التأشير ببراءة ذمة المدين


التأشير ببراءة ذمة المدين

147 – النصوص القانونية : تنص المادة 399 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” 1 – التأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين حجة على الدائن  291  إلى أن يثبت العكس ، ولو لم يكن التأشير موقعاً منه ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته ” .

 ” 2 – وكذلك يكون الحكم إذا أثبت الدائن بخطه دون توقيع ما يستفاد منه براءة ذمة المدين فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى مخالصة ، وكانت النسخة أو المخالصة فى يد المدين ” ( [1] ) .

ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 230 / 295( [2] ) .

  292  

ويقابل فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 19 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 460 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 167 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 386( [3] ) – ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1332( [4] ) .

  293  

148 – حالتان : ويستخلص من نص التقنين الجديد –وقد احتذى فيه نص التقنين المدنى الفرنسى – أن التأشير على سند بما يفسر براءة ذمة المدين ، دون توقيع من الدائن ، يكون قرينة على الوفاء . وهى بعد قرينة قابلة لإثبات العكس . والذى يقف بالدائن عادة عن التوقيع هو أن يكون الوفاء جزئياً . فيدفع المدين الفوائد أو قسطاً من الدين ، ومن ثم يكتفى الدائن بالتأشير بذلك إما فى سند الدين الذى بيده ، وإما فى نسخة أصلية أخرى للسند فى يد المدين ، وإما فى مخالصة يحتفظ بها المدين ليؤشر فيها الدائن تباعاً بما يقوم به المدين من دفعات متوالية( [5] ) . ولا يوقع الدائن هذا التأشير ببراءة ذمة المدين ( [6] ) انتظاراً  294  للوفاء ببقية الدين ، فإذا تم الوفاء بالدين كله أعطى المدين مخالصة نهائية ، أو سلمه سند الدين ( [7] ) . على أن هذا لا يمنع من أن يكون التأشير ببراءة ذمة المدين من الدين كله .

وقد رأينا أن نص التقنين الجديد يميز بين حالتين : ( 1 ) التأشير على سند فى يد الدائن . ( 2 ) التأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين . فنبحث كلا منهما .

  295  

المطلب الأول

التأشير على سند فى يد الدائن

149 – شرطان : يشترطن حتى تتوافر الحجية للتأشير على سند فى يد الدائن ، شرطان : ( 1 ) أن يكون هناك تأشير ببراءة ذمة المدين على سند الدين . ( 2 ) أن يبقى السند دائماً فى حيازة الدائن .

150 – الشرط الأول – تأشيرة ببراءة ذمة المدين على سند الدين : يجب أن يكون التأشير مكتوباً فى سند الدين ذاته . فإذا كتب فى روق أخرى غير هذا السند ، فى صورة للسند أو فى ورقة مستقلة عنه ، لم تقم قرينة الوفاء . ذلك أن أصل السند هو الذى يحتج به الدائن ، ويطالب المدين بمقتضاه . فالتأشير ببراءة ذمة المدين فى هذا الأصل بالذات يمنع الدائن أن يبرز السند لمطالبة المدين به دون أن يكون التأشير ببراءة ذمة المدين ثابتاً فى نفس السند الذى يطالب به . أما إذا كتب التأشير فى صورة للسد أو فى ورقة مستقلة عنه ، فإنه يسهل على الدائن إخفاء هذه أو تلك ، ثم يطالب المدين بمقتضى السند الأصلى وهو لا يحمل أى تأشير . ولهذا يحرض المدين على أن يكون التأشير فى سند الدين ذاته . ومن هنا تقوم قرينة الوفاء .

ويكتب التأشير فى أى مكان من السند ، فى ذيله أو على هامشه أو فى ظهره أو فى أى مكان آخر ( [8] ) .

  296  

ويكون مضمون هذا التأشير هو براءة ذمة المدين . وأية عبارة تفيد هذا المعنى تكفى ، فلا يشترط لفظ معين . فالتأشير بأن ذمة المدين قد برئت من الدين ، أو أبرئت ، أو أن الدين قد انقضى ، أو أنا لمدين قد قام بالوفاء ، أو أنه قد تخالص ، أو أنه قام بوفاء مبلغ كذا ، أو بوفاء قسط معين ، أو نحن ذلك من العبارات التى تفيد براءة ذمة المدين براءة كلية أو جزئية ، كل هذا يصلح أن يكون تأشيراً بالمعنى المقصود .

ولا يكون التأشير موقعاً من الدائن كما قدمنا ، وإلا لصلح أن يكون دليلاً كاملاً دون حاجة إلى نص . وكونه غير موقع من الدائن هو الذى يكشف عن وجه الاستثناء فى هذه المسألة ، إذ يكون القانون قد جعل من ورقة صادرة من شخص معين دليلاً كاملاً على هذه الشخص مع أن الورقة غير موقعة منه .

بل ليس ضرورياً أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن . وهذا هو أيضاً حكم التقنين المدنى السابق ( م 230 / 295 ) ( [9] ) . أما التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 فقرة أولى ) فقد اشترط أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن ( [10] ) . ولم ير التقنين المدنى المصرى الجديد – أسوة بالتقنين المدنى المصرى القديم – أن يضع هذا  297  الشرط ، وذلك لعدم انتشار الكتابة انتشاراً كافياً . ومن ثم يصح أن يكون التأشير مكتوباً بخط أجنبى ، بل بخط المدين نفسه ، ما دام السند فى حيازة الدائن كما سيأتى . ولكن إذا لم يكن من الضرورى أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن ، فإنه يجب على الأقل أن يكون مكتوباً بإملائه أو بموافقة منه حتى يكون صادراً عنه ويكون هناك محل لقيام القرينة على الوفاء . ويفرض دائماً أن التأشير قد كتب برضاء الدائن ، حتى يثبت هو أنه كتب بغير رضائه .

وسواء كتب التأشير بخط الدائن أو كتب بخط غيره ، فقد يحدث أن هذا التأشير يمحى أو يشطب ( [11] ) . فهل تزول قوة التأشير فى الإثبات بهذا المحو أو الشطب ، أو هى تبقى بالرغم من ذلك؟ انقسم الفقه الفرنسى فى هذه المسألة ( [12] ) . وقد  298  تأ أثيرت المسألة فى لجنة المراجعة فرؤى تركها للقواعد العامة . ويبدو أن التأشير الممحو أو المشطوب يجب أن يبقى حافظاً لقوته فى الإثبات ، فتقوم قرينة الوفاء بالرغم من المحو أو الشطب . والدائن هو الذى يثبت أن القرينة فى الحقيقة غير قائمة ( [13] ) ، بأن يثبت أن المحو أو الشطب كان بسبب مشروع ، كأن يكون قد كتب التأشير مقدماً متوقعاً الوفاء فلم يتم ، فمحا التأشير تبعاً لذلك . ولو قلنا بالرأى الآخر ، وبأن التأشير تزول قوته بالمحو أو الشطب ، لسهل على الدائن بعد التأشير ببراءة ذمة المدين فى سنده بيده وفى حيازته أن يمحو هذا التأشير أو يشطبه ( [14] ) .

