النص هو الذي ينشئ الالتزام القانوني


 النص هو الذي ينشئ الالتزام القانوني

903 – هل هناك سياسة تشريعية توخاها القانون في إنشاء الالتزامات القانونية :

رأينا أن المصدر المباشر للالتزامات القانونية هو القانون ذاته ، فلا توجد وسيلة إلى معرفة الالتزامات القانونية وتحديدها إلا الرجوع إلى النصوص القانونية . فأينما نجد نصاً ينشئ التزاماً ، فثم التزام قانوني . وقد يبدو أن الالتزامات القانونية ، وقد وكل أمر إنشائها إلى النصوص ، تخلقها هذه النصوص تحكماً ، دون أن تكون هناك في إنشائها سياسة مرسومة . فحيث يستحسن المشرع إنشاء التزام قانوني ، أنشأ هذا الالتزام بنص تشريعي . وهذا هو الظاهر . ولكن الواقع من الأمر أن المشرع يخضع في إنشاء الالتزامات القانونية ، كما يخضع في إنشاء سائر العلاقات القانونية ، إلى سنن طبيعية يطيعها عن شعور أو عن غير شعور .

ونبين كيف يخضع المشرع لهذه السنن الطبيعية في إنشاء الالتزامات القانونية .

 المطلب الأول

 الالتزامات القانونية التي تستند إلى الوقائع المادية

904 – الالتزامات السلبية : بديهي أن الإنسان يلتزم بإرادته في الحدود التي يسمح بها القانون . فالالتزام الإداري لا عناء في تبريره . وحيث يوجد التزام ر يقوم على الإدارة ، فالقانون هو الذي أوجده .

والقانون في إنشائه للالتزامات غير الإدارية يدخل في حسابه اعتبارات أدبية واجتماعية . ولكنه لا يستطيع أن ينقاد لهذه الاعتبارات وحدها ، بل يجب عليه أن يراعي اعتبارات أخرى في الصياغة القانونية ، أهمها أنه لا يستطيع أن يصوغ التزاماً مبهماً غير محدد ، أيا كانت المبررات الأدبية والاجتماعية لإنشائه . فهو لا يستطيع أن ينشئ التزاماً إيجابياً يفرض على كل شخص أن يساعد غيره او أن يغيثه عند الحاجة . مثل هذا الالتزام غير المحدد مقضي عليه أن يبقى في دائرة الآداب والاجتماع . ويتناول القانون في رفق بعض نواحيه ، فيبرر منها ما يتمكن من تحديده ، ويصوغه التزامات قانونية ، فينتقل بذلك من عالم الأخلاق والاجتماع إلى عالم القانون .

وأول ما استطاع القانون أن يفعل ذلك كان في الالتزامات السلبية ، لأنها أسهل تحديداً وأخف عبئاً وأظهر حاجة . فأوجد التزامين قانونيين أخذ بهما الناس كافة . قال في الأول منهما : لا تضر بالغير دون حق ، فوجد العمل غير المشروع مصدراً عاماً للالتزام . وقال في الثاني : لا تثر على حساب الغير دون سبب ، فوجد الإثراء دون سبب مصدراً عاماً آخر .

وهنا وقف القانون . ولم يستطع أن يخطو خطوة ثالثة ليضع قاعدة عامة كالقاعدتين الأوليين . ذلك أنه كان يقرر في هاتين القاعدتين التزامات سلبية . فإذا هو خرج من المنطقة السلبية إلى المنطقة الإيجابية ، ومن النهي عن الإضرار والإثراء إلى الأمر بالمعاونة والمساعدة ، فثم العسر والتحكم ، إذ تختلط الحدود ، وتنبهم الضوابط .

905 – الالتزامات الإيجابية : على أن القانون لم يسعه أن يقف عند هذه الحدود السلبية ، بل تقد إلى المنطقة الإيجابية ولكن في كثير من الأناة . وإذا كان قد استطاع كما قدمنا أن يقول في عبارة عامة : لا تضر بالغير ، ولا تثر على حساب الغير ، فإنه لم يستطع أن يقول : ساعد الغير ، في عبارة لها ذات العموم والشمول . قال :ساعد الغير ، ولكن في مواطن معينة رسم حدودها وأحكم ضوابطها .

فبدأ بمن ساعد الغير فعلاً من تلقاء نفسه – الفضولي – وقال له عليك أن تمضى في عملك ما دمت قد بدأته ، وعليك أن تبذل فيه عناية محمودة . وعليك أن تقدم عنه حساباً . هذه هي الالتزامات القانونية التي ترتبها النصوص في ذمة الفضولي ، ومصدرها القانون كما سبق أن قررنا . ثم سار خطوة أوسع ، وأوجب مساعدة الغير ابتداء . ولكنه لم يستطيع أن يرسم في ذلك التزامات محدودة إلا في نطاق محدود الأسرة وأفرادها يتصل بعضهم ببعض أوثق الاتصال ، ونطاق الجيران والصلة فيما بينهم قائمة موطدة ، ونطاق أصحاب المهنة ، ونطاق الجمعيات والنقابات ، بل نظر في حالات نادرة إلى الأمة كجماعة واحدة وأوجب على أفرادها التزامات قانونية نحو المجموع أي نحو الدولة .

أما في نطاق الأسرة ، فقد أنشأ التزامات قانونية مختلفة . من ذلك التزامات الزوجية ، والالتزامات ما بين الأبوين والأبناء ، والالتزامات المتعلقة بالولاية والوصاية والقوامة ، والالتزام بالنفقة ، وغير ذلك من التزامات الأسرة . وكلها تقوم على التضامن الواجب فيما بين أفرادها .

أما في نطاق الجوار ، فهناك التزامات سلبية ، كوجوب الامتناع عن إحداث مضار فاحشة للجيران ، وعدم الإطلال على الجار من مسافة معينة وهناك التزامات إيجابية ، كالتزام الجار نحو جاره في الشرب والمجرى والمسيل والمرور ، وكالالتزامات التي تنشأ بسبب ملكية الطبقات في المبنى الواحد .

