علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر في القانون المدني


علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر

 ( Le lien de causalite )

581 – السببية ركن مستقل : علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر معناها أن توجد علاقة مباشرة ما بين الخطأ الذي ارتكبه المسئول والضرر الذي أصاب المضرور . والسببية هي الركن الثالث من أركان المسئولية ، وهي ركن مستقل عن ركن الخطأ . وآية ذلك أنها قد توجد ولا يوجد الخطأ ، كما إذا أحدث شخص ضرراً بفعل صدر منه لا يعتبر خطأ وتتحقق مسئوليته على أساس تحمل التبعة ، فالسببية هنا موجودة والخطأ غير موجود . وقد يوجد الخطأ ولا توجد السببية . ويسوق أحد الفقهاء ( [1] ) لذلك مثلاً : يدس شخص لآخر سما . وقبل أن يسري السم في جسم المسموم يأتي شخص ثالث فيقتله بمسدس . فهنا خطأ هو دس السم ، وضرر هو موت المصاب ، ولكن لا سببية بينهما إذ الموت سببه إطلاق المسدس لا دس السم ، فوجد الخطأ ولم توجد السببية . ونورد مثلين آخرين يوجد فيهما الخطأ ولا توجد السببية . بعد أن يتم البيع يكشف المشتري عما عسى أن يثقل العقار الذي اشتراه من رهون ، فيبين من الكشف أن العقار غير مرهون ، ثم يتضح أن هذا الكشف غير صحيح وأن العقار مثقل برهن . وينزع الدائن المرتهن ملكية العقار فهنا خطأ وهو الكشف غير الصحيح ، وضرر وهو نزع ملكية العقار ، ولكن السببية غير موجودة فإن الكشف غير الصحيح لم يظهر إلا بعد تمام البيع فلم يكن هو السبب في وقوع الضرر شخص يقود سيارة دون رخصة ، ثم يصيب أحد المارة وتكون الإصابة بخطأ يقع من هذا المصاب . فهنا خطأ وهو قيادة السيارة دون رخصة ، وضرر وهو إصابة أحد المارة ، ولكن الخطأ ليس هو السبب في الضرر بل هناك سبب أجنبي هو خطأ المصاب ، فوجد الخطأ دون أن توجد السببية .

582 – اتصال السببية بالضرر : وفي الأمثلة الثلاثة المتقدمة يمكن القول إن السببية قد انفصلت عن الخطأ كما رأينا . ولكن يراعى ما يأتي :

أولاً – الضرر في هذه الأمثلة له سبب آخر غير الخطأ الأول . فالموت في المثل الأول سببه إطلاق المسدس لا دس السم ، ونزع ملكية العقار في المثل الثاني سببه الرهن لا الكشف غير الصحيح . وإصابة المار في المثل الثالث فيه خطأه هو لا انعدام الرخصة . فالسببية إذا هي انفصلت عن الخطأ . فإنها تتصل بالضرر .

ثانياً – إذا كان الخطأ الأول الذي أنعزل عن الضرر لا يحقق أية مسئولية ، فذلك لا لأن السببية منعدمة فحسب ، بل أيضاً لأن هذا الخطأ لم ينجم عنه أي ضرر . فحيث تنعدم السببية ينعدم في الوقت ذاته الضرر . ومن هذا الوجه يكون الضرر والسببية متلازمين .

ثالثاً – إذا قام السبب الأجنبي فإنه لا يعدم علاقة السببية وحدها ، بل هو أيضاً ينهي الالتزام القانوني الذي يقضي بعدم الإضرار بالغير والذي يعد الإخلال به هو الخطأ . ذلك أن الوفاء بهذا الالتزام قد أصبح مستحيلاً لسبب أجنبي ( م 373 ) . فالسبب الأجنبي إذن لا يعدم علاقة السببية وحدها بل يعدم معها الخطأ ( [2] ) .