151 – الشرط الثانى – بقاء الند دائماً فى حيازة الدائن : ويجب حتى تقوم قرينة الوفاء أن يكون سند الدين الذى يحمل التأشير باقياً فى يد الدائن ، لم يخرج قط من حيازته . فإذا كان قد خرج من حيازته ولو لحظة واحدة ، منع ذلك من قيام قرينة الوفاء ، إذ يحتمل أن التأشير – وقد رأينا أنه لا يشترط فيه أن يكون بخط الدائن – قد كتب بخط أجنبى أو بخط المدين نفسه فى هذه اللحظة بالذات التى خرج فيها السند من حيازة الدائن . فإذا ما استرد الدائن حيازة السند ، لم تبق له حيلة فى التأشير إلا المحو أو الشطب ، وقد رأينا أنهما لا يزيلان قرينة الوفاء ( [15] ) .

  299  

وقد كان التقنين المدنى السابق لا يشترط هذا الشرط ، وهو فى الوقت ذاته لا يشترط – كما رأينا – أن يكون التأشير بخط الدائن . فقد كانت المادة 230 / 295 من هذا التقنين ، وقد سبق ذكرها ، تجرى على الوجه الآتى :

 ” التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين منه يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك ( [16] ) ” . ومن ثم كان الخطر كبيراً فى ظل هذا التقنين السابق من قيام قرينة الوفاء على غير أساس من الواقع . فكان لا يبقى أمام الدائن إلا دحض القرينة بالدليل العكسى بعد قيامها . والظاهر أنه كان يكفيه فى ذلك أن يثبت أن السند قد خرج من حيازته فترة من الزمن ، حتى ينتقل عبء الإثبات إلى المدين ليثبت أن التأشير لم يكتب فى اللحظة التى خرج منه سند الدين من حيازة الدائن ( [17] ) . ولما كان التقنين الجديد قد استحدث شرط بقاء السند فى حيازة الدائن ، فالعبرة بتاريخ خروج السند  300  من حيازة الدائن لمعرفة القانون الذى يسرى . فإن كان السند قد خرج من حيازة الدائن قبل يوم 15 من أكتوبر سنة 1949 ، فالتقنين القديم هو الذى يسرى ، ولا يمنع خروج السند من حيازة الدائن أن تقوم قرينة الوفاء وفقاً لهذا التقنين . وإن كان السند قد خرج من حيازة الدائن فى تاريخ غير سابق على 15 من أكتوبر سنة 1949 ، فالتقنين الجديد هو الذى يسرى ، وتسقط قرينة الوفاء .

وفى جميع الأحوال التى يسرى فيها التقنين الجديد ، يفترض دائماً أن السند لم يخرج من حيازة الدائن . فإذا ادعى هذا أنه خرج من حيازته فى أية لحظة ، فعليه عبء إثبات ذلك . وعلى هذا الوجه يتيسر إثبات واقعة مطلقة كالواقعة التى نحن بصددها ( [18] ) . وإذا تمكن الدائن من إثبات أن السند خرج من حيازته فإنه يكون بذلك قد أثبت عدم قيام قرينة الوفاء ، ولم يقتصر على دحضها بالدليل العكسى بعد قيامها ( [19] ) .

152 – حجية التأشير على السند إذا توافر الشرطان : وردت الفقرة الأولى من المادة 399 من التقنين المدنى نصاً خاصاً يقرر حجية هذا التأشير . ولكن قبل أن نعرض لهذا النص الخاص ، نبادر إلى القول إن التأشير على سند الدين بما يفيد براءة ذمة المدين قد تكون له حجية معينة إذا طبقت القواعد العامة فى الإثبات بقطع النظر عن هذا النص الخاص . فهو إذا كان مكتوباً بخط الدائن . أمكن أن يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضده ، ولو لم يتوافر فيه الشرطان اللذان تقدم ذكرهما . مثل ذلك أن يكتب الدائن بخطه التأشير ببراءة ذمة المدين فى ورقة مستقلة عن سند الدين أو فى صورة لهذا السند ، أو أن يكتب هذا التأشير بخطه فى سند الدين ذاته ولكن يخرج هذا السند من حيازته . ففى هذه الأحوال لا يكون التأشير دليلاً كاملاً ضد الدائن ، لأن الشرطين اللذين تطلبهما القانون فى ذلك لم يتوافرا . ولكن هذا التأشير ، ما دام أنه مكتبو بخط الدائن ، يصح اعتباره  301  مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمله المدين بالبينة أو بالقرائن ليثبت أنه قد وفى الدين ( [20] ) .

أما إذا توافر الشرطان على النحو الذى تقدم ذكره ، فإن التأشير على سند الدين يكون حجة كاملة على الدائن ، ولا حاجة للمدين باستكمالها ليثبت أنه وفى الدين . ويقع عبء الإثبات هنا على الدائن لا على المدين ، فهو الذى عليه أن يدحض قرينة الوفاء التى قامت باستيفاء التأشير لشرطيه ، فإذا لم يدحضها بالدليل العكسى فقد تم للمدين إثبات أنه قد قام بوفاء الدين .

وعندنا أن حجية التأشير تقوم على أساس ورقة عرفية غير موقعة ، هى هذا التأشير ذاته . ولا يمنع ذلك من القول بأن هذه الورقة العرفية يستخلص القانون منها قرينة على وفاء الدين ، وهى قرينة قابلة لإثبات العكس . فإذا نحن قلنا إن القرينة هنا قرينة قانونية بسيطة ، وقلنا إنها فى الوقت ذاته تقوم على ورقة عرفية غير موقعة ، فلا تعارض ما بين القولين . فجميع الأوراق العرفية غير الموقعة – دفاتر التجار والأوراق المنزلية وغيرها – هى فى هذا الوضع : أوراق عرفية غير موقعة تستخلص منها قرائن قانونية بسيطة ( [21] ) .

فمتى وجد التأشير على سند الدين مستوفياً لشرطيه ، استخلصت منه قرينة قانونية بسيطة على وفاء المدين بالدين . وكان التأشير حجة على الدائن ، ولكنها حجة قابلة للدحض . ذلك أن علة الاعتداء بهذا التأشير هى أن الدائن يقر فى سند الدين ذاته أن استوفى حقه ، وهذا الإقرار هو بمثابة ” إقرار غير قضائى لا يمكن استبعاده من السند الذى يتقدم به لاستيداء حقه ” ( [22] ) . ولكن يجوز مع ذلك هذا الإقرار غير مطابق للواقع . وتورد المذكرة الإيضاحية  302  للمشروع التمهيدى مثلاً لذلك فيما ” لو سلم الدائن السند لوكيل فوضه فى استبقاء الدين ، فهو يؤشر على هذا السند بالتخالص قبل أن يسلمه لوكيله ، ويقوم هذا برده إليه بما سبق أن دون فيه من تأشيرات فيما إذا تخلف المدين عن الوفاء عند المطالبة ( [23] ) . فيرجع سند الدين فى هذه الحالة وهو يحمل تأشير الدائن ببراءة ذمة المدين ، دون أن يكون الدائن قد استوفى الدين . ومن ذلك نرى أن القرينة هنا قد يقوم من الواقع دليل على عكسها . ومن أجل ذلك عندما أقام القانون هذه القرينة ، جعل حجيتها قابلة للدحض ( [24] ) . فيجوز للدائن ، بالرغم من التأشير ببراءة ذمة المدين ، أن يقيم الدليل على العكس ، أى على أن ذمة المدين لا تزال مشغولة بالدين .

وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يعترض  303  عليه أنه يثبت ما يخالف الكتابة بغير الكتابة ، فإن التأشير الذى يثبت عكسه هنا هو ورقة عرفية غير موقعة يجوز إثبات عكسها بجميع الطرق ( [25] ) ، وسيأتى تفصيل ذلك .

المطلب الثانى

التأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين

153 – شرطان : يشترط هنا أيضاً ، حتى تتوافر الحجية للتأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين ، شرطان : ( 1 ) أن يكون هناك بخط الدائن تأشير ببراءة  304  ذمة المدين على نسخة أصلية أخرى لسند الدين أو على مخالصة ( 2 ) أن تقع نسخة السند أو المخالصة فى حيازة المدين .

154 – الشرط الأول – تأشير بخط الدائن على نسخة أصلية للسند أو على مخالصة بباءة ذمة المدين : يجب أن يكون التأشير هنا مكتوباً إما فى نسخة أصلية لسند الدين تكون بيد المدين وإما فى مخالصة يحتفظ بها المدين . والنسخة الأصلية ( double ) لسند الدين ليست صورة ( copie ) للسند ، بل هى أصل ( original ) كسند الدين ذاته . ويفهم من ذلك أن سند الدين كتب من نسختين أصليتين إحداهما بيد الدائن والأخرى بيد المدين . وفى هذه النسخة الأصلية الأخرى التى بيد المدين يقع تأشير الدائن . وفى هذا المعنى تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : ” ويراعى أن المشروع قد عنى فى النص باستظهار ما يقصد بكلمة نسخة ، فليس يقصد بها مجرد صورة أخرى من سند الدين ، وإنما شفعت هذه الكلمة بنعت أصلية ” تعييناً لدلالة المقصود ” ( [26] ) . غنى عن البيان أن عبارة ” النسخة الأصلية ” قد تسربت إلى التقنين المصرى من التقنين المدنى الفرنسى ، إذ يشترط هذا التقنين الأخير أن يكون سند العقد الملزم للجانبين من نسخ أصلية متعددة كما رأينا . فقى عقد البيع توجد نسخة من العقد فى يد الباع ونسخة أخرى فى يد المشترى . فإذا دفع المشترى قسطاً من الثمن ، أشر البائع فى نسخة المشترى ببراءة ذمة المدين من هذا القسط . وهذا ما يقع أيضاً فى مصر بحكم الضرورة لا بمقتضى النص ، بل كان النص موجوداً كما رأينا فى المشروع الأول الذى سبق المشروع التمهيدى . ويصح أن يقع التأشير ، لا على النسخة الأخرى لسند الدين ، بل على مخالصة أعدت لتسجيل ما يقوم المدين بدفعه واحتفظ بها المدين إثباتاً لهذا الوفاء ( [27] ) .

ويتبين من ذلك أن التأشير إذا وقع على صورة للسند أو على رقة أخرى  305  مستقلة عن نسخة السند ، وأمكن اعتبار هذه أو تلك بمثابة مخالصة أعدت لتسجيل ما يقوم المدين بدفعه ، كان التأشير صحيحاً وقامت قرينة الوفاء ( [28] ) .

ويكتب التأشير فى أى مكان من الورقة ، وبأية عبارة تفيد معنى براءة الذمة ، ولا يكون موقعاً عليه من الدائن ، وذلك كله على النحو الذى قدمناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن .

ولكن التأشير هنا يجب أن يكون بخط الدائن ، وهذا على خلاف ما قررناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن من جواز أن يكون هذا التأشير بخط غير خطه . وهذا هو أيضاً حكم التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 ) ، بل إن هذا التقنين يشترط كما رأينا أن يكون التأشير دائماً بخط الدائن ، سواء وقع على سند فى حيازة المدين أو قع على سند فى حيازة الدائن . أما التقنين المدنى المصرى السابق فالأرجح أنه لم يكن يدخل فى حسابه ، عندما أورد المادة 230 / 295 ، إلا التأشير على سند فى حيازة الدائن ، وقد ترك التأشير بخط الدائن على سند فى حيازة المدين تسرى عليه القواعد العامة ، وسنعود إلى هذه المسألة بعد قليل .

واشتراط أن التأشير على سند فى حيازة المدين يكون بخط الدائن أمر واضح ، إذا لو سمح القانون أن يكون التأشير بخط غير الدائن ، لسهل على المدين ، والسند فى حيازته ، أن يستكتب أى شخص عبارة الإبراء ، فتقوم قرينة الوفاء على غير أساس من الواقع . فقوة القرينة إذن هى فى أن التأشير بالإبراء قد كتب بيد الدائن واحتفظ به المدين .

وإذا أنكر الدائن خطه ، وجب على المدين أن يلجأ إلى إجراءات تحقيق الخطوط لإثبات أن التأشير بخط الدائن ( [29] ) . فإذا ما ثبت ذلك ، جاز للدائن بعد  306  هذا أن يسلك طريق الطعن بالتزوير ( [30] ) .

وإذا محى التأشير أو شطب ، زالت قوته فى الإثبات . ذلك أن السند موجود فى حيازة المدين ، فلا يمكن حمل المحو أو الشطب إلا على أن الوفاء لم يتم ، فمحا الدائن التأشير أو شطبه ، وقبل منه المدين ذلك بأن احتفظ بالسند فى يده والتأشير فيه ممحو أو مشطوب ( [31] ) . وهذا بخلاف ما رأيناه فى المحو أو الشطب عندما يكون السند فى حيازة الدائن ، فقد تقدم أن الفقه الفرنسى منقسم فى هذه المسألة ، ورجحنا الرأى القائل بأن المحو أو الشطب لا يزيل قوة الإثبات التى للتأشير .

155 – الشرط الثانى – وقوع نسخة السند أو المخالصة فى حيازة المدين : والأصل أن نسخة السند أو المخالصة التى أشر عليها الدائن بخطه تكون فى حيازة المدين . ولكن لا يشترط هنا أن تكون باقية دائماً فى حيازته ، بل يكفى أن تكون قد وقعت فى حيازته ولو خرجت بعد ذلك من يده . ذلك أن التأشير يجب أن يكون بخط الدائن كما قدمنا ، فوقوع هذا التأشير بخط الدائن فى حيازة المدين ولو لحظة واحدة يكفى لقيام قرينة الوفاء . ومتى قامت القرينة على هذا الوجه ، كان للدائن أن يدحضها كما سنرى .

والذى يقع عادة أن المدين يبرز الورقة التى تحمل تأشير الدائن بخطه ليحتج بها . فيكون بذلك قد أثبت أنها قد وقعت فى حيازته . أما إذا لم تكن الورقة فى يده ، واستطاع أن يحصل على أمر بتقديمها فقدمت ، فعليه أن يثبت أنها وقعت فى حيازته وقتاً ما حتى تقوم قرينة الوفاء .