وفي نطاق المهنة ، أوجد القانون في ذمة رب العمل التزامات نحو عماله في تعويضهم عن مخاطر العمل ، وأوجد في ذمة أصحاب المهنة الواحدة التزامات نحو عملائهم فيحتفظون بأسرار المهنة ويبادرون إلى إسعاف من يحتاج إلى معونتهم ، ويتخرطون في سلك هيئة واحدة .

وفي نطاق الجمعيات والنقابات ، أنشأ التزامات مختلفة في ذمة أعضاء هذه الجمعيات والنقابات تقوم على التعاون فيما بينهم .

ونظر القانون إلى الأمة كجماعة واحدة ، فأنشأ التزامات في ذمة أفرادها نحو الدولة ، أهمها الالتزام بدفع الضرائب .

والقانون في كل ما قدمناه يتوخى سياسة واحدة : لا ينشئ التزاماً قانونياً إلا وهو يقوم على التضامن الاجتماعي ، ثم يكون هذا الالتزام محدد المعالم . معروف المدى ، منضبط الحدود . وقد ترك التعميم إلى التخصيص مد جاوز النطاق السلبي إلى النطاق الإيجابي ، فانتقل من الالتزامات العامة التي يكون مصدرها المباشر واقعة مادية ، إلى التزامات قانونية محددة تقوم مباشرة على نصوص قانونية خاصة .

 المطلب الثاني

الالتزامات القانونية التي تستند إلى الإدارة المنفردة ( ( [1] ) )

906 – هل تستطيع الإرادة المنفردة أن تفشي التزاماً ( [2] ) : رأينا فيما تقدم أن العقد ، وهو تطابق إرادتين ، يعتبر مصدراً عاماً للالتزام ، فيما هي قيمة الإدارة المنفردة ، وهل تستطيع أن تنشئ التزاماً ؟ وإذا كانت تنشئ الالتزام ، فهل هي كالعقد مصدر عام للالتزام ، أو أن القانون يقتصر على الاستناد إليها لإنشاء التزامات قانونية محدودة بمقتضى نصوص قانونية خاصة؟

لاشك في أن الإرادة المنفردة ، وهي عمل قانوني صادر من جانب وأحد ( acte juridique unilatereal ) ، تنتج آثاراً قانونياً مختلفة فقد تكون سبباً لكسب الحقوق العينية كالوصية ، وسبباً لسقوطها كالنزول عن حق ارتفاق أو حق رهن ، وقد تثبت حقاً شخصياً ناشئاً عن عقد قابل للإبطال كالإجازة ، وقد تجعل عقداً يسري على الغير كالإقرار ، وقد تنهى رابطة عقدية كعزل الوكيل أو نزوله عن الوكالة . أما بالنسبة إلى إنشاء الحق الشخصي ( الالتزام ) أو إسقاطه ، فالإرادة المنفردة في القانون المدني الجديد تسقط الحق الشخصي بالإبراء ( م 371 ) ، وبقي أن نعرف هل هي أيضاً تنشئ الحق الشخصي؟ وقبل أن نعالج هذه المسألة في القانون المدني الجديد ، نستعرض فيها نظريتين متعارضتين . فالنظرية الفرنسية تذهب إلى أن الالتزام الذي يتولد عن عمل قانوني لا يكون مصدره إلا عقداً أي توافق إرادتين ، أما الإرادة المنفردة فلا تولد التزاماً . وهذه قاعدة ورثها القانون الفرنسي من تقاليد القانون الروماني والقانون الفرنسي القديم ، وأصبحت من القواعد المتفق عليها فقها وقضاء في فرنسا ( [3] ) وفي مصر في عهد القانون القديم ( [4] ) . ولكن نظرية ألمانية ذهبت إلى أن الإرادة المنفردة تنشئ التزاماً . وعلى رأس القائلين بهذه النظرية من الفقهاء الألماني سيجل ( sieget ) ، فقد ذهب إلى أن تقاليد القانون الحرماني تساعد على الاعتراف بتوليد الإرادة المنفردة للالتزام ، فمن يتعاقد إنما يلتزم بالإرادة الصادرة منه لا بتوافق هذه الإرادة معم إرادة المتعاقد الآخر ، ورتب على ذلك أن الإيجاب وحده ملزم ، فلا يستطيع من صدر منه الإيجاب أن يعدل عنه . وقد انتصر لهذه النظرية غير سيجل من الفقهاء الألمان كثيرون ( [5] ) ، وساير الفقهاء الألمان بعض الفقهاء الفرنسيين ( [6] ) . ويستند أنصار النظرية الألمانية إلى الحجج الآتية ( 1 ) القول بضرورة توافق إرادتين لإنشاء التزام يسد الباب دون ضروب من التعامل يجب أن يتسع لها صدر القانون . فلا يمكن بغير الإرادة المنفردة أن نفسر كيف يستطيع شخص لها صدر القانون . فلا يمكن بغير الإرادة المنفردة أن نفسر كيف يستطيع شخص أن يلزم نفسه بعرض يقدمه للجمهور ، أي لغير شخص معين وقد يكون الدائن غير موجود في الحال ولكنه سيوجد في المستقبل . أو يكون موجودا ولكن حال بينه وبين القبول حائل بأن مات قبل صدور القبول منه أو فقد أهليته ، ففي كل هذه الفروض ، وهي فروض تقع كثيراً في العمل ، لا يمكن القول بوجود الالتزام في ذمة المدين إذا حتمنا توافق الإرادتين ، فالقول بجواز إنشاء الإرادة المنفردة للالتزام يرفع هذا الحرج . ( 2 ) من الصعب أن تتوافق إرادتان توافقاً تاماً . ولا يمكن التثبت من توافقهما إلا إذا تعاصرنا في لحظة واحدة ، وهذا مستحيل في التعاقد بالمراسلة . بل هو أيضاً مستحيل حتى إذا وجد المتعاقدان في مجلس واحد ، فإن أحد المتعاقدين لا بد أن يسبق الآخر في إظهار إرادته وهذا هو الإيجاب ، ثم يتلوه الآخر فيظهر القبول . فالإيجاب والقبول يتعاقبان ، فإذا أردنا التأكيد من أنهما يتعاصران فيتوافقان ، فلا بد من أن نفرض أن من صدر منه الإيجاب قد ثبت على إيجابه حتى اقترن بالإيجاب القبول ، وهذا محض فرض نأخذ به كما نأخذ بإرادة مفروضة تزعم أنها هي الإرادة الباطنة . والأولي أن نتجنب هذه الفروض وان نواجه الحقيقة كما هي ، فالملتزم بالعقد إنما يلتزم بإرادته هو لا يتوافق مع إرادة الدائن ، فهو يوجد حقاً في ذمته لشخص آخر بمجرد إعلان إرادته ، ورضاء الآخر بهذا الحق هو مجرد انضمام ( adhesion ) تطلبناه حتى لا يكسب الدائن حقاً دون إرادته . وقد لا تتوافق الإرادتان ومع ذلك يوجد العقد كما إذا عدل الموجب عن إيجابه وكان الطرف الآخر قد صدر منه القبول قبل أن يعلم بعدول الطرف الأول . ( 3 ) ثم أنه ليس في المنطق القانوني ما يمنع من أن يلتزم الشخص بإرادته ، فالإنسان حر في أن يقيد نفسه في الدائرة التي يسمح بها القانون ، بل أن سلطان الإرادة هنا أشد نفاذاً منه في نظرية توافق الإرادتين ، إذ الإرادة المنفردة تصبح قادرة وحدها على إيجاد الالتزام ، وهذا أقصى ما يصل إليه سلطانها . أما القول بوجوب توافق الإرادتين فبقية من بقايا الأشكال الغابرة التي كانت تحد من سلطان الإرادة ، فقديماً كانت الإرادة لا توجد أثراً قانونياً إلا إذا اقترنت بأشكال معقدة ، فقديماً كانت الإرادة لا توجد أثراً قانونياً إلا إذا اقترنت بأشكال معقدة ، ثم اندثرت هذه الأشكال حتى لم يبق منها اليوم إلا النادر ، وأصبحت الإرادة هي التي توجد الأثر القانوني الذي تتجه إليه ، فالواجب أن نصل في هذا التطور إلى غايته المنطقية ، وان نقول بأن للإرادة السلطان حتى لو لم تقترن بها إرادة أخرى . على أننا نتطلب رضاء الدائن حتى لا يكسب حقاً بالرغم منه ، ولكن هذا الرضاء لا يوجد الالتزام ، بل إن الالتزام ينشأ بمجرد صدور إرادة المدين .

