعوى 2 ) الطلبات والدفوع . 3 ) الإثبات . 4 ) الحكم .

1 – طرفا الدعوى

أ – المدعى :

786 – من يكون المدعى : المدعى هو المفتقر ، فهو وحده الذي يحق له أن يطالب بالتعويض . ويقوم مقامه النائب والخلف .

ونائب المفتقر ، إذا كان هذا قاصراً ، هو وليه أو وصيه ، وإذا كان محجوراً هو القيم ، وإذا كان مفلساً هو السنديك ، وإذا كان وفقاً هو ناظر الوقف . وإذا كان المفتقر رشيدا بالغاً فنائبه هو الوكيل .

والخلف هو الوارث أو الدائن ، وهذا هو الخالف العام ، والمحال له وهذا هو الخلف الخاص . فإذا مات المفتقر حل وارثه محله في المطالبة بالتعويض . ويجوز لدائن المفتقر أن يطالب المثري بالتعويض مستعملا حق المفتقر عن طريق الدعوى غير المباشرة . ويصح أن ينزل المفتقر عن حقه في التعويض إلى شخص آخر فيصبح المحال هل هو دائن المثرى .

787 – أهلية المدعى : ولا يشترط في المفتقر أهلية ما . فناقص الأهلية – الصبي المميز والسفيه وذو الغفلة – يصح أن يفتقر بأن يثري شخص على حسابه دون سبب قانوني ، فيصبح ناقص الأهلية دائناً للمثرى . بل قد يكون المفقتر عديم الأهلية ، كالصبي غير المميز والمعتوه والمجنوه ، فيثري شخص على حساب أحد من هؤلاء دون سبب قانوني ، فيصبح عديم الأهلية دائناً للمثرى بالتعويض .

788 – تعدد المدعى : وقد يتعدد المفتقر ، كما لو أثرى شخص على حساب شركاء في الشيوع . فيصبح هؤلاء الشركاء دائنين للمثري ، كل منهم بقدر نصيبه في التعويض . ولا تضامن بينهم . بل لكل منهم دعوى مستقلة عن دعاوى الآخرين ، ويقدر القاضي تعويض كل على حدة ، وذلك لعدم ورود نص على التضامن في هذه الحالة ( [1] ) .

4 – المدعى عليه :

789 – من يكون المدعى عليه : المدعى عليه هو المثرى . فهو وحده المسئول عن تعويض المفتقر . ويقوم مقامه في المسئولية النائب والخلف .

فإذا كان قاصراً كان نائبه هو وليه أو وصيه . وإذا كان محجوراً كان النائب هو القيم ، وإذا كان مفلساً فالسنديك ، وإذا كان وقفاً فالناظر ( [2] ) ، وإذا كان رشيداً بالغاً فالوكيل .

وخلف المثري هو وارثه ، ولكنه لا يرث التركة في الشريعة الإسلامية إلا بعد سداد الديون . فتركة المثري تكون هي المسئولة عن تعويض المفتقر . وأي وارث ترفع عليه الدعوى بمثل التركة ويجوز أن يكون الخلف هو شخص محال عليه بالدين ، كمتجر مدين عن طريق الإثراء يباع وتحال ديونه على المشتري وفيها هذا الدين ، فيكون المسئول عن التعويض في هذه الحالة هو المشتري للمتجر باعتباره خلفاً خاصاً .

790 – أهلية المدعى عليه : أتى القانون الجديد كما رأينا ، بنص صريح في هذه المسألة ، فقضت المادة 179 بأن ” كل شخص ، ولو غير مميز ، يثرى دون سبب مشروع على حساب شخص أخر يلتزم . . . ” . وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” ولا يشترط في المثري توافر أهلية ما ، فيجوز أن يلتزم غير المميز بمقتضى الإثراء ( [3] ) ” .

