اليمين


اليمين

264 – اليمين بوجه عام : اليمين قول يتخذ فيه الحالف الله شاهداً على صدق ما يقول أو على إنجاز ما يعد ، ويستنزل عقابه إذا ما حنث . ويستخلص من هذا التعريف أمران :

( 1 ) لا يعتبر اليمين عملاً مدنياً فحسب ، بل هو أيضاً عمل دينى . فالحالف إنما يستشهد الله ، ويستنزل عقابه . ولا يكفى أن يؤكد الإنسان صدق قوله أو وعده ليكون حالفاً ، ما دام لم يستشهد الله على ذلك . وتكون تأدية اليمين بأن يقول الحالف : ” أحلف ” )م 180 مرافعات ) . ولكن إذا كانت هناك أوضاع مقررة فى دين من يحلف اليمين ، جاز له أن يطلب تأدية اليمين وفقاً لهذه الأوضاع ( م 181 مرافعات ) . وعلى العكس من ذلك إذا كان دين من يحلف يفرض عليه ألا يقسم باسم الله ، بل يقتصر على مجرد التأكيد ، جاز له أن يكتفى بذلك ما دام هذا التأكيد يعتبر يميناً فى دينه .

( 2 ) تكون اليمين إما لتوكيد قول ( probatoire, affirmatif ) أو لتوكيد وعد ( promissoire ) . فاليمن لتوكيد قول هى اليمين التى تؤدى لتوكيد صدق الحالف فيما يقرره . واليمين لتوكيد وعد هى اليمين التى تؤدى لتوكيد إنجاز وعد أخذه الحالف على نفسه ، مثل ذلك اليمين التى يحلفها القضاة ورجال النيابة والخبراء والشهود وبعض الموظفين ( كموظفى السلك الدبلوماسى والقنصلى ) على أن يؤدوا أعمالهم بالأمانة والصدق أو أن يقرروا الحق فيما به يشهدون ( [1] ) .

265 – اليمين القضائية واليمين غير القاضية : والذى يعنينا هنا هى اليمين لتوكيد قول ، لأنها هى اليمين التى تدخل فى منطقة الإثبات . وهى إما أن تكون يميناً قضائية ( serment judiciaire ) تؤدى أمام القضاء ، أو غير قضائية ( serment extrajudiciaire ) تؤدى أو يتفق على تأديتها فى غير مجلس القضاء .

  515  

واليمين غير القضائية ليست لها أحكام خاصة ، بل تتبع فى شأنها القواعد العامة . فإذا اتفق شخصان على أن أحدهما يحلف اليمين على حق مدعى به ، فهذا الاتفاق لا يجوز إثباته بالبينة أو القرائن إلا فى الأحوال التى يجوز فيها ذلك . أما حلف اليمين ذاتها فواقعة مادية يجوز إثباتها بجميع طرق الإثبات . والنتائج التى تترتب على حلف اليمين غير القضائية هى النتائج التى اتفق عليها الطرفان ، ولا يجوز ردها إلا إذا كان هناك اتفاق على ذلك . ويندر أن يلجأ الخصوم إلى الاتفاق على يمين غير قضائية ( [2] ) .

266 – اليمين الحاسمة اليمين المتممة : وإذا وقفنا عند اليمين القضائية ، وهى اليمين الغالبة ، وجدناها نوعين : ( 1 ) اليمين الحاسمة ( serment litis – decisoire ) وهى يمين يوجهها الخصم إلى خصمه يحتكم بها إلى ضميره لحسم النزاع . ( 2 ) اليمين المتممة ( serment suppletoire, suppletif ) ، وهى يمين يوجهها القاضى إلى أى من الخصمين ليستكمل بها الأدلة التى قدمها هذا الخصم .

واليمين الحاسمة ، دون اليمين المتممة ، هى التى كان ينبغى أن تدخل وحدها فى هذا الباب ، لأنها هى التى تعفى من الإثبات . أما اليمين المتممة فهى طريق تكميلى للإثبات ، ولا تعفى منه . ولكن اشتراك اليمينين فى كثير من الأحكام يجعل من المناسب جمعهما فى فصل واحد . فنتكلم فى كل منهما .

