طرق الإثبات ذات القوة المحدودة


طرق الإثبات ذات القوة المحدودة

البينة والقرائن القضائية

158 – طرق الإثبات ذات القوة المحدودة – اليمين المتممة ( إحالة ) : قدمنا أن طرق الإثبات ذات القوة المحدودة هى البينة والقرائن القضائية واليمين المتممة .

ونبادر إلى القول أن اليمين المتممة ، لشدة اتصالها باليمين الحاسمة ، ستعاجل معها فى موضع آخر . ونستبقى هنا للبحث البينة والقرائن القضائية .

159 – تعادل البينة والقرائن القضائية من حيث قوة الإثبات : وقد جعل القانون البينة والقرائن القضائية طريقين متعادلين من حيث قوتهما القانونية فى الإثبات . فما يمكن إثباته بأحد الطريقين يستطاع إثباته بالطريق الآخر . وكلا الطريقين أضعف من الكتابة ذات القوة المطلقة فى الإثبات .

وقد رأينا أن البينة والقرائن القضائية لا تكون طرقاً أصلية فى الإثبات إلا فى نطاق محدود . وتكون ، غير ذلك ، طرقاً تكميلية عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة ، وطرقاً بديلة عند وجود مانع يحول دون الحصول على دليل كتابى أو يحول دون تقديمه بعد الحصول عليه .

ويتبين من كل ذلك أن البينة والقرائن ذات قوة محدودة فى الإثبات . فنبحث أولاً ما هى البينة والقرائن . ثم نبين بعد ذلك قوتهما المحدودة .

  311  

الفصل الأول

البينة والقرائن القضائية

الفرع الأول

البينة

( أو الشهادة )

160 – معنيان للبينة : البينة لها معنيان : ( 1 ) معنى عام ، وهو الدليل أياً كان ، كتابة أو شهادة أو قرائن . فإذا قلنا : البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ، فإنما نقصد هنا البينة بهذا المعنى العام . ( 2 ) معنى خاص ، وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلة . وقد كانت الشهادة فى الماضى هى الدليل الغاب ، وكانت الأدلة الأخرى من الندرة إلى حد أنها لا تذكر إلى جانب الشهادة ، فانصرف لفظ ” البينة ” إلى الشهادة دون غيرها . ونقصد هذا المعنى الخاص عندما نقول : مالاً تزيد قيمته على عشرة جنيهات يجوز إثباته بالبينة والقرائن .

وإذا قلنا البينة ، قلنا نقصد معناها الخاص ، ونقصرها على الشهادة . ونتكلم هنا : ( أولاً ) فى أنواع البينة . ( ثانياً ) فى سلطة القاضى الواسعة فى تقدير البينة . ( ثالثاً ) فى القواعد التى تتبع فى سماع البينة .

المبحث الأول

أنواع البينة

161 – الشهادة ( temoignage ) : الأصل فى الشهادة أن تكون شهادة مباشرة ، فيقول الشاهد ما وقع تحت بصره أو سمعه . فالذى يميز الشاهد إذن هو أنه يشهد على وقائع عرفها معرفة شخصية ( ex propriis sensibus ) . وهو يحصل  312  معرفته الشخصية للواقعة ، إما لأنه رآها بعنيه ، كما إذا كان قد شهد حادثا من حوادث السيارات فجاء إلى مجلس القضاء يشهد بما رأى . وإما لأنه سمعها بأذنه ، كما إذا كان قد حضر مجلس العقد وسمع البائع يتعاقد مع المشترى ، فجاء إلى مجلس القضاء يشهد بما سمع . وإما لأنه رأى وسمع ، كما إذا سمع المقرض يتعاقد مع المقترض ورآه يعطيه مبلغ القرض ( [1] ) .

وتكون الشهادة عادة شفوية ، يدلى بها الشاهد فى مجلس القضاء مستمداً إياها من ذاكرته . وقد نصت المادة 216 من تقنين المرافعات على أن ” تؤدى الشهادة شفاهاً ، ولا تجوز الاستعانة بمفكرات مكتوبة إلا بإذن المحكمة أو القاضى المنتدب ، وحيث تسوغ ذلك طبيعة الدعوى ” . ومع ذلك فقد نصت المادة 205 من تقنين المرافعات على أن ” من لا قدره له على الكلام يؤدى الشهادة ، إذا أمكن أن يبين مراده ، بالكتابة أو بالإشارة ” .

ويدعى الشاهد عادة إلى مجلس القضاء ليقول ما رآه أو سمعه من الوقائع المتعلق بالدعوى . ومع ذلك قد يكتفى ، فى ظروف استثنائية ، بتلاوة شهادته المكتوبة أو بضم هذه الشهادة المكتوبة إلى ملف القضية للاعتداد بها ( [2] ) .

وإذا كانت الشهادة المباشرة هى الصورة الغالبة للشهادة ، فإنه يوجد مع ذلك إلى جانبه : ( 1 ) الشهادة السماعية ( temoignage indirect ) ( 2 ) والشهادة بالتسامع ( commune renommee ) ( 3 ) والشهادة بالشهرة العامة ( acte de notoriete ) .

162 – الشهادة السماعية : أى الشهادة غير المباشرة ، وتسمى أيضاً  313  بالشهادة فى الدرجة الثانية ( [3] ) ( temoignage du second degre ) . وتختلف عن الشهادة الأصلية أو الشهادة المباشرة أو الشهادة فى الدرجة الولى – وهى الشهادة التى سبق ذكرها – فى أن الشاهد هنا يسهد بما سمع رواية عن غيره ، ومن ثم كانت الشهادة سماعية .