ويعترض أنصار النظرية الفرنسية على النظرية الألمانية بما يأتي : ( 1 ) أن نظرية الإرادة المنفردة غير قائمة على أساس صحيح ، لأنه إذا أمكن فهم أن المدين يلتزم بإرادته المنفردة ، فلا يمكن أن يفهم كيف أن الدائن يصبح دائناً دون إرادته . فإذا قيل أن المدين يلتزم لغير دائن ، فما معنى هذا الالتزام وما قيمته؟ وإذا قيل أنه لا بد من إرادة الدائن حتى يصبح دائناً ، فهذا هو توافق الإرادتين ومنه ينشأ العقد ( 2 ) يقضى المنطق ذاته بعدم التسليم بنظرية الإرادة المنفردة . فإنه إذا قيل إن للإرادة المنفردة هذا السلطان ، وإن في مكنتها أن تولد التزاماً ، وجب القول أيضاً إنها تستطيع أن تقضي هذا الالتزام ، وما تستطيع الإرادة وحدها أن تستطيع وحدها أن تحله ، وبهذا يصبح التزام من التزم بإرادته المنفردة معلقاً على محض إرادته ، فيكون التزاماً منحلاً . ( 3 ) على أن نظرية الإرادة المنفردة مبنية على فروض غير صحيحة . فهي تفترض دائماً أن أحد المتعاقدين وزن الأمر قبل التعاقد ، وبت فيه بقرار نهائي ، وأعلن طفرة عن إرادته ، ولم يكن أمام الطرف الآخر إلا أن يقبل أو يرفض . مع أن الأمر غير ذلك . فالذي يقع في العمل عادة أن المتعاقدين يتفاوضان ، وما يزالان في أخذ ورد لا يستقل أحدهما بالأمر دون الآخر ، وكل إرادة تؤثر في الأخرى وتعدل من اتجاهها ، حتى تتوافق الإرادتان ، وعند ذلك يتم العقد . ومن هذا نرى أن إرادة الطرف الآخر ليست مجرد إقرار لإرادة الطرف الأول ، بل كثيراً ما تؤثر فيها ويتفاعلان حتى ينتج من تفاعلهما إرادة متحدة هي العقد ، فكلتا الإرادتين اشتركت في تكوين الالتزام ، ولم تستقل إحداهما بذلك كما يزعم أنصار نظرية الإرادة المنفردة . والآن بعد أن استعرضنا حجج الفريقين ، نفق قليلاً لتقدير مبلغ في نظرية الإرادة المنفردة من صحة . ونبدأ بملاحظة أن الاعتراضات التي يتقدم بها خصوم النظرية لا تصل من الخطر إلى حد أن تدك قواعدها . أما أن الدين لا يوجد دون دائن ، فقد قدمنا أن النظرية المادية تنظر إلى الالتزام كقيمة مالية أكثر منه رابطة شخصية ، ويترتب على هذا النظر أنه يمكن تصور دين دون دائن ما دام المدين موجوداً وقت نشوء الدين وما دام الدائن يوجد وقت تنفيذ الدين ولو لم يوجد قبل ذلك . أما القول بأنه إذا صح للإرادة المنفردة أن تنشئ التزاماً صح لها أيضاً أن تقضيه ، فهذا خلط بين أثر في العالم النفسي وأثرها في الروابط الاجتماعية . فإن الإرادة إذا أعلنت وعلم بها الغير فاطمأن إليها ، ولدت ثقة مشروعة يستطيع الناس الاعتماد عليها ، فوجب احترام هذه الحالة التي أوجدتها الإرادة المنفردة إذا عقدت التزاماً وحدها قد لا يستطيع وحدها أن تحله إذا حال دون ذلك وجوب استقرار التعامل . يبقى الاعتراض الثالث ، وهو أن العقد وليد مفاوضات تتفاعل فيها الإرادتان وتؤثر إحداهما في الأخرى . وهذا صحيح من الناحية النفسية أيضاً ، أما من الناحية الاجتماعية فمن الممكن أن نميز مرحلة تنتهي عندها هذه المفاوضات ويدخل الإيجاب في دوره النهائي ويصبح إيجاباً باتاً ولا شك في أن هذا الإيجاب البات قد أثرت فيه عوامل مختلفة قبل أن يصبح كذلك ، ومن أهم هذه العوامل إرادة الطرف الآخر ، ولكن لا شك أيضاً في أنه بعد أن أصبح إيجاباً باتاً صار منسوباً لإدارة من صدر منه ما دام قد ارتضاه في النهاية ، وعند ذلك يتحقق أن يكون أحد الطرفين قد تقدم بإرادة نهائية ليس للطرف الآخر إلا إقرارها . هذا إلى أن هناك أحوالاً كثيرة تقع في العمل ، يتقدم فيها أحد الطرفين بإيجاب بات لا تسبقه مفاوضات ومن ذلك ما يجري في عقود الإذعان .