ولا شك في أن هذا الحكم هو الذي يتفق مع المنطق القانوني السليم . وإذا كان الملتزم بالعقد يشترط فيه التمييز بل يشترط فيه بلوغ سن الرشد في عقود التصرفات ، فذلك لأنه يلتزم بإرادته ، والإرادة تقوم على التمييز على تفاوت في درجاته تبعا لخطر العقد . وإذا كان الملتزم بالعمل غير المشروع يشترط فيه هو أيضاً التمييز ، فذلك لأن مسئوليته تقوم على الخطأ والتمييز هو ركنه المعنوي ، ومن ثم جاءت مسئولية عديم التمييز عن العمل غير المشروع استثناء مستنداً إلى نص في القانون كما قدمنا . أما الملتزم بمقتضى الإثراء بلا سبب فهو إنما يلتزم لا بمقتضى إرادته ولا استناداً إلى خطأ صدر منه حتى نتطلب فيه التمييز ، بل إن مصدر التزامه هو واقعة قانونية ( fait juridique ) ، هي واقعة الإثراء ، فمتى تحققت هذه الواقعة ترتب الالتزام في ذمته دون نظر إلى أنه مميز أو غير مميز غير أن المثري . إذا لم يكن كامل الأهلية ، لا يحاسب إلا على ما انتفع به فعلا . فإذا فقد شيئاً مما جناه من ربح أو فائدة ، فلا يحسب ما فقده من ذلك في تقدير إثرائه ( [4] ) .

791 – تعدد المدعى عليه : وقد يتعدد المثري كما لو أثرى شركاء في الشيوع على حساب الغير . فيصبح هؤلاء مدينين للمفتقر بالتعويض . ولا يكونون مسئولين بالتضامن ، بل يكون كل منهم مسئولا بقدر نصيبه أي بأقل القيمتين : إثرائه هو وافتقار الدائن الذي نشأ عنه هذا الإثراء . ويقدر القاضي هذا النصيب كما يفعل عند تعدد المفتقر فيما مر بنا . وانتفا التضامن عند تعدد المثري كانتفاء التضامن عند تعدد المفتقر يرجع إلى عدم ورود نص على التضامن ( [5] ) .

2 – الطلبات والدفوع

 ( تقادم دعوى الإثراء )

أ – طلبات المدعى :

792 – يطلب المدعى تعويضا عما لحق به من افتقار في حدود ما زال المدعى عليه من إثراء . هذا هو ما يطلب المدعى ، وهذا هو ما يميز دعوى الإثراء على دعوى استرداد غير المستحق ودعوى الفضالة . وإذا كانت الدعويان الأخيرتان ليستا إلا صورتين خاصتين من الدعوى الأولى ، إلا أن هذه الدعوى الثلاث كل منها مستقل عن الآخر .

ويترتب على ذلك أن المفتقر إذا تقدم كفضولي أو كدفاع لغير المستحق وخسر دعواه ، فلا شيء يمنع من أن يتقدم ثانية بدعوى الإثراء بلا سبب ، ولا يحول دون ذلك قوة الشيء المقضي ، لأن سبب الدعوى الأولى وهو الفضالة أو دفع غير المستحق يختلف عن سبب الدعوى الثانية وهو الإثراء بلا سبب ( [6] ) .

ب – دفوع المدعى عليه :

793 – كيف يدفع المدعى عليه الدعوى : يدفع المثري دعوى الإثراء بأحد أمرين : إما بانكار قيام الدعوى ذاتها ، فيدعى أن ركناً من أركانها الثلاثة – الإثراء أو الافتقار أو انعدام السبب – لم يتوافر . وإما أن يقر بأن الأركان قد توافرت ولكن التزامه انقضى بسبب من أسباب انقضاء الالتزام ، فيدعى مثل أنه وفي المفتقر ما يستحق من تعويض ، أو أنه اصطلح معه ، أو أن مقاصة وقعت ، أو أن المفتقر أبرأ ذمته ، أو أن دعوى الإثراء انقضت بالتقادم .

794 – الدفع بالتقادم : وتطبق القواعد العامة في كل ما تقدم والذي يعنينا الوقوف عنده قليلا هو الدفع بالتقادم . فقد أدخل القانون المدني الجديد تعديلا جوهرياً في هذا الصدد . وبعد أن كانت دعوى الإثراء لا تتقادم إلا بخمس عشرة سنة ، صارت الآن تتقادم أيضاً بثلاث سنوات على التفصيل الآتي :

نصت المادة 180 من القانون الجديد على أنه ” تسقط دعوى التعويض عن الإثراء بلا سبب بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه من لحقته الخسارة بحقه في التعويض ، وتسقط الدعوى ، كذلك في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من اليوم الذي ينشأ فيه هذا الحق ( [7] ) ” .

وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ينشيء المشروع في هذا النص تقادماً قصيراً مدته ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه من لحقته الخسارة بحقه في المطالبة بالرد أو بالتعويض ، ويقف على شخص من يلزم بذلك . وقد نص على هذا التقادم القصير إلى جانب التقادم بالمدة الطويلة . ويبدأ سريانها من اليوم الذي ينشا فيه الالتزام ( [8] ) ” .

وقد جرى القانون الجديد في هذه المسألة على عادته من إنشاء تقادم قصير لا لتزام لا ينشا من إرادة صاحبه . وقد رأينا أنه فعل ذلك في المسئولية التقصيرية ، وسنراه يفعل ذلك أيضاً في دعوى استرداد غير المستحق ودعوى الفضالة . ذلك أن الالتزام الذي ينشا مستقلا عن إرادة الملتزم متى علم به صاحبه لا يبقيه القانون المدة التي يبقى فيها التزاماً أنشأته إرادة الملتزم ، فالثاني دون الأول هو الذي ارتضاه المدين .

ويتبين من النص الذي قدمناه أن دعوى الإثراء بلا سبب تتقادم بأقصر المدتين الآتيتين :

 ( 1 ) ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المفتقر بحقه في التعويض . وهو لا يعلم بحقه في التعويض إلا إذا علم ما أصابه من افتقار ترتب عليه إثراء الغير وعرف هذا الغير الذي أثرى على حسابه . فلا يبدأ سريان التقادم في حالتنا هذه من يوم قيام الالتزام في ذمة المثرى ، بل من اليوم الذي علم فيه المفتقر بافتقاره وبمن أثرى على حسابه . وبذلك يكون على بينة من أمره فيتدبر الموقف ، وينظر في رفع الدعوى في خلال هذه المدة .

 ( 2 ) خمس عشرة سنة من يوم قيام الالتزام . ويبدو لأول وهلة أن الدعوى تتقادم بالمدة الأولى القصيرة قبل تقادمها بهذه المدة الطويلة . وهذا صحيح في الكثرة الغالبة من الأحوال . ولكن يقع أحياناً أن المفتقر لا يعلم بافتقاره وبمن أثرى على حسابه إلا بعد مدة من يوم قيام الالتزام ، إذا فرضناها أكثر من اثنتى عشرة سنة فإن الدعوى تتقادم بانقضاء المدة الطويلة – خمس عشرة سنة من يوم قيام لا لتزام – قبل تقادمها بانقضاء المدة القصيرة وهي ثلاث سنوات تبدأ بعد انقضاء أكثر من اثنتى عشرة سنة من يوم قيام الالتزام ، فلا تنقضي إلا بعد انقضاء مدة الخمس العشرة سنة . وهذا ما قدره القانون الجديد فاحتاط له ، ولم يغفل أن يورد المدة الطويلة إلى جانب المدة القصيرة ليجعل لالتزام يتقادم بأسرعهما انقضاء ( [9] ) .

3 – الإثبات

أ – عبء الإثبات :

795 – يقع عبء الإثبات على الدائن وهو المفتقر . فهو الذي يطلب منه إثبات قيام الالتزام في ذمة المدين وهو المثري ( [10] ) .

فعلى المفتقر إذن أن يثبت أن هناك إثراء في جانب المثري ومقدار هذا الإثراء . ويستوى بعد ذلك أن يكون هذا الإثراء بقى قائماً إلى يوم رفع الدعوى أن أن يكون قد زال ، وقد تقدم بيان ذلك .

وعليه أيضاً أن يثبت أن هناك افتقاراً في جانبه ترتب عليه إثراء المثري ومقدار هذا الافتقار .

وعليه أخيراً أن يثبت أن الإثراء ليس له سبب قانوني . إذ أن الإثراء يفرض فيه أنه سبباً قانونياً ، ولا يكلف المثري إثبات هذا السبب . فإذا ادعى المفتقر إلا سبب للإثراء فعليه هو يثبت ذلك . وهناك رأى مرجوح يذهب إلى أن المفتقر إذا اثبت افتقاره وإثراء الغير فإنه يفرض ألا سبب للإثراء ، وإذا ادعى المثري أن هناك سبباً قانونياً لإثرائه فعليه هو أن يثبت ذلك ( [11] ) .

