الضرر


الضرر

442 – عبُ إثبات الضرر : الركن الثاني في المسئولية العقدية هو الضرر . فلا بد من وجود ضرر حتى تترتب هذه المسئولية في ذمة المدين . والدائن هو الذي يحمل عبء إثبات الضرر ، لأنه هو الذي يدعيه . ولا يفترض وجود الضرر لمجرد أن المدين لم يقم بالتزامه العقدي ، فقد لا ينفذ المدين التزامه ولا يصيب الدائن ضرر من ذلك . ففي عقد النقل مثلاً ، إذا تأخر أمين النقل في تسليم البضاعة ، أو تأخر الراكب عن الوصول في الميعاد ، فإن مجرد التأخر لا يكفي لاستخلاص وجود الضرر ، بل يجب على الدائن أن يثبت أنه قد أصابه ضرر معين من جراء هذا التأخر ( [1] ) .

ويستثنى من ذلك فوائد النقود . فإذا استحقت فوائد عن التأخير ، قانونية كانت أو اتفاقية ، فإن الضرر مفترض ولا يكلف الدائن إثباته . بل لا يجوز للمدين أ ، يثبت أن الدائن لم يلحق به ضرر ليتخلص من المسئولية . وقد نصت المادة 228 على هذا الحكم فقالت : ” لا يشترط لاستحقاق فوائد التأخير ، قانونية كانت أو اتفاقية ، أن يثبت الدائن ضرراً لحقه من هذا التأخير ” .

أما الشرط الجزائي فلا يغني عن إثبات الضرر . ولكنه ينقل عبء الإثبات من الدائن إلى المدين . فالضرر مفروض إلا إذا أثبت المدين أنه لم يقع . وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 224 على هذا الحكم إذ تقول : ” لا يكون التعويض الاتفاقي مستحقاً إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر ” .

443 – مسألتان للبحث : والضرر إما أن يكون مادياً أو أدبياً . والتعويض عن الضرر في المسئولية العقدية محدود المدى ، فلا تعويض إلا عن الضرر المتوقع .

فنبحث إذن مسألتين : ( 1 ) الضرر المادي والضرر الأدبي . ( 2 ) مدى التعويض عن الضرر .

 $ 1 – الضرر المادي والضرر الأدبي

444 – كيف يتحقق كل من الضرر المادي والضرر الأدبي : قد يصيب الدائن في المسئولية العقدية ضرر مادي في ماله أو في جسمه ، كالمعير لا يستطيع استرداد الشيء المعار ، وكالراكب يؤذي في سلامته عند النقل . والضرر المادي هو الأكثر الأغلب . ولكن قد يكون الضرر ، وهذا نادر في المسئولية العقدية ، أدبياً يصيب الدائن في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه أو نحو ذلك .

ويجب على كل حال في الضرر أن يكون واقعاً أو محقق الوقوع . ونبحث هذا الشرط في الضرر المادي لأن ظهور الحاجة إليه أكثر وضوحاً فيه . ثم نبحث الضرر الأدبي .

أ – الضرر المادي ( prejudice materiel ) :

445 – الضرر الحال ( prejudice actuel ) : الضرر الحال هو الضرر الذي وقع فعلاً . والأصل أن التعويض يكون عن الضرر الحال . ويعوض عن الضرر المستقبل إذا كان محقق الوقوع كما سنرى .

أما إذا لم يقع أصلاً فلا تعويض . مثل ذلك تأخر الراكب في الوصول قد لا ينجم عنه ضرر ، فلا يرجع الراكب بتعويض على أمين النقل . وإذا كلف الموكل وكيله أن يقيد رهناً لمصلحته ، فلا يقوم الوكيل بقيد الرهن ، ويتبين بعد ذلك أن العقار المرهون كان قبل الرهن مستغرقاً بالدين ، فلا تعويض للموكل إذا لم يلحقه ضرر .