والشاهد ، سواء كانت شهادته أصلية أو سماعية ، يشهد عن واقعة معينة بالذات . ولكنه فى الشهادة الأصلية يشهد أنه رأى هذه الواقعة بعينه إن كانت مما يرى ، أو سمعها بأذنه إن كانت مما يسمع . أما فى الشهادة السماعية ، هو يشهد أنه سمع الواقعة يرويها له شاهد يكون هو الذى رآها بعينه أو سمعها بأذنه . مثل ذلك أن يشهد شخص أمام القضاء أنه سمع شخصاً آخر يروى له حادث السيارة وقد رآه بعينيه ، أو سمع شخصاً آخر يورى له التعاقد على البيع أو على القرض وقد سمعه بأذنه . فالشهادة السماعية هى إذن شهادة على الشهادة ( [4] ) .

والشهادة السماعية جائزة حيث تجوز الشهادة الأصلية ( [5] ) . ويقدر القاضى قيمتها كما يقدر الشهادة الأصلية . وقد يراها تعدل الشهادة الأصلية فى القيمة . ولكن الغالب أن تكون الشهادة السماعية دون الشهادة الأصلية من حيث اقتناع القاضى بها ( [6] ) .

  314  

163 – الشهادة بالتسامع : والشهادة بالتسامع غير الشهادة السماعية . فهى شهادة بما تتسامعه الناس ( oui – dire ) ، لا تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، بل على الرأى الشائع فى جماهير الناس عن هذه الواقعة . وقد رأينا الشهادة السماعية تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، ولكن لا على أن الشاهد رآها بعينه أو سمعها بأذنه ، بل على أنه سمعها تروى له ممن رآها بعينه أو سمعها بأذنه . فالشهادة السماعية يمكن إذن تحرى مبلغ الصدق فيها ، وصاحبها يحمل مسئولية شخصية فيما سمعه بنفسه عن غيره من الرواية عن واقعة معينة بالذات . أما الشهادة بالتسامع فصاحبها لا يروى عن شخص معين ولا الواقعة بالذات ، بل يشهد بما تتسامعه الناس عن هذه الواقعة وما شاع بين الجماهير فى شأنها ، فهى غير قابلة للتحرى ولا يحمل صاحبها مسئولية شخصية فيما شهد به ( [7] ) .

ومن ثم كانت الشهادة بالتسامع غير مقبولة إلا فيما نص عليه القانون . وقد نص التقنين المدنى الفرنسى على قبول الشهادة بالتسامع فى حالتين : ( 1 ) حالة الزوجة ، بعد انتهاء النظام المشترك للأموال ( communaute ) بينها وبين زوجها ، وهى تريد تمييز مالها الخاص ( patrimoine propre ) عن المال المشترك ( patrimoine commun ) ، وذلك إذا لم يوجد محضر جرد ( م 1415 وم 1504 مدنى فرنسى ) . ( 2 ) حالة ورثة أى من الزوجين ، بعد موته ، يريدون تحديد المال المشترك ( patrimoine commun ) فى مواجهة الزوج الآخر الذى ظل باقياً على قيد الحياة ، وذلك أيضاً إذا لم يوجد محضر جرد ( م 1442 مدنى فرنسى ) . ويذهب فريق من الفقهاء الفرنسيين إلى قصر قبول الشهادة بالتسامع على هاتين  315  الحالتين دون غيرهما ( [8] ) . ويرى بعض آخر أن يقيس عليهما كل حالة أخرى يراد فيها إثبات منقولات بأعيانها فى مواجهة من كان مكلفاً بحصرها فى محضر جرد وقصر فى ذلك ( [9] ) . أما فى مصر فالقضاء المختلط كان بوجه عام لا يقبل الشهادة بالتسامع فى المسائل المدينة ( [10] ) . أما فى المسائل التجارية ، وكذلك فى الأحوال التى يقبل فيها الإثبات بالبينة أو بالقرائن ، فتقبل الشهادة بالتسامع على سبيل الاستئناس وباعتبار أنها مجرد قرينة بسيطة لا يؤخذ بها إلا فى كثير من الحذر والاحتياط ( [11] ) . وفى الفقه الإسلامى لا تقبل الشهادة إلا فى مسائل معينة ، عدوا منها خمساً هى الشهادة بالنسب وبالموت وبالنكاح وبالدخول وبولاية القاضى ، ثم أضافوا إليها خمساً هى أصل الوقف وشرائطه والعتق والولاء والمهر ( [12] ) . ولا نرى ما يمنع من الأخذ بأحكام الفقه الإسلامى فى هذه المسألة تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة الأولى من التقنين المدنى ، وهى تقضى بأنه  316  ” إذا لم يوجد نص تشريعى يمكن تطبيقه ، حكم القاضى بمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد ، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية ” .

  317  

وإذا قبلت الشهادة بالتسامع ، فهى كالشهادة الأصلية والشهادة السماعية تضع فى سماعها للقواعد التى تخضع لها الشهادة بوجه عام ( [13] ) .

164 – الشهادة بالشهرة العامة : أما الشهادة بالشهرة العامة فليست بشهادة بالمعنى الصحيح . بل هى ورقة مكتوبة ، تحرر أمام جهة رسمية ، تدون فيما وقائع معينة ، تشهد بها شهود يعرفون هذا الوقائع عن طريق الشهرة العامة .

وفى مصر يمكن اعتبار إعلام الوراثة ومحضر حصر التركة وتقرير غيبة المفقود من قبيل هذه الأوراق . فهى تحرر أمام جهات رسمية ، المحكمة الشرعية أو مندوب من المحكمة الحسبية أو غير ذلك ، وتدون فيها أسماء الورثة أو أعيان التركة أو واقعة غياب المفقود ، وذلك بناء على شهادة طائفة من الناس يشهدون وفقاً لما عرفوه عن طريق الشهرة العامة .