156 – حجية التأشير إذا توافر الشرطان : هنا أيضاً نبادر إلى القول إن هذا التأشير ، ولو لم يتوافر شرطاه ، له حجية معينة إذا طبقت القواعد العامة  307  فى الإثبات ، بقطع النظر عن نص المادة 399 من التقنين المدنى . فهو ما دام مكتوباً بخط الدائن يصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، ولو لم يتوافر فيه ما قدمناه من الشروط الأخرى . مثل ذلك أن يكتب التأشير فى نسخة أصلية ثالثة ليست فى حيازة الدائن ولا فى حيازة المدين ، أو أن يعجز المدين عن إثبات أن الورقة التى كتب فيها التأشير قد وقعت فى حيازته ، أو نحو ذلك . ففى هذه الأحوال لا يصلح التأشير دليلاً كاملاً ، ولكن يصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة أو بالقرائن .

أما إذا توافر الشرطان على النحو الذى تقدم ذكره ، فإن التأشير يكون دليلاً كاملاً ضد الدائن ، ولا حاجة للمدين باستكماله ليثبت أنه وفى الدين ، وذلك بمقضتى نص خاص هو نص المادة 399 . وحجية التأشير تقوم هنا أيضاً على أساس ورقة عرفية غير موقعة هى هذا التأشير ذاته ، على النحو الذى قدمناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن .

ثم إن علة الاعتداد بالتأشير هنا هى أن هذا التأشير قد كتب بخط الدائن نفسه ، وقد ترك الورقة التى تحمل التأشير فى يد المدين ، فتركه إياها فى يد من له مصلحة فى الاحتجاج بها قرينة على أنه استوفى الدين . فالتأشير فى هذه الحالة ” يكون فى الواقع بمثابة مخالصة تبقى فى يد المدين ” ( [32] ) . ولكن هذه القرينة ، هنا أيضاً ، قد يقوم من الواقع دليل على عكسها ( [33] ) . فقد يتصور – كما تقو المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى – ” أن يكون الدائن قد سلم المخالصة  308  لوكيل مفوض فى استيفاء الدين ، ولما كان من واجب مثل هذا الوكيل أن يرد إلى الموكل المخالصة التى تسلمها إذا لم يتم له استيفاء الدين ، فالمفروض أن الدائن يحتفظ بهذه المخالصة لأنه لم يستوف حقه من المدين ” ( [34] ) . فإذا سلم الوكيل ، بالرغم من ذلك ، المخالصة للمدين ولم يستوفى منه الدين ، وعجز عن استرداد المخالصة ، فإنها ، وهى تحمل تأشير الدائن ، تكون فى يد المدين دون أن يكون هذا قد برئت ذمته . وفى هذا دليل من الواقع يدحض القرينة .

من أجل ذلك عندما أقام القانون هذه القرينة ، جعل حجيتها هنا أيضاً قابلة للدحض . فيجوز للدائن ، بالرغم من تأشيره بخطه ببراءة ذمة المدين ،أن يقيم الدليل على العكس ، فيثبت أن ذمة المدين لا تزال مشغولة بالدين .

وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبنية أو بالقرائن . ذلك أن التأشير الذى يثبت عكسه هو ورقة عرفية غير موقعة يجوز إثبات عكسها بجمع الطرق ، وقد تقدم بيان ذلك .

157 – التأشير على سند فى حيازة المدين فى التقنين المدنى السابق : قدمنا أن المادة 230 / 295 من التقنين المدنى السابق كانت تنص على أن ” التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين منه يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك ” . وكان بعض الفقهاء فى مصر ( [35] ) يذهب إلى أن هذا النص يشمل الحالتين اللتين وردتا بعد ذلك فى المادة 399 من التقنين المدنى الجديد : حالة التأشير على سند فى حيازة الدائن وحالة التأشير على سند فى حيازة المدين . ولكن يصعب القول إن المقصود من عبارة ” سند الدين ” التى وردت فى نص التقنين السابق هو سند آخر غير السند الذى يحتفظ الدائن به عادة فى حيازته ، وأن هذه العبارة مقصود بها أيضاً ” نسخة أصلية  309  أخرى للسند ” . فالأرجح أن يكون المقصود هو النص على حالة واحدة من الحالتين ، هى حالة التأشير على سند الدين وهو فى حيازة الدائن ، وأن الحالة الأخرى قد تركت للقواعد العامة تسرى عليها . ويزيد هذا الترجيح قوة أن نلاحظ أن نص التقنين المدنى السابق لم يشترط أن يكون التأشير بخط الدائن ، مع أن قرينة الوفاء فى التأشير على سند فى حيازة المدين إنما تستمد من أن هذا التأشير يكون بخط الدائن . وهذا الرأى الذى نرجحه هو الرأى الذى سار عليه الفقه فى مصر ( [36] ) .

ومن ثم يكون التقنين المدنى الجديد قد استحدث حكماً لم يكن موجوداً فى التقنين القديم ، بأن جعل للتأشير بخط الدائن على سند فى حيازة المدين حجية كاملة ، ولم يقتصر على اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة كما تقضى بذلك القواعد العامة فى الإثبات . فإذا أشر الدائن بخطه على سند فى حيازة المدين ببراءة ذمته ، فإن كان التأشير قد كتب فى تاريخ سابق على يوم 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 فإن التقنين القديم هو الذى يسرى ، ولا يكون هذا التأشير إلا مبدأ ثبوت بالكتابة . أما إذا كان التأشير قد كتب فى تاريخ بعد ذلك ، فإن التقنين الجديد يسرى فى هذه الحالة ، ويعتبر التأشير دليلاً لا حاجة إلى استكماله بدليل آخر ، على النحو الذى بيناه فيما تقدم .


( [1] )  تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 534 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : ” 1 – إذا كتب الدائن فى ذيل سند أو على هامشه أو فى ظهره ما يستفاد منه براءة ذمة المدين ، كانت هذه الكتابة حجة عليه إلى أن يثبت العكس ، ولو لم تكن الكتابة ممضاة منه ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته  . 2 – وكذلك يكون الحكم إذا أثبت الدائن هذه الكتابة على الوجه المبين بالفقرة السابقة ، فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى مخالصة ، وكانت النسخة أو الوجه المبين بالفقرة السابقة ، فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى مخالصة ، وكانت النسخة أو المخالصة فى يد المدين ”  . وفى لجنة المراجعة عدلت الفقرة الأولى تعديلا يستفاد منه عدم ضرورة صدور الكتابة من يد الدائن نفسه ، وبهذا تكون العبرة بمجرد التأشير ، ويعتبر بقاء السند فى حيازة الدائن قرينة على أنه هو الذى كتب التأشير أو الذى أمر بكتابته فهو على كلا التقديرين صادر منه  . وأثيرت مسألة شطب التأشير سواء كان الدائن قد وقعه أو لم يوقعه ، وقد رؤى ترك الحكم للقواعد العامة  . ثم عدلت الفقرة الثانية تعديلا يجعل المعنى أوضح  . وأصبح النص النهائى للمادة هو النص الذى استقر في التقنين الجديد ، وأصبح رقم المادة 412 فى المشروع النهائى  . ووافق عليه مجلس النواب ، ثم لجنة مجلس الشيوخ تحت رقم المادة 399 ، ثم وافق مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 387 – 288 و ص 390 – 391 )  .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ليس فى هذه المادة من جديد إذا قورنت بما يقابلها فى التقنين الأجنبية  . فلأحكامها نظير فى المادة 1332 من التقنين الفرنسى والمادة 1331 من التقنين الإيطالى والمادة 2438 من التقنين البرتغالى والمادة 1920 من التقنين الهولندى والمادة 1228 من التقنين الكندى  . وقد نصت المادة 230 / 295 من التقنين المصرى والمادة 439 من التقنين المراكشى على هذه الأحكام ذاتها ، مع تحفظ قوامه إباحة إقامة الدليل العكسى ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 388 )  .