فنحن لا نرى فيما تقدم من الاعتراضات على النظرية الألمانية ما يصلح لهدمها . ولكننا مع ذلك لا نعتقد أن الفرق كبير من الناحية العملية بين النظريتين الألمانية والفرنسية . ذلك أن الأساس المنطقي للنظرية الألمانية هو أن الإرادة قادرة على إلزام صاحبها ما دام يلتزم في دائرة القانون ، ولا حاجة أن تقترن إرادة الدائن بإرادة المدين حتى ينشأ الالتزام . ونحن لا نرى لماذا لا يكون هذا صحيحاً من الناحية المنطقية فحسب ، بل من الناحية القانونية أيضاً . وما دام القانون قد وصل في تطوره إلى أن يجعل للإرادة سلطاناً في إيجاد الآثار القانونية ، فلماذا يقف سلطان الإرادة دون إنشاء الالتزامات ! يستطيع المدين إذن أن يلتزم بإرادته المنفردة ، ولكنه يستطيع أيضاً ، وطبقاً لسلطان الإرادة ذاته ، أن يتحلل من التزامه بإرادة المنفردة ما دامت هذه الإرادة لم تولد ثقة مشروعة . فالالتزام الذي يعقده المدين بإرادته التزام محلول . وإلى هنا لا يوجد فرق كبير بين النظريتين الألمانية والفرنسية . فالنظرية الأولي ترى المدين قد أوجد التزاماً بإرادته المنفردة ولكنه التزام ينحل عنه في أي وقت شاء ، والنظرية الثانية ترى المدين لم يوجد بإرادته المنفردة أي التزام . ولا يوجد فرق عملي كبير بين التزام غير موجود والتزام موجود ولكن يمكن التحلل منه . بقى أن النظرية الألمانية لا تسمح للملتزم بإرادته المنفردة أن يتحلل من التزامه إذا ولدت إرادته ثقة مشروعة لا يجوز الإخلال بها . وهذا لا يتحقق إلا إذا فرضنا أن إرادة المدين قد ولدت عند شخص معين . هو الدائن . ثقة مشروعة جعلته يطمئن إلى العمل بمقتضى هذه الإرادة . فإذا تحقق هذا الفرض ، وألزمت النظرية الألمانية المدين بإرادته المنفردة ، جاز للنظرية الفرنسية أن تقول بالتزام المدين أيضاً ، ولكن لا بإرادته المنفردة ، بل بتوافق إرادته مع الإرادة الضمنية للدائن وهي إرادة تستخلص من اطمئنانه لإرادة المدين والنزول على مقتضاها في تصرفه وسواء كان سبب التزام المدين في هذه الحالة هي إرادته المنفردة كما يقول الألمان ، أو العقد كما يقول الفرنسيون ، فالنتيجة العملية واحدة ، إذ المدين ملتزم التزاماً لا رجوع فيه في كلا القولين .

على أننا مهما قربنا ما بين النظريتين ، فإنه لا يفوتنا أن الأساس الذي بنى عليه كل مهما لا يزال مختلفاً . وهذا الاختلاف في الأساس قد يؤدى إلى نتائج ذات نتائج ذات بال . ويكفي أن نشير هنا إلى أنه في الفرض الأخير الذي عالجناه ، إذا قلنا مع الألمان بالتزام المدين بإرادته المنفردة ، كان التزامه موجوداً منذ صدور هذه الإرادة . أما إذا قلنا مع الفرنسيين إن المدين يلتزم بتوافق إرادته مع إرادة الدائن ، لم يوجد الالتزام إلا عند توافق الإرادتين ، أي عند صدور الإدارة الضمنية من الدائن . ثم إن التمشي مع النظرية الألمانية يجعلنا نحذف العقد من بين مصادر الالتزام ، ونحل الإرادة المنفردة محله . أما النظرية الفرنسية فلا تفسح مجالاً للإرادة المنفردة بين هذه المصادر ، وتجعل العقد وحده هو العمل القانوني الذي ينشئ التزاماً .

ومهما يكن من أمر فإن القانون الألماني ذاته لم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام ، بل أخذ بها على سبيل الاستثناء في حالات محددة على سبيل الحصر بمقتضى نصوص قانونية خاصة ( [7] ) . أما المشروع الفرنسي الإيطالي فقد جعل من الإرادة المنفردة ، إلى جانب العقد ، مصدراً عاماً للالتزام ( [8] ) . وسنرى الآن أن القانون المصري الجديد نهج منهج القانون الألماني ، فلم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام إلا في حالات محدودة وردت بها نصوص خاصة .

907 – إلى أي حد أخذ القانون المدني الجديد بالإرادة المنفردة مصدراً للالتزام :

كان المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد ينص في المادة 228 منه على ما يأتي

 ” 1 – إذا كان الوعد الصادر من جانب وأحد مكتوباً وكان لمدة معينة . فغن هذا الوعد يلزم صاحبه من الوقت الذي يصل فيه إلى علم من وجه إليه ما دام هذا لام يرفضه ” .