الفرع الأول

اليمين الحاسمة

267 – تكييف اليمين الحاسمة : عندما يعوز الخصم الدليل الذى يسمح به القانون لإثبات دعواه ، ولا يقر له خصمه بصحة ما يدعيه ، لا يبقى أمامه إلا طريق واحد يلجأ إليه ، هو أن يحتكم إلى ضمير هذا الحكم . فيوجه إليه  516  اليمين الحاسمة يطلب إليه حلفها لحسم النزاع ، ولا يملك من وجهت إليه اليمين إلا أن يقبل هذا الاحتكام . وهذا هو الإسعاف الذى يتقدم به القانون إلى الخصم الذى يعوزه الدليل القانونى ، بل هذه هى الكفارة التى يكفر بها القانون عن تشدده فى اقتضاء أدلة قضائية معينة لا يغنى عنها بديل . فالقانون ، إذ يتشدد فى اقتضاء أدلة معينة ، لا يصل إلا إلى الحقيقة القضائية ، وهى بعد حقيقة نسبية ، وذلك سعياً وراء الاستقرار . ولكنه ، بعد أن يقضى واجب الاستقرار ، يرضى جانب العدل ، بتمكين من يعوزه الدليل القضائى من أن يحتكم إلى ضمير خصمه الذى أنكر عليه ما يدعيه من حق ، فيوجه إليه اليمين الحاسمة . فإن حلفها الخصم ، فقد أثبت بذلك أن ضميره راض بإنكار صحة الادعاء ، ولما كان هذا الادعاء لا دليل عليه ، لم يبق بد من الحكم برفضه . وإن نكل ، كان فى هذا النكول إقرار ضمنى بصحة الادعاء ، فوجب الحكم عليه بمقتضى هذا الإقرار ( [3] ) .

ويتبين من ذلك أن توجيه اليمين الحاسمة هو تصرف قانونى ( acte juridique ) ، إذ هو إرادة الخصم الذى يوجه اليمين فى أن يحتكم إلى ضمير خصمه بما يترتب على ذلك من نتائج قانونية . والاحتكام على هذا النحو يعتبر تصرفاً قانونياً يتم بإرادة منفردة ( acte juridique uni??????? ) ، إذ هو ينتج أثره بمجرد توجيه اليمين . وسنرى أن توجيه اليمين يجوز الرجوع فيه إلى أن يقبل الخصم الذى  517  وجهت إليه اليمين أن يحلف ، ولكن هذا ليس قبولاً لإيجاب ، إذ أن الخصم الذى وجعت إليه اليمين لا يملك إلا أن يقبل الحلف أو أن يرد اليمين على من وجهها ، أى أنه لا يملك إلا قبول الاحتكام إلى ضميره أو أن يحكم هو ضمير الخصم الذى وجه اليمين . ومن ثم لا يكون توجيه اليمين تصرفاً يحتاج إلى قبول ، بل القبول هنا هو لجعل الخصم فى أن يحلف اليمين أو يردها حقاً غير قابل للنقض ، كحق المنتفع فى الاشتراط لمصلحة الغير عندما يقبل ما اشترط لمصلحته . هذا إلى أن توجيه اليمين تصرف شرطى ( acte – condition ) ، لأن الخصم إنما يعلن إرادته فى أن ينتفع بنظام استقل القانون بتقرير أحكامه ، ولا يستطيع الخصم لهذه الأحكام تبديلاً ( [4] ) .

وسنرى أن هذا التكييف لليمين الحاسمة تترتب عليه آثار قانونية هامة . وهو التكييف الذى نقف عنده . والفقه يتردد فى تكييف اليمين الحاسمة بين أنها تحكيم أو صلح ( [5] ) . والذى يقطع فى أنها ليست بصلح أن الصلح يقتضى نزول كل من المتصالحين عن جانب من ادعائه ، ومن يوجه اليمين لا ينزل عن شئ  518  دون شئ ، فهو إما أن يخسر كل دعواه أو يقضى له بها كلها . فإذا ما خسر دعواه أو كسبها فليس ذلك مترتباً على إرادته ، بل هى النتيجة المحتمة لاحتكامه إلى ضمير خصمه . وضمير الخصم هو الذى حكم : إما بخسارة الدعوى إذا حلف الخصم ، أو بكسبها إذا نلك . وقد ورد فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ما يؤيد هذا التكييف ( [6] ) .

  519  

ثم إن الحلف ذاته هو دون شك واقعة قانونية ، لأنه عمل مادى يترتب عليه أثر قانونى هو الحكم برفض دعوى من وجه اليمين . ورد اليمين تصرف قانونى كتوجيه اليمين ، إذ هو أيضاً احتكام إلى ذمة الخصم . والنكول عن اليمين عمل مادى سلبى ، ولكنه ينطوى على تصرف قانونى ، إذ النكول يتضمن إقرار بدعوى من وجه اليمين أو ردها ، فالنكول والإقرار سواء فى التكييف القانونى . أما اليمين المتممة ، توجيهاً وحلفاً نوكولاً ، فواقعة قانونية ، إذ هى عمل مادى محض ، وهى طريق من طرق الإثبات التكميلية .

