عـبء الاثبـات 


عـبء الاثبـات 

45 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 389 من التقنين المدنى على ما يأتى :

       (( على الدائن إثبات الالتزام ، وعلى المدين إثبات التخلص منه ([1]) )) .

$66ويقابل هذا النص فى التقنين الدنى السابق المادة 214/278 ([2]) ـ وفى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى لا شئ ([3]) ، وفى التقنين المدنى العراقى المواد من 444 إلى 448 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 362 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 376 ([4]) ـ

$67وفى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1315([5]) .

       46 ـ أهمية تعيين من يحمل عبء الاثبات من الخصمين : أول تنظيم لقواعد الإثبات يتصل بتعيين من من الخصمين يحمل عبئ الإثبات ، أى من منهما يكلف بالإثبات دون الآخر . وتعيين من يحمل عبء الإثبات من الخصمين يكاد يتوقف عليه ، فى كثير من الأحوال ، مصير الدعوى من الناحية العملية . فقد يكون الحق متراوحاص بينهما ، لا يستطيع أى منهما أن يثبته أو أن ينفيه ، فالقاء عبء الإثبات على أحدهما معناه حكم عليه أو حكم لخصمه ([6]) .

       فيعنينا إذن أن نبين من يحمل عبء الإثبات . وهذه مسألة لها ناحيتان : ناحية المبدأ وناحية التطبيق .

       1 ـ عبء الاثبات من ناحية المبدأ :

       47 ـ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر : من المبادئ المقررة فى الفقه الإسلامى أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ([7]) . وفى$68.القانون المصرى وسائر القوانين الحديثة توجد القاعدة ذاتها ، فالمدعى هو الذى يحمل فى الأًصل عبء الإثبات ، سواء كان دائناً يدعى ثبوت الدائنية أو مديناص يدعى التخلص من المديونية كما تقول المادة 389 .

       ولكن يبقى أن نحده على وجه الدقة من هو المدعى .

       هو أولا من يرفع الدعوى على الغير يطالبه بحق معين ، فهو مدع فى دعواه هذه ، وعليه عبء إثبات ما يدعيه . فلو أن شخصاً طالب آخر بمبلغ معين ، فعليه أن يثبت مديونية المدعى عليه بهذا المبلغ له ، بأن يثبت مصدر الدين ، تصرفاً قانونياً كوصية أو عقد بيع أو واقعة قانونية كميراث أو شفعة .

       $69ولكن ليس من الضرورى أن يكون المدعى هو من يرفع الدعوى . فقد يدفع المدعى عليه الدعوى بدفع فيصبح مدعياً فى هذا الدفع ، وعليه هو يقع عبء إثباته . ففى الأمثلة المتقدمة قد يدفع المدين بأنه وفى دينه ، فعليه إثبات هذا الوفاء . وقد يدفع الحائز للعين بأنه ملكها بالتقادم ، فعليه إثبات ذلك ([8])  .

       فيمكن إذن لأول وهلة أن نقول إن من يحمل عبء الإثبات هو المدعى فى الدعوى والمدعى عليه فى الدفع ، فكلاهما مدع فى دعواه ([9]) .

(actor incumbit probation. Reus in exceptione actor est)

      $70 48 ـ الببينة على من يدعى خلاف الأصل : ولكن هذه القاعدهة تحول بساطتها دون مواجهة الصعوبات التى تعرض فى العمل . فقد يقع أن المدعى ، حتى فى الدعوى التى رفعها , لا يكلف بالإثبات ، بل يكلف به خصمه وفقاً لطبيعة وضع كل منهما . فمن رفع دعوى على جاره يطالبه بسد مطل لا يكلف ـ وهو المدعى فى الدعوى ـ بإثبات أن جازه فتح المطل دون أن يكون له حق ارتفاق يجيز فتح المطل . ففى هذا المثل يقع عبء الإثبات على المدععى عليه لا على المدعى ، لأن طبيعة الوضع تقضى بخلو العقار من حقوق الارتفاق حتى يثبت ذو المصلحة عكس ذلك .

ومن ثم فإن القول بأن المدعى هو الذى يحمل عبء الإثبات لا يستقيم فى جميع الفروض ، فوجب إذن البحث عنقاعدة تكون أكثر انضباطاً ([10]) . وقد وضعت قاعدة فى هذا الصدد من شقين ، تستجيب لطبائع الأشياء . فقيل إن من يتمسك بالثابت أصلا لا يكلف باثباته ، أما من يدعى خلاف الأصل فعليه هو يقع عبء إثبات ما يدعيه(Onus probandi incumbit ei qui dicit) . ذلك $71أن من يتمسك بالثابت أصلا ، وإن كان من الجائز ألا يكون على حق من ناحية الواقع والعدالة ، إلا إنه من ناحية القانون ومن أجل استقرار التعامل يجب أن يحمى ، فيترك على الأصل دون أن يتكلف عناء أى إثبات ([11]) . وهذا هو الشق الأول من القاعدة . أما من يدعى خلاف الأصل فهو يستحدث جديداً لا تدعمه قرينة بقاء الأصل على أصله ، فعليه أن يثبت هذا الجديد حتى يتمتع بحماية القانون . وهذا هو الشق الثانى ([12]) .

       49 ـ فى نطاق الحقوق الشخصية الأصل هو براءة الذمة : وفى نطاق الحقوق الشخصية الأصل هو براءة الذمة من كل التزام . فمن يتمسك بالأصل لا إثبات عليه . ومن يدعـى خلاف الأصل ، بأن يدعى دينـاً فى ذمـة الغير قبلـه ، عليه أن يثبت مصـدر هذا الدين ([13]) . فمن ادعى أنه أقرض آخر مبلغاً من المال عليه أن يثبت عقد القرض . ومن طالب آخر بثمن مبيع عليه أن يثبت عقد البيع . والشريك الذى يطالب شريكه بنصيبه فى الخسارة عليه أن يثبت عقد الشركة وأن يثبت مقدار الخسارة التى لحقتها ([14]) . $72ويتفرع على ذلك مواقف عدة يختار القانون فيها وضعاً يعبره هو الأصل ، فمن تمسك به لا يكلف بإثبات شئ ، ومن ادعلا خلافه فعليه عبء الإثبات . مثل ذلك الأهلية ، فالأصل أن كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون ( م109 مدنى ) ([15]) . ومثل ذلك أيضاً عيوب العقد ، فالأصل أن يكون العقد سليما من العيوب ، ومن يدعى أن بالعقد عيباً عليه إثباته . ومثل ذلك أخيراً إجازة العقد القابل للابطال ، فالأصل عدم إجازة العقد ، ومن يدعى أنه أجيز عليه أن يثبت هذه الاجازة ([16]).

       50 ـ وفى نطاق الحقوق العينية الأصل هو الظاهر : وفى نطاق الحقوق العينية الأصل هو الظاهر . فالحائز للعين لا يطالب باثبات ملكيتها لأن الظاهر هو أن الحائز مالك . والخارج الذى يدعـى ملكية العيـن هـو الذى يدعـى خـلاف ذلـك ، فعليـه هـو يقـع  عبء الاثبات ([17]) . ومن ثم كان الحائز هو المدعى$73عليه دائماً فى دعوى الملكية ([18]) . وذلك ما لم يتبين من مستندات المدعى أن الظاهر يؤيد دعواه وينفى دفاع المدعى عليه ، فعندئذ ينتقل عبء إثبات الملكية إلى المدعى عليه ([19]) .

       $74وكذلك الظاهر أن حق الملكية خال من أن يثقل بحق عينى . فالمالك إذا تمسك بهذا الظاهر لا يطالب باثباته . ومن يدعى خلاف الظاهر ، بأن يدعى مثلا أن له حق ارتفاق ([20]) أو حق انتفاع أو حق رهن على العين ، كان عليه هو أن يثبت قيام لحق الذى يدعيه ، ولو كان مدعى عليه فى الدعوى الأصلية ، لأنه يدعى خلاف الظاهر([21]) .

       51 ـ والثابت فرضاً كالثابت أصلا وكالثابت ظاهراً : وقد يحل محل الأصل فى نطاق الحقوق الشخصية ومحل الظاهر فى نطاق الحقوق العينية وضع يفرض القانون وجوده عن طريق قرينة قانونية يقيمها . فيكون الثابت فرضاً كالثابت أصلا وكالثابت ظاهراً .

       مثل ذلك أن يرفع المضروو دعوى تعويض على المكلف برقابة قاصر صدر منه عمل غير مشروع أصاب المدعى بالضرر . وقد كان القياس يقتضى أن يثبت المدعى ، فوق العمل غير المشروع الصادر من القاصر ، تقصيراً من المكلف بالرقابة فى تأدية واجبه . ولكن القانون فرض أن هذا التقصير قد وقع منه بمقتضى قرينة قانونية أقامها ضده ( م173 فقرة 3 مدنى ) . فلا يكلف المدعى إثبات التقصير ، وينتقل عبء الإثبات إلى المدعى عليه فيثبت أنه قام بواجب الرقابة أو أن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بهذا الواجب بما ينبغى من العناية . وكذلك الحال فى مسئولية حارس الآلات الميكانيكية أو الأشياء التى تتطلب حارستها عناية خاصة ، كل هؤلاء فرض القانون فى جانبهم التقصير ، فمدعى التعويض لا يكلف بإثبات تقصيرهم ، بل لا يسمح لهم القانون أن يثبتوا أنهم قاموا بواجب العناية لأن قرينة التقصير هنا قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس $75 (المواد 176 و 177 فقرة أولى و178 من التقنين المدنى) . والمدعى بدين لا يكلف إثبات سببه المشروع ، لأن القانون فرض أن يكون لكل دين سبب مشروع ، وينتقل هنا عبء الإثبات إلى المدين فعليه أن يثبت هو أن الدين سببه غير مشروع ( م 137 فقرة 1مدنى ).