446 – الضرر المستقبل ( Prejudice futur ) : وقد لا يقع الضرر في الحال ، ولكن يكون محقق الوقوع في المستقبل . مثل ذلك مصنع يتعاقد على استيراد خامات يدخرها للمقبل من الأيام ، فيخل المورد بالتزامه نحوه . فالضرر هنا لا يلحق المصنع في الحال إذ عنده خامات كافية ، ولكن يلحق به الضرر مستقبلاً عندما ينفذ ما عنده ويصبح في حاجة إلى الجديد الذي تعاقد على استيراده . ولما كان الضرر في هذا المثل محقق الوقوع في المستقبل ، ويستطاع تقدير التعويض عنه في الحال ، فإن للمصنع أن يرجع فوراً بالتعويض على المورد . ولكن قد يحث أن الضرر المستقبل يكون محقق الوقوع ولا يستطاع تقدير التعويض عنه في الحال ، إذ يتوقف مدى الضرر على عامل مجهول لما يعرف . مثل ذلك راكب يصاب بحادث في أثناء النقل ولا تعرف مدى إصابته إلا بعد وقت غير قصير ، فإذا رجع على أمين النقل بتعويض ، وجب التربص حتى يعرف مدى الضرر ليتقاضى عنه تعويضاً كافياً . وسنعالج هذه المسألة بتفصيل أو في المسئولية التقصيرية .

447 – الضرر المحتمل ( prejudice eventuel ) : وقد يكون الضرر محتملاً : لا هو قد تحقق فعلاً ، ولا هو محقق الوقوع في المستقبل . مثل ذلك أن يحدث المستأجر بالعين المؤجرة خللاً يخشى معه أن تتهدم العين . فالخلل ضرر حال ، ولكن تهدم العين ضرر محتمل . ويعوض المؤجر عن الضرر الحال فوراً . أما الضرر المحتمل فلا يعوض عنه إلا إذا تحقق . وسنرى عند الكلام في المسئولية التقصيرية أنه يجب التمييز أيضاً بين الضرر المحتمل ، ولا يعوض عنه إلا إذا تحقق كما قدمنا ، وتفويت الفرصة ، ويعوض عنه في الحال .

ب – الضرر الأدبي ( prejudice moral ) :

448 – أمثلة على الضرر الأدبي في المسئولية العقدية : سنرى عند الكلام في المسئولية التقصيرية أن الضرر الأدبي قد يصيب الجسم فيما يلحق به من ألم أو يحدث فيه من تشويه ، وقد يصيب الشرف والاعتبار والعرض ، وقد يصيب العاطفة والحنان والشعور . وهو إذا كان يقع كثيراً في المسئولية التقصيرية ، فإن وقوعه في المسئولية العقدية نادر . إذ الأصل أن الشخص يتعاقد على شيء ذي قيمة مالية .

ولكن هذا لا يمنع من أن تكون هناك مصلحة أدبية للمتعاقد في تنفيذ العقد ، فإذا أخل المدين بالتزامه لحق الدائن من ذلك ضرر أدبي . فالراكب إذا أصيب بجرح في أثناء النقل لحقه من ذلك ضرر أدبي في جسمه . والطبيب إذا أساء علاج المريض أصابه كذلك بضرر أدبي في صحته . وقد يذيع الطبيب سراً للمريض لا تجوز إذاعته ، فيصيب المريض بضرر أدبي في سمعته . كذلك قد يذيع الوكيل عن موكله ما يؤذيه في اعتباره . وقد يشتري شخص تذكاراً عائلياً ليست له إلا قيمة أدبية محضة بالنسبة إليه ، فإذا أخل البائع بتنفيذ التزامه كان الضرر الذي يصيب المشتري من جراء ذلك ضرراً أدبياً . والناشر إذا نشر كتاباً لمؤلف فشوهه ، قد يصيب المؤلف بضرر مادي ، ولكن المحقق أن يصيبه بضرر أدبي . والفنان إذا تعاقد مع شخص على عمل فني ، ففسخ المتعاقد معه العقد فسخاً تعسفياً ، قد يرى في هذا الفسخ إضراراً أدبياً بسمعته . والقطار إذا تأخر عن الوصول في ميعاده ، فلم يستطع أحد الركاب أن يشيع جنازة عزيز عنده بسبب هذا التأخر ، يكون قد أحدث ضرراً أدبياً للراكب في عاطفته . بل إن امتناع المدين عمداً عن تنفيذ العقد يجعل التعويض أوسع مدى ، إذ يمتد إلى الضرر غير المتوقع ، وليس هذا إلا ضرباً من التعويض عن ضرر أدبي أصاب الدائن بسبب سوء نية المدين .