ب – وسائل الإثبات :

796 – لما كانت أركان دعوى الإثراء – الإثراء والافتقار وانعدام السبب – كلها وقائع مادية ، فإنه يصح إثبات هذه الوقائع بجميع وسائل الإثبات ، ويدخل في ذلك البينة والقرائن .

فيجوز للمفتقر أن يثبت بالمعاينة وبتقدير الخبراء وبشهادة الأطباء وبأقوال الشهود وبالقرائن الأركان الثلاثة التي يقع عليه عبء إثباتها .

ويذهب بعض الفقهاء الاى الإثراء إذا كان سببه عقداً تزيد قيمته على عشرة جنيهات فيجب إثبات العقد بالكتابة أو بما يقوم مقامها وفقاً لقواعد الإثبات المقررة في العقود ( [12] ) . ولكن إذا كان العقد هو سبب الإثراء فإنه يغلب أن يكون قد انطوى على سبب قانوني لهذا الإثراء ، فلا تتوافر أركان القاعدة ، ولا يترتب في ذمة المثرى التزام .

4 – الحكم

أ – الطعن في الحكم بطريق النقض :

797 – طرق الطعن في الحكم : لا يختلف الحكم الصادر في دعوى الإثراء عن سائر الأحكام من حيث طرق الطعن فيه . وطرق الطعن العادية هي المعارضة والاستئناف . والطرق غير العادية للطعن هي التماس إعادة النظر ومعارضة الشخص الذي يتعدى إليه الحكم والنقض .

ويعنينا هنا طريق الطعن بالنقض ، فنرسم الخطوط الرئيسية لما يعتبر في قاعدة الإثراء من القانون فيخضع لرقابة محكمة النقض ، وما يعتبر من الواقع فلا يخضع لهذه الرقابة . وتتناول – كما فعلنا في المسئولية التقصيرية – أركان قاعدة الإثراء الثلاثة : الإثراء والافتقار وانعدام السبب القانوني .

798 – الإثراء : لا يخضع لرقابة محكمة النقض ما تسجله محكمة الموضوع من الوقائع المادية التي يقدمها المدعي لإثبات ركن الإثراء ، ما صح عندها من ذلك وما لم يصح . أما التكييف القانوني لما صح عندها وقوعه ، وهل هو يعتبر إثراء ، وهل هذا الإثراء ايجابي أو سلبي ، مباشر أو غير مباشر ، مادي أو معنوي ، وهل يجب أن يكون قائماً وقت رفع الدعوى أو أن ذلك غير واجب . فكل هذا من مسائل القانون يخضع لرقابة محكمة ؟؟ وتقدير مدى الإثراء وتقويمه بمبلغ معين من المال هو من مسائل الواقع لمحكمة الموضوع فيه القول الأخير لا تعقب عليه محكمة النقض .

799 – الافتقار : ولا رقابة المحكمة النقض فيما تقرره محكمة الموضوع من وقائع مادية في شأن الافتقار . ولكن تكييف هذه الوقائع من الناحية القانونية المرجع الأخير فيه إلى محكمة النفض . ويخضع لرقابتها اعتبار ما صح عند محكمة الموضوع من الوقائع افتقاراً ، وهل هو افتقار ايجابي أو سلبي ، مباشر أو غير مباشر ، مادي أو معنوي . ووجوب قيام السببية المباشرة ما بين الإثراء والافتفار هو من مسائل القانون ، أما قيامها فعلا في حالة بالذات فمسألة واقع ينظر فيها إلى كل حالة على حدة ، وتقدر بملابساتها وظروفها كما سبق القول ، وتقدير مدى الافتقار وتقويمه بمبلغ معين من المال هو من مسائل الواقع كما في تقدير مدى الإثراء وتقويمه بالمال .

800 – انعدام السبب : ويعتبر من مسائل القانون – ومن مسائله الدقيقة – تحديد معنى السبب ومتى يكون القانون أو العقد سبباً قانونياً للإثراء .