وفى فرنسا ينص القانون على جواز استعمال مثل هذه الأوراق كأدلة . من ذلك أنه إذا تعذر على أحد الزوجين عند عقد زواجه أن يحصل على شهادة ميلاده ، كان له أن يقدم عوضاً عنها شهادة تحمل اسمه ولقبه وصناعته ومحل  318  إقامته وتاريخ ميلاده بقدر الإمكان وغير ذلك من البيانات بناء على أقوال شهود ثلاثة يعرفون ذلك عن طريق الشهرة العامة ويدلون بشهادتهم عنها أمام قاضى الصلح ( انظر م 71 من التقنين المدنى الفرنسى ) . ومن ذلك أيضاً إجراءات إعلان غيبة المفقود ، تتضمن تحقيقاً تأمر المحكمة بإجرائه فى مواجهة النيابة العامة ، قد تسمع فيه شهود يدلون بما عرفوه من طريق الشهرة العامة عن ظروف اختفاء المفقود ، ثم يصدر بعد ذلك حكم بإعلان غيبته ( [14] ) . ويكشف العمل فى فرنسا عن كثرة الأحوال التى يلتجأ فيها إلى الحصول على وثائق تقوم على أساس الشهادة بالشهرة العامة ، وذلك فوق الأحوال التى نص عليها القانون . مثل ذلك الإعلام بثبوت الوراثة يدون فيه عدد الورثة وصفاتهم إذا لم يوجد محضر جرد . ومثل ذلك أيضاً الشهادة التى تسجل أن الميت قد مات دون وارث له حق محفوظ فى التركة ( heritier a reserve ) ( [15] ) .

فالشهادة بالشهرة العامة تفترض وجود موظف عام ، موثق أو قاض أو نحو ذلك ، تدلى أمامه الشهود بمعلوماتهم عن الواقعة المراد إثباتها . ويجب أن يكون للشهود معرفة شخصية بهذه الواقعة ، ولكن لا عن طريق محدد ، بل عن طريق الشهرة العامة ( [16] ) . فالمعرفة الشخصية بالواقعة ، لا الشهرة العامة فى ذاتها ، هى التى تقوم عليها قوة الإثبات فى هذه الشهادة . والشهرة العامة إنما تجعل منها شهادة جماعية ( temoignage collectif ) عن طريق تحقيق سريع أمام قاض أو موظف عامة بإجراءات لا تختلف إلا من ناحية الشكل عن إجراءات التحقيق المعتاد ( [17] ) . وللشهادة بالشهرة العامة قوة فى الإثبات يحدده القانون فى كل حالة على حده .

  319  

المبحث الثانى

سلطة القاضى الواسعة فى تقدير البينة

165 – البينة أضعف من الكتابة : قدمنا أن الشهادة كانت فى الماضى من أقوى الأدلة ، بل كانت هى الدليل الغالب فى وقت لم تكن فيه الكتابة منتشرة ، وكانت الأمية متفشية ، وكان العلم بالرواية واللسان لا بالكتابة والقلم ، حتى كانت الشهادة هى التى تستأثر باسم ” البينة ” دلالة على أن لها المقام الأول فى البينات ( [18] ) . فلما انتشرت الكتابة ، وتقلص ظل الأمية ، بدأت الكتابة تسود ، ثم أخذت المكان الأول فى الإثبات ، ونزلت البينة إلى المكان الثانى لما تنطوى عليه من عيوب ظاهرة . فالبينة تقوم على أمانة الشهود ، والشهود حتى إذا هم لم يكذبوا معرضون للنسيان ، ثم إن الدقة تنقصهم . هذا إلى أنه إذا أفسح المجال للإثبات بالبينة ، وأصبح اعتماد القضاء عليها ، كثرت القضايا الكيدية لسهولة الحصول على شهود زور يشهدون بالباطل . أما الكتابة فكفتها راجحة ، ومتى كانت بعيدة عن التزوير ، فهى أدق أداء وأكثر ضبطاً للواقع . ثم هى لا يرد عليها النسيان ، فهى دليل هيئ مقدماً ليحيط بالواقعة المراد إثباتها إحاطة شاملة ، لأنها إنما أعدت لهذا الغرض ( [19] ) .

  320  

من أجل ذلك أنزل القانون البينة دون منزلة الكتابة ، لا فحسب من ناحية أن جعل البينة ذات قوة محدودة فى الإثبات ، بل أيضاً بأن جعل للقاضى بالنسبة إلى البينة سلطة تقدير واسعة ، هى أكبر بكثير من سلطته بالنسبة إلى الكتابة ( [20] ) . فالقاضى ينظر ، أولاً ، هل الإثبات بالبينة فى الأحوال التى يجيزها القانون مستساغ؟ فإذا كان مستساغاً نظر ، ثانياً ، هل الوقائع المراد إثباتها بالبينة متعلقة بالحق المدعى به ومنتجة فى إثباته؟ وهو فى ذلك يتمتع بسلطة تقدير أوسع مما له فى الإثبات بالكتابة . فإذا ما قدر بعد كل ذلك أن يسمع البينة ، كان له ، أخيراً ، سلطان واسع فى تقدير ما إذا كانت البينة التى سمعها مقنعة فى الإثبات .

166 – تقدير ما إذا كان الإثبات بالبينة مستساغاً : قد يكون الإثبات بالبينة جائزاً قانوناً ، ولكن يبقى بعد ذلك للقاضى سلطة تقديرية فى السماح به . فقد يكون فى القضية من القرائن والأدلة الأخرى ما يغنى عن البينة . وعلى النقيض من ذلك قد تكون الوقائع المراد إثباتها بعدية الاحتمال بحيث لا يرى القاضى سبيلاً إلى الاقتناع بالبينة فى إثباتها ( [21] ) . وقد تكون هذه الوقائع  321  قد طال عليها العهد بحيث يتعذر إثباتها بالبنية فى جميع هذه الأحوال يرى القاضى أن البينة غير مستساغة ، فلا يسمح بها بالرغم من أن القانون يجيزها فى الإثبات ( [22] ) .

ومن ثم نرى أنه لا يكفى أن يجيز القانون الإثبات بالبينة فى بعض الأحوال ، بل يجب أيضاً أن يكون الإثبات بالبينة مستساغاً حسب تقدير القاضى . ولا يخضع  322  القاضى فى تقديره هذا لرقابة محكمة النقض ( [23] ) .