449 – جواز التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية : وقد ناقش الفقهاء في فرنسا جواز التعويض عن الضرر الأدبي بوجه عام ، وعن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية بوجه خاص . وإذا لم يكن الآن لجواز التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية التقصيرية خصوم يعتد بهم ، فإن بعضاً من الفقهاء لا يجيز التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية . ويرجع السبب في ذلك إلى أن تقاليد القانون الفرنسي القديم كانت لا تجيز هذا التعويض ، وقد ردد دوماً وبوتييه هذا الحكم زاعمين خطأ أنه هو حكم .القانون الروماني . ولكن الكثرة في الفقهاء الفرنسيين تجيز التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية ( [2] ) .

أما في القانون المصري ، فقد كان التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية جائزاً فقهاً وقضاء ( [3] ) . وأورد القانون الجديد نصاً صريحاً في جواز التعويض عن الضرر الأدبي في كل من المسئوليتين التقصيرية والعقدية ، فنصت الفقرة الأولى من المادة 222 من هذا القانون على ما يأتي : ” يشمل التعويض الضرر الأدبي أيضاً ، ولكن لا يجوز في هذه الحالة أن ينتقل إلى الغير إلا إذا تحدد بمقتضى اتفاق أو طالب الدائن به أمام القضاء ” .

450 – إحالة : وسنستوفى بحث التعويض عن الضرر الأدبي عند الكلام في المسئولية التقصيرية . فما يقال هناك ينطبق هنا ، وبخاصة في تعيين من له حق المطالبة بتعويض عن الضرر الأدبي ومتى يمكن انتقال هذا الحق .

 $ 2 – مدى التعويض عن الضرر

451 – الضرر المباشر المتوقع هو الذي يعوض عنه في المسئولية العقدية : الضرر غير المباشر ( indirect ) لا يعوض عنه أصلاً ، لا في المسئولية العقدية ولا في المسئولية التقصيرية ، فلا يعوض إذن في المسئوليتين إلا عن الضرر المباشر ( direct ) .

ولكن في المسئولية التقصيرية يعوض عن كل ضرر مباشر ، متوقعاً كان ( previsible ) أو غير متوقع ( imprevisible ) أما في المسئولية العقدية فلا يعوض إلا عن الضرر المباشر المتوقع في غير حالتي الغش والخطأ الجسيم . وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 221 صراحة على هذا الحكم إذ تقول :

 ” ومع ذلك إذا كان الالتزام مصدره العقد ، فلا يلتزم المدين الذي لم يرتكب غشاً أو خطأ جسيماً إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد ( [4] ) ” .