كذلك يعتبر السبب المذكور فى العقد هو السبب الحقيقى ، حتى يقيم المدين الدليل على ما يخالف ذلك (م 137 فقرة 2 مدنى) . والتأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين قرينة على الوفاء ، فينتقل عبء الإثبات من المدين إلى الدائن ، وعلى هذا أن يثبت أن المدين لم يقم بوفاء الدين (م 399 مدنى) .

       وفى نطاق الحقوق العينية ، إذا فرضت قيود معينة تحد من حق مالك العقار فى النباء عليه ، فالمدعى الذى يرفع دعوى على المالك متمسكاً بأن هذه القيود هى حقوق ارتفاق لا مجرد التزامات شخصية لا يكلف باثبات ذلك ، لأن القانون أقام قرينة على أن هذه القيود هى حقوق ارتفاق ، فاذا أراد المالك أن ينفى أنها حقوق ارتفاق وأنها ليست إلا التزامات شخصية انتقل إليه هو عبء هذا الإثبات (م 1018 فقرة 1مدنى) .

ومن هذه المثلة نرى أن القرينة القانونية إذا كانت قابلة لإثبات العكس إنما تنقل عبء الإثبات ممن يتمسك بها إلى خصمه ، أما إذا كانت غير قابلة لإثبات العكس فانها تعفى من يتمسك بها من الإثبات إعفاء نهائياً ولا تقتصر على نقل عبء الإثبات ([22]) .

$76  52 ـ كذلك تكون البينةعلى من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا : ومن يتمسك بما هو ثابت أصلا أو ظاهراً أو فرضاً يمكن أن نقول إنه يتمسك بما هو ثابت حكماً . وهو لا يكلف بالإثبات كما قدمنا ، بل من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً . وهو لا يكلف بالإثبات كما قدمنا ، بل من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً هو الذى يحمل عبء الاثبات . كذلك الحال

فيمن يتمسك بما هو ثابت فعلا ([23]) ، لا يكلف هو أيضاً بالاثبات ، وإنما يحمل عبء الاثبات من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا . والثابت فعلا هو ما أقام الخصم الدليل عليه بالطرق القانونية ، حقيقة أو ضمناً .

       مثل ذلك دائن يرفع دعوى الدين على مدينه ، فيدعى خلاف الأصل وهو براءة الذمة كما قدمنا ، فعليه إذن عبء إثبات الدين . فاذا ما أثبته حقيقة بسند مكتوب مثلا ، فلا يجوز للمدين أن يدعى وفاء الدين ، أى خلاف ما هو ثابت حقيقة ، إلا إذا حمل عبء إثبات ما يدعيه.

       ولو أن المدين فى المثل الذى قدمناه لم يكلف المدعى باثبات الدين حقيقة ، بل دفع الدعوى بالمقاصة ، كان هذا بمثابة إقرار ضمنى منه بالدين ، فيكون الدين ثابتاً ضمناً. وعلى المدين إثبات عبء انقضاء الدين بالمقاصة لأنه يدعى خلاف ما هو ثابت ضمناً .

$77 ومن ثم ثرى أن البينة تكون على من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا ، حقيقة كان هذا الثبوت أو ضمناً .

53 ـ استخلاص مبدأ عام فيمن يحمل عبء الاثبات : ونستطيع بعدما قدمناه أن نضع المبدأ الآتى : كل من يتمسك بالثبات حكماً ـ أصلا أو ظاهراً أو فرضاً ـ أو بالثابت فعلا ـ حيقة أو ضمنا ـ لا يقع عليه عبء الإثبات . وإنما يقع عبء الإثبات على من يدعى خلاف الثابت حكماً أو فعلا ،  لأنه يدعى خلاف الأصل أو الظاهر أو المفروض أو الثابت ، فوجب أن يحمل عبء إثبات ما يدعيه ([24]) . وغنى عن البيان أن تحديد من يحمل عبء الإثبات مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض .

ب ـ عبء الاثبات من ناحية التطبيق :

54 ـ كيف يقوم بالاثبات عملا من يحمل عبئه : متى تعين أى الخصمين يحمل عبء الاثبات ، وفقاً للمبدأ العام الذى قدمناه ، كان هذا الخصم $78 هو المكلف باقامة الدليل بالطرق القانونية على صحة ما يدعيه . فاذا ادعى شخص أنه أقرض شخصاً آخر مبلغاً من المال ، فعليه أن يثبت عقد القرض . ولكن هل معنى ذلك أن يثبت أيضاً أن عقد القرض خال من جميع أسباب البطلان ، وهذه ترجع إلى التراضى والمحل والسبب وإلى الأهلية وعيوب الارادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال ، ثم يثبت بعد ذلك أن العقد بعد أن العقد صحيحاً لم ينقض الدين الذى نشأ عنه بأى سبب من الأسباب كالوفاء والتجديد والمقاصة واتحاد الذمة والابراء ونحو ذلك ، ثم بعد أن يثبت أن الدين لم ينقض يثبت أيضاً أنه لم يلحقه أى تعديل ، وهكذا ! .

       من الواضح أن عبء الاثبات ، إذا فسرعلى هذا النحو ، ينوء به الخصم . ولذلك تقضى الضرورة أن يقتصر الخصم على إثبات عقد القرض . وبعد ذلك يستعان بالقرائن التى قدتمناها . فما هو ثابت حكماً أو فعلا لا يكلف باثباته ، ويترتب على ذلك أن القرض متى أثبته الدائن ، كان من الثابت حكماً أنه خال من أسباب البطلان ، فاذا ادعى المدين أن العقد قد لحقه سبب منها فعليه هو أن يثبت ذلك كما أسلفنا . ثم متى ثبت عقد القرض ، أصبح ثابتاً فعلا ، فاذا ادعى المدين خلاف ذلك ، بأن ادعى أن الدين قد انقضى بسبب من أسباب الانقضاء أو أنه قد لحقه أى تعديل ، فعليه هو عبء الاثبات كما تقدم القول ([25]) .

       ونرى من ذلك أن عبء الاثبات لا يقل كاهل أحد الخصمين دون الآخر ، بل هو يوزع بين الخصمين على النحو المتقدم ([26]) . قد يقع هذا التوزيع بحكم  $79  الواقع بمقتضى قرائن قضائية ينقل بها القاضى عبء الاثبات بحسب تقديره من الخصم إلى خصمه ، وقد يقع بحكم القانون بمقتضى قرائن قانونية ينتقل بها عبء الإثبات من خصم إلى آخر وقد يقع أخيراً بحكم الاتفاق بين الطرفين.

       55 ـ توزيع عبء الاثبات . بحكم الواقع : فمثل أن يقع التوزيع بحكم الواقع عن طريق قرائن قضائية ما يأتى :

(1) شخص يريد أن يثبت صورية عقد صدر من أب إلى ولده ، فيثبت إلى جانب علاقة البنوة أن الولد وهو صغير السن عديم الكسب ليس له مال ظاهر يسمح بدفع الثمن المذكور فى العقد أنه قد دفع . فتقوم قرينة قضائية على أن واقعة دفع الثمن واقعة صورية . فينق القاضى عبء الإثبات إلى الأب ، ليثبت مصدراً معيناً دفع منه الولد الثمن ، أو أن حقيقة العقد هبة فى صورة بيع وعندئذ يكون له حكم الهبة لا حكم البيع .

(2) شخص يطالب آخر بتعويض لاعتدائه على اختراع له حصل على باءته وسجلها . فعلى المدعى أن يثبت حصوله على البراءة وأنه قام بتسجيلها وفقاً للأوضاع المقررة فى القانون . وعند ذلك ينقل القاضى عبء الاثبات إلى المدعى عليه ليثبت ، إذا استطاع ، أن هذا الاختراع بالرغم من صدور براءة به وتسجيلها ليس بالجديد الذى يستحق الحماية .

(3) أنكر الخصم أن الختم الموقع به على الورقة هو ختمه . فعند ذلك يحمل الخصم الآخر عبء إثبات صحة الختم طبقاً للإجراءات المقررة فى القانون . فاذا أثبت ذلك نقل القاضى عب الإثبات إلى الخصم الأول ، ليثبت كيف وصل ختمه هذا الصحيح إلى الورقة التى عليها التوقيع ، ويكون ذلك عن طريق دعوى  $80 التزوير التى يجب أن يسار فيها بطريقها القانونى كما قضت بذلك محكمة النقض ( نقض مدنى 26 أبريل سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 174 ص 346 ) .

(4) شخص يريد أن يثبت أن له حيازة المنزل محل النزاع ، فيقدم مستندات تثبت أنه هو الذى يؤجر المنزل ويقبض أجرته ويدفع ضريبته . فتقوم قرينة قضائية على أنه هو الحائز للمنزل . وعند ذلك ينقل القاضى عبء الإثبات إلى الخصم الآخر ليدحض هذه القرينة القانونية ، بأن يثبت مثلا أن الخصم الأول إنما يؤجر المنزل ويدفع الضريبة لا لحسابه الشخصى بل لحساب المالك الذى يدير هو أعماله . وهكذا ينقل القاضى عبء الاثبات من خصم إلى آخر تبعاً لما يستخلص كل منهما من قرائن يكون من شأنها أن تلقى عبء الإثبات على خصمه .

(5) موظف فصل من وظيفته ، فيرفع دعوى على الحكومة يقول فيها إن فصله كان تعسفياً . ولما كان هو الذى يحمل عبء إثبات التعسف ، فانه يستطيع فى هذا السبيل أن يطلب ضم ملف خدمته ليثبت منه تقدير الرؤساء لكفايته ومن الناحية الخلقية ، نقل القاضى عبء الإثبات إلى الحكومة لتقول هى بدوره لأى سبب بالذات قد فصلته . فان ذكرت الحكومة سبباً معيناً لفصله ، نقل عبء الإثبات إلى المدعى ، لثبت أن هذا السبب غير صحيح أو أنه لا يكفى بفرض صحته لنفى التعسف . وهكذا يتناوب الموظف والحكومة الإثبات إلى أن يعجز أحدهما عن أن يرد عبء الإثبات إلى صاحبه ، فيكون هو المحكوم عليه فى الدعوى . 