167 – تقدير ما إذا كانت الوقائع متعلقة بالحق ومنتجة فى الإثبات : هنا أيضاً يتمتع القاضى بسلطة تقدير واسعة لا يتمتع بها فى الإثبات بالكتابة .

ذلك أن الكتابة المعدة للإثبات تشتمل عادة على الوقائع المتعلقة بالحق المدعى به والتى تكون منتجة فى الإثبات ، لأنها إنما أعدت للوفاء بهذه الأغراض . فلا يكون هناك للقاضى مجال واسع فى تقدير ذلك . أما فى الإثبات بالبينة فيتسع المجال للقاضى فى تقدير ما إذا كانت الوقائع التى استدعيت الشهود من أجلها متعلقة بالدعوى ومنتجة فى الإثبات . فإن الغالب أن تكون الشهود لم تعد للشهادة من قبل ، فإذا توخوا الأمانة فى شهادتهم فهم لا يشهدون إلا على الوقائع التى يتفق أن يكونوا قد رأوها أو سمعوها ، وهذه الوقائع قد تكون متعلقة بالحق المدعى به ، وقد لا تكون متعلقة به . وإذا كانت متعلقة ، فقد تكون منتجة فى الإثبات أو لا تكون . كل هذا متروك لتقدير القاضى ، وهو فى هذا التقدير يتمتع بسلطة واسعة لا يخضع فيها لرقابة محكمة النقض ( [24] ) ، كما قدمنا عند الكلام فى الشروط الواجب توافرها فى الواقعة التى تكون محلاً للإثبات .

168 – تقدير ما إذا كانت البينة كافية : ثم إن القاضى ، إذا رأى الإثبات بالبينة مستساغاً ، وقدر أن الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالحق المدعى به ومنتجة فى الإثبات ، وسمع الشهود فى هذه الوقائع ، فإن له بعد ذلك كله سلطة واسعة فى تقدير ما إذا كانت شهادة هؤلاء الشهود كافية فى إثبات هذه الوقائع .

وهو فى ذلك لا يتقيد بعدد الشهود ، ولا بجنسهم ، ولا بسنهم . فقد يقنعه شاهد واحدا ، ولا يقنعه شاهدان أو أكثر . قد يصدق المرأة ، ولا يصدق الرجل .  323  وقد تكون شهادة صبى صغيراً أبلغ فى إقناعه من شهادة رجل كبير ( [25] ) .

وقد كان للشهادة فى القديم نصاب محدد : رجلان ، أو رجل وامرأتان ، أو شهود أربعة ، أو نحو ذلك ( [26] ) . فزال هذا النصاب ، لا فى المسائل الجنائية فحسب ، بل أيضاً فى المسائل المدنية والتجارية . وكذلك زالت ضرورة تزكية الشهود ، فلم يعد الشاهد يزكيه شاهد آخر ، بل الذى يزكيه هو مبلغ ما يبعثه فى نفس القاضى من الاطمئنان إلى دقته ، والثقة فى أمانته ( [27] ) .

  324  

والقاضى يقدر ما إذا كانت البينة كافية . وله فى ذلك سلطان كامل ، لا يخضع هنا أيضاً لرقابة محكمة النقض ( [28] ) .

ويتبين مما تقدم أن البينة حجة ليست مقيدة فحسب ، بل هى أيضاً غير ملزمة وغير قاطعة . ولكنها حجة متعدية ، أى أن الوقائع التى تثبت بطريقها تعتبر ثابتة ، لا على من أقيمت فى مواجهته فحسب ، بل أيضاً بالنسبة إلى جميع من يتأثر بالحكم الذى صدر فى الدعوى .


( [1] ) والفرق بين الشهادة والإقرار أ ، الشهادة هى أخبار الإنسان بحق لغيره على غيره ، أما الإقرار فأخبار الإنسان بحق لغيره على نفسه  . وتختلف الدعوى عنهما بأنها إخبار الإنسان بحق لنفسه على غيره ( طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية للأستاذ أحمد إبراهيم ص 282 )  .

( [2] ) ومن ذلك أن يضم تحقيق جنائى إلى ملف قضية مدنية ، ويعتد بما ورد مكتوباً فى التحقيق الجنائى من شهادة الشهود ( بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2246 )  . أما نقل الكلام بآلة مسجلة ( dictaphone ) فقد رفض القضاء المصرى والفرنسى قبوله فى مقام الشهادة ( بيدان وبرو 9 ص 331 هامش رقم 1 – انسيكلوبيدى داللوز 4 لفظ prevue فقرة 871 – فقرة 872 )  .

( [3] ) وتسمى فى القه الإسلامى بالشهادة على الشهادة  .

( [4] ) أو هى شهادة أصلية بشهادة أصلية  . ويصح أن تكون شهادة سماعية بشهادة أصلية ، فيقول الشاهد إنه سمع فلاناً يروى عن فلان واقعة معينة بالذات  . واقتناع القاضى بمثل هذه الشهادة أشق بكثير من اقتناعه بشهادة أصلية على شهادة أصلية  .

( [5] ) قارن الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 379 والأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 185 ص 230 – والشهادة على الشهادة فى الفقه الإسلامى لا تجوز إلا بالإنابة والتحميل  . جاء فى فتح القدير ( جزء 6 ص 18 ) : ” فإذا سمع شاهداً يشهد بشئ لم يجز أن يشهد على شهادته ، إلا أن يشهده ذلك الشاهد على شهادة نفسه ، لأن الشهادة غير موجبة بنفسها بل بالنقل إلى مجلس القضاء ، فلا بد من الإنابة والتحميل  . ولهذا لو سمعه يشهد شاهداً على شهادته ، لم يسمع السامع أن يشهد ، لأنه ما حمله وإنما حمل غيره  . وهذا الإطلاق يقتضى أنه لو سمعه يشهد فى مجلس القاضى ، حل له أن يشهد على شهادته لأنها حينئذ ملزمة ”  .