ونأتي بمثال يوضح ذلك ننقله عن ” نظرية العقد ( [5] ) ” : يضطر المستأجر لإخلاء المنزل قبل انقضاء مدة الإيجار لعدم قيام المؤجر بالتزامه من ترميم اشترطه عليه المستأجر . فينتقل إلى منزل مساو للمنزل الأول ولكنه أعلى اجرة ، وتتلف بعض المفروشات في أثناء النقل . ثم يكون في المنزل الجديد ” ميكروب ” مرض معد ينقل إليه هذا المرض . فالفرق في الأجرة ما بين المنزلين هو الضرر المباشر المتوقع . وقيمة المفروشات التي تلفت هي الضرر المباشر غير المتوقع . وما يتسبب عن المرض هو الضرر غير المباشر . والمؤجر لا يكون مسئولا إلا عن الضرر المباشر المتوقع ، ما لم يكن قد أخل بالتزامه عمداً أو عن خطأ جسيم فيكون مسئولا عن الضرر المباشر المتوقع . وقيمة المفروشات التي تلفت هي الضرر المباشر غير المتوقع . وما يتسبب عن المرض هو الضرر غير المباشر . والمؤجر لا يكون مسئولا إلا عن الضرر المباشر المتوقع ، ما لم يكن قد أخل بالتزامه عمداً أو عن خطأ جسيم فيكون مسئولا عن الضرر المباشر المتوقع وغير المتوقع كما في المسئولية التقصيرية . ولا يكون المدين مسئولا عن الضرر غير المباشر أصلاً حتى في المسئولية التقصيرية ( [6] ) ” .

ومن المهم إذن أن نحدد عند اللبس ما إذا كانت المسئولية عقدية لا تعويض فيها إلا عن الضرر المتوقع ، أو هي مسئولية تقصيرية يكون التعويض فيها حتى عن الضرر غير المتوقع . فإذا أصيب الراكب في حادث وتحققت مسئولية أمين النقل العقدية ، لم يكن أمين النقل مسئولا قبل الراكب وورثته من بعده إلا عن الضرر المتوقع عن هذا الحادث . أما إذا طالبت الورثة بتعويض باسمهم الشخصي ، لا باعتبارهم ورثة ، فإن ذلك يكون على أساس المسئولية التقصيرية ، ويستطيعون على هذا الأساس أن يحصلوا على تعويض ما أصابهم هم ، لا ما أصاب مورثهم من ضرر متوقع أو غير متوقع ( [7] ) .

452 – ماذا يبرر قصر التعويض في المسئولية العقدية على الضرر المتوقع : ويقال عادة في تبرير قصر التعويض على الضرر المتوقع إن المتعاقدين لم يتعاقدا إلا على ما يتوقعانه من الضرر . فالضرر غير المتوقع لا يدخل في دائرة التعاقد ، فلا تعويض عنه . أما إذا كان هناك غش – أو ما يعادل الغش من خطأ جسيم – في جانب المدين ، فمسئولية المدين تنقلب إلى مسئولية تقصيرية تشمل الضرر غير المتوقع . وينتقد الاستاذان هنري وليون مازو فكرة انقلاب المسئولية العقدية بالغش إلى مسئولية تقصيرية ، إذ لا يزال المدين مسئولا بالعقد ، حتى لو كان سيء النية في عدم تنفيذه . ويريان أن المسئولية عن الضرر غير المتوقع في هذه الحالة ليست إلا عقوبة مدنية نص عليها القانون ( [8] ) .

ونرى من جانبنا أن تلمس مبرراً للقاعدة في الاعتبارات الآتية : الأصل في المسئولية ، عقدية كانت أو تقصيرية ، وجوب التعويض عن الضرر المباشر أكمله ، حتى لو كان غير متوقع . ذلك أن المدين مسئول عن كل هذا الضرر ، فهو الذي أحدثه مباشرة بخطأه . إلا أن المسئولية العقدية تتميز بأنها تقوم على العقد ، فإرادة المتعاقدين هي التي تحدد مداها . وقد افترض القانون أن هذه الإرادة قد انصرفت إلى جعل المسئولية عن الضرر مقصورة على المقدار الذي يتوقعه المدين ، فهذا هو المقدار الذي يمكن اني فترض افتراضاً معقولاً أن المدين قد ارتضاه . ويكون هذا الافتراض المعقول بمثابة شرط اتفاقي يعدل من مقدار المسئولية بقصرها على مقدار معين هو مقدار الضرر المتوقع . ولكن لما كان هذا الشرط باطلا في حالتي غش المدين وخطأه الجسيم كما قدمنا ، أصبح المدين في هاتين الحالتين ملتزماً بالتعويض عن كل الضرر ، متوقعاً كان أو غير متوقع ، لأنه رجع إلى الأصل بعد أبطال الشرط الاتفاقي الذي يعدل من مقدار المسئولية . ولعل هذا التبرير يعين على تفسير القواعد التي سنبسطها الآن في تحديد الضرر المتوقع .