583 – استقلال السببية عن الخطأ لا يظهر بوضوح إلا حيث يكون الخطأ مفترضاً : وإذا كانت السببية مستقلة عن الخطأ ، إلا أن هذا الاستقلال لا يظهر في جلاء عند ما يكون الخطأ واجب الإثبات . ذلك أن المضرور عندما يكلف بإثبات الخطأ ، يلجأ في العادة إلى إثبات خطأ يكون هو السبب في إحداث الضرر . ومن ثم فإثبات الطأ يكون في الغالب إثباتاً لعلاقة السببية . فتستتر السببية وراء الخطأ ولا يتبين في وضوح أنها ركن مستقل . وإنما يتضح استقلالها في الأحوال التي تقوم فيها المسئولية على خطأ مفترض أو خطأ مفروغ من إثباته ، كمسئولية الحارس عن الحيوان . ففي هذه الحالة الخطأ مفروغ منه ولا يكلف المضرور بإثباته . أما السببية فيمكن نفيها بإثبات السبب الأجنبي . ففيها إذن يتركز النضال ما بين المسئول والمصاب . ومن ثم تبرز هي ، ويدور الإثبات حولها وحدها دون الخطأ .

584 – خطة البحث : قدمنا أن الخطأ يجب أن يكون هو السبب في الضرر فإذا رجع الضرر إلى سبب أجنبي انعدمت السببية . وتنعدم السببية أيضاً حتى لو كان الخطأ هو السبب ولكنه لم يكن السبب المنتج ، أو كان السبب المنتج ولكنه لم يكن السبب المباشر .

فنبحث إذن أمرين : ( 1 ) انعدام السببية لقيام السبب الأجنبي ( 2 ) ثم انعدامها لأن السبب غير منتج أو غير مباشر .

المطلب الأول

انعدام السببية لقيام السبب الأجنبي

585 – النصوص القانونية : تنص المادة 165 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه ، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير ، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر ، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ( [3] ) ” .

فالسبب الأجنبي الذي يعدم رابطة السببية هو كما يقول النص :

 ( 1 ) القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ ( force majeure ou cas fortuit ) .

 ( 2 ) خطأ المضرور ( faute de la victime ) ( 3 ) خطأ الغير ( faute d’un tiers ) ( [4] ) ونستعرض كلاً من هذه الأسباب الثلاثة ( [5] ) .

 $ 1 – القوة القاهرة أو الحادث الفجائي

586 – القوة القاهرة والحادث الفجائي شيء واحد : قال بعض الفقهاء إنهما شيئان مختلفان ، ولكن هؤلاء لا يتفقون على فيصل التفرقة فيما بينهما .

فمنهم من يقول إن القوة القاهرة هي الحادث الذي يستحيل دفعه ، أما الحادث الفجائي فهو الحادث الذي لا يمكن توقعه . فتتوزع بينهما الخصيصتان اللتان سنفصلهما فيما يلي ، وهما استحالة الدفع وعدم إمكان التوقع . ويكفي في نظر هؤلاء أن يكون الحادث مستحيل الدفع أو أن يكون غير ممكن التوقع ، فلا يلزم اجتماع الخصيصتين .

ولا يجوز الأخذ بهذا الرأي ، لأن القوة القاهرة يجب أن تكون حادثاً لا مستحيل الدفع فحسب بل أيضاً غير ممكن التوقع ، ولأن الحادث الفجائي يجب أن يكون حادثاً لا غير ممكن التوقع فحسب بل أيضاً مستحيل الدفع ، ولا يكفي وجود إحدى هاتين الحصيصتين لانعدام رابطة السببية ( [6] ) .

ومن الفقهاء من يسلم بوجوب اجتماع الخصيصتين . ولكن يميز في خصيصة استحالة الدفع بين ما إذا كانت هذه الاستحالة مطلقة فتوجد القوة القاهرة ، أو نسبية فيوجد الحادث الفجائي ( [7] ) . وسنرى أن هذا التمييز لا يقوم على أساس صحيح ، إذ الاستحالة ، في كل من القوة القاهرة والحادث الفجائي ، يجب أن تكون استحالة مطلقة .