كذلك القول بان دعوى الإثراء دعوى أصلية لا دعوى احتياطية هو من مسائل القانون .

ويمكن القول بوجه عام – هنا كما في المسئولية التقصيرية – أن ما تسجله محكمة الموضوع من وقائع مادية في شأن الأركان الثلاثة لدعوى الإثراء لا تعقب عليه محكمة النقض . أما التكييف القانوني لهذه الوقائع ، ويدخل في ذلك ما يجب توافره من شروط وما يترتب من اثر ، فإنه يعتبر من المسائل القانونية التي تكون فيه محكمة النقض هي المرجع الأعلى .

ب – الآثار التي تترتب على الحكم :

801 – الحكم ليس هو مصدر الحق في التعويض : الحكم في دعوى الإثراء ، كالحكم في دعوى المسئولية التقصيرية ، ليس هو مصدر حق المفتقر في التعويض ، ولكنه يقوم هذا الحق ويقويه . فالحكم ليس إلا مقرراً لهذا الحق ، لا منشئاً له . وحق المفتقر في التعويض إنما نشأ من واقعة مادية ، هي واقعة الإثراء المترتبة على واقعة الافتقار دون أن يكون لذلك سبب قانوني . وبمجرد أن يتحقق سبب الالتزام يترتب الالتزام في ذمة المدين . ومن ذلك نستخلص النتائج الآتية :

 ( 1 ) تحديد مدى التزام المثرى – أي تحديد قيمة الإثراء وقيمة الافتقار لإعطاء المفتقر أقل القيمتين – تكون العبرة فيه في الأصل بوقت قيام الالتزام لا بوقت رفع الدعوى ولا بوقت صدور الحكم . وهذا هو ما قررناه في تحديد قيمة الإثراء . أما قيمة الافتقار فهناك اعتبارات تجعلنا ننظر في تحديدها إلى وقت صدور الحكم ، وسنبين ذلك فيما يلي .

 ( 2 ) لما كان حق المفتقر ينشأ من وقت وقوع الإثراء لا من وقت صدور الحكم ولا من وقت رفع الدعوى ، فإن له أن يتقاضي إلى جانب حقه في التعويض الأصلي تعويضا عن التأخير . ولكن هذا الحق في التعويض عن التأخير يتوقف على الإعذار ( [13] ) ، لأن المادة 218 تقضي بأنه لا يستحق التعويض إلا بعد إعذار المدين ( [14] ) .

 ( 3 ) يجوز للمفتقر – وقد ثبت حقه منذ وقوع الإثراء – أن يتصرف في هذا الحق دون انتظار الحكم بل وقبل رفع الدعوى . فله منذ ثبوت حقه أن يحوله إلى الغير ، ولدائن المفتقر أن يوقع حجزاً على هذا الحق تحت يد المثري ، كما أن للمفتقر أن يوقع حجزاً تحت يد مدين المثري منذ ثبوت حقه . وإذا أفلس المثري بع وقوع الإثراء وقبل صدور الحكم دخل المفتقر في التفليسة مع سائر الدائنين .

 ( 4 ) يسري التقادم – ومدته ثلاث سنوات أو خمس عشرة سنة كما قدمنا – منذ وقوع الإثراء وعلم المفتقر به وبالمثرى أو منذ وقوع الإثراء على حسب الأحوال ، لأن الحق في التعويض قد وجد . ولا يتأخر سريان التقادم إلى وقت صدور الحكم . بل إن صدور الحكم من شأنه أن يقيم تقادماً من نوع جديد محل التقادم القديم على ما سنرى .

802 – الحكم يقوم الحق في التعويض ويقويه : وإذا كان الحكم ليس هو مصدر الحق في التعويض ، إلا أنه هو الذي يقوم هذا الحق ، ويغلب أن يقومه بمبلغ معين من النقود .

والحكم لا يقتصر على تقويم الحق ، بل هو يقويه أيضاً كما رأينا ف يالحكم الصادر في المسئولية التقصيرية . فهو يجعل الحق غير قابل للسقوط بالتقادم إلا بخمس عشرة سنة من وقت صدور الحكم ( م 385 فقرة 2 ) . ومتى أصبح الحكم واجب التنفيذ فإنه يجيز للمفتقر أن يحصل على حق اختصاص بعقارات مدينه ضماناً لأصل الدين والفوائد والمصروفات ( م 1085 ) ، كما يجيز له أن ينفذ على أموال المدين بجميع الطرق التي عينها القانون للتنفيذ .