453 – تحديد الضرر المتوقع – توقع سبب الضرر ومقداره – معيار موضوعي : لما كان مفروضاً أن المدين في المسئولية العقدية لم يزم نفسه إلا بالضرر المتوقع كما قدمنا ، وجب ، جرياً وراء هذا القرض المعقول ، أن يكون المدين قد توقع الضرر ، لا في سببه فحسب ، بل أيضا في مقداره . فإذا تعهدت شركة نقل ينقل ” طرد ” ، ثم ضاع ” الطرد ” في الطريق ، وتبين أنه يحتوى على أشياء ثمينة لم تكن الشركة تتوقعها عند إبرام العقد ، فلا تكون الشركة مسئولة عن كل القيمة بدعوى إنها كانت تتوقع سبب الضرر ، وهو وقع خطأ من عمالها قد يسبب ضياع ” الطرد ” ، بل لا تكون مسئولة إلا عن القيمة المعقولة ” للطرد ” ، إذ هي لا تسأل إلا عن الضرر الذي كانت تتوقعه في سببه وفي مقداره ( [9] ) .

وينبني أيضاً على هذا الفرض المعقول من أن المدين لم يلتزم إلا بالضرر المتوقع ، أن الوقت الذي ينظر فيه إلى توقع الضرر هو وقت إبرام العقد فلو أن المدين لم يتوقع الضرر في هذا الوقت ، ثم توقعه بعد ذلك ، فإنه لا يكون مسئولا عنه ، لأنه لم يلتزم به وقت إبرام العقد . وهذا هو ما ورد صراحة في الفقرة الثانية من المادة 221 ، إذ تنص على أن المدين الذي لم يرتكب غشاً أو خطا جسيما لا يلتزم ” إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد ” .

وتوقع المدين للضرر يقاس بمعيار موضوعي لا بمعيار ذاتي . فالضرر المتوقع هو – كما يقول النص – الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة ، أي الضرر الذي يتوقعه الشخص المعتاد في مثل الظروف الخارجية التي وجد فيها المدين ، لا الضرر الذي يتوقعه هذا المدين بالذات . فإذا أهمل المدين في تبين الظروف التي كان من شأنها أن تجعله يتوقع الضرر ، فإن الضرر يعتبر متوقعاً . لأن الشخص المعتاد لا يهمل في تبين هذه الظروف . أما إذا كان عدم توقع المدين للضر يرجع إلى فعل الدائن ، كأن سكت الدائن عن إخطار شركة النقل بأن ” الطرد ” يحتوى على أشياء ثمينة بالرغم من مظهره ، فإن الشركة لا تكون مسئولة عن هذا الضرر ، إذ من حقها إلا تتوقعه ، وهذا ما كان الشخص المعتاد يفعله ، كذلك إذا أعطى الدائن للمدين ببيانات غير صحيحة ، للحصول مثلا على تعريفة مخفضة للنقل ، فلا ينتظر من المدين أن يتوقع الضرر الذي يترتب على عدم صحة هذه البيانات . بل إن سكوت المدين عن إعطاء بيانات لازمة قد يعتبر في بعض الأحوال إخفاء للضرر ، فيكون المدين معذوراً إذا لم يتوقعه . فإذا سكت الراكب عن أن يبين لأمين النقل أنه يريد الوصول في الميعاد لأنه سيشترك في سباق ، أو سيؤدي امتحاناً ، أو سيحضر اجتماعاً هاماً ، أو سيمضي عقداً ، أو سيتقدم في مزاد ، أو نحو ذلك من الأشياء العاجلة التي يجب أن تتم في وقت محدد ، فلا يكون أمين النقل مسئولا عما يقع من ضرر لم يكن يتوقعه إذا وصل الراكب متأخراً عن الميعاد ، وإنما يكون مسئولا عن الضرر الذي ينجم عن التأخر في الظروف المعتادة . أما إذا رجع عدم توقع الضرر لا إلى فعل المدين ولا إلى فعل الدائن ، بل إلى سبب أجنبي عنهما معاً ، فإن المعيار الموضوعي للشخص المعتاد هو الذي يطبق في هذه الحالة ، وينظر هل كان الشخص المعتاد في مثل هذه الظروف الخارجية يتوقع الضرر أو لا يتوقعه ( [10] ) .