ومن الفقهاء من يقيم التمييز على أساس آخر . فيجعل كلاً من القوة القاهرة والحادث الفجائي حادثاً مستحيل الدفع غير ممكن التوقع ، ولكن القوة القاهرة تكون حادثاً خارجياً عن الشيء الذي تتحقق به المسئولية كعاصفة أو زلزال ، والحادث الفجائي حادث داخلي ينجم عن الشيء ذاته كانفجار آلة أو انكسار عجلة . ثم يجعل القوة القاهرة وحدها هي التي تمنع من تحقق المسئولية ، أما الحادث الفجائي فلا يمنع منت حققها بل يتحمل المدين تبعته ( [8] ) . وهذا الرأي لا يجوز التسليم به أيضاً إلا عند من يقولون بنظرية تحمل التبعة ، إذ يصح عند هؤلاء أن يكون الشخص مسئولاً عن الحادث الفجائي دون القوة القاهرة .

ونرى من ذلك أن التمييز بين القوة القاهرة والحادث الفجائي لا يقوم على أساس صحيح لذلك تقول جمهرة الفقهاء بعدم التمييز بينهما ، وعلى هذا أيضاً إجماع القضا ( [9] ) .

587 – الشروط الواجب توافرها في القوة القاهرة والحادث الفجائي : ويبقى أن نفصل الشروط التي يجب توافرها حتى يكون الحادث قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً . ونص القانون يصف القوة القاهرة والحادث الفجائي بأنهما سبب أجنبي ( CAUSE ETRANGERE ) لا يد للشخص فيه ( non – imputable ) . ولكن هذا الوصف في حاجة إلى التحديد . وقد رأينا فيما قدمناه أن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي يجب أن يكون حادثاً غير ممكن التوقع ومستحيل الدفع ( [10] ) . فعدم إمكان التوقع ( imprevisibilite ) واستحالة الدفع ( irresistibilite ) هما الشرطان الواجب توافرهما في القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ، وإذا ما توافرا كان الحادث أجنبياً عن الشخص لا بد له فيه . أما العكس فغير صحيح . فقد يكون الحادث أجنبياً عن الشخص لا يد له فيه ، ومع ذلك يستطيع توقعه قبل أن يقع ، أو يستطيع دفعه بعد أن وقع .

ونستعرض الآن كلا من الشرطين ، ثم نورد بعض التطبيقات العملية .

588 – عدم إمكان التوقع : يجب أن تكون القوة القاهرة أو الحادث الفجائي غير ممكن التوقع . فإذا أمكن توقع الحادث حتى لو استحال دفعه ، لم يكن قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً . ويجب أن يكون الحادث غير مستطاع التوقع لا من جانب المدعى عليه فحسب ، بل من جانب أشد الناس يقظة وبصراً بالأمور ، فالمعيار هنا موضوعي لا ذاتي ، بل هو معيار لا يكتفي فيه بالشخص العادي ، ويتطلب أن يكون عدم الإمكان مطلقاً لا نسبياً .

ولا يكون الحادث ممكن التوقع لمجرد أنه سبق وقوعه فيما مضى . فقد يقع حادث في الماضي ،ويبقى مع ذلك غير متوقع في المستقبل ، إذا كان من الندرة بحيث لا يقوم سبب خاص لتوقع حدوثه .

وعدم إمكان التوقع ، في المسئولية العقدية ، يكون وقت إبرام العقد . فمتى كان الحادث غير ممكن التوقع وقت التعاقد ، كان هذا كافياً حتى لو أمكن توقعه بعد التعاقد وقبل التنفيذ . أما في المسئولية التقصيرية فيكون عدم إمكان التوقع وقت وقوع الحادث ذاته ( [11] ) .