268 – مبحثان : وبعد أن كيفنا اليمين الحاسمة على الوجه السالف الذكر ، نتناول هذه اليمين فى مبحثين : ( 1 ) توجيه اليمين الحاسمة ( 2 ) الآثار التى تترتب على توجيهها .


( [1] ) انظر فى اليمين على الماضى أو على الحال أو على الآتى فى الفقه الإسلامى : طرق القضاء فى الشرعية الإسلامية للأستاذ أحمد إبراهيم ص 299 – ص 230  .

( [2] ) انظر فى اليمين غير القضائية بودرى وبارد 4 فقرة 2728 – فقرة 2728 مكررة – الأستاذ عبد السلام ذهنى فى الأدلة 2 ص 67 – ص 73  .

( [3] ) على أنه يجوز الاتفاق مقدماً ما بين الطرفين على عدم جواز توجيه اليمين الحاسمة من أحدهما إلى الآخر فى خصومة معينة  . فليس فى هذا الاتفاق ما يخالف النظام العام أو الآداب ، ويسوغه أن بعض الناس تمنعه عقيدته الدينية من الحلف ، أو هو يرى فى الحلف إحراجاً له وإيذاء لضميره ، هذا إلى أن طرق الإثبات كما قدمنا يجوز الاتفاق على تعديلها والاقتصار على طريق منها دون طريق ( انظر فى هذا المعنى : أسيوط الكلية 14 أبريل سنة 1941 المحاماة 21 رقم 437 ص 1042 – بنى مزار 23 فبراير سنة 1939 المحاماة 19 رقم 359 ص 882 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 2 فقرة 585 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 134 )  . ولكن محكمة الاستئناف المختلطة قضت بأن الاتفاق قبل قيام الخصومة على عدم جواز توجيه اليمين الحاسمة اتفاق باطل لا ينتج أثره ، لأن الطرفين لا يستطيعان ، والخصومة لما تقم ، أن يدركا مدى ما تعهدا به ( استئناف مختلط 23 أبريل سنة 1931 م 43 ص 366 )  . وهذا قريب مما كان يجرى عليه القضاء ، قبل صدور التقنين المدنى الجديد ، من التمييز ، فى الاتفاق على طرق الإثبات ، ما بين اتفاق يعقد قبل قيام الخصومة فيكون باطلاً ، واتفاق يم بعد قيام الخصومة فيكون صحيحاً  .

( [4] ) انظر الأستاذ سليمان مرقص فى أصول الإثبات ص 197 هامش رقم 1  .

( [5] ) وقد جاء فى الموجز للمؤلف فى هذا المعنى ما يأتى : ” فاليمين الحاسمة نوع من الصلح أو التحكيم يقصد به حسم النزاع  . والخصم الذى يوجهها يصطلح مع خصمه أو يتحاكم إلى ذمته ، والخصم الذى توجه إليه بالخيار بين الحلف والرد  . فإذا رد كان هذا صلحاً جديداً أو تحاكماً إلى ذمة الخصم الأول ” ( الموجز فقرة 663 )  . وانظر فى أن توجيه اليمين ضرب من الصلح أوبرى ور 12 ص 137 – هيك 8 فقرة 357 – ديمولومب 30 فقرة 580 – بودرى وبارد 4 فقرة 2730 بيدان – وبروى 9 فقرة 1323 ، وفى أنه مبدأ اتفاق أو مبدأ صلح على الإثبات ( commencement d’une convention, d’une transaction sur la peruve ) لا ينطوى على تضحية من الجانبين : بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1573 – ص 1049 – ويؤخذ على هذا الرأى أن توجيه اليمين ليس باتفاق بل هو تصرف بإرادة منفردة كما قدمنا ، وأن الصلح لا يمكن إلا أن ينطوى على تضحية من الجانبين  . ويقول دى باج أن توجيه اليمين اتفاق من نوع خاص يقوم على أساس من العدالة ( دى باج 3 ص 1073 – ص 1077 ) – ويقول الأستاذ أحمد نشأت فى كتابه فى الإثبات الجزء الثانى أن اليمين الحاسمة قريبة من عقد التحكيم ( فقرة 537 ) ، وأن توجييها تنازل عن الحق المدعى به معلق على شرط تأديتها ( فقرة 538 ) ، وأنها نوع من الصلح بين الطرفين ( فقرة 539 ) ، وأنها نوع خاص من التصرفات ( فقرة 541 ) – ويذهب الأستاذ سليمان مرقس إلى أن توجيه اليمين تصرف قانونى من التصرفات التى يسميها ديجيه بالتصرفات الشرطية ( actes – condition ) وهذا رأى صحيح  . ( أصول الإثبات ص 197 هامش رقم 1 )  .