 ( [1] ) أنظر فيما يتعلق بعقد النقل مازو 2 فقرة 1682 .

 ( [2] ) أنظر في الفقه الفرنسي مازو 1 فقرة 329 – فقرة 334 .

 ( [3] ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 853 ص 959 .

 ( [4] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في الفقرة الثانية من المادة 299 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق . وقد أقرته لجنة المراجعة تحت رقم المادة 228 في المشروع النهائي . وأقره مجلس النواب ، ثم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم المادة 221 ، ثم مجلس الشيوخ . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 563 – ص 566 ) .

ويقابل هذا النص في القانون المدني القديم المادتان 122 / 180 من هذا القانون ، ويجريان على الوجه الآتي : ” ومع ذلك إذا كان عدم الوفاء ليس ناشئاً عن تدليس من المدين ، فلا يكون ملزماً إلا بما كان متوقع الحصوص عقلا وقت العقد ” .

وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويكون للمسئولية التعاقدية ، في حالتي الغش والخطأ الجسيم ، حكم المسئولية التقصيرية . أما في غير هاتين الحالتين فلا يسأل المدين عن النتيجة الطبيعية للتخلف عن الوفاء بمجردها ، بل يشترط أن تكون النتيجة مما يمكن توقعه عادة وقت التعاقد . فإذا لم يتحقق في النتيجة هذا الشرط ، خرجت بذلك من نطاق المسئولية التعاقيدة وسقطت وجوب التعويض عنها ، ويراعى في هذا الصدد أن توقع المتعاقدين للضرر الواجب تعويضه يجب إلا يقتصر على مصدر هذا الضرر أو سببه ، بل ينبغي أن يتناول فوق ذلك مقداره أو مداه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 565 ) .

 ( [5] ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 854 ص 959 .

 ( [6] ) استئناف مختلط في 8 ابريل سنة 1897 م 9 ص 263 – وفي 10 يناير سنة 1924 م 36 ص 140 – وفي 9 ديسمبر سنة 1924 م 37 ص 51 – نقض فرنسي في 18 مايو سنة 1915 سيريه 1917 – 1 – 38 .

 ( [7] ) مازو 3 فقرة 2377 .

 ( [8] ) أنظر مازو 3 فقرة 2375 – 3 إلى فقرة 2376 .

 ( [9] ) نقض فرنسي في 7 يولية سنة 1924 سيريه 1925 – 1 – 321 – ومع ذلك أنظر نقض فرنسي في 11 يونية سنة 1928 جازيت دي باليه 1928 جازيت دي باليه 1928 – 2 – 327 – مازو 3 فقرة 2388 .

 ( [10] ) أنظر انتقاداً لقاعدة قصر المسئولية العقدية على الضرر المتوقع في مازو 3 فقرة 2391 .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s