( [6] ) انظر فى هذا المعنى بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1509 ص 959  . ويجب على كل حال التحدى بعدم قبول الشهادة السماعية ، إن كان لذلك وجه ، أمام محكمة الموضوع ، فلا يجوز التمسك بذلك أمام محكمة النقض لأول مرة  . وقد قضت محكمة النقض بأن القول بأن شهادة شاهد سماعية فهى غير مقبولة رغم أخذ الحكم الابتدائى بها – هذا القول لا يصح التمسك بأنه أمام محكمة النقض ما لم يسبق التحدى به لدى محكمة الموضوع ( نقض مدنى 29 مارس سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 86 ص 471 )  .

( [7] ) بيدان وبرو 9 فقرة 1249 – فمحل الشهادة بالتسامع ليس فى الحقيقة الواقعة المراد إثباتها ، بل محلها رأى الناس فى هذه الواقعة وما شاع بين الجماهير فى شأنها  . ورأى الناس قد يكون له أثر فى موضوع الحق نفسه ، ومن ثم كان هو ذاته محلاً للإثبات لا طريقاً فى الإثبات  . فهناك إذن ضرب من التحويل ( deplacement ) فى محل الإثبات ، ينقل الإثبات من محله الأصلى إلى محل بديل عنه ( انظر فى هذا المعنى بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1514 ص 964 – انظر أيضاً أوبرى ورو 12 فقرة 761 هامش رقم 14 – بيدان وبرو 9 فقرة 1248 )  .

( [8] ) بارتان على أوبرى ورو 12 فقرة 762 هامش رقم 17 – لوران 5 فقرة 11 – بودرى وبارد 4 فقرة 2651 مكررة ص 402 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1514 ص 964 – ص 965  .

( [9] ) أوبرى ورو 12 فقرة 762 ص 303 – ص 304 – تولييه 2 فقرة 1197 – ماركاديه 2 فقرة 250 – بوتييه فقرة 242 – ديمولومب 7 فقرة 56 و 30 فقرة 225 – قارن بيدان وبرو 9 فقرة 1248  .

( [10] ) استئناف مختلط 21 أبريل سنة 1921 م 33 ص 281 – 8 يونيه سنة 1937 م 49 ص 253  .

( [11] ) استئناف مختلط 17 يونيه سنة 1925 م 37 ص 494 – 16 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 65 – 29 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص 56 – 25 نوفمبر سنة 1936 م 49 ص 23  .

( [12] ) وقد جاء فى البدائع ( جزء 6 ص 266 – ص 267 ) فى صدد الشهادة بالتسامع ما يأتى : ” الثالث ( من شروط تحمل الشهادة ) أن يكون التحمل بمعاينة المشهود به بنفسه لا بغيره ، إلا فى أشياء مخصوصة يصح التحمل فيها بالتسامع من الناس لقوله عليه الصلاة والسلام للشاهد إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع ، ولا يعلم مثل الشمس إلا بالمعاينة بنفسه  . فلا تطلق الشهادة بالتسامع إلى فى أشياء مخصوصة  . وهى النكاح والنسب والموت  . فله تحمل الشهادة فيها بالتسامع من الناس وإن لم يعاين بنفسه ، لأن مبنى هذه الأشياء على الاشتهار فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة  . وكذا إذا شهد العرس والزفاف يجوز له أن يشهد بالنكاح لأنه دليل النكاح  . وكذا فى الموت إذا شهد جنازة رجل أو دفته حل له أن يشهد بموته  . واختلفوا فى تفسير التسامع ، لعند محمد رحمه الله هو أن يشتهر ذلك ويستفيض وتتواتر به الأخبار عنده من غير تواطؤ ، لأن الثابت بالتواتر والمحسوس بحس البصر والسمع سواء ، فكانت الشهادة بالتسامع شهادة عن معاينة, فعلى هذا إذا أخبره بذلك رجلان أو رجل وامرأتان لا يحل له الشهادة ما لم يدخل فى حد التواتر  . وذكر أحمد بن عمرو بن مهران الخصاف أنه إذا أخبره رجلان عدلان أو رجل وامرأتان أن هذا ابن فلان أو امرأة فلان يحل له الشهادة بذلك ، استدلالاً بحكم الحاكم وشهادته ، فإنه يحكم بشهادة شاهدين من غير معاينة منه بل يخبرهما ويجوز له أن يشهد بذلك بعد العزل ، كذا هذا  . ولو أخبره رجل أو امرأة بموت إنسان حل للسامع أن يشهد بموته  . فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين الموت وبين النكاح والنسب  . ووجه الفرق أن مبنى هذا لأشياء وإن كان على الاشتهار إلا أن الشهرة فى الموت أسرع منه فى النكاح والنسب ، لذلك شرط العد فى النكاح والنسب لا فى الموت  . لكن ينبغى أن يشهد فى كل ذلك على الثبات والقطع دون التفصيل والتقييد بأن يقول إنى لم أعاين ذلك ولكن سمعت من فلان كذا وكذا ، حتى لو شهد كذلك لا تقبل  . وأما الولاء فالشهادة فيه بالتسامع غير مقبولة عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وهو قول أبى يوسف رحمه الله الأول ثم رجع وقال تقبل  .  .  .  . وأما الشهادة بالتسامع فى الوقف فلم يذكره فى ظاهر الرواية ، إلا أن مشايخنا ألحقوه بالموت لأن مبنى الوقف على الاشتهار أيضاً كالموت فكان ملحقاً به  . وكذا يجوز الشهادة بالتسامع فى القضاء والولاية ، أن هذا قاضى بلد كذا ووالى بلد كذا وإن لم يعاين المنشور ، لأن مبنى القضاء والولاية على الشهرة فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة ”  .