( [2] )  كانت المادة 230 / 295 من التقنين المدنى السابق تجرى على الوجه الآتى : ” التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك ”  .

( [3] )  نصوص التقنينات المدنية العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 19 : 1 – التأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين حجة على الدائن إلى أن يثبت العكس ، ولو لم يكن التأشير مؤرخا أن موقعا منه ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته  . 2 – وكذلك يكون الحكم إذا كتب الدائن بخطه دون توقيع ما يستفاد منه براءة ذمة المدين فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى الوصل وكانت النسخة أو الوصل فى يد المدين  . ( وهذا النص يتفق مع نص التقنين المصرى )  .

التقنين المدنى العراقى م 460 : الفقرة الأولى من هذه المادة مطابقة للفقرة الأولى من المادة 399 من التقنين المدنى المصرى  . وكذلك الفقرة الثانية فى كل من التقنيني مطابقة للأخرى ، فيما عدا أن التقنين العراقى يغفل ذكر لفظ ( المخالصة )  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 167 : إن ما يكتبه الدائن من العبارات التى تفيد براءة الذمة على سند دين بقى فى حوزته ، أو على نسخة من هذا السند أو على سند إيصال فى حوزة المديون ، يثبت الإيفاء ، ما لم يقم البرهان على العكس  . وليس من الضرورى أن تكون تلك العبارات مؤرخة أو ممضاة ( وهذا النص يتفق مع نص التقنين الفرنسى ويكاد يتفق مع نص التقنين المصرى )  .

( ملاحظة : أما المادة 168 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى فتقابلها المادة 349 من التقنين المدنى المصرى ، ولها مكان آخر )  .

التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة م 386 : مطابقة لنص التقنين المدنى المصرى  .

( [4] )  التقنين المدنى الفرنسى م 1332 : ” إذا كتب الدائن فى ذيل سند أو هامشه أو فى ظهره ما يستفاد منه براءة ذمة المدين ، كانت هذه الكتابة حجة عليه ، ولو كانت غير موقعة منه ولا مؤرخة ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته  . وكذلك يكون الحكم إذا اثبت الدائن هذه الكتابة فى ظهر نسخة أصلية أخرى من السند أو فى مخالصة أو على هامشها أو فى ذيلها ، ما دامت هذه النسخة فى يد المدين ”  .

وهذا هو الأصل فى نصه الفرنسى :

Art 1332 : L’ecriture mise par le creancier a la suite, en marge ou au dos d’un titre, qui est toujours reste en sa possession, fait foi, quoique non signee par lui, lorsqu’elle tend a etablir la liberation du debiteur  . Li en est de meme de l’ecriture mise par le creancier, au dos, en marge ou a la suite du double d’un titre ou d’une quittance, pourvu que ce double soit entre les mains du debiteur  .

( [5] )  وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” وقد جرت العادة بأن يؤشر الدائن بالوفاء الجزئى أو الكلى على سند الدين ويستبقيه فى حيازته ( الفقرة الأولى ) أو بأ ، يؤشر بذلك على نسخة أصلية أخرى من هذا السند أو على مخالصة تكون فى يد المدين ( الفقرة الثانية ) ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 388 )  .

( [6] )  ونطاق البحث هنا مقصور على تأشير الدائن ببراءة ذمة المدين  . أما التأشير بأى أمر آخر ، من الدائن أو من المدين ، فخارج عن نطاق هذا البحث  . غير أن الفقه الفرنسى يبحث عامة –مقتفياً فى ذلك أثر فقهاء القانون الفرنسى القديم مثل بواسو ( Boiceau ) وبوتييه ( Pothier ) – حالة تأشير المدين بالزيادة فى التزامه أو باستحداث دين جديد فى ذمته  . ثم يبحث حالة تأشير الدائن باستحداث دين فى ذمته هو  . والمفروض طبعاً أن كل هذه التأشيرات مكتوبة فى سند الدين ، وأنها غير موقعة وإلا كانت دليلا كاملا لا محل لأفراده بالذكر  .

أما حالة تأشير المدين بالزيادة فى التزامه أو باستحداث دين جديد فى ذمته ، فقد ميز فى صددها بواسو ، ومن بعده بوتييه ، بين فرضين : ( أولا ) إذا كان الالتزام الجديد ليس إلا ملحقاً بالالتزام الأصلى الثابت فى السند ، كأن كان إقراراً بفوائد للالتزام الأصلى أو تعهداً بدفع الالتزام الأصلى فى ميعاد معين أو على أقساط محددة أو قبولا لشرط فاسخ أو لشرط جزائى أو اعترافاً بغضافة إلى الالتزام الأصلى جدت بعد نشوء هذا الالتزام أو نحو ذلك ، فعندئذ يكون تأشير المدين حجة عليه ، وينسحب التوقيع الذى يحمله الالتزام الأصلى على هذا الالتزام الملحق  . ( ثانيا ) إذا كان الالتزام الجديد مستقلا كل الاستقلال عن الالتزام الأصلى ولا علاقة له به ، فعندئذ يكون تأشير المدين بهذا الالتزام الجديد ليس بحجة عليه لأنه غير موقع منه ، ويحتمل أن يكون مشروعاً لم يتم ، ويصح على كل حال أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ما دام مكتوباً بخط المدين  . وغنى عن البيان أن التأشير ، فى الفرضين المتقدمين ، إذا كان مكتوباً بخط الدائن لا بخط المدين ، لا يكون حجة على المدين إطلاقاً  .

وأما حالة تأشير الدائن باستحداث دين فى ذمته هو فلا تقاس على حالة تأشيره ببراءة ذمة المدين ، لأن الحالة الأخيرة ورد فى شأنها نص خاص استثنائى فلا يجوز القياس عليها  . ومن ثم لا يكون التأشير فى الحالة الأولى إلا مبدأ ثبوت بالكتابة ، ما دام مكتوباً بخط الدائن ، وليس فى هذا إلا تطبيق للقواعد العامة  .

وفى مصر تطبق القواعد العامة فى هذه الحالات وغيرها مما لم يرد فيه نص خاص  . ولا يجوز القياس على الحكم المنصوص عليه فى المادة 399 من التقنين المدنى ، لأن هذه المادة نص استثنائى لا يجوز تطبيقه فى غير الحالتين اللتين ورد فيهما  . ومن ثم لا يكون التأشير غير الموقع حجة على من صدر منه هذا التأشير ، ويصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا كان بخطه  . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ثم إن هذه الحجية لا تتوافر إلا إذا قصد من التأشير إلى إثبات براءة ذمة المدين ، أما ما عدا ذلك مما يؤشر به على سند الدين فلا تكون له حجية فى الإثبات إلا فى حدود القواعد العامة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 390 )  .