( [6] ) وهذا ما جاء فيها : ” أما فيما يتعلق بطبيعة اليمين الحاسمة ، فالرأى فى الفقه على أن اليمين تعاقد ، أو صلح بعبارة أخرى  . وقد جرى القضاء المصرى على هذا الرأى ( استئناف مختلط 27 مايو سنة 1903 م 15 ص 319 – و 19 مايو سنة 1921 م 33 ص 351 )  . بيد أن مذهب الفقه والقضاء فى هذا الشأن قد استهدف لنقد فريق من الفقهاء  . وقد ذكر هذا الفريق أن الأعمال التحضيرية للقانون الفرنسى قد جاء بها ما يؤخذ منه أن اليمين ليست سوى احتكام إلى الذمة  . ويراعى أولاً أن كل تعاقد يفترض إيجاباً وقبولاً ، الملحوظ فى القبول هو ثبوت الخيار لا التسليم على سبيل الإلزام ، فإن انتفى هذا الخيار فليس ثمة تراض أو تعاقد  . بيد أن من توجه اليمين إليه لا يستطيع أن يرفض مشيئة من وجهها ، وأن يطلب إقامة الدليل على الدعوى أو الدفع بطرق الإثبات الأخرى ، بل يتعين عليه بحكم القانون أن يعمل الرخصة التى يثبتها له على وجه من وجوهها الثلاثة : فإما أن يؤدى اليمين ، وأما أن ينكل عنها ، وإما أن يردها  . ومؤدى هذا أن اليمين ليست تعاقداً ، وهى ليست كذلك من الصلح فى شئ لأن الصلح يفترض تنازل كل المتعاقدين عن جانب من مزاعمه  . أما من يوجه اليمين فهو لا يملك طريقاً من طرق الإثبات بل هو يوقن ابتداء بخسارة دعواه ، وهو بالالتجاء إلى اليمين لا يتنازل عن شئ ما ، لأن توجيه هذه اليمين يتمحض لمنفعة, والواقع أن اليمين ليست إلا تأكيد واقعة أمام القاضى ، فى ظل ضمانة من الذمة أو العقدية الدينية  . وهى بهذا الوصف ليست إلا علاجاً يحد من مساوئ نظام تقييد الدليل ، باعتبار هذا النظام ضرورة لا معدى عنها لتأمين استقرار المعاملات ، وإن كان تطبيقه فى نطاق العمل قد يسفر عن نتائج تناقض العدالة  . فادعاء من فاته تحصيل الدليل المقرر من جراء إهمال أو إسراف فى الثقة قد يكون صحيحاً ، رغم انتفاء هذا الدليل  . ولو التزمت الأحكام العامة فى القانون لترتب عليها إخفاقه ، لكن العدالة تقتضى الترخيص له بالاحتكام إلى ذمة خصمه  .  .  . الواقع أن حق الخصم فى الاحتكام يقابله التزام الخصم الآخر بالاستجابة لتلك الدعوى ، وإلا أصبح هذا الحق مجرداً من الأثر والجدوى  . فالخصم يلتزم بحكم القانون بالتخلى عن التقيد بقواعد القانون والاحتكام إلى العدالة  . بيد أن حق الاحتكام إلى الذمة قد أثبته القانون للخصم الآخر أيضاً ، واحتفظ له به ، إذ جعل به أن يرد اليمين ويحتكم بذلك إلى ذمة من وجهها إليه  .  .  . ثم إن القول بأن فكرة التصرف المنعقد بإرادته واحدة هى أساس النتيجة التى تسفر عنها اليمين ، وأن اليمين تكون حجة قاطعة لأن من يوجهها يلتزم بإرادته المنفردة بالاحتكام إلى ذمة خصمه ، يجافى المنطق كذلك  . والواقع أن القانون هو الذى يخول من يعوزه الدليل حق الاحتكام إلى ذمة خصمه ، ولكنه عندما يمنحه هذا الحق يعين آثاره ، وهى تنحصر فى قبول الطلب أو الدفع أو رفضه ، بحسب ما إذا كانت اليمين التى توجه أو ترد تؤدى أو ينكل عنها ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 445 – ص 447 )  .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s