56 ـ توزيع عبء الاثبات . بحكم القانون : ومثل أن يقع التوزيع بحكم القانون عن طريق قرائن قانونية ما يأتى :

(1) يريد الدائن إثبات إعسار المدين . هنا يتكفل القانون بتحليل عناصر الإثبات وتوزيعها على الخصمين عن طريق إقامة قرائن قانونية . فقد نصت المادة 239 من التقنين المدنى على أنه (( إذا ادعى الدائن إعسار المدين ، فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما فى ذمته من ديون ، وعلى المدين نفسه أن يثبت أن له مالا يساوى قيمة الديون أو يزيد عليها )) . فالدائن إذن يحمل عبء إثبات مقدار ما فى $81  ذمة المدين من ديون . وعندئذ ينتقل عبء الإثبات إلى المدين ، ويكون عليه أن يثبت أن له مالا يفى بمجموع هذه الديون . وبمقدار كثرة الديون التى يستطيع الدائن إثباتها فى ذمة المدين يثقل عبء المدين فى إثبات أن ماله يفى بديونه . فان عجز عن هذا الإثبات اعتبر معسراً .

       (2) يريد الحائز أن يثبت أنه كسب الملكية بالتقادم ، أى أن يثبت أن حيازته استمرت المدة التى حددها القانون لتمام التقادم . هنا أيضاً يتكفل القانون بتوزيع عناصر الإثبات على الخصمين . فقد نصت المادة 971 من التقنين المدنى على أنه (( إذا ثبت قيام الحيازة فى وقت سابق معين وكانت قائمة حالا ، فان ذلك يكون قرينة على قيامها فى المدة ما بين الزمنين ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك )) . فالحائز يحمل عبء إثبات أن حيازته بدأت فى وقت معين وأنها قائمة حالا . وهنا يقيم القانون قرينة على أن الحيازة استمرت قائمة فى المدة ما بين الزمنين . وينتقل بذلك عبء الإثبات إلى الخصم الآخر . ويكون عليه أن يثبت أنها انقطعت فى هذه المدة .

       (3) إذا أمن شخص على حياته ، ثم انتحر ، برئت ذمة المؤمن ( شركة التأمين ) من التزامه بدفع مبلغ التأمين إلى المستفيد . ومع ذلك لا تبرأ مة المؤمن من هذا الالتزام إذا كان سبب الانتحار يرجع إلى فقدان إرادة المنتحر . فاذا مات المؤمن على حياته وادعت شركة التأمين أنه مات منتحراً فبرئت ذمتها من الالتزام بدفع مبلغ التأمين إلى المستفيد ، فان القانون هنا أيضاً يوزع عبء الإثبات على كل من شركة التأمين والمستفيد . فقد نصت الفقرتان الأوليان من المادة 756 من التقنين المدنى على ما يأتى: (( (1) تبرأ ذمة المؤمن من التزامه بدفع مبلغ التأمين إذا انتحر الشخص المؤمن على حياته . ومع ذلك يلتزم المؤمن أن يدفع لمن يؤول إليهم الحق مبلغاً يساوى قيمة احتياطى التأمين . (2) فاذا بأكمله. وعلى المؤمن أن يثبت أن المؤمن على حياته مات منتحراً ، وعلى المستفيد أن يثبت أن المؤمن على حياته كان وقت انتحاره فاقد الإراده )) . فشركة التأمين تحمل إذن عبء إثبات أن المؤمن على حياته قد انتحر . وعندئذ يفرض القانون فرضاً قابلا لإثبات العكس أن الانتحار كان بارادة المنتحر ، وأن هذا لم يكن فاقد الإرادة وقت انتحاره . فينتقل عبء

                                                                     ( م 6 الوسيط جـ 2 )

$82 الإثبات إلى المستفيد . وعليه أن يثبت ، حتى يستحق مبلغ التأمين بأكمله ، أن المنتحر كان وقت انتحاره فاقد الإرادة ([27]) .

       (4) عقد أبرم بطريق المرسلة . ولكن الموجب ادعى أنه عدل عن إيجابه قبل أن يتم العقد . فعلى الخصم الآخر أن يثبت أن العقد قد تم إبرامه ـ أى أن الموجب قد علم بالقبول ـ قبل هذا العدول . ويوزع القانون عبء الإثبات بين الخصمين ، إذ تنص المادة 91 من التقنين المدنى على ما يأتى : (( ينتج التعبير عن الإرادة أثره فى الوقت الذى يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك )) . فعلى الخصم الآخر الذى قبل الإيجاب أن يثبت أن قبوله وصل إلى الموجب فى وقت سابق على الوقت الذى علم فيه بعدول الموجب عن إيجابه . وعند ذلك يفرض القانون أن الموجب قد علم بالقبول وقت وصوله إليه . فينتقل عبء الإثبات إلى الموجب . وعليه أن يثبت أنه بالرغم من وصول القبول إليه قبل عدوله عن الإيجاب ، إلا أنه لم يعلم به إلا بعد عدوله وعلم الخصم الآخر بهذا العدول .

       (5) باع شخص مالا يملكه . وبعد موته نازع ورثة البائع المشترى فى أن الثمن المذكور فى عقد البيع صورى ، وأن البيع قد صدر فى مرض الموت فيكون وصية ، ومن ثم لا ينفذ إلا من ثلث التركة . يوزع القانون عبء الإثبات هنا أيضاً بين الورثة والمشترى.  فقد نصت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 916 على ما يأتى : (( 2 ـ وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجتميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً. 3 ـ وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم فى مرض الموت ، اعتبر التصرف صادراً على سبيل التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك . كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه )) . فالورثة إذن يحملون عبء إثبات أن البيع قد صدر فى مرض الموت . ومتى أثبتوا ذلك قامت قرينة قانونية على أن العقد مقصود به التبرع وأن ثمناً ما لم يدفع . وعند ذلك ينتقل عبء الإثبات إلى المشترى . وعليه أن يثبت أنه دفع للبائع ثمناً لا يقل عن قيمة المبيع بمقدار يجاوز$83  ثلث التركة ، وإلا فان البيع ، فيما تجاوز فيه زيادة قيمة البيع على الثمن ثلث التركة ، لا يسرى فى حق الورثة ( م477 مدنى) .

       ونرى من الأمثلة التقدمةأن كل قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس ليست فى الواقع إلا توزيعاً لعبء الإثبات بين الخصمين ، يتكفل به القانون .

       ونرى كذلك مما سبق بيانه أن من يحمل عبء الاثبات ليس مطالباً فى الواقع من الأمر باثبات كامل قاطع . ولا هو يكلف ـ على عكس ما ذهب إليه الأستاذان أوبرى ورو ([28]) ـ باثبات كل عنصر من العناصر التى تتكون 

$84 منها الواقعة مصدر الحق المدعى به . وليست الحقيقة القضائية التى يتولى إثباتها بالحقيقة المطلقة التى لا يداخلها الشك . فالقانون لا يطلب المستحيل . وإنما يكتفى ممن يحمل عبء الاثبات أن يقنع القاضى بأن الأمر الذى يدعيه أمر مرجح الوقوع بحيث يكون من المعقول التسليم بوقوعه فعلا ، وينفى القاضى ما بقى من شك يحوم حول الأمر بأن ينقل عبء الاثبات إلى الخصم الآخر ، ليثبت أنه ، بالرغم من الظواهر التى ترجح وقوع الأمر ، توجد قرائن أخرى تجعل الراجح مرجوحاً . ثم يرد عبء الاثبات إلى الخصم الأول ، ليهدم هذه القرائن.

$85 بقرائن أخرى تعيد للأمر كفة الرجحان . وهكذا يتقاذف الخصمان الكرة ، كل منهما يدفعها إلى صاحبـه ، إلى أن يعجـز أحهمـا عن ردها ، فتسقط من يده ، ويسجـل علـى نفسـه الخسارة ([29]) .

       فلا نبالغ إذن فى القول بفداحة الاثبات . فان الخصم يتخفف من هذا العبء بأمرين : (أولا) بتحليل الواقعة المراد إثباتها إلى عناصر متعددة يتوزع بين الخصمين عبء إثباتها ، فيقوم كل منهما بنصيبه فى هذا العبء . (ثانياً) بعدم مطالبة الخصم ـ فى العناصر التى يكلف باثباتها ـ باثبات قاطع يصل بها إلى درجة الحقيقة المطلقة . بل يكفى أن يثبت رجحانها . وهذا هو شأن الحقيقة القضائية ، لا يقدر لها أن تصل إلى مرتبة الاطلاق ([30]) .

       $86 57 ـ تعيين من يقع عليه عبء الاثبات بحكم الاتفاق ( التعديل الاتفاقى لقواعد عبء الاثبات ) : وغنى عن البيان أن القواعد التى قدمناها فى عبء الإثبات قل أن تعتبر من النظام العام ، لأن الكثير منها لم يوضع إلا لحماية الخصوم . فمن الجائز إذن ، ما لم يوجد نص يقض بغير ذلك ، عند ما يضع القانون .

$87 قرينة قانونية تنقل عبء الاثبات إلى الخصم معين حماية للخصم الآخر ، أن يتفق الطرفان مقدماً على إلغاء هذه القرينة ، وإعادة عبء الاثبات إلى من كان ينتفع بها ، فينزل بذلك عن الحماية التى منحها له القانون ، ويكون فى هذا تعديل اتفاقى لقواعد عبء الاثبات ، وهو صحيح قانوناً .