وجاء فى فتح القدير ( جزء 6 ص 20 – ص 21 ) : ” ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشئ لم يعاينه أى لم يقطع به من جهة المعاينة بالعين أو السماع إلا فى النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضى ، فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأمور إذا أخبره بها من يثق به من رجلين عدلين أو رجل وامرأتين  . ويشترط كون الإخبار بلفظ الشهادة ، وفى الموت إذا قلنا يكفى الواحد لا يشترط لفظ الشهادة بالاتفاق ، أو بتواتر الخبر بذلك  .  .  . وجه الاستحسان أن العادة جارية بذلك ، وذلك بسبب أنه لا طريق إلى معرفة هذه الأشياء سوى الخبر ، إذ لم تجرى العادة بحضور الناس الولادة وإنما يرون الولد مع أمه أو مرضعته وينسبونه إلى الزوج فيقولون هو ابن فلان ، وكذا النكاح لا يحضره كل أحد وإنما يخبر بعضهم بعضاً أن فلاناً تزوج فلانة ، وكذا الدخول لا يعلم إلا بأمارات  .  .  . وكذا ولاية السلطان للقاضى لا يحضرها إلا الخواص وإنما يحضرون جلوسه وتصديه للأحكام  .  .  . وينبغى أن يطلق أداء الشهادة ، فيشهد أنه ابنه أو أمير أو قاض  . أما إذا فسر للقاضى أنه شهد عن تسامع بين الناس لم تقبل شهادته ”  . ويقول الأستاذ أحمد إبراهيم فى ” طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية ” ( ص 306 ) : ” أقول والظاهر أنه حيث أجير للشاهد أن يشهد بالسماع فى المواضع التى بينوها وجب أن يقضى بشهادته إذا فسر ، وإلا كان فى المقام ما يشبه التناقض ، ولا معنى لبقاء القضاء فى مثل هذا على القياس والأخذ فى الشهادة بالاستحسان ، وكل ما فى الأمر أنهم يريدون تحميل الشاهد عبء ما شهد به ولا يحملون القاضى ذلك ، لكن ما أجازوه فيها كان ينبغى أن يجيزوه فيه منعاً للتدافع ، ولا معنى لهذا الهروب من أمر قرروه واعترفوا به ”  .

وأوصل ابن جزى فى القوانين الفقهية ( ص 313 ) المسائل التى يجوز فيها قبول الشهادة بالتسامع إلى عشرين ، فقال : ” تجوز الشهادة بالسماع الفاشى فى أبواب مخصوصة ، وهى عشرون : النكاح ، والرضاع ، والحمل ، والولادة ، والموت ، والنسب ، والولاء ، والحرية ، والأحباس ، والضرر ، وتولية القاضى ، وعزله ، وترشيد السفيه واليتيم ، والوصية وأن فلاناً وصى ، والصدقات المتقادمة ، والأشربة المتقادمة ، والقسامة ، والإسلام ، والعدالة ، والجرحة  . ولا تجوز الشهادة بالسماع الفاشى فى إثبات ملك لطالبه ، وإنما تجوز للذى هو فى يديه بشروط حوزه له سنين كثيرة الأربعين والخمسين ”  .

هذا ويعرف الفقه الإسلامى ، إلى جانب الشهادة بالتسامع ، شهادة التواتر  . وهى ” خبر جماعة يقع العلم بخبرهم  .  .  . لا يتصور اتفاقهم على الكذب  . وليس للتواتر عدد معين على الصحيح ، وإنما الشرط أن يكون المخبرون جمعاً لا يجوز العقل اتفاقهم على الكذب  . ولما كان التواتر يفيد عم اليقين ، فلا تقام بينة على خلافه ، لأن البينات ظنية يدخلها الشك بخلاف التواتر ، سواء أكان المستند إلى التواتر مدعياً أو مدعى عليه ، وسواء أكان مثبتاً أم نافياً ، وسواء أكان فى الموال أم الحدود أم القصاص ، وسواء أكان قبل الحكم أم بعده ، ذلك لأن التواتر حجة فى النفى والإثبات لإفادته القطع واليقين ” ( الأستاذ أحمد إبراهيم فى طرق القضاة ص 29 )  .

( [13] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1514 ص 965 وهامش رقم 2  .

( [14] ) انظر المواد 115 – 119 من التقنين المدنى الفرنسى – وانظر فى مثل ثالث المادة 507 من هذا التقنين  .

( [15] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1513 ص 963 – ص 964 – بيدان وبرو 9 فقرة 1250

( [16] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1513 ص 963 – ص 964 – بيدان وبرو 9 فقرة 1250

( [17] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1513 ص 963 – ص 964 – بيدان وبرو 9 فقرة 1250

( [18] ) ودرج المثل ، فى القانون الفرنسى القديم ، أن الشهادة فوق الكتابة ( temoins passent lettre )  .

( [19] ) أوبى ورو 12 فقرة 761 ص 298 – على أن هناك اتجاهاً فى العصر الحاضر من شأنه أن يرد للبينه اعتبارها  . ففى التقنينات الجرمانية ( تقنين المرافعات الألمانى وتقنين المرافعات السويسرى ) وفى بعض التقنينات اللاتينية ( التقنين المدنى البرتغالى م 2506 – 2508 والتقنين المدنى الإسبانى م 1244 – 1248 يجوز ، فى المسائل المدنية على غرار المسائل التجارية ، الإثبات بالبينة حيث يجوز الإثبات بالكتابة  . ويذهب بعض كبار الفقهاء من أمثال تالير ( الإفلاس فى القانون المقارن 1 ص 160 ) إلى تحبيذ هذا الاتحاه ( انظر عكس ذلك كولان وكابيتنان ومورانديير 2 فقرة 776 ص 512 هامش رقم 2 – بيدان وبرو 9 فقرة 1252 )  . والقضاء الفرنسى ذاته ، فى خلال القرن الأخير ، يساير هذه النزعة ، فيتوسع فى قبول البينة عن طريق التوسع فى تفسير معنى ” مبدأ الثبوت بالكتابة ” ومعنى ” تعذر الحصول على الكتابة ” ( بيدان وبرو 9 فقرة 1150 ص 218 وهامش رقم 4 )  .