 ” 2 – وتسرى على هذا الوعد الأحكام الخاصة بالعقود ، إلا ما تعلق منها بضرورة وجود إرادتين متطابقتين لإنشاء الالتزام ” .

 ” 3 – يبقى الإيجاب في العقود خاضعاً للأحكام الخاصة به ، ويسري حكم المادة التالية على كل وعد بجائزة يوجه إلى الجمهور ” ( [9] ) .

فكان هذا النص ، على غرار المشروع الفرنسي الإيطالي في مادته الستين ، يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام ، مثلها في ذلك مثل العقد . وكان يشترط لذلك أن تكون الإرادة المنفردة مكتوبة ، وأن تحدد لها مدة معينة إذا رفضت في خلالها سقطت . أما إذا لم ترفض ، فإنها تكون ملزمة لصاحبها من الوقت الذي تصل فيه إلى علم من وجهت إليه ، شأنها في ذلك شأن كل تعبير عن الإرادة ويسرى على الإرادة المنفردة ما يسري على العقد من أحكام ، فيجب توافر الأهلية وخلو الإرادة مما يشوب الرضاء من عيوب ، وقيام محل تتوافر فيه الشرائط اللازمة ، ووجود سبب مشروع . ويستثنى من هذه الأحكام بداهة ما يتعلق بضرورة توافق الإرادتين ، ما دامت الإرادة المنفردة هي مصدر الالتزام ( [10] ) .

ولو بقى هذا النص فانتقل إلى القانون المدني الجديد ، لكانت الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام كالعقد ، ولو وجب إفراد باب خاص بها تعالج فيه على النحو الذي رأيناه في العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ( [11] ) . ولكن النص حذف في لجنة المراجعة . وكان حذفه ” عدولاً عن وضع قاعدة عامة تجعل الإرادة المنفردة ملزمة ، واكتفاء بالحالات المنصوص عليها في القانون من أن الإدارة المنفردة تنشئ التزاماً ” ( [12] ) . ويتبين من ذلك أن لجنة المراجعة رجعت بالإرادة المنفردة عن أن تكون مصدراً عاماً للالتزام ، كما كان الأمر في المشروع التمهيدي ، إلى أن تكون مصدراً للالتزام في حالات استثنائية ترد في نصوص قانونية خاصة . على هذا النهج سار المشروع في سائر مراحله حتى أصبح قانوناً .

908 – الالتزامات التي تفتشها الإرادة المنفردة في القانون المدني الجديد هي التزامات قانونية ومصدرها المباشر هو القانون : ولم تنتبه الهيئات المختلفة التي تعاقبت على نظر مشروع القانون المدني ، منذ لجنة المراجعة ، لهذا التغيير الجوهري في مصدر الالتزامات التي تنشئها الإرادة المنفردة . فقد كان المصدر المباشر لهذه الالتزامات ، وفقاً للمشروع التمهيدي . هي الإرادة المنفردة ذاتها . وقد ارتقت إلى مقام العقد ، فأصبحت مصدراً عاماً للالتزام ومن ثم عقد المشروع التمهيدي للإرادة المنفردة فصلاً خاصاً بها ، كما عقد فصولاً خاصة للمصادر العامة الأخرى وهي العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ولكن بعد أن نزلت لجنة المراجعة بالإرادة المنفردة إلى أن تكون مصدراً للالتزام في حالات استثنائية ، وبمقتضى نص خاص ، لم تعد الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام ، وأصبحت الالتزامات الناشئة عنها لا تقوم بمقتضى أصل عام يقرره القانون ، بل تقوم بمقتضى نصوص قانونية خاصة ، فأصبح نص القانون هو المصدر المباشر لهذه الالتزامات ومن ثم كان الواجب اعتبار أي التزام ينشأ من الإرادة المنفردة التزاماً مصدره القانون ، وحذف الفصل الخاص المعقود للإرادة المنفردة التزاماً مصدره القانون . وحذف الفصل الخاص المعقود للإرادة المنفردة في المشروع التمهيدي . وإدماجه في الفصل المعقود للقانون كمصدر مباشر للالتزام . وهذا ما فات لجنة المراجعة وما نلاها من الهيئات أن تفعله .

ولم نرد أن نساير هذا الخطأ في التبويب . فلم نعقد للإرادة المنفردة باباً خاصاً بها يأتي بعد الباب المخصص للعقد ، كما فعل القانون المدني الجديد ، بل أرجأنا الكلام فيها إلى أن نتكلم في الالتزامات التي يكون القانون هو مصدرها المباشر . فنجعل الالتزامات التي تنشئها الإرادة المنفردة تدخل في هذا النطاق .

فالقاعدة إذن في القانون المدني الجديد أن كل التزام تنشئه الإرادة المنفردة لا بد أن يرد في نص قانوني . ويعتبر هذا النص هو مصدره المباشر ، وهو الذي يعين أركانه ويبين أحكامه .

وقد وردت نصوص متناثرة في نواحي القانون تجعل الالتزام ينشأ من إرادة منفردة . نذكر من ذلك :

 ( 1 ) الإيجاب الملزم . وقد ورد فيه النص الآتي ( م 93 ) : ” 1 – إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد .

 ( 2 ) المؤسسات ، وقد ورد فيها النص الآتي ( م 70 فقرة 1 ) : ” يكون إنشاء المؤسسة بسند رسمي أو بوصية ” . فإرادة المنشئ المنفردة هي التي توجد المؤسسة . وهذه الإرادة يصدرها صاحبها لتنتج أثرها إما في حياته أو بعد موته بوصية . ثم يلتزم المنشئ بإرادته المنفردة لتنتج أثرها إما في حياته ، أو بعد موته بوصية . ثم يلتزم المنشئ بإرادته المنفردة أيضاً أن ينقل إلى المؤسسة التي أنشأها ملكية ما تعهد به من المال الذي خصصه لها . ومن ثم نرى أن الإرادة المنفردة هنا أوجدت شخصاً معنوياً ، وأنشأت التزاماً نحو هذا الشخص المعنوي ( [13] ) .