ونأتى بأمثلة لذلك : (1) الأصل فى الضرر الذى يحدثه الحيوان أن حارس الحيوان هو المسئول عنه ، إلا إذا أثبت هذا أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبى (م 176 مدنى) ولكن يجوز الاتفاق مقدماً على نقل عبء الاثبات إلى.

$88 المضرور . فيصح أن يتفق شخصان شريكان فى مرعى واحد على أن كل ضرر يقع من مواشى أحدهما على مواشى الآخر لا يكون الأول عنه إلا إذا أثبت الآخر خطأ فى جانبه . (2) الأصل أن أمين النقل مسئول عن الضرر الذى يحدث أثناء النقل للشخص أو الشئ الذى ينقله ، والمسئولية هنا مسئولية عقدية ، فعلى أمين النقل إذن يقع عبء الإثبات. ولكن يحوز الاتفاق مقدماً ـ ما لم يكن هذا شرط إذعان ـ على نقل عبء الإثبات من أمين النقل إلى المتعاقد معه ، فيصبح هذا هو المكلف باثبات خطأ فى جانب أمين النقل على أساس المسئولية العقدية لا المسئولية التقصيرية . (3) إذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقى (الشرط الجزائى) ، فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة إلا إذا أثبت أن المدين قد ارتكب غشاً (م 231 مدنى) . ولكن يجوز للطرفين أن يتفقا مقدماً على نقل عبء الإثبات من الدائن إلى المدين ، فيكون للدائن أن يطالب بقيمة الضرر التى جاوزت قيمة الشرط الجزائى ما لم يثبت المدين أنه لم يرتكب غشاً. (4) المستأجر مسئول عن حريق العين المؤجرة إلا إذا أثبت أن الحريق نشأ عن سبب لا يد له فيه (م584 فقرة 1مدنى) ولكن يجوز للطرفين أن يتفقا مقدماً على نقل عبء الإثبات المؤجر خطأ فى جانبه ([31]) ، وبذلك يتحول التزام المستأجر من التزام بحقيق غاية إلى التزام ببذل عناية ([32]) .

       وكما يقع التعديل الاتفاقى لقواعد عبء الإثبات مقدماً قبل حصول النزاع على النحو الذى قدمناه ، كذلك يصح أن يقع هذا التعديل أثناء النزاع . فيجوز لخصم لم يكن فى الأصل مكلفاً باثبات واقعة أن يتطوع لإثباتها ، فاذا أجابه القاضى إلى طلبه فليس له بعد ذلك أن يحتج بأنه غير مكلف قانوناً بالإثبات . ذلك أن تطوعه لإثبات الواقعة مع سكوت خصمه يكون بمثابة اتفاق بينهما على نقل عبء الإثبات إليه ، فيلزمه أن يضطلع بهذا العبء . وقد قضت محكمة النقض بأن القواعد التى تبين على أى خصم يقع عبء الإثبات لا تتصل بالنظام العام ، ولذا يجوز الاتفاق على مخالفتها ، وإذن فمتى كان الطاعن قد طلب من$89  المحكمة احالة الدعوى على التحقيق لإثبات ما يدعيه ، فليس له أن ينعى بعد ذلك على الحكم باجابته إلى ما طلب ، حتى ولو كان فيما طلب متطوعاً لاثبات ما هو غير ملزم بحمل عبئه ([33]) .


([1]) تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 526 من المشروع التمهيدى على وجه مطابق . وأقرته لجنة المراجعة على أصله تحت رقم 402 فى المشروع النهائى ، بعد أن ذكرت اللجنة أن المقصود بعبارة (( إثبات الالتزام )) هو إثبات مصدر الالتزام . ثم أقره مجلس النواب دون تعديل تحت رقم 302 ، فلجنة الشيوخ ومجلس الشيوخ تحت رقم 389 .

       وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهدي فى صدد هذا النص ما يأتى : (( وقد احتذى المشروع مثال التقنينات اللاتينية ، وأخذ بنظام تقييد الإثبات ، فبدأ بتعيين من يكلف بإقامة الدليل أو احتمال عبئه . وقد قصد من الأخذ بهذا النظام إلى اتقاء تحكم القضاء وكفالة حسن سير العدالة وتأمين استقرار المعاملات . وكل أولئك من قبيل الاعتبارات العامة التى تنهض ، لا لتوجيه التقييد فى عمومه فحسب ، بل وكذلك لتوجيه الأحكام التطبيقية فى خصوصياتها ، ولا سيما ما تعلق منها بتعيين من يكلف بالإثبات . وترد الأحكام المتعلقة بهذا التعيين إلى قاعدة احترام الوضع الثابت أصلا فالأصل فى الإنسان براءة الذمة ، فعلى من يدعى التزام غيره ويتمسك بذلك بما يخالف هذا الأصل أن يقيم الدليل على دعواه )) . ( مجموعة الأعمال الحتضيرية 3 ص350) .                                                                          ( م 5 الوسيط ج 2 )

([2]) كانت الادة 214/278 من التقنين المدنى السابق تنص على ما يأتى : (( على الدائن إثبات دينه ، وعلى المدين إثبات براءته من الدين )) . وهذا النص يتفق فى الحكم مع نص التقنين الجديد .

([3]) جمعت قواعد الإثبات الموضوعية وإجراءاتها الشكلية ، فى سورية ، فى قانون واحد صدر فى 0 حزيران (يونية) 1947 وسمى ((قانون البينات فى المواد المدنية والتجارية)) . ولا يتضمن هذا القانون نصاً يقابل نص المادة 389 من التقنين المدنى المصرى . ولكن الباب الأول منه تضمن قواعد كلية فى الإثبات ، من نحو ما نحن بصدده . فنصت المادة الأولى على أن (( تقسم البينات إلى : 1 ـ الأدلة الكتابية 2 ـ الشهادة 3 ـ القرائن 4 ـ الإقرار 5 ـ اليمين 6 ـ المعاينة والخبرة )) ونصت المادة الثانية على أن (( ليس للقاضى أن يحكم بعلمه الشخصى )) . نصت المادة الثالثة على أنه (( يجب أن تكون الوقائع التى يراد إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة فى الإثبات وجائزاً قبولها )) .

([4]) نصوص التقنين المدنى العراقى : م 444 ـ الأصل براءة الذمة . م 445 ـ اليقين لا يزول بالشك . م 446 ـ يضاف الحادث إلى أقرب أوقائته . م 447 ـ 1 ـ الأصل بقاء ما كان على ما كان ، والأصل فى الصفات العارضة العدم . 2 ـ وما ثبت بزمان يحكم ببقائه ، ما لم يوجد دليل على خلافه . م 448 ـ 1 ـ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر .

       2 ـ والمدعى هو من يتمسك بخلاف الظاهر ، والمنكر هو من يتمسك بإبقاء الأصل .

       نصوص تقنين الموجبات والعقود للبناننى : وضعت قواعد الإثبات الموضوعية وإجراءاتها الشكلية جميعاً ، فى لبنان ، فى تقنين أصول المحاكمات المدنية ( قانون المرافعات ) ، ولم يتضمن هذا التقنين نصاً يقابل المادة 389 من التقنين المدنى المصرى . غير أن تقنين الوجبات والعقود اللبننانى تضمن هذا النص ، فقضت المادة 376 من هذا التقنين بأن من يدعى أنه دائن يجب عليه إثبات حقه ، فإذا ما تم هذا الإثبات كان على من يدعى أن التزامه قد انقضى أن يثبت صدق مدعاه .

       نصوص التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة : 376 ـ على الدائن إثبات الالتزام ، وعلى المدين إثبات التخلص منه ( مطابقة للمادة 389 من التقنين المدنى المصرى ) .

       ويتبين من النظر إلى هذه النصوص أن التقنينات المدنية للبلاد العربية فى هذه المسألة تكاد تكون واحدة . فنص التقنين المصرى يطابقه نص التقنين الليبى ويكاد يطابقه نص التقنين اللبنانى . أما التقنين العراقى فقد أورد نصوصاً متعددة أخذها عن المجلة ، وهو تتلخص فى أمرين : (1) أن البينة على من أدعى والمدعى هو من يتمسك بخلاف الظاهر ، واليمين على من أنكر والمنكر هو من يتمسك بإبقاء الأصل . (2) فالأصل هو براءة

([5]) ننقل فى قسم الإثبات من هذا الكتاب نصوص التقنين المدنى الفرنسى إذ يغلب أن تكون هى الأصل الذى أخذت منه نصوص التقنين المدنى المصرى الجديد فى الإثبات . هذا هو نص المادة 1315 من التقنين الفرنسى : (( من يطالب بتنفيذ التزام يجب عليه إثباته . كذلك من يدعى التخلص من التزامه يجب عليه أن يثبت الوفاء به أو أن يثبت الواقعة التى أدت إلى انقضائه ))

”Celui qui reclame l’une obligation doit la prouver. Reciproquement, celui qui se pretend libere, doit justifier le paiement ou le fait qui a produit l’extinction de son obligation” .

([6]) الموجز للمؤلف ص 651 ـ استئناف مختلط 13 يناير سنة 1903 م 15 ص 88 ـ 16 نوفمبر سنة 1932 م 45 23 .