589 – استحالة الدفع : ويجب أيضاً أن تكون القوة القاهرة أو الحادث الفجائي مستحيل الدفع . فإذا أمكن دفع الحادث حتى لو استحال توقعه ، لم يكن قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً . كذلك يجب أن يكون الحادث من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً ، وأن تكون الاستحالة مطلقة ، فلا تكون استحالة بالنسبة إلى المدين وحده ، بل استحالة بالنسبة إلى أي شخص يكون في موقف المدين ( [12] ) . وهذا هو الذي يميز بين نظرية القوة القاهرة ونظرية الحوادث الطارئة ، فقد رأينا في نظرية الحوادث الطارئة أن تنفيذ الالتزام يصبح مرهقاً لا مستحيلاً .

ويستوي أن تكون استحالة التنفيذ مادية أو أن تكون معنوية . فإذا استحال على المدين معنوياً تنفيذ الالتزام ، كما لو كان مغنياً وتعهد بإحياء حفلة غنائية فمات عزيز عنده يوم الحفلة وكان لذلك في نفسه أثر بالغ يستحيل معه أن يقبل على الغناء . كان الحادث قوة قاهرة . والقاضي هو الذي يقدر ما إذا كانت هناك استحالة معنوية . وعليه أن يحتاط في تقدير ذلك ( [13] ) .

590 – تطبيقات عملية : ونورد هنا بعض تطبيقات عملية لحوادث تجمع بين الشرطين المتقدمين فيصح وصفها بأنها قوة قاهرة أو حادث فجائي .

فالحرب قد تكون قوة قاهرة بما ينجم عنها من أحداث مادية ومن أزمات اقتصادية ، ما دامت مستحيلة الدفع غير متوقعة . والذي يجب أن يستحيل توقعه ودفعه ليس هو الحرب ذاتها . بل ما خلفته من أحداث واضطرابات فإذا هاجم العدو بلداً ، ودخلها فاتحاً ، وطرد منها سكانها ، كان هذا الحادث قوة قاهرة تعفى المستأجر من التزاماته المترتبة على عقد الإيجار ، والوديع من التزامه بالمحافظة على الوديعة ، والمقاول من التزامات المقاولة ، وهكذا وشرط ذلك كما قدمنا أن يكون المدين لمي توقع هذا الغزو ولم يستطع دفعه . أما إذا كانت الظروف التي تحيط بالمدين تمكنه من اتخاذ احتياطات معقولة ولم يتخذها ، كان هذا خطأ في جانبه يحقق مسئوليته إذا تسبب عنه ضرر . وقد تكون الحرب سبباً في تقلب سعر العملة وانقطاع المواصلات وغلاء الحاجيات والمواد الأولية ، فتكون قوة قاهرة ترفع المسئولية عن المدين في هذه الأحوال .

وكالحرب صدور تشريع أو أمر إداري واجب التنفيذ ( fait du prince ) أو وقوع زلزال ، أو حريق ، أو غرق ، أو هبوب عاصفة ، أو حدوث مرض طارئ ، أو إضراب غير متوقع ، أو سرقة . أو تلف ، أو نحو ذلك من الحوادث ما دام شرطاً استحالة التوقع واستحالة الدفع قد توافر ( [14] ) .

وقد تنطوي حوادث السيارات على قوة قاهرة أو حادث فجائي ، كما إذا انفجرت آلة . أو انكسرت عجلة ، أو انزلقت السيارة في أرض زلجة ، أو اعترضتها عقبة مفاجئة ، أو بهر بصر السائق نور خاطف . والمهم أن يتوافر شرطا استحالة التوقع واستحالة الدفع ( [15] ) .

وذعر حيوان على أثر وقوع صاعقة ، وانسعار الكلب ، كل هذا قد يكون قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً إذا كان غير ممكن التوقع مستحيل الدفع ( [16] ) .