( أنظر فى هذه المسألة بودرى وبارد 4 فقرة 2457 – فقرة 2458 – بونييه فقرة 754 – ديمولومب 29 فقرة 660 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 2 – لوران 19 فقرة 362 – الموجز للمؤلف فقرة 645 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات فقرة 270 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 102 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 166 )  .

هذا وإذا أشر الدائن بما يفيد براءة ذمة المدين ، ولكنه أضاف إلى ذلك أن المدين شغل ذمته بدين آخر له ، كان التأشير حجة عليه بالنسبة إلى براءة ذمة المدين ، ولا يكون حجة له بالنسبة إلى شغل ذمة المدين بدين آخر ، بل يجب على الدائن بالرغم من هذا التأشير أن يحمل عبء إثبات هذا الدين الجديد  . وإلى هذا المعنى تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى حين تقول : ” ويراعى أن التأشير تقتصر حجيته على الدائن وحده ، ولا يجوز أن ينهض دليلا لصالحه على وجه الإطلاق ، إذ من الممتنع أن يصطنع دليلا لنفسه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 389 – ص 390 )  .

( [7] )  وقد جعل التقنين المدنى السابق فعلا من تسليم سند الدين إلى المدين قرينة على الوفاء تقبل إثبات العكس ( أنظر المادتين 219 – 220 / 284 – 285 من هذا التقنين )  . ولما كان تسليم سند الدين إلى المدين عملا مادياً لا يشتمل على ورقة مكتوبة ، فقد أغفلنا الكلام فى هذه القرينة هنا ونحن فى صدد بحث الأوراق المكتوبة ، وسنبحثها فى موضعها عند الكلام فى القرائن  .

( [8] ) وكان المشروع التمهيدى – كما رأينا – ينص على أن التأشير يكون فى الذيل أو على الهامش أو فى الظهر ، فحذفت هذه العبارة فى المشروع النهائى ، وأصبح النص مطلباً لا يتقيد بمكان دون آخر  . هذا وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ما يأتى : ” ويراعى أن المشروع لا يتطلب توافر أى شرط شكلى فى مثل هذا التأشير ، فهو لا يشترط بيان تاريخ التحرير أو وضع توقيع الدائن  . وهو لا يشترط إيراده فى مكان معين من السند أو النسخة الأصلية أو المخالصة ، فقد يرد فى ذيل الورقة أو على هامشها أو فى ظهرها ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 389 )  .

( [9] ) الموجز للمؤلف فقرة 644  .

( [10] ) وهذا هو الرأى السائد فى الفقه الفرنسى  . وهناك من الفقهاء فى فرنسا من يكتفى بأحد الشرطين ، كتابة التأشير بخط الدائن أو حيازة الدائن للسند ، فإذا كان الدائن حائزاً للسند ولم يكن التأشير بخطه ، أو كان التأشير بخطه ولم يكن حائزاً للسند ، فإن هذا يكفى لقيام قرينة الوفاء ، وهذا ما كان بوتييه ( الالتزامات فقرة 761 ) يقول به ( تولييه 8 فقرة 353 – ديرانتون 13 فقرة 213 )  . ويعنى هذا الفريق من الفقهاء على نص التقنين المدنى الفرنسى عدم الدقة وأنه إنما أراد أن ينقل رأى بوتييه فأخطأه التوفيق  . بل هناك من يرى أحد الشرطين ضرورياً دون الاخر : إما أن حيازة الدائن للسند دون كتابة التأشير بخط الدائن هو الضرورى ( دلفنكور 2 ص 617 – ص 618 وهو فى هذا يتفق مع التقنين المصرى ) ، وإما أن الضرورى هو كتابة التأشير بخط الدائن دون حيازة الدائن للسند ( ماركاديه م 1332 فقرة 1 – فقرة 3 )  . والصحيح فى الفقه الفرنسى أن كلا من حيازة الدائن للسند وكتابة التأشير بخط الدائن ضرورى لقيام قرينة الوفاء ، كما هو صريح نص التقنين الفرنسى ( أوبرى ورو 12 فقرة 758 ص 274 هامش رقم 18 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 3 – ديمولومب 29 فقرة 645 – فقرة 647 – لوران 19 فقرة 358 – فقرة 359 – هيك 8 فقرة 253 – بونييه فقرة 749 – فقرة 750 – بودرى وبارد 4 فقرة 2450 – بلانيول وريبير وجابولك 7 فقرة 1495 ص 944 – بيدان وبرو 9 فقرة 1241 ص 327 هامش رقم 1 )  .

وقد رأينا أن المشروع التمهيدى للتقنين المدنى الجديد ( م 534 ) كان قد جارى التقنين المدنى الفرنسى فاشترط كتابة الدائن للتأشير بخطه وحيازته للسند فى وقت معاً ، ولكن لجنة المراجعة حذفت شرط كتابة الدائن للتأشير بخطه فى المشروع النهائى واستبقت شرط حيازة الدائن للسند ، مراعية فى ذلك أن شرط كتابة الدائن للتأشير بخطه إنما تتعين مراعاته إذا كان السند فى حيازة المدين ، أما إذا كان السند فى حيازة الدائن فتغنى هذه الحيازة عن هذا الشرط ، لا سيما فى بلد لا تزال الأمية فيه هى الغالبة  . على أن هناك من الفقهاء فى مصر من يرى ، من ناحية السياسة التشريعية ، أنه كان يجدر بالمشرع المصرى ، بعد أن استكثر الجمع بين الشرطين ، أن يكتفى بأيهما ، إذ أن التأشير بخط الدائن أهم من حيازة الدائن للسند ( الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 152 هامش رقم 1 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 303 ) – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات ص 190 هامش رقم 1 )  .

( [11] ) وعبء إثبات المحو أو الشطب ، وبخاصة المحو ، يكون على المدين لأنه هو الذى يدعى المحو أو الشطب لمنعه من الانتفاع بقرينة الوفاء  .

( [12] ) ويذهب بوتييه ( فقرة 761 ) إلى أن المحو أو الشطب لا يزيل قوة التأشير فى الإثبات ، وإلا لكان من السهل على الدائن والسند فى حيازته أن يمحو التأشير أو يشطبه  . وتبع بوتييه فريق من الفقهاء ( ديرانتون 13 فقرة 221 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 10 – لوراءن 19 فقرة 361 )  . ويذهب فريق آخر إلى أنه لما كانت العادة أن الدائن يكتب التأشير ببراءة ذمة المدين على السند قبل استيفاء الدين ، فشطب هذا التأشير بعد كتابته يجدر أن يفترض فيه أن الدائن بعد أن كتب التأشير لم يستوف الدين من المدين فمحا التأشير تبعاً لذلك ، وعلى المدين إذا ادعى العكس أن يثبته  . وهذا بخلاف التأشير بالوفاء فى ورقة منزلية ، فإن العادة ألا يحصل هذا التأشير إلا بعد تمام الوفاء ، فيفترض وقوع الوفاء بالرغم من محو التأشير أو شطبه ( أوبرى ور 12 ص 276 هامش رقم 21 – تولييه 8 فقرة 356 – بوتييه فقرة 753 – ديمولومب 29 فقرة 651 – بودرى وبارد 4 فقرة 2455 )  .