([7]) عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : (( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس

دماء رجال وأموالهم ، ولكن البينة على المدعى )) . رواه البخارى ومسلم . وللبيهقى بإسناد صحيح : (( البينة

على المدعى واليمين على من أنكر )) . ( طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية أحمد إبراهيم ص 16 ويقول

 الأستاذان بيدان ويرو ( جزء تاسع فقرة 1159 ص 231 هامش رقم 1 ) إن القاعدة التى تقضى بأن البينة على المدعى ليست ، كما قد يتوهم ، من القواعد التى كانت مقررة فى كل العصور . فهى لم تظهر فى القانون الرومانى إلا منذ أخذ البريطور preteur يحمى مجرد الحيازة فيحمى الوضع الظاهر ، وعندئذ ألقى عبء الإثبات على من يدعى خلاف الظاهر . أما فى القانون الفرنسى القديم ، فقد كانت العادات القديمة تجعل عبء الإثبات على المدعى عليه لا على المدعى ، وإن كان ذلك يبدو غريباً ، وهذا بسبب الصبغة الجنائية للدعوى فى القديم ، مما نزل بوضع المدعى عليه دون وضع المدعى . بل إن هناك من الوثائق ، التى ترجع إلى ما قبل العصور الوسطى ، ما يثبت أن دعوى الاستحقاق التى يكلف فيها المجعى بإثبات ملكيته لم تكن ترفع ، وفقاً لهذه العادات القديمة ، إلا ضد الحائز بسوء نية أو الحائز ضد القانون ، مما يحمل على الظن بأن الحائز هو الذى كان عليه أن يثبت أن حيازته مشروعة . ولم تظهر القاعدة التى تقضى بأن البينة على المدعى فى القانون الفرنسى القديم إلا تدرجاً فى العصور الوسطى ، تحت أثر إحياء القانون الرومانى وبفضل القانون الكنسى بوجه خاص ( انظر فى ذلك رسالة تفنيه thevenet فى نظرية عبء الإثبات ليون سنة 1921 ص 11 وما بعدها ) . ويننتهى الأستاذان بيدان وبرو إلى القول بأن من الخطأ حسبان القاعدة التى تقضى بأن البينة على المدعى من القواعد التى تمليها البداهة وتقضى بها طبيعة الأشياء ، فإن الواقع من الأمر أن هذه القاعدة لم تظهر إلا بعد أن نظم القضاء تنظيماً خاصاً وإلا بعد أن برز المبدأ الذى يقضى بحماية الأوضاع الظاهرة .

       ولعل ذلك يكشف عما للفقه الإسلامى من فضل التقدم ، فقد قرر هذه القاعدة منذ البداية فى عصر لم تكن فيه معروفة فى أوربا .

([8]) ويأتى بودرى وبارد بمثل يبين فيه كيف يتناوب المدعى والمدعى عليه عبء الإثبات : يطالب المودع بالوديعة وعليه عبء إثباتها ، فيدفع المدعى عليه بأنها هلكت بقوة قاهرة وعليه عبء إثبات الهلاك ، فيدفع المدعى بأن هذا الهلاك غير مبرئ لذمة المدعى عليه لأنه كان معذراً (mis en demeure) وعلى المدعى إثبات الإعذار ، فيدفع المدعى عليه بأن ذمته قد برئت بالرغم من الإعذار لأن الوديعة كانت لابد تهلك بالقوة القاهرة حتى لو كانت قد سلمت للمودع وعلى المدعى عليه هنا عبء افثبات (بودرى وبارد 3 فقرة 2063) .

       ويبين الفقيهان خطأ ما جرى عليه القضاء الفرنسى فى عقد التأمين على الحياة ، عندما تشترط شركة التأمين لاستحقاق قيمة التأمين ألا يكون المؤمن عليه قد انتحر ما لم يكن الانتحار نتيجة فقده لوعيه بأن كان مجنوناً . فالقضاء الفرنسى يلقى عبء إثبات الانتحار وعبء إثبات انعدام الجنون كليهما على شركة التأمين (نقض فرنسى 3 أغسطس سنة 1876 داللوز 79 ـ 5 ـ295 ـ استئناف ليون 17 فبراير سنة 1891 داللوز 92ـ 2 ـ 46 ـ استئناف باريس 16 يولية سنة 1892 داللوز 93 ـ 2 ـ 233) . ويقول الفقيهان إن شركة التأمين تحمل عبء إثبات الانتحار ، وعلى ورثة المنتحر عبء إثبات جنون مورثهم . وقد اضطرت شركات التأمين ، للتتقى هذا القضاء ، أن تشترط صراحة فى عقود التأمين تحميل عبء إثبات الجنون للورثة (بودرى وبارد 3 فقرة 2064 ـ انظر أيضاً الدكتور عبد السلام ذهنى فى الأدلة جزء أول ص 105 ـ ص 109) . وهذا ما جرت به المادة 756 من التقنين المصرى ، فقد نصت الفقرتان الأوليان منها على ما يأتى : (( 1 ـ تبرأ ذمة المؤمن من التزامه بدفع مبلغ التأمين إذا انتحر المؤمن على حياته . ومع ذلك يلتزم المؤمن أن يدفع لمن يؤول إليهم الحق مبلغاً يساوى قيمة احتياطى التأمين ـ 2 ـ فإذا كان سبب الانتحار مرضاً أفقد المريض إرادته ، بقى التزام المؤمن قائماً بأكمله . وعلى المؤمن إثبات أن المؤمن على حياته مات منتحراً ، وعلى المستفيد أن يثبت أن المؤمن على حياته كان وقت انتحاره فاقد الإرادة )) .

([9]) وقد قضت محكمة النقض بأن المنكر المعفى من الإثبات هو من ينكر الدعوى إنكاراً مجرداً ، فلا يجيب عليها بغير الإنكار . أما من أجاب على الدعوى بدفعها ، فإنه يصير بذلك مدعياً مطالباً بأن يقيم الدليل على ما يدعيه . وعلى ذلك يكون الدفع بإعسار الشفيع ادعاء من المشترى ، وهو المطالب بأن يقدم الدليل عليه ( نقض مدنى 31 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 33 ص 80 ) ـ وقضت محكمة النقض أيضاً بأن

صاحب الدفع هو المكلف بإثبات دفعه ،

 كما أن المدعى هو المكلف بإقامة الدليل على دعواه . فإذا دفع المدين بأنه من صغار الزراع فلا يجوز توقيع الحجز على ملكه ، كان عليه إثبات هذا الدفع . ذلك هو حكم القانون المدنى ، كما أنه حكم المادة الأولى من القانون رقم 4 لسنة 1913 الخاص بعدم جواز توقيع الحجز على الأملاك الزراعية الصغيرة ، فإن هذه المادة بعد أن نصت على أنه (( لا يجوز توقيع الحجز على الأملاك الزراعية التى يملكها الزراع الذين ليس لهم من الأطيان إلا خمسة أفدنة أو أقل . . . )) قد أضافت أنه (( ليس للمدين أن يتنازل عن التمسك بهذا الحظر ، بل يجب عليه التمسك به لغاية وقت صدور حكم نزع الملكية على الأكثر ، وإلا سقط حقه فيه )) . وتمسكه بالحظر مقتضاه أن يتولى هو إثبات موجبه ، أى إثبات أنه زارع وأنه لا يملك أكثر من خمسة أفدنة وأنه كان كذلك وقت نشوء الدين . فإذا قضت المحكمة بقبول الدفع بعدم جواز الحجز بناء على أن الدائن ـ مع عدم إنكاره أن المدين يملك أقل من خمسة أفدنة ـ لم يقدم ما يثبت أن المدين كان ، وقت نشوء الدين ، يملك أكثر من ذلك القدر ، فإنها تكون قد خالفت قواعد الإثبات ( نقض مدنى 3 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 20 ص 39 ) .

([10]) وقد أريد لهذا السبب توسيع دائة مفهوم لفظ (( المدعى )) . فقيل المدعى هو من يروم إثبات أمر خفى يريد إزالة أمر جلى . وقيل المدعى من إذا ترك ترك ، أى من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها ، والمدعى عليه من إذا ترك الجواب أجبر عليه ( الأستاذ نشأت فى الإثبات 1 فقرة 40) .

([11]) وهنا نرى الفقه الإسلامى أيضا يستجيب لهذا المبدأ . فمن قواعده المقررة أن الأصل براءة الذمة ، وأن الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته ، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان ، وأن الأصل فى الصفات العارضة العدم ، وأن ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليلل على خلافه ، وأن المنكر هو من يتمسك ببقاء الأصل . وقد رأينا أن هذه نصوص نقلها التقنين المدنى العراقى عن المجلة .

([12]) ماركاديه 5 م 1315 فقرة  ـ لارومبيير 5 م 1315 ص 16 ـ ديمولومب 29 فقرة 187 ـ لوران 19 فقرة 91 ـ هيك 8 فقرة 218 ـ بودرى وبارد 3 فقرة 2060 .

([13]) بودرى وبارد 3 فقرة 2060 ص 421 .

([14]) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا أدعى شخص أن آخر شاركه فى استئجار أطيان وأن الإجارة انتهت بالخسارة ، فأنكر المدعى عليه الاشتراك معه ولم يجب عن الخسارة بشئ ، فأحالت المحكمة القضية إلى التحقيق لإثبات قيام الاشتراك وحصول الخسارة ، ثم مع ثبوت الاشتراك رفضت الدعوى لعجز المدعى عن إثبات الخسارة فيها ، فهذا الحكم لا يقبل الطعن فيه بدعوى مخالفة المحكمة فيه لقواعد افثبات إذ اعتبرت المدعى مع تسليم خصمه بالخسارة مكلفاً بإثباتها ، وذلك لأن إنكار الخصم قيام الشركة المدعاة ينطوى فيه عدم تسليمه بالخسارة ( نقض مدنى 29 ديسمبر سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 153 ص 451 ) . ملاحظة : كان من الممكن استنباط قرينة على حصول الخسارة من إنكار المدعى عليه الشركة ثم ثبوتها رقغم هذا الإنكار ، ولكن الظاهر أن المحكمة لم تعتبر هذه القرينة كافية ، ولم يتسطع المدعى من جهته تكملتها بأدلة أخرى .