 ( [1] ) وقد ورد نص على التضامن في حالة تعدد الفضولي ( م 192 فقرة 3 ) ، وسيأتي بيان ذلك .

 ( [2] ) ويكون الوقف مسئولا عن إثرائه بدون سبب قانوني ، وتتحدد مسئوليته عن التعويض بأقل قيمتي الإثراء والافتقار والظاهر أن التنفيذ بهذا التعويض على المال الموقوف يقع على قيمة الإثراء التي التحقت بالوقف . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا لم يقم الدليل القاطع على أن إنشاء الوقف هو السبب المباشر في ايقاع الضرر بدائني الواقف ، لم كن هناك محل لقبول الدعوى البوليصية من دائن سابق على إنشاء الوقف . ولكن إذا أثرى الوقف بسبب توريدات أو أعمال قام بها الدائن للعقار الموقوف ، ولم يستوف الدائن حقه ، ولم يتمكن من استيفائه بسبب إعسار الواقف ، جاز الرجوع على الوقف بدعوى الإثراء ( استئناف مختلط في ) ابريل سنة 1929 م 41 ص 345 ) .

 ( [3] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 441 .

 ( [4] ) استئناف مختلط في 10 يونية سنة 1919 م 31 ص 333 . وفي حكم آخر قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن القانون يقضي في الإثراء بلا سبب أن ناقص الأهلية إذا ابطل العقد يبقى ملتزما بمقتضى الإثراء ، على أن الرد لا يشمل كل ما تسلمه ، بل يقتصر على ما خلص له من نفع محقق دون زيادة وعلى الفائدة التي جناها فعلا من وراء التزاماته . وكل من النفع والفائدة لا وجود له في حالة ما إذا أعطى سفيه مالا حاجة له به إطلاقاً نظراً لما يملكه من الموارد الشخصية ( استئناف مختلط في ) مايو سنة 1935 م 47 ص 299 ) .

 ( [5] ) وقد طبقت محكمة الاستئناف المختلطة هذا المبدأ في دفع غير المستحق ( استئناف مختلط 7 ديسمبر سنة 1882 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 8 ص 24 ) – ومع ذلك فقد انحرفت عن المبدأ وقضت بالتضامن في حالة الإثراء بلا سبب ( 13 مارس سنة 1902 م 14 ص 185 ) . وقضت كذلك بالتضامن في الفضالة عند تعدد رب العمل ( 25 ابريل سنة 1900 م 12 ص 217 ) – وكان الواجب إلا يحكم بالتضامن في هاتين الحالتين ( انظر مارافان ص 157 – وقارن فرانسوا جوريه ص 328 ومحكمة النقض الفرنسية في 4 مايو سنة 1859 سيريه 59 – 1 – 377 ) .

وليس ثمة شك في القانون الجديد – كما لم يكن هناك شك في القانون القديم – أن التضامن لا يكون إلا بناء على اتفاق أو نص في القانون . وقد نصت المادة 279 ( جديد ) على أن ” التضامن بين الدائنين أو بين المدينين لا يفترض ، وإنما يكون بناء على اتفاق أو نص في القان ” . ولا يوجد اتفاق على التضامن بين المثرين أو المفتقرين إذا تعددوا ، ولم يرد نص على التضامن إلا في حالة واحدة هي حالة تعدد الفضولي ( م 192 فقرة 3 ) وقد سبقت الإشارة إليها . ويخلص من ذلك بوضوح أن القانون الجديد ، كالقانون القديم ، يقضي بعدم التضامن إذا تعدد المثري أو تعدد المفتقر ( راجع مارافان ص 158 ) .