( [20] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا المعنى ما يأتى : ” وتختلف حجية البينة اختلافاً جوهرياً عن حجية الكتابة  . فبينا يعتبر الدليل الكتابى ، تفريعاً على تهيئته ، حجة بذاته ، فيفرض سلطانه على القضاء ما لم يطعن فيه بالتزوير أو ينقض بإثبات العكس ، تترك البينة على نقيض ذلك لتقدير القاضى ، ويكون له كامل السلطة فى تقدير قيمتها ، أياً كان عدد الشهود وأياً كانت صفاتهم ، دون أن يخضع فى تقديره هذا لرقابة محكمة النقض ، بيد أن سلطة القاضى فى التقدير لا تتناول إلا تعلق البينة بالوقائع دون جواز قبول الإثبات بمقتضاها ، لأن تعيين حدود هذا الجواز من شأن القانون وحده ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 395 – ص 396 )  .

وفى صدد خفض شأن البينة يقول فتحى زغلول : ” أبغض طرق الإثبات عند الشارع شهادة الشهود ( شرح القانون المدنى ص 418 )  .

( [21] ) وفى الفقه الإسلامى من شروط الشهادة عدم تكذيب الحس لها ، لأن الحس يفيد علماً قطعياً والشهادة تفيد خبراً ظنياً ، والظنى لا يعارض القطعى  . فلا تقبل البينة التى أقيمت على خلاف المحسوس  . كالبينة التى تقوم على موت شخص وحياته مشاهدة ، أو على خراب دار وهى قائمة يشهد العيان بعمارتها ( الأستاذ أحمد إبراهيم فى طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية ص 317 )  . ونصت المجلة فى المادة 1697 على أنه ” لا تقبل البينة التى أقيمت على خلاف المحسوس ، مثلاً إذا أقيمت البينة على موت رجل وحياته مشاهدة ، أو على خراب دار وعمارها مشاهدة ، فلا تقبل ولا تعتبر ”  . ويقول الأستاذ سليم باز فى شرح هذا النص ( ص 1021 ) : وكذا إذا أقيمت البينة بأن هذا المرعى مخصص منذ القديم لمنافع القرية الفلانية وكانت هذه القرية حديثة العهد ، وبذلك قرار لمحكمة التمييز مؤرخ فى 28 أيول سنة 1309 ج  . م عدد 828 )  .

( [22] ) أوبى ورو 12 فقرة 761 ص 302 – ص 303 – وقد قضت محكمة النقض بأن لمحكمة الموضوع أن ترفض إجراء تحقيق يطلبه الخصوم متى رأت بما لها من سلطة التقدير أنه لا حاجة بها إليه أو أنه غير مجد بالنظر إلى ظروف الدعوى وما هو ثابت فيها من الأدلة والوقائع ، وإنما هى ملزمة إذا رفضت مثل هذا الطلب أن تبين فى حكمها لماذا رفضته وأن تكون الأسباب التى بنت عليها اقتناعها من شأنها أن تؤدى إلى ما قضت به ( نقض مدنى 24 فبراير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 101 ص 265 )  . انظر أيضاً : نقض مدنى 30 أبريل سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 123 ص 334 ( تمسك خصم بعقد ، ثم عدل وتمسك بالتحقيق لإثبات التقادم وتقلب فى دفاعه ، فرفضت المحكمة التحقيق ) – 24 مارس سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 401 ص 742 ( قضت المحكمة بالقرائن مكتفية بها ، من غير حاجة إلى البينة )  . انظر كذلك : نقض مدنى 10 ديسمبر سنة 1931 مجموعة عمر 1 رقم 17 ص 29 – 10 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 70 ص 140 – 17 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 72 ص 142 – 6 يونيه سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 283 ص 863 – 16 أبريل سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 350 ص 1096 – 22 يونيه سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 194 ص 607 – 14 نوفمبر سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 75 ص 272 – 18 مايو سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 138 ص 382 – 19 يناير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 54 ص 189 – 30 مارس سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 96 ص 385  .

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لا يسوغ أن يثبت بالبينة أنه منذ عهد بعيد وفى أيام معينة تعذر إنزال البضاعة بسب رداءه الجو ( أول مارس سنة 1907 م 19 ص 229 ) ، أو العبارات التى استعملت فى حديث جرى منذ عهد بعيد ( 28 مايو سنة 1919 م 31 ص 316 ) ، أو وقائع حدثت منذ تسع سنوات ( 17 نوفمبر سنة 1937 م 50 ص 21 ) ، أو حادث وقع منذ ثمانى سنوات ( 10 مارس سنة 1938 م 50 ص 163 )  . ويجوز للقاضى أن يرفض الإحالة إلى التحقيق إذا وجد فى القضية عنا صر كافية للإثبات تجعل البينة تزيداً لا فائدة منه ( استئناف مختلط 29 يناير سنة 1924 م 36 ص 178 ) أو يرفض سماع شهود آخرين متى كون عقديته بعد سماع من سمعهم ( استئناف مختلط 29 يونيه سنة 1942 م 54 ص 257 )  .

( [23] ) ولكن يجب أن تكون هناك أسباب كافية لتبرير هذا التقدير ، ويكون التسبيب قاصراً إذا لم يواجه دفاع الخصم ولم يحققه مع حاجته إلى التحقيق ( نقض مدنى 28 يناير سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 32 ص 83 )  . ولا يجوز أن يكون مجرد التخوف من فساد ذمة الشهود سبباً فى حرمان مدعى الحق من إثبات دعواه بالبينة ( استئناف مصر 22 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 20 رقم 169 ص 455 )  .

( [24] ) أوبرى ورو 12 فقرة 761 ص 301 – ص 302  .