([15]) وكالأهلية الصفة ، إذا كان قيامها واضحاً فأنها تفترض . أما إذا كانت الصفة قد ضح انعدامها ، فلا يفترض وجودها ، ومن له مصلحة فى قيامها عليه عبء إثباتها . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا حصل أحد الشركاء فى إجارة من وزارة الوقاف على مخالصة من مأمور الأوقاف قرر فيها أنه دفع جميع المطلوب منه فى الدعوى التى رفعت عليه ، ولذلك فقد أخلاه من الحراسة والحجز والدعوى والضمان ، واعتبر هذا الشريك تلك المخالصة مبرئة له من التضامن مع شركائه فى عقد الإيجار فى وفاء الباعى من أجرة الأطيان المؤجرة إليهم جميعاً متضامنين بحسب نص العقد ، ولكن المحكمة ذهب إلى أنه ـ لكى يكون للمخالصة هذا الأثر ـ يجب أن يقيم الصادرة له المخالصة ـ باعتبار أنه هو المتمسك بها ـ الدليل على أن من اصدرها يملك التنازل عن حق الوقف فى اسيفاء أجرة كل الأطيان المؤجرة ، فإن المحكمة تكون قد طبقت قواعد الإثبات تطبيقاً صحيحاً على واقعة الدعوى ( نقض مدنى 14 أبريل سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 409 ص 759 ) .

([16]) وقد قضت محكمة النقض بأن عبء إثبات إجازة عقد قابل للابطال انما يقع على عاتق مدعى الاجازة . وإذن فمتى كان الطاعن قد ادعى أن مورث المطعون عليها قد أجاز بعد بلوغه سن الرشد عقد البيع الذى عقده وهو قاصر ، فإن الحكم المطعون فيه إذ ألقى عيه عبء إثبات هذه الواقعة لا يكون قد خالف قواعد الإثبات ( نقض مدنى 26 نوفمبر سنة 1953 مجموعة أحكام محكمة النقض 5 رقم 28 ص 203 ) .

([17]) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا لم تثبت الملكية للمدعين بالسند الذى أسسوا عليه دعواهم ، فلا يكون للمحكمة أن تتخذ من عجز منازعيهم ـ وهم مدعى عليهم فى الدعوى ـ عن

  إثبات ملكيتهم بالتقادم دليلا قانونيا على ثبوت ملكية المدعين وهم المكلفون قانوناً بإثبات دعواهم ( نقض مدنى 14 يونية سنة 1945 مجموعة عمر رقم 266 ص 723 ـ وانظر أيضاً 10 أكتوبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 97 ص 193 ـ 12 فبراير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 266 ص 538 ) . وقضت محكمة النقض أيضاً بأنه متى كان ناظر الوقف الواضع اليد على العين مقراً بتبعيتها للوقف ، فلا شأن لمدعى ملكيتها فى مطالبة الناظر بكتاب ولا بإشهاد على الوقف . وعلى هذا المدعى وحده تقديم الدليل المثبت لدعواه ، وخصوصاً إذا كان الوقف قديماص يرجع إلى ما قبل صدور لائحة ترتيب المحاكم الشرعية فى 27 من مايو سنة 1897 التى أوجبت لأول مرة إجراء افشهاد عن الوقف لإثباته ، وكان قبلها إثبات الوقف خاضعاص لأحكام الشريعة الإسلامية التى لا تستلزم فيه كتابة ولا إشهاداً ( نقض مدنى 23 يناير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 143 ص 316 ) . وقضت محكمة النقض أيضاً بأن تقرير الحكم أن المدعى عليه لم يكسب ملكية الأطيان التى يطلب المدعيان ثبوت ملكيتهما لها بأى سبب من أسباب كسب الملك لا يفيد بذاته وبطريق اللزوم ثبوت ملكيتها للمدعيين . فمتى كان الحكم ، إذ قضى بثبوت ملكية المدعيين للأطيان موضوع النزاع ، قد أقام قضاءه على أن المدعى عليه لم يكسب ملكية هذه الأطيان بأى من عقدى شرائه أو بوضع اليد المدة الطويلة أو القصيرة ، كذلك لم يبين الحكم كيف آلت الأشياء إلى المدعيين من آخر كان قد اشتراها فى حين أنهما ليسا من ورثته ، ولم يتحدث عن عقد القسمة المبرم بين هذا المشترى وأخوته ، ولا عن كيفية إفادته ملكية المدعيين ، متى كان الحكم قد أقام قضاءه على ذلك فإنه يكون قاصراً ( نقض مدنى 15 فبراير سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 65 ص 341 ) ـ وقضت محكمة النقض أيضاً بأنه إذا قضت المحكمة بإحالة الدعوى على التحقيق بناء على طلب الطرفين ليبين كل منهما ما يدعيه من تملكه الأرض موضوع النزاع بالتقادم الطويل المدة ، وبعد أن انتهت المحكمة من سماع شهود الطرفين رجحت أقوال شهود المدعى على شهود المدعى عليهم ، فليس فيما أجرته مخالفة لقواعد الإثبات ( نقض مدنى 29 مارس سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 87 ص 478 ) . وقضت أخيراً بأنه بحسب المحكمة إذ هى قضت برفض دعوى الطاعنين أن تستند فى ذلك إلى عجزهم عن إثبات سبب ملكيتهم دون أن تكون فى حالجة إلى بيان أساس ملكية المطعون عليها التى لم تكن إلا مدعى عليها فى الدعوى ( نقض مدنى 6 مارس سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 96 ص 560 ) . أنظر أيضاً استئناف مختلط 31 يناير سنة 1901 م 13 ص 133 ـ 14 ديسمبر سنة 1905 م 18 ص 41 ـ 26 أبريل سنة 1906 م 18 ص 221 .

([18]) ديمولومب 29 فقرة 189 ـ لوران 19 فقرة 91 ـ بودرى وبارد 3 ص 2060 ص 422 .

([19]) نقض مدنى 29 أبريل سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 122 ص 819 .

([20]) استئناف مختلط 15 يناير سنة 1903 م 15 ص 90 .

([21]) بودرى وبارد 3 فقرة 2060 ص 422 . هذا وقد قضت محكمة النقض بأن تعتبر العقارات بالتخصيص وفقا لنص المادة 688 مختلط داخلة ضمن الملحقات المشار إليها فى المادة المذكورة ، وتباع مع العقار المرهون ما لم يتفق صراحة على خلاف ذلك ، ويقع عبء إثبات هذا الاتفاق على من يدعيه ( نقض مادنى 14 يناير سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 50 رقم 62 ص 420 ) .

([22]) يلاحظ الفقه الحديث أن القول بأن القرينة القانونية تنقل عبء الإثبات إذا كانت تقبل إثبات العكس ، وتعفى من الإثبات عفاء نهائياً إذا كانت لا تقبل إثبات العكس ، هو قول تعوزه الدقة . ذلك أن القرينة القاونية سواء كانت قابلة لإثبات العكس أو غير قابلة ، تقتضى ممن يتمسك بها إثبات وقائع معينة هى التى عينها القانون لقيام القرينة . فكأن القرينة القانونية لم تعف من الإثبات أو تنقل عبئه ، وإنما هى نقلت الإثبات من محل إلى محل آخر (deplacement de prevue) ، فبدلا من أن يثبت المدعى الواقعة المراد إثباتها يثبت واقعة أخرى متصلة بها ، وإثبات هذه الواقعة الأخرى يعتبره القانون إثباتا للواقعة الأولى . فالقانون إذن ، كما تقدم القول ، لم يعف من الإثبات أو ينقل عبئه ، وإنما أبدل فى الإثبات واقعة بأخرى ، ولا يزال من يحمل عبء الإثبات ملزماً بإثبات هذه الواقعة الأخرى ، لم يعف من إثباتها ولم ينتقل عبء إثباتها من عاتقه إلى عاتق خصمه ( انظر فى هذا المعنى بيدان وبرو 9 فقرة 1165 وفقرة 1291 ) . =

=   وهذا النظر الجديد ، وإن كان صحيحاً فى ذاته ، لا يؤدى إلى هدم النظر القديم . ففى القرينة القانونية القابلة لإثبات العكس ، ينتقل الإثبت من محل إلى محل آخر ، ولكن متى أثبت المدعى الواقعة البديلة ـ كون المسئول هو المكلف بالرقابة مثلا ـ انتقل عبء الإثبات فعلا من عاتقه إلى عاتق المكلف بالرقابة ، فيصبح هذا مكلفاً أن يثبت أنه قام بواجب الرقابة . وفى القرينة القانونية غير القابلة لإثبات العكس ، ينتقل الإثبات أيضا من محل إلى محل آخر ، ولكن متى أثبت المدعى الواقعة البديلة ـ كون المسئول هو حارس الحيوان أو البناء أو الآلة الميكانيكية مثلا ـ أعفى فعلا إعفاء نهائياً من إثبات الواقعة الأصيلة ، وهى وقوع خطأ من هذا المسئول . ولا يقال أن هذا الإعفاء النهائى لا جدوى فيه للمدعى ما دام يبقى مكلفا بإثبات الواقعة البديلة ، فإن الإعفاء فى هذه الحالة له فوائد لا يستهان بها ، ذلك أن إثبات الواقعة البديلة يكون عادة أيسر بكثير من إثبات الواقعة الأصيلة ، فيكون المجعى فى النهاية قد تخفف كثيراً من مؤونة الإثبات . على أننا سنرى عند الكلام فى القرائن القانونية غير القابلة لإثبات العكس أن حقيقة هذه القرائن هو أنها قواعد موضوعية لا قواعد للإثبات .

([23]) وقد آثرنا أن نستعمل هذا اللفظ (( فعلا )) بدلا من اللفظ (( عرضاً )) الذى استعملناه فى الموجز ( انظر ص 653 ) واستعمله الفقه المصرى معنا ثم استعملته محكمة النقض ( 6 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 165 ص 375 ) ، لأن اللفظ الأول أدل على المعنى المقصود .