 ( 3 ) تطهير العقار المرهون رهناً رسمياً ، وقد ورد فيه النص الآتي ( م 1066 ) : ” يجب على الحائز أن يذكر في الإعلان أنه مستعد أن يوفي الديون المقيدة إلى القدر الذي قوم به العقار . وليس عليه أن يصحب العرض بالمبلغ نقداً ، بل ينحصر العرض في إظهار استعداده للوفاء بمبلغ واجب الدفع في الحال أياً كان ميعاد استحقاق الديون المقيدة ” . ويؤخذ من هذا النص أن الحائز يلتزم بإرادته المنفردة أن يوفي الديون المقيدة إلى القدر الذي قوم به العقار ، وذلك بمجرد إعلانه رغبته في تطهير العقار بتوجيهه إلى الدائنين المقيدة حقوقهم إعلانات على النحو المبين في المادة 1065 .

 ( 4 ) الوعد بجائزة الموجه إلى الجمهور ، وقد ورد فيه نص المادة 162 . ولما كان هذا النص ينشئ التزاماً قانونياً أولي مكان ببحثه هو هذا الباب فسنتولى بحثه تفصيلاً فيما يلي ( [14] ) .


 ( [1] ) بعض المراجع في الإرادة المنفردة : ديموج في الالتزامات 1 فقرة 18 وما بعدها –سالي الالتزامات فقرة 138 – فقرة 144 – ورمز WORMS ) رسالة من باريس سنة 1891 – جيهير GUIHAIRE ) رسالة من رن سنة 1901 – إلياس ELINS ) رسالة من باريس سنة 1909 – تالايدية TAIIANDIER ) رسالة من تولوز سنة 1912 – كولدبرجCOLDBERG ) رسالة من نانسي سنة 1913 – مارسكوMARESCO ) رسالة من باريس سنة 1915 – تاردTARDE ) في تطورات القانون ص 119 وما بعدها – ديجيهDUGUIT ) في تطورات القانون الخاص – نظرية العقد للمؤلف فقرة 180 – فقرة 196 – الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 75 – فقرة 78 – الدكتور حشمت أبو ستيت بك فقرة 404 – فقرة 464 .

 ( [2] ) تنقل ما يلي عن نظرية العقد للمؤلف فقرة 180 – فقرة 185 .

 ( [3] ) بودري وبارد 1 فقرة 38 ص 36 – ص 37 – أوبرى ورو 4 فقرة 342 – لوران 10 فقرة 465 – ديمولومب 24 فقرة 45 – يبدان في الالتزامات فقرة 58 . محكمة النقض الفرنسية في 29 أبريل سنة 1903 سيريه 1908 – 1 – 404 .

 ( [4] ) والتون 1 ص 17 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 181 – محكمة الاستئناف المختلطة في 30 ينايرسنة 1896 م 8 ص 101 – وفي 9 يونية سنة 1898 م 10 ص 322 – وفي 15 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 32 .

 ( [5] ) أنظر جاكوبيJACOBI ) وكونتسKUNTZE ) وكين KOPPEN ) ومانزمان MANNESMANN ) وهو لتسندروفHOLZENDORFF ) في المراجع المشار إليها في نظرية العقد للمؤلف ص 186 هامش رقم 1 .

 ( [6] ) أنظر تاردTARDE ) في تطورات القانون ص 120 – ديموج في الالتزامات 1 فقرة 18 ص 55 و 2 فقرة 553 ص 136 – كولان وكابيتان 2 ص 271 – ص 272 – ورمز في رسالته الإرادة المنفردة باريس سنة 1891 والأستاذ ورمز هو من أسبق الفقهاء الفرنسيين إلى نشر نظرية الإرادة المنفردة في فرنسا إلى جانب الأستاذ سالي الذي تولى نشر النظريات الألمانية في كتابيه المعروفين الالتزامات في القانون الألماني والإعلان عن الإرادة وقد تشيع الأستاذ ورمز لنظرية الإرادة المنفردة اكبر تشيع ، وهو يرى أن التطور التاريخي للإرادة ، باعتبارها منشئة للالتزام ، يدل على أنها تخلصت تدريجياً من الأوضاع التي كانت تحوط بها ، وان لها أن تتخلص من ذلك جملة واحدة فلا تبقى على اشتراط توافق إرادتين لإنشاء الالتزام لأن ضرورة اتحاد إرادتين نوع من الشكلية لا يزال باقياً ، فإذا قضينا عليه أصبحت الإرادة المنفردة كافية لإنشاء الالتزام . والدليل على أن الإرادة الواحدة هي التي تولد الالتزام أن من صدر منه الإيجاب إذا عدل عن إيجابه ولم يصل ذلك الى علم الطرف الآخر قبل أن يقبل ، فإن العقد يتم رغماً من عدول الموجب وعدم توافق الإرادتين ، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بأن الإيجاب ، وهو إرادة منفردة ، ملزم بذاته رسالة الأستاذ ورمز ص 165 وص 179 ) . ويقول أيضاً إنه متى سلمنا بأن الإرادة المنفردة تكون مصدراً للالتزام ، فلا معنى لعدم الأخذ بهذا المذهب في العقد ذاته ، لأنه إذا كانت الإرادة وحدها تولد التزاماً ، فلماذا لا تستطيع أن تكون هي وحدها مصدر الالتزام إذا اقترنت بإدارة أخرى ، فهل يمكن أن تكون الإرادة المقترنة بإرادة أخرى أضعف من الإرادة المنفردة‍ أنظر رسالة الأستاذ ورمز ص 93 ) .