591 – أثر القوة القاهرة أو الحادث الفجائي هو السبب الوحيد في وقوع الضرر ، انعدمت علاقة السببية ، ولا تتحقق المسئولية كما قدمنا .

وقد يكون من أثر القوة القاهرة أو الحادث الفجائي لا الإعفاء من تنفيذ الالتزام ، بل وقف تنفيذه حتى يزول الحادث . فيبقى الالتزام موقوفاً على أن يعود واجب التنفيذ بعد زوال الحادث .

هذا ويجوز للطرفين أن يعدلا باتفاقهما من أثر القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ، ويترتب على ذلك أنه يجوز لهما أن يتفقا على أن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي لا يخلى المدين من التزامه ، أو أن يتفقا على عدم إخلاء المدين من التزامه عند وقوع حادث معين كالإضراب أو الحرب ( [17] ) .

 $ 2 – خطأ المضرور

592 – وضع المسألة : نستبعد صورة لا محل للكلام فيها لوضوح حكمها : ألا يقع من المدعى عليه خطأ ما ، ثابت أو مفروض ، ويقع الضرر بفعل المضرور نفسه . فقد خرجنا هنا عن نطاق المسئولية التقصيرية . إذ لا يوجد أمامنا مسئول . فالمضرور هو الذي ألحق بنفسه الضرر ، وكان هذا بفعله ، سواء كان هذا الفعل خطأ أو غير خطأ .

وإنما يكون الكلام في خطأ المضرور إذا وقع من المدعى عليه خطأ ثابت أو مفروض ووقع في الوقت ذاته خطأ من المضرور ، ويراد أن نعرف أثر خطأ المضرور في مسئولية المدعى عليه . ويشترط في هذه الحالة أن يكون ما وقع من المضرور يعتبر خطأ وأن يكون له شأن في إحداث الضرر .

أما أن يكون ما وقع من المضرور يعتبر خطأ . فذلك لأن مجرد الفعل الذي يصدر من المضرور ولا يكون خطأ لا يصح أن يكون من شأنه أن يمحو أو يخفف من مسئولية المدعى عليه . وإلا لتعذر على المضرور أن يرجع بتعويض كامل عما أصابه من الضرر . فهو إذا دهسه القطار أو السيارة قد شارك بفعله في إحداث هذا الضرر : ألم يمش في الطريق فدهمته السيارة! ألم يحاول إدراك القطار فدهسه! وقل أن يصاب شخص بضرر دون أن يكون لفعل صدر منه دخل فيه ، وإنما يصح أن يؤثر الفعل الصادر من المضرور في مسئولية المدعى عليه إذا كان هذا الفعل خطأ . ويقاس الخطأ هما بمعياره المعروف : انحراف المضرور في سلوكه عن المألوف من سلوك الرجل المعتاد . وكل ما قيل هناك في خطأ المسئول يقال هنا في خطأ المضرور ( [18] ) .

وأما أن يكون خطأ المضرور له شأن في إحداث الضرر ، فذلك لأن المدعى عليه إنما يحتج به لأن له علاقة بالضرر الذي وقع ، فلو لم يكن لهذا الخطأ شأن في إحداث الضرر لما كان للمدعى عليه أن يحتج به ( [19] ) .

فإذا تحقق أن وقع من المدعى عليه خطأ ومن المضرور خطأ آخر ، وكان لكل من الخطأين شأن في إحداث الضرر ( [20] ) ، وجب أن نعرف إلى أي حد يؤثر خطأ المضرور في المسئولية التي نجمت عن خطأ المدعى عليه . وهنا يجب أن نميز بين ما إذاك أن أحد الخطأين قد استغرق الخطأ الآخر ، أو بقى كل من الخطأين مستقلاً عن الخطأ الآخر فتكوَّن منهما خطأ مشترك .