([24]) وقد قضت محكمة النقض بأن الأصل خلوص الذمة ، وانشغالها عارض . ومن ثم كان لإثبات على من يدعى ما يخالف الثابت أصلا أو عرضاً ( وفى اللغة التى اخترناها : حكماً أو فعلا ) مدعياً كان أو مدعى عليه . فإذا رفع الموكل دعواه بندب خبير لتحقيق الحسابات التى قيدها وكيله فى دفاتر الدائرة ، فهذه الدعوى لا تعدو أن تكون دعوى تحقيق حساب بين موكل ووكيله غايتها تعيين المبالغ التى قبضها الوكيل من أموال الموكل فانشغلت بها ذمته والمبالغ التى صرفها فى شؤونه فبرئت منها ذمة الوكيل . فهى لا تخضع ولابد لقاعدة الإثبات العامة السابق ذكرها ، فيتعين على الموكل وورثته إثبات قبض الوكيل للمال الذى يدعون أنه قبضه . فإن فعلوا ، تعين على الوكيل وورثته أن يثبتوا صرف هذا المال فى شؤون الموكل أو مصيره إليه . فإذا كان الثبات بتقرير الخبير أنه اعتمد فى حصر المبالغ التى وصلت إلى الوكيل على الدفاتر التى كان هو يرصد فيها حساب وكالته ، فإنه يكون على ورثة الوكيل ، وقد أقام الموكل بما قيده الوكيل بالدفاتر الدليل على انشغال ذمة مورثهم بما ورد فيها من مبالغ ، أن يقيموا هم بدورهم الدليل على خلوص ذمته منها كلها أو بعضها . فإذا اعتمدت المحكمة على تقرير الخبير الذى آخذ مورثهم بعجزهم هم عن إثبات براءة ذمته من مبالغ ثبت وصولها إلى يده من الدفاتر التى قيدها بها ، فإنها لا تكون قد خالفت القانون ( نقض مدنى 6 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 165 ص 375 ) .

([25]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1420 ص 845 ـ ص 849 .

([26]) ويضع الأستاذ ديموج مبدأين أساسيين فى حمل عبء الإثبات . أولهما أن من يحمل هذا العبء لا يلتزم بإثبات جيمع الشروط الواجب توافرها لوجود الحق الذى يدعيه ، بل يكفى أن يثبت من الشروط ما يجعل وجود هذا الحق مرجحا (vraisemblable) . فليس عليه أن يثبت أن حقه قد خلا من التدليس ومن الإكراه ، لأن هذه الوقائع استثنائية ومن يدعى غير الراجح يحمل عبء ما يدعيه ، ذلك أنه ادعى شيئاً بعيد الوقوع ، ولكنه مع ذلك قد يقع ، فعليه هو أن يثبت وقوعه . والمبدأ الثانى فى عبء الإثبات هو أن هذا العبء يحمله فى كل حالة بالذات الخصم الذى يستطيع أن يضطلع به فى أقل مشقة (le moins d’inconvenient) ، أى فى أقصر وقت وبأقل المضايقات وبأيسر النفقة (le moins de delais, de vexations, de frais..) . ثم يذهب ديموج إلى وجوب عدم المبالغة فى تقدير أهمية عبء الإثبات . ذلك أن الخصوم لا بد لهم من أن يتوزعوه فيما بينهم يتعاونون على الاضطلاع بهذا العبء ، ولكنه تعاون الأعداء ، كما يتعاون رب العمل مع نقابة العمال ، وذاك التعاون كهذا يغلب فيه أن يكون ضرورياً ومنتجاً . والتعاون ليس مقصوراً فحسب على الخصوم فيما بينهم ، بل إن الخصوم يتعاونون أيضاص مع القاضى في ذلك . ومن أجل هذا لا يستطيع القاضي أن يقضى بعلمه ، فإن ذلك يحرمه من تعاون الخصوم معه ( ديموج فى الأفكار الرئيسية للقانون الخاص الفصل السابع ص 542 ـ ص 565 ) .

([27]) أنظر ما قدمناه فى هذه المسألة فقرة 47 فى الحاشية .

([28]) يذهب أوبرى ورو إلى أن الخصم الذى يحمل عبء الإثبات يجب أن يثبت جميع العناصر الواقعية والقانونية للحق (droit) الذى يتمسك به أو الفائدة القانونية (benefice legal) التى يدعيها . ويقف عبء الإثبات عند هذا الحد . فلا يلتزم الخصم بإثبات انعدام الأسباب أو الظروف التىكان وجودها يمنع من كسب الحق (obslacle a l’acquistion du droit) أو يؤدى إلى سقوط الفائدة القانونية (decheance du benefice legal) . ولا يلتزم كذلك أن يثبت أن الحق لم يدخل عليه تعديل أو يلحق به قيد لمصلحة خصمه (n’a pas ete modife ou restraint au profit de son adversaire) ( أوبرى ورو 12 فقرة 749 ص 84 وص 86 ـ ص 90 ) .

       ويتعترض بارتان ( ص84 حاشية رقم 19 مكرر ) على التمييز ما بين الواقعة التى أنشأت الحق ، ويلقى على المجعى عبء إثباتها ، والواقعة التىتتكون قد منعت من نشوء الحق أو تكون قد عدلته أو قيدت منه ، ويحمل المدعى عليه فيها عبء الإثبات . ويقول إن هذا التمييز لا مبرر له ، وإذا كنا نزمع أن نطلب من المدعى إثباتا كاملا فينبغى أن يثبت جميع الوقائع دون تمييز . ولكن الواقع من الأمر أننا لا نطالب المدعى بإثبات كامل حتى بالنسبة إلى الواقعة التى أنشأت الحق . فإن صاحب الاختراع مثلا يجب عليه أن يثبت صدور براءة له بالاختراع وأنه سجل هذه البراءة ، وعلى المدعى عليه أن يثبت أن الاختراع ليس بجديد مع أن جدة الاختراع هى من العناصر المكونة للواقعة مصدر حق المخترع ومع ذلك يقع عبء إثباتها على المدعى عليه لا على المخترع .

       ثم فى حاشية ثانية ( رقم 19 مكرر خامساً quinquies ) يعترض بارتان على ما جعل أوبرى ورو عبء الإثبات فيه على المدعى عليه ، وستعرض فى هذا الصدد فروضاً مختلفة يخلص منها إلى أن عبء الإثبات فيها إنما يقع على المدعى لا على المدعى عليه ، وينتهى بالعبارة الآتية : (( وبعبارة موجزة ، أياً كان التعريف الذى نقف عنده لما يدعوه أوبرى ورو المانع من نشوء الحق ، يقابل به انعدام الشروط الضرورية لوجود الحق ، فإن القاعدة التى تلقى عبء إثبات هذا المانع على عاتق المدعى عليه تبدو لنا ـ وهذا أقل ما يمكن أن أقول ـ قاعدة مشكوكاً فيها غير متماسكة )) . ثم في حاشية ثالثة ( رقم 19 مكرر سادسا Sexies) يتناول بارتان

= الاستثناء الثانى ـ سقوط الفائدة القانونية المدعاة (decheance du benefice legal invoque) ـ فيقول بعد استعراض فروض مختلفة فى أحوال سقوط الحق إن عبء الإثبات فى هذه الفروض يقع على المدعى لا على المدعى عليه خلافاً لما ذهب إليه أوبرى ورو .

       ثم فى حاشية رابعة ( رقم 19 مكرر سابعاً septies ) يتناول بارتان الاستثناء الثالث والأخير ـ تعديل الحق المتمسك به أو تقييده لمصلحة لخصم (modification ou restriction au profit de l’adversaire du droit invoque) ـ فيقول لو أن دائناً أبرأ ذمة مدينه لإعسار طارئ محتفظاً بالحالة التى يعود فيها المدين إلى اليسار ، ثم طالب المدين بعد يساره ، فإن على الدائن أن يثبت أنه استبقى الصفة المدنية لحقه ، وليس على المدين أن يثبت أن الدين قد تحول بإبراء الذمة إلى التزام طبيعى ولو كان الإبراء مقروناً بتحفظ .

                   ثم ينتهى بارتان ( فى الحاشية رقم 20 مكرر ) إلى عرض ما يقترحه هو بديلا مما ذهب إليه أوبرى ورو ، فيقول : إن توزيع عبء الإثبات لا يكون على نمط واحد ، بل يختلف تبعاً لما إذا كان يراد إثبات واقعة مادية ، كوقوع حادث ، أو إثبات حالة نفسية ، كالنية أو كالعلم بالغلط . ويختلف كذلك تبعاً لما إذا كان يراد إثبات واقعة مادية محضة ، كتسليم الطرد لأمين النقل ليستخلص من هذه الواقعة واقعة مادية أخرى لا يمكن إثباتها بطريق مباشر كتلف ما بالطر بعد ضياعه أو فقده ، أو إثبات واقعة مادية ليستخلص منها إما علاقة السببية بين واقعتين ، أو نسبة معينة بين قيمتين تكون المقارنة بينهما من شأنها أن تنشئ التزاماً بالرد أو التزاماً بالإسعاف والمساعدة أو إنقاصاً لالتزامات مرهقة أو تفسيراً فرضه القانون أو ارتضاه الطرفان باختيارهما علمية قانونية ……. ويحسن أن نحلل ما صدر من أحكام القضاء فى هذه المشاكل تحليلا وصفياً . وسيؤدى هذا التحليل دون شك ، إذا تعمقنا فيه إلى المدى الممكن تصوره ، إلى تحديد ما أسميه (( أسراً طبيعية من الخصومات )) (familles naturelles des litiges) . فإذا عرض للمشتغل بالقانون مسألة جديدة غير متوقعة فى توزيع عبء الإثبات ، أمكنه أن يجد من بين هذه (( الأسر الطبيعية )) ما يصلح لمقارنة الجديد به ، بل ما يصلح أن يعتبر سابقة قضائية حقيقية لشدة المشابهة ، فيقيس الجديد عليه ، ويصل من هذا القياس إلى الحل المنشود . ( قارن بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2177 ) .