( [25] ) ولم يكن الأمر على هذا النحو فى القانون الفرنسى القديم  . فقد كانت شهادة الواحد لا تكفى ، ويقول لوازيل Loisel فى هذا المعنى : Testis unus, testis nullux – Voix d’un, voix de nun ( Institutes coutumieres, liv  . V; tit, V; regl  . 10 )

انظر أوبرى ورو 12 فقرة 761 هامش رقم 8 )  .

( [26] ) ونرى ذلك واضحاً فى الفقه الإسلامى  . قال ابن جزى فى القوانين الفقهية فى مراتب الشهادات والشهود : ” أما الشهادة فهى على ست مراتب : ( الأولى ) شهادة أربعة رجال وذلك فى الشهادة على الرؤية فى الزنا بإجماع  . ( والثانية ) شهادة رجلين وذلك فى جميع الأمور سوى الزنا  . و( الثالثة ) شهادة رجل وامرأتين وذلك فى الأموال خاصة دون حقوق الأبدان والنكاح والعتق والدماء والجراح  . وما يتصل بذلك كله  . واختلف فى الوكالة على المال ، وأجازها أبو حنيفة فى النكاح والطلاق والعتق ، وأجازها الظاهرية مطلقاً  . و( الرابعة ) شهادة امرأتين دون رجل وذلك فيما لا يطلع عليه الرجال كالحمل والولادة والاستهلال وزال البكارة وعيوب النساء ، وقيل إنما يعمل بها بشرط أن يفشو ما شهدتا به عند الجيران وينتشر ، وقال الشافعى لا بد من أربع نسوة ، وأجاز أبو حنيفة شهادة امرأة واحدة  . و( الخامسة ) رجل مع يمين وذلك فى الأموال الخاصة  . و( السادسة ) امرأتان مع يمين وذلك فى الأموال أيضاً  . فتلخص أن شهادة رجل وامرأتين أو رجل ويمين أو امرأتين ويمين مختصة بالأموال  . وأما مراتب الشهود فهى أيضاً ست : ( الأولى ) العدل المبرز فى العدالة فتقبل شهادته فى كل شئ ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة  . و( الثانية ) العدل غير المبرز فتقبل شهادته فى كل شئ ويقبل فيه التجريح بالعداوة وغيرها  . و( الثالثة ) الذى تتوسم فيه العدالة  . و( الرابعة ) الذى لا تتوسم فيه العدالة ولا الجرحة  . و( الخامسة ) الذى تتوسم فيه الجرحة  . فلا تقبل شهادة هؤلاء الشهود دون تزكية  . و( السادسة ) المعروف بالجرحة فلا تقبل شهادته حتى يزكى ، وإنما يزكيه من علم توبته ورجوعه عما جرح به ( القوانين الفقهية لابن حزى ص 309 – ص 310 )  .

( [27] ) انظر نقض مدنى 2 مارس سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 76 ص 289 ( الاطمئنان إلى صدق الشاهد مرده إلى وجدان القاضى ) – 10 يناير سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 64 ص 379 ( تقدير أقوال الشهود مرهون بوجدان القاضى ، إلا أن يخرج بهذه الأقوال إلى ما لا يؤدى إليه مدلولها ) – 19 فبراير سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 73 ص 500 ( تستطيع محكمة ثانى درجة أن تستخلص من أقوال الشهود ما يغاير ما استخلصته منها محكمة الدرجة الأولى ) – 23 أبريل سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 136 ص 916 ) ترجيح شاهد على شاهد من إطلاقات قاضى الموضوع )  .

( [28] ) أوبرى ورو 12 فقرة 761 ص 302 – بيدان وبرو 9 فقرة 1288 – وقد قضت محكمة النقض بأن للمحكمة كامل الحرية فى تقدير الدليل ، ومتى قررت المحكمة إحالة الدعوى إلى التحقيق كان له اأن تعتمد فى استجلاء الحقيقة على أية قرينة تطرح أمامها ، على أن تورد من الأسباب ما من شأنه أن يؤدى إلى ما قضت به ( نقض مدنى 14 ديسمبر سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 169 ص 478 ) – انظر أيضاً : نقض مدنى 17 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 72 ص 142 ( جواز الاعتماد على تحقيق إدارى فى دعوى إجارة بين الكومة والأفراد ) – 16 مارس سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 112 ص 200 ( جواز اعتماد على تحقيق أمام المحكمة الابتدائية بعد إلغاء حكمها استئنافياً ) – 29 يناير سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 138 ص 409 ( قصور فى استكمال التحقيق ) – 14 مايو سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 159 ص 445 ( قصور فى التسييب ) – 8 فبراير سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 205 ص 564 ( قصور فى التسييب : معاينة أجريت ولم تتكلم المحكمة عن نتيجتها )  . 16 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 75 ص 171 ( قصور التسييب فى إثبات مرض الموت ) – 27 أكتوبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 3 ص 7 ( الأخذ بشهادة شاهد فى طريقة العمل ولو لم تكن له علاقة بالحادث ) – 23 فبراير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 71 ص 269 – 27 فبراير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 117 ص 460 – 29 أكتوبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 13 ص 108 ( الأخذ بأقوال شهود سمعهم الخبير دون حلف يمين )  .

على أن القول بأن لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة فى تقدير أقوال الشهود مشروط بألا يكون هذا التقدير مبيناً على سبب مخالف للثابت فى أوراق الدعوى  . وإذن فمتى كانت المحكمة ، إذ قضت برد وبطلان العقد المطعون فيه بالتزوير ، قد صرحت بأن سبب عدم اطمئنانها إلى أقوال شهود المدعى عليها فى دعوى التزوير هو أن هذه الأخيرة قد سكتت عن الرد على ما جرحت به شهادتهم واستنتجت المحكمة من هذا السكون صحة هذا التجريح ، وكان الثابت أن الطاعنة لم تسكت فى الرد على تجريح شهودها ، فإن الحكم يكون مبيناً على سبب لا سند له فى الأوراق ، مما يبطله ويستوجب نقضه فى هذا الخصوص ( نقض مدنى 24 يونيه 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 151 ص 980 )  .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s