 ( [6] ) ويترتب على ذلك أيضاً أن المدعى إذا استند في دعواه إلى الفضالة ، فلا يجوز له لأول مرة أمام محكمة النقض أن يستند إلى دعوى الإثراء بلا سبب . وقد قضت محكمة النقض في هذا المعنى بما يأتي : ” إذا كان موضوع الدعوى هو المطالبة بما أنفقه المدعى في تكملة بناء على أرض المدعى عليهم اعتماداً على تكليف شفوي من أحدهم ، وأسس المدعى دعواه أولاً على الوكالة ثم على الفضالة ، ورفضت المحكمة الدعوى بناء على أن الوكالة المدعاة لا يمكن إثباتها بالبينة وعلى أن المدعى لا يعتبر فضولياً لعدم توافر شرائط الفضالة بالنسبة له ، فلا يقبل من المدعى أن يطعن بطريق النقض في هذا الحكم على أساس مخالفته للمادة 65 من القانون المدني بمقولة إن مبنى طعنه هو من الأسباب القانونية الصرف التي يجوز إبداؤها لأول مرة أمام محكمة النقض ، ذلك لأن هذا الطعن فضلا عما فيه من تغيير للاساس المرفوعة به الدعوى فإن عناصره الواقعية لم تكن عرضت على محكمة الموضوع لبحثها حتى يتسنى لمحكمة النقض أن تنظر فيه ( نقض 24 فبراير سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 100 ص 297 ) . كما قضت محكمة النقض بعدم جواز التمسك لأول مرة أمامها بالفضالة ، فقالت في ذلك : ” لا يصح التمسك أمام محكمة النقض بأن المدعى إنما كان فضولياً في الدعوى المرفوعة منه إلا إذا كان ذلك قد عرض على محكمة الموضوع ” ( نقض 26 ديسمبر سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 86 ص 294 ) .

 ( [7] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 249 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” تسقط بالتقادم دعوى التعويض عن الإثراء . . . ” بإضافة لفظ ” بالتقادم ” . وقد أقرتها لجنة المراجعة على أصلها ، ووافق عليها مجلس النواب دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ وافقت اللجنة عليها مع حذف كلمة ” بالتقادم ” لأنها مفهومة من النص . ووافق مجلس الشيوخ على المادة بالصيغة التي قدمتها له الجنة القانون المدني ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 444 – ص 445 ) .

 ( [8] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 444 . وانظر أيضاً المادة 67 من قانون الالتزامات السويسري .

 ( [9] ) أما بالنسبة إلى الالتزامات التي نشأت في ظل القانون القديم ، وكان مصدرها الإثراء بلا سبب أو دفع غير المستحق أو الفضالة ، فيرجع فيما إذا كانت مدة التقادم القصيرة التي قررها القانون الجديد هي التي تسري إلى ما سبق أن قررناه في هذا الشأن في صدد التقادم في بطلان العقد وفي صدد التقادم في العمل غير المشروع ( انظر آنفاً فقرة 323 ) .

 ( [10] ) استئناف مختلط في 7 يونية سنة 1928 م 40 ص 407 .

 ( [11] ) انظر في هذه المسألة فرانسوا جوريه في الإثراء على حساب الغير باريس 1949 ص 316 – ص 317 . أما من الناحية العملية فإن وجود سبب للإثراء أو انعدام هذا السبب إنما يكون عن طريق قرائن قضائية متعاقبة تنقل عبء الإثبات من المفتقر إلى المثري ثم من المثري إلى المفتقر وهكذا .

 ( [12] ) فرانسوا جوريه ص 316 .

 ( [13] ) وهذا بخلاف الوكالة ( م 710 ) والفضالة ( م 195 ) ، فالوكيل والفضولي يتقاضيان الفوائد من وقت الإنفاق .

 ( [14] ) ولست حالة الإثراء من الحالات التي لا ضرورة فيها للاعذار ( انظر م 220 ) . فيجب إذن أن يعذر المفتقر المثري وأن يطالبه في الإعذار بتعويض عن التأخري . ويجب عليه أن يثبت أنه قد أصابه ضرر من التايخر لأن الضرر شرط التعويض . ولا محل هنا لتطبيق النص الخاص بسعر الفائدة ( م 226 ) ولا لتطبيق النص الخاص بعدم اشتراط إثبات الضرر ( م 228 ) لأن مجال تطبيق هذين النصين مقصور على ما إذا كان محل الالتزام مبلغاً من النقود معلوم المقدار وقت الطلب ( م 226 ) . أنظر في هذا الموضوع فرانسوا جوريه ص 313 .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s