( [13] ) هو هنا لا يدحض القرينة بالدليل العكسى بعد قيامها ، بل هو يثبت أن القرينة لم تقم أصلاً لعدم توافر شرط من شروط قيامها  .

( [14] ) انظر فى هذا المعنى الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 102 مكررة – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 307 – ويذهب الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة إلى أنه ” ليس من الصواب القطع بدلالة الشطب فى هذه الحالة ، فما دام المسألة يسيطر عليها اعتباران متعارضان ، لكل منهما ما يبرره ، فيجب أن يترك الأمر لتقدير القاضى ” ( الإثبات فقرة 14 ص 192 )  .

( [15] ) ولا يعتبر السند قد خرج من حيازة الدائن إذا هو انتقل إلى وكيل له أو إلى مودع عنده أو إلى مدير لأعماله أو إلى دائن مرتهن أو إلى شخص عهد إليه فى تحصيل قيمته و فى تقديمه إلى القضاء  . أما إذا انتقل إلى المدين نفسه لسبب أو لآخر ، كأن سلم إليه ليكتب التأشير بنفسه قبل الوفاء فكتبه ولم يقم بالوفاء ، فإن حيازة السند فى هذه الحالة تكون قد انقطعت ، ولكن الدائن هو الذى يقع عليه عبء إثبات ذلك كما سنرى ( ديمولومب 29 فقرة 650 – لارومبيير 6 م 1332 ص 219 – ص 221 – بودرى وبارد 4 فقرة 2451 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 164 ص 191 )  .

( [16] ) ونرى من ذلك أن التقنين المدنى الجديد هو وسط ما بين التقنين المدنى السابق والتقنين المدنى الفرنسى  . فالتقنين المدنى السابق كان لا يشترط لا حيازة السند ولا خط الدائن  . والتقنين المدنى الفرنسى يشترط الاثنين معاً  . والتقنين المدنى الجديد يشترط حيازة السند دون خط الدائن  .

( [17] ) وقد حاء فى الموجز للمؤلف فى هذا الصدد ما يأتى : ” وهذان الشرطان ( أى التأشير بخط الدائن وبقاء السند فى حيازته )غير ضروريين فى مصر  . وقد يتوافر أحدهما دون الآخر ، فيكون التأشير بخط الدائن ولكن السند لم يخرج من حيازته ، وهنا أيضاً ما دام التأشير صادراً من الدائن ولو لم يكن بخطه ، فهو حجة عليه لأن السند لم يخرج من حيازته ، فمفروض أن التأشير الصادر منه تم بموافقته  . وقد لا يتوافر أى شرط من الشرطين المتقدمين ، فيكون التأشير بغير خط الدائن ويكون السند قد خرج من حيازته ، ولكن ما دام التأشير صادراً منه ولو لم يكن بخطه ، فهو حجة عليه حتى فى هذا الفرض  . له أن يدحض القرينة بإثبات العكس ، كما يملك هذا فى الفروض الأخرى المتقدمة ، وإن كان دحض القرينة فى الفرض الأخير أسهل ”  . ثم جاء فى حاشية عن قرينة براءة ذمة المدين فى الفرض الأخير ما يأتى : ” وقرينة براءة المدين فى هذا الفرض قائم على الوجه الآتى : المفروض أن الدائن يحتفظ بسند الدين فى حيازته ، فما دام قد تركه يخرج من حيازته وسمح للغير أن يؤشر عليه بما يفيد براءة المدين ، فالمفهوم أن هذا كله قد تم بموافقته  . ,إذا قيل يحتمل أن التأشير قد تم بغير علمه من شخص أراد أن يفقد السند قيمته ، أمكن الرد على ذلك بأنه كان من الأيسر على هذا الشخص أن يمزق السند أو أن يخفيه  . وإذا قيل يحتمل أن يكون السند قد خرج من حيازة الدائن دون رضاه ، فالرد أن مثل هذا الاحتمال هو الذى جعل القرينة قابلة لإثبات العكس ” ( الموجز فقرة 644 ص 675 وهامش رقم 1 )  .

( [18] ) بودرى وبارد 4 فقرة 2451 – دى باج 3 فقرة 829 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 148 هامش رقم 1  .

( [19] ) وقد رأينا نظيراً لذلك فيما قدمناه فى شأن محو التأشير أو شطبه  .

( [20] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” على أن تخلف أحد الشرطين المتقدمين لا يجعل التأشير خلواً من كل فائدة  . فللمدين مثلاً أن ينتفع منه بوصفه مبدأ ثبوت بالكتابة متى كان محرراً بخط الدائن  . ولم ير وجه للنص صراحة على هذا الحكم ، لأنه لا يعدو أن يكون تطبيقاً للقواعد العامة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 389 )  .

( [21] ) وهى بهذه المثابة دليل كامل ولو أنها غير موقعة  . فهى إذن بمنزلة الأوراق الموقعة من حيث إنها ليست فى حاجة إلى أن تستكمل  . وهى أيضاً كالأوراق الموقعة يجوز إثبات عكسها  . ولكنها تخالف الأوراق الموقعة فى أنه يجوز إثبات عكسها بجميع الطرق دون أن تشترط الكتابة فى هذا الإثبات وسنعود إلى هذه المسألة بعد قليل  .

( [22] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 388 – ص 389 )  .

( [23] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 389  .

( [24] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” وقد نهج المشروع فى إباحة إقامة الدليل العكسى نهج التقنين الراهن ( م 230 / 295 ) والتقنين المراكشى ( م 439 ) مراعياً فى ذلك أن تأشير الدائن لا يعتبر قرينة قاطعة على براءة الذمة ، بل يكون لهذا الدائن أن يثبت أن ما أشر به قد صرد عن غلط منه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 390 )  .

أما التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 ) فلم يصرح بجواز إثبات العكس كما فعل التقنين المصرى  . لذلك يميز الفقه فى فرنسا بين الحالة التى نحن بصددها – حالة التأشير على سند الدين وهو فى حيازة الدائن – فيجيز إثبات عكس ما جاء فى التأشير بجميع الطرق لأن التأشير ورقة عرفية غير موقعة ( أوبرى ورو 12 ص 277 رقم 23 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 9 – ديمولومب 29 فقرة 657 – هيك 8 فقرة 264 – بودرى وبارد 4 فقرة 245+ – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1495 – بيدان وبرو 9 فقرة 1241 – دى باج 3 فقرة 875 ) – وحالة التأشير على نسخة أصلية لسند الدين أو على مخالصة وهى فى حيازة المدين ، فينقسم فى شأنها : فريق يقول بجواز إثبات عكس ما جاء فى التأشير بجميع الطرق كما فى الحالة السابقة لأن التأشير لا يزال ورقة عرفية غير موقعة ( ديمولومب 29 فقرة 657 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 9 – هيك 8 فقرة 264 – بودرى وبارد 4 فقرة 2456 ) ، وفريق آخر يذهب إلى أن التأشير فى هذه الحالة ، بحم أنه بخط الدائن وهو فى الوقت ذاته فى حيازة المدين ، يكسب طابعاً تعاقدياً إذ هو وضع اشترك فى إقامته كل من الدائن والمدين ، الأول بخطه والثانى بحيازته ، فأضفيا عليه صيغة السند الموقع كما يقول أوبرى ورو ( revet, en quelque sorte, le caractere d’un acte proprement ) ، ومن ثم لا يجوز إثبات ما يخالفه إلا بالكتابة ( أوبرى ورو وبارتان 12 فقرة 758 ص 277 هامش رقم 23 – بيدان برو 9 فقرة 1242 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1495 – دى باج 3 فقرة 875 )  .