 ( [7] ) وقد نصت 305 من القانون المدني الألماني على أن إنشاء الالتزام من طريق العمل القانوني لا يكون إلا بعقد ، عدا الأحوال التي ينص فيها القانون على خلاف ذلك وفي هذا يقول المعلقون على الترجمة الفرنسية الرسمية للقانون الألماني ما يأتي : ” إن الغرض من تقرير هذا المبدأ هو إخراج الإرادة المنفردة من أن تكون مصدراً عاماً لإنشاء الالتزامات ، في الحد الذي ينشأ فيه الالتزام من عمل قانوني . صحيح أنه طلب ، حتى من اللجنة الثانية لتحضير مشروع القانون الألماني ) ، حذف هذا النص ، لتترك المسألة لتقدير الفقهاء . وقد كان هذا يسمح للقضاء ، مع تملكه بالقاعدة التقليدية ، أن يتوسع في الاستثناءات التي يدخلها على القاعدة . ولكن الأغلبية لم تكن من هذا الرأي . ومع ذلك فقد أريدت الإشارة إلى الأحوال الاستثنائية التي يعترف بها القانون ، حتى يكون من المقرر أن الحالات التي يسلم فيها القانون بأن الالتزام ينشأ من مجرد إرادة منفردة يكون من المستطاع تصورها على اعتبارها أنها استثناء من القاعدة الواردة في المادة 305 ، وتطبيق لنظرية الإرادة المنفردة ” الترجمة الفرنسية للقانون الألماني م 305 )

هذا وقد احتاط المشروع الألماني في أنه لم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام لاعتبارات عملية . وفي هذا يقول سالي : ” إذا كان المشروع الألماني قد رفض الأخذ بالنظرية كمبدأ عام ، فذلك راجع دون شك للأسباب التي أبداها برنتزBrins ) ، فإن من الخطر إعطاء مثل هذه الحرية للإرادة ، إذ يصعب ، أمام مظهر هذه الإرادة المنفردة أن نتبين أن هناك التزام بات جدي ، أو أنه لا يوجد إلا قول ألقي جزافاً دون أن يقصد صاحبه أن يتقيد به ” الالتزامات في القانون الألماني فقرة 142 ) .

 ( [8] ) وقد أنفرد المشروع الفرنسي الايطالي بعقد فصل خاص للإرادة المنفردة باعتبارها مصدراً عاماً للالتزام فقضى في المادة 60 بأن الإرادة المنفردة إذا كانت مكتوبة ، واقترنت بأجل محدد ، تلزم صاحبها بمجرد وصولها إلى علم من توجهت إليه ولم يرفضها ، وتنطبق على الإرادة المنفردة القواعد التي تنطبق على العقد عدا القواعد المتعلقة بضرورة توافق الإرادتين لإنشاء الالتزامات .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي أن هذا النص كان مثاراً للمناقشة بين أعضاء اللجنتين الفرنسية والإيطالية . فقد ظن البعض أن في تقرير هذا المبدأ تجديداً جريئاً لا يتطلبه العمل ، ولكن هذا الاعتراض ، إذا كان فيه بعض الوجاهة بالنسبة إلى القانون الفرنسي ، غير وجيه بالنسبة إلى القانون الفرنسي ، غير وجيه بالنسبة إلى القانون الإيطالي . فقد نصت المادة 36 من القانون التجاري الإيطالي على أنه في العقود الملزمة لجانب وأحد يعتبر الإيجاب ملزماً بمجرد وصوله إلى علم من وجه إليه ، فالتجديد ليس إذن كبيراً بالنسبة إلى هذا القانون . ومن المفيد إدخاله في القانون الفرنسي فهو يضع حداً للخلاف في تعرف طبيعة بعض الأعمال القانونية ، هل هي عقود أو هي مجرد إرادة منفردة كما في تطهير العقار ، وهو في الوقت ذاته يوسع دائرة احترام ما يصدر عن الشخص من وعد ، بالتمشي مع ما يقتضه حسن النية . على أن المادة 60 قد رسمت حدوداً معقولة لهذا التجديد ، فهي لم تكتف بالشروط الموضوعية للعقد من الأهلية ومشروعية المحل والسبب ، بل اشترطت فوق ذلك أن تكون الإرادة المنفردة الملزمة ثابتة بالكتابة ، وأن تحدد مدة لبقائها ملزمة أنظر ص 71 – ص 73 من المذكرة الإيضاحية المذكورة ) .

 ( [9] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 338 في الهامش .

 ( [10] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ، شرحاً لهذا النص ، ما يأتي : ” 1 – لا يصبح الوعد الصادر من جانب وأحد ملزماً إلا من الوقت الذي يصل فيه إلى علم من وجه إليه ، شأنه في ذلك شأن كل تعبير عن الإرادة . فيجوز العدول عنه بعد صدوره متى وصل هذا العدول إلى علم من وجه إليه قبل وصول الوعد ذاته أو وقت وصوله وفقاً لأحكام القواعد العامة . بيد أن الوعد الصادر من جانب وأحد يمتاز بترتيب حكمه دون حاجة إلى القبول ، وهذا ما يفرقه عن العقود فيكفي للزومه أن يصل إلى علم من وجه إليه وألا يفرضه هذا . ولكنه يسقط في حالة الفرض ، إذ لا يجوز أن يجبر أحد على أن يكسب حقاً على رغمه . وهو من هذا الوجه يختلف اختلافاً بيناً عن العقد ، فالعقد لا يتم إلا بقبول الدائن ووصول هذا القبول إلى علم من صدر الإيجاب عنه . ومن الأهمية بمكان تبيين ما إذا كان يقصد بالتعبير عن الإرادة إلى الارتباط بوعد من جانب وأحد مجرد الإيجاب . فمن المعلوم أن الإيجاب ، وإن كانت له قوة في الإلزام من حيث عدم جواز العدول عنه ، لابد أن يقترن بالقبول حتى ينشأ الالتزام الذي يراد ترتيبه . 2 – ويفترض عند شك في مرمى التعبير عن الإرادة أنه قصد به إلى مجرد الإيجاب ويقع عبء إثبات قيام الوعد الصادر من جانب وأحد على عاتق الدائن الذي يدعى ذلك . ويكون الإثبات بالكتابة دائماً ولو كانت قيمة الوعد لا تجاوز عشرة جنيهات وكذلك يجب أن تتضمن وثيقة الوعد بيان المدة التي يبقى الواعد خلالها ملتزماً بما وعد . 3 – ومتى تقرر مبدأ الالتزام بمجرد الوعد ، تعين سريان أحكام العقود عليه . ويترتب على ذلك وجوب توافر أهلية التعاقد في الواعد ، وخلو إرادته مما يشوب الرضا من عيوب ، وقيام التزامه على سبب ومحل تتوافر فيهما الشرائط اللازمة . ويستثنى من هذه الأحكام بداهة ما يتعلق بضرورة توافق الإرادتين ما دامت الإرادة المنفردة هي مصدر الالتزام ” . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 338 – ص 339 في الهامش ) .