([29]) وقد جاء فى الموجز للمؤلف فى هذا المعنى ما يأتى: (( ويتبين من ذلك أن مهمة كل خصم فى الدعوى هو أن ينقل عبء الإثبات إلى خصمه . فإن عجز الخصم عن الاثبات خسر دعواه . وإن استطاع هو الآخر نقل عبء الإثبات إلى الخصم الأول ، وعجز الخصم الأول عن الإثبات خسر هذا الخصم دعواه ، إلا إذا استطاع نقل عبء الإثبات إلى الخصم مرة ثانية ، وهكذا . وعبء الإثبات يقع دائماً على من يدعى شيئاً مخالفاً لما هو ثابت أصلا أو عرضاً أو ظاهراً أو بفضل قرينة قانونية . ونرى من ذلك أن الحقائق القضائية ليست إلا حقائق نسبية ، شأن سائر الحقائق )) ( الموجز ص 651 ) .

([30]) فى رسالة حديثة ( موتيلسكى Motulsky فى نظرية العناصر المكونة للحقوق ـ باريس سنة 1948 ) ، اتخذ المؤلف هذه العناصر أساساً لرأى ذهب إليه فى مسألة عبء الإثبات .

       فهو يميز بين مرحلتين : عبء الادعاء (charge de l’allegation) وعبء الاثبات (charge de prevue) .

       1 ـ فعبء الادعاء ينحصر فى أن المدعى يجب أن يضمن ادعاءه جميع العناصر التى تكون الحق المدعى به . وهذا ما يسميه المؤلف بالعناصر المكونة للحق (elements generateurs du droit) . فإن أغفل شيئاً من هذه العناصر ، رفضت دعواه . ومن ثم يظهر المعنى المقصود بعبارة (( عبء الادعاء )) ، فالمدعى يحمل عبء اعاء جميع العناصر المكونة للحق الذى يدعيه ، وإلا خسر دعواه ، وذلك حتى قبل الانتقال إلى مرحلة عبء الإثبات ، بل وحتى لو حضر وحده فى غيبة خصمه ، ولم يذكر جميع العناصر المكونة لحقه ، فإنه يخسر دعواه لمصحلة خصمه الغائب ـ ولكن التطبيق الحرفى لهذه القاعدة ، أن يضمن ادعاءه وقوع التراضى على المبيع والثمن ، وأهلية المتعاقدين ، وخلو التراضى من العيوب ، وتوافر شروط المبيع ، ووجود سبب مشروع الخ .. فلا بد إذن من أن يتخفف من يحمل (( عبء الادعاء )) من بعض هذه العناصر ، عن طريق ما يسميه المؤلف بنظرية الإعفاء (la theorie des dispenses) . والإعفاءات التى ترد على ((عبء

 الإدعاء )) نوعان : إعفاءات عقلية (dispenses rationnelles) وإعفاءات قانونية (dispenses legales) . فهناك شروط لابد من توافرها لوجود الحق المدعى به ، ولكنها شروط يجب عقلا وبداهة (sentiment d’enidence) افتراض وجودها إلى أن يقوم فى شأنها نزاع . من ذلك الشروط العامة الواجب توافرها فى كل دعوى وفى كل حق وفى كل التزام وفى كل عقد . هذه تدخل تحت ( الإعفاءات العقيلة )) ، فيعفى المدعى من تضمين إدعائه لها إلى أن ينازع فيها المدعى عليه . أما الشروط التى تميز الحق المدعى به وتخصصه فهذه يجب أن يتضمنها الادعاء . ويدخل أيضاً تحت (( الإعفاءات العقلية )) المفهومات المركبة (notions complexes) كمفهوم البيع ومهوم الزواج ، فتبقى على ما هى عليه من تركيب ، إلى أن يقع فى شأنها نزاع ، فعند ذلك يجب تحليلها (decomposition) إلى العناصر التى تتركب منها . ((والإعفاءات القانوينة)) قد ينص عليها القانون صراحة ، كما فعل فى النص على افتراض حسن النية ، فيعفى المدعى من إثبات هذا العنصر . على أن أكثر (( الإعفاءات القانوينة )) لا نص عليها ، ولكنها تستخلص من ثنايا النصوص (elle doit etre decelee par l’exegese) ، فحيث يعمد القانون ، لا إلى تنظيم عنصر من عناصر الحق ، بل إلى تنظيم الوضع المخالف له ، يكون على المدعى عليه عبء إثبات هذا الوضع الخالف ، وذلك كما فعل القانون فى تنظيم عدم الأهلية والبطلان وانقطاع التقادم ووقفه والشرط والأجل والتعسف فى استعمال الحق والوصية . ويخلص المؤلف من ذلك إلى وضع القاعدة الآتية فى (( عبء الادعاء )) : (( على الخصم الذى يطالب بحق أن يضمن ادعاءه جميع الظروف التى تقابل العناصر المكونة لهذا الحق ، ما لم يوجد لديه إعفاء عقلى أو قانونى )) .

       هذا هو (( عبء الإدعاء )) من حيث المبدأ . أما من حيث التطبيق : فالمدعى إما أن ينوء بعبئه ، فلا يضمن ادعاءه ، بعد جميع الإعفاءات ، العناصر اللازمة ، فيخسر دعواه دون انتقال إلى مرحلة الإثبات . وإما أن يقوم بعبئه ، فيضمن ادعاءه العناصر اللازمة . عند ذلك يأتى دور المدعى عليه . وهذا إما أن ينازع فى الوقائع المدعاة ، فعليه عبء المنازعة (charge de contestation) ، أى عليه أن ينازع منازعة جدية فى أحد العناصر المدعاة ، وإلا كسب المدعى دعواه دون أن ينتقل إلى مرحلة الإثبات . وإما أن يقر بالحق المدعى به ولكن يدعى أن هذا الحق قد انقضى أو لحقه تعديل ، فعليه فى هذه الدعوى المقابلة (contre-action) عبء الادعاء المقابل ، وعليه أن يضمن ادعاءه جميع العناصر المطلوبة ، وعلى المدعى أن يقف من هذا الادعاء المقابل موقف المنازع أو موقف من يدعى ادعاء مقابلا آخر ، وهكذا . وينتهى القاضى إلى تصفية (( نقط النزاع)) (faits litgieux). وهذه هى الوقائع المنتجة فى الدعوى والتى بقيت محلا للنزاع بين الخصمين . وعند ذلك ينتقل القاضى إلى مرحلة الإثبات . =

= ب ـ وعبء الإثبات يقتصر على ((نقط النزاع)) بعد حصرها على الوجه المتقدم . فهناك ((نقط نزاع)) تخلفت عن تصفية ادعاء المدعى فيحمل المدعى عبء إثباتها . وهناك (( نقط نزاع )) أخرى تخلفت عن تصفية ادعاء المدعى عليه فيقع عبء إثباتها على المدعى عليه . وهكذا يتوزع عبء الإثبات بين الخصمين ، كل يحمل نصيبه منه . وتتناول نظرية الإعفاء عبء الإثبات كما تناولت عبء الادعاء . غير أن الإعفاء هنا لا يكون إلا إعفاء قانونيا (dispense legale) ، أما الإعفاء العقلى (dispense rationnelle) فيمتنع ، لأنه فى عبء الادعاء لا يقوم مع قيام النزاع ، والنزاع هنا قائم فرضاً . فيعفى كل من الخصمين من إثبات الأوضاع الخالفة التى عمد القانون إلى تنظيمها ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

       وإذا كان الدليل الذى يتقدم به من يحمل عبء الإثبات دليلا مقنعاً للقاضى ، صدر الحكم لمصلحته . وإذا عجز عن الإثبات ، صدر الحكم ضده . وإذا كان الدليل يشوبه الشك ، فسر الشك لغير مصلحته وصدر الحكم ضده ، وهنا تتبين دلالة حمله لعبء الإثبات .           هذه هى الخطوط الرئيسية للرأى الذى يتقدم به صاحب الرسالة المتقدمة الذكر . وليس فى هذا الرأى نصيب كبير من الابتداع ، وإن كان فيه كثير من الترتيب والتنسيق . فتصفية ادعاءات كل من الخصمين قبل الانتقال إلى مرحلة الإثبات ، وتحديد نقط النزاع بعد هذه التصفية ، وتوزيع عبء الإثبات بين الخصمين ، فيه ترتيب منسق وتسلسل منطقى للمسائل التى ينطوى لعيها عبء الإثبات . ولكن المسألة الجوهرية فى عبء الإثبات ـ التى رأينا ديموج يعالجها ع طريق فكرتى الرجحان (vrqisemblance) والاضطلاع بأقل مشقة (le moins d’inconvenients)، ورأينا بارتان يواجهها بالأسر الطبيعية للخصومات (familles naturelles de litiges) ، ويعمد جنى إلى تحميل عبء الإثبات فيها لمن يريد تعديل وضع مكتسب (modification d’une situation acquise)، ويعمد بارد إلى تحميل هذا العبء لمن يتمسك بواقعة مخالفة للوضع المألوف المعتاد (un fait contre l’etat normal et habituel) ، كما يعمد تفنيه (Thevenet) إلى تحميل العبء لمن يقوم الظاهر ضده (contre lequel l’apparence existe) ـ هذه المسألة الجوهرية يعالجها المؤلف بنظريته فى الإعفاء . وهى نظرية لا تزيد فى التحديد والضبط عن هذه الآراء التى قدمناها ، وقد أحس المؤلف نفسه أنها محوطة بشئ من الغموض . ونحن إذا دققنا النظر فى نظرية الإعفاء هذه ، لا نراها تخرج عما سبق أن قررناه من أن الخصم يعفى من عبء الإثبات إذا ادعى ما هو ثابت حكما أو فعلا .

([31]) انظر الدكتور سليمان مرقس فى شرح عقد الإيجار الطبعة الثانية سنة 1954 فقرة 233 ص 417 ـ ص 418 .

([32]) انظر الجزء الأول من الوسيط فقرة 440 ص 677 .

([33]) نقض مدنى 26 نوفمبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 28 ص 203 .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s