( [25] ) الموجز للمؤلف فقرة 644 ص 675 – ويذهب الأستاذ سليمان مرقس ، فى كتابة ” أصول الأثبات ” ص 148 هامش رقم 2 ، ” إلى أن النص الخاص بالتأشير على سند الدين لا يقتصر على إنشاء قرينة قانونية على البراءة ، وإنما هو يعطى هذه الكتابة غير الموقعة قيمة الكتابة الموقع’  . وإذن تسرى على التأشير قواعد حجية الورقة العرفية الموقعة ، فيجوز إثبات عكس ما تضمنه ، على أن يكون ذلك بالكتابة أو بما يقوم مقامها أو بالبينة والقرائن فى الأحوال التى يوجد فيما ما يسوغ الإثبات بها استثناء ”  . انظر أيضاً فقرة 202 ص 375 – ص 386 من الكتاب ذاته  .

ولا ضير من القول بأن المشرع رفع التأشير ببراءة ذمة المدين ، وهو تأشير غير موقع ، إلى منزله الورقة الموقعة, ولكن يبقى التأشير مع هذا قابلاً لإثبات العكس بجميع الطرق  . ويرجع ذلك إلى تحديد ما هو المقصود بعبارة ” الدليل الكتابى ” الواردة فى المادة 410 من التقنين المدنى المصرى ، عندما يقرر هذا النص أنه لا يجوز الإثبات بالبينة ” فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابى ”  . وفى رأينا أن المقصود بالدليل الكتابى هنا هو ورقة عرفية موقعة ، لا ورقة غير موقعة ولو ارتفعت إلى منزلة الورقة العرفية الموقعة  . وهذا هو ما استقر عليه الفقه والقضاء فى مصر وفى فرنسا  . والسبب فى إجماع الفقه والقضاء فى فرنسا على هذا الرأى أن التقنين المدنى الفرنسى ( م 1341 ) قد أورد القاعدة التى تقضى بعدم جواز إثبات ما يخالف الكتابة إلى بالكتابة فى نفس النص الذى أوجب الكتابة فيما يزيد على النصاب المعين  . فالكتابة التى عناها فى الحالتين هى الكتابة الموقعة ، ما فى ذلك من شك  . فوضح من هذا أن الكتابة التى لا يسمح بإثبات ما يخالفها إلا بالكتابة إنما هى الكتابة الموقعة دون غيرها  . ولم يرد المشرع المصرى بتاتاً أن يحيد عن هذا المبدأ فهو عندما منع فى المادة 401 الإثبات بالبينة ” فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابى ” قد قصد دون ريب ” بالدليل الكتابى ” الورقة العرفية الموقعة المطلوبة فى إثبات ما تزيد قيمته على عشرة جنيهات ، كما يستخلص ذلك ضمناً من نص المادة 400  . ولا يمكن القول ، لمجرد تحوير لفظى ، أن المشرع المصرى قصد مغايرة القواعد الجوهرية فى الإثبات التى نقلها عن المشروع الفرنسى  .

( [26] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 388  .

( [27] ) ويلاحظ هنا أن التقنين المدنى العراقى ( م 460 ) يشترط أن يقع التأشير على النسخة الأصلية الأخرى لسند الدين ، فلا يجوز أن يقع على مخالصة أو على أية ورقة أخرى  . وفى هذا وحده ، كما قدمنا ، يختلف هذا التقنين عن التقنين المصرى  .

( [28] ) أما إذا أشر البائع ببراءة ذمة المشترى على نسخة أصلية لعقد البيع ليست فى يده ولا فى يد المشترى ، بأن تعدد المشترون وكان التأشير على نسخة ثالثة فى يد مشتر آخر ، فإن التأشير فى هذه الحالة لا يكون صحيحاً لوقوعه فى سند ليس فى حيازة الدائن ولا فى حيازة المدين  .  . ولكنه ما دام مكتوباً بخط الدائن يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( أوبرى ورو 12 ص 275 هامش رقم 19 )  .

( [29] ) ذلك أن إجراءات تحقيق الخطوط تقبل فى جميع الأوراق العرفية ، موقعة كانت أو غير موقعة  .

( [30] ) الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 147 هامش رقم 1 وص 153  .

( [31] ) ديرانتون 13 فقرة 656 – بودرى وبارد 4 فقرة 2455 – دى باج 3 فقرة 829 – بيدان وبرو 9 فقرة 1242 – الموجز للمؤلف فقرة 645 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 102 مكررة – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 307 مكررة – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 165 ص 194  .

( [32] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 389 )  .

( [33] ) وقد كان المشروع الأول الذى سبق المشروع التمهيدى يميز بين حالة التأشير على سند فى حيازة الدائن فيجعل التأشير قابلاً لإثبات العكس ، وحالة التأشير على سند فى حيازة المدين فيجعل التأشير غير قابل لإثبات العكس ( م 19 من هذا المشروع )  . ولعل المشروع قد تأثر فى ذلك بأن فريقاً من الفقهاء الفرنسيين لا يسمحون ، فى إثبات عكس التأشير على سند فى حيازة المدين ، بأن يكون الإثبات بجميع الطرق ، بل يشترطون أن يكون الإثبات بالكتابة على النحو الذى بيناه فيما تقدم  . وواضح أن هذا أمر يختلف عن قابلية التأشير لإثبات العكس فى ذاته ، سواء كان إثبات العكس بجميع الطرق أو كان بطرق معينة  . وقد ورد فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ( المذكرة الإيضاحية 2 ص 690 )  . عبارة تردد هذا التمييز  . وهى عبارة خاطئة ، لن التقنين الجديد ( وكذلك المشروع التمهيدى ) لم يفرق بين حجية القرينة فى حالة التأشير على سند فى حيازة المدين وحجيتها فى حالة التأشير على سند فى حيازة الدائن ، فكلتا القرينتين قابلة لإثبات العكس  . ومن أجل ذلك لم تنقل هذه العبارة إلى مجموعة الأعمال التحضيرية ( انظر فى هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 152 هامش رقم 3 والأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات ص 194 هامش رقم 2 )  .

( [34] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 39  .

( [35] ) انظر فى هذا المعنى الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات الطبعة الرابعة فقرة 266 والطبعة الخامسة فقرة 306  .

( [36] ) الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 101 ص 152 هامش رقم 2 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 165 ص 193 

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s