 ( [11] ) وقد جاء في النظرة العامة للمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” جعل المشروع من الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام ، محتذياً في ذلك مثال المشروع الفرنسي الإيطالي . وليس نقتصر الأمر في إسناد قوة الالتزام إلى هذه الإرادة على القضاء على ضروب من الخلاف سوف تعدم أهميتها بعد أن فرقت وجوه الرأي بين الفكرة التعاقد وفكرة المشيئة الواحدة في تكييف طبيعة بعض التصرفات ، كعرض الثمن على الدائنين المقيدة حقوقهم عند تظهير العقار ، المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي ص 54 ) ، وهو لا يقتصر كذلك على بسط نطاق مبدأ البر بالعهود استجابة لما يقتضي حسن النية ، المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي ص 54 ) في نطاق التعامل ، ولكن هذا التجديد مهما يكن حظه من الجرأة ، يعتبر نتيجة منطقية لإقرار المشروع لمبدأ لزوم الإيجاب . فمتى اعترف للإيجاب بقوة الإلزام ، فليس ثمة ما يدعو إلى الوقوف عند هذا الحد ، ذلك أن التزام المنطق نفسه يؤدي إلى إقرار كفاية الإرادة المنفردة لإنشاء الالتزام بوجه عام ” . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 336 – ص 337 في الهامش ) .

 ( [12] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 339 في الهامش .

 ( [13] ) أنظر نظرية العقد للمؤلف فقرة 193 – فقرة 194 .

ومما يدل على أن إرادة المنشئ للمؤسسة قد أنشأت التزاماً في ذمته تحو هذه المؤسسة أن المشروع شبه إنشاء المؤسسة بالهبة أو الوصية في خصوص الدعوى البوليصية ، فنص في المادة 71 على أنه ” يعتبر المؤسسة بالنسبة إلى دائني المنشئ وورثته بمثابة هبة أو وصية . فإذا كانت المؤسسة قد أنشئت إضراراً بحقوقهم ، جاز لهم مباشرة الدعاوى التي يقررها القانون في مثل هذه الحالة بالنسبة إلى الهبات والوصايا ” . غير أن لا تكون إلا بعقد ، أما إنشاء المؤسسة فتكون بإرادة منفردة .

وكما تنشأ المؤسسة بإرادة منفردة ، يجوز الرجوع فيها فإرادة منفردة كذلك إلى أن يتم شهرها . وقد نصت المادة 72 على أنه ” متى كان إنشاء المؤسسة بسند رسمي جاز لمن أنشأها أن يعدل عنها بسند رسمي آخر ، وذلك إلى أن يتم شهرها وفقاً لأحكام المادة 59 ” . وبديهي أن المؤسسة إذا أنشئت بوصية جاز الرجوع فيها دائماً حتى موت الموصى ، شأنها في ذلك شأن كل وصية .

 ( [14] ) ويدخل في تطبيقات الإرادة المنفردة منشئة للالتزام السند لحامله . ويكيف عادة بأن هناك عقداً مجرداً CONTRAT ABSTRAIT ) تم بين الساحب وأول حامل السند وهذا العقد هو الذي ولد الالتزام في ذمة الساحب . وقد حول الحامل الأول حقه إلى آخر ، وهذا إلى غيره ، إلى أن وصل السند إلى الحامل الأخير . إلا أن هناك فروضاً لا تنزل على هذا التكييف فقد يكتب الساحب السند ، وقبل أن يسلمه لأحد يضيع منه أو يسرق ، فتتبادله الأيدي إلى أن يقع في يد شخص حسن النية ، فيكون لهذا الشخص الحق في استيفاء قيمة من الساحب . ولا يمكن أن يقال هنا إن الساحب ملتزم بموجب بينه وبين أول حامل ، فإن هذا كان شخصاً عثر على سند وهو ضائع أو لصاً سرقه . فلم يبق إذن لتفسير هذا الالتزام إلا أن نقول أن الساحب قد التزم بإرادته المنفردة التزاماً مجرداً . كذلك إذا فرض أن الساحب قبل تسلمه السند لأحد مات أو فقد أهليته ، ثم تداولت الأيدي السند ، فهو أو ورثته ) يبقى ملتزماً ، ومصدر التزامه لا يمكن أن يكون عقداً في هذه الحالة ، فليس إلا إرادته المنفردة مصدراً لالتزامه هنا . وقد نص القانون الألماني صراحة على الحلول المتقدمة ، فقضت المادة 794 بأن من يصدر منه سند لحامله يلتزم به ، حتى لو سرق منه أو ضاع ، وحتى لو تبادله الأيدي رغم إرادته بأي شكل كان . وتقضى المادة ذاتها بأن السند لحامله يبقى حافظاً لقوته القانونية حتى لو مات من صدر منه السند أو فقد الأهلية قبل التعامل بهنظرية العقد للمؤلف فقرة 195 ) .

أما التزامات الفضولي فقد قدمنا أنها لا تنشأ من إرادة منفردة ، بل من واقعة مادية هي أن يتولى الفضولي شأناً لرب العمل . ولا يكفي لالتزام الفضولي أن يظهر إرادته في أن يتولى شأناً لرب العمل ، مهما كانت هذه الإرادة واضحة ، ما دام لم يتول هذا الشأن بالعمل . فالعمل الماد . لا إرادة الفضولي ، هو الذي ينشئ في ذمة الفضولي التزاماته المعروفة .

وكذلك التزام المتعهد نحو المنتفع في الاشتراط لمصلحة الغير مصدره العقد لا الإرادة المنفردة . وقد مر بيان تفصيلاً عند الكلام في الاشتراط لمصلحة الغير .

نقلا عن محامي أردني

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s