593 – استغراق أحد الخطأين للخطأ الآخر : إذا استغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر ، لم يكن للخطأ المستغرق من أثر . فإذا كان خطأ المدعى عليه هو الذي استغرق خطأ المضرور ، كانت مسئولية المدعى عليه كاملة لا يخفف منها خطأ المضرور . أما إذا كان خطأ المضرور هو الذي استغرق خطأ المدعى عليه ، فإن مسئولية المدعى عليه ترتفع لانعدام رابطة السببية .

ويستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر في حالتين : الحالة الأولى إذا كان أحد الخطأين يفوق كثيراً في جسامته الخطأ الآخر . والحالة الثانية إذا كان أحد الخطأين هو نتيجة الخطأ الآخر .

594 – الحالة الأولى – أحد الخطأين يفوق كثيراً في جسامة الخطأ الآخر : مهما كان أحد الخطأين يفوق في جسامته الخطأ الآخر . فإنه لا يتصور أن الخطأ الأشد يستغرق الخطأ الأخف إلا في صورتين : الصورة الأولى هي صورة ما إذا كان أحد الخطأين هو خطأ عمدي ، والصورة الثانية هي صورة ما إذا كان أحد الخطأين هو رضاء المضرور بما وقع عليه من الضرر وذلك في بعض الأحوال وهي قليلة .

ففي الصورة الأولى يكون أحد الطرفين ، المدعى عليه أو المضرور ، أراد إحداث الضرر متعمداً ، أما الآخر ف صدر منه خطأ غير متعمد . فإذا كان المدعى عليه هو الذي أراد إحداث الضرر متعمداً ، كانت مسئوليته متحققة ، ووجب عليه تعويض كامل لما أحدثه من الضرر حتى لو كان خطأ المضرور غير المتعمد له دخل في إحداث الضرر . ذلك أن تعمد المدعى عليه إحداث الضرر هو وحده الذي نقف عنده سبباً لوقوع الضرر ، أما خطأ المضرور فلم يكن إلا ظرفاً استغله المدعى عليه لإتمام قصده من إحداث الضرر . فإذا تعمد سائق السيارة أن يدهس رجلاً مكفوف البصر يسير في الطريق دون قائد ، لم يجز له أن يحتج بخطأ المضرور لتخفيف مسئوليته ، ولا يسمع منه في معرض الدفاع عن نفسه أن المضرور سار في الطريق دون قائد وهو مكفوف البصر فيكون قد أخطأ ، ذلك أن السائق تعمد دهس المضرور ولم يكن خطأ المضرور إلا ظرفاً استغله السائق في إنفاذ نيته . أما إذا كان المضرور هو الذي تعمد إلحاق الضرر بنفسه ، استغرق خطؤه خطأ المدعى عليه ، وارتفعت مسئولية المدعى عليه لانعدام رابطة السببية كما قدمنا ، فلو أن شخصاً أراد الانتحار فانتهز فرصة أن سائقاً يسير بسرعة تجاوز الحد المفروض ، فألقى بنفسه أمام السيارة ، فهو وحده الجاني على نفسه ، ولا يجوز أن يحتج –هو لو نجا أو ورثته لو مات – بأن السائق كان يسير بسرعة فائقة وكان ذلك خطأ ، فإن تعمده الانتحار هو وحده الذي نقف عنده سبباً لوقوع الضرر ، أما خطأ المدعى عليه فلم يكن إلا ظرفاً استغله المضرور لتنفيذ قصده ( [21] ) .

وفي الصورة الثانية يكون المضرور قد رضى بما وقع عليه من الضرر . ويجب بادئ الأمر أن نرسم الدائرة التي يعتبر المضرور فين طاقها راضياً بالضرر . فرضاء المضرور بالضرر منزلة وسطى بين إرادته إلحاق الضرر بنفسه ومجرد علمه بالضرر . فقد يرضى المضرور بالضرر ولكنه لا يريده .

كما يقع ذلك في المبارزة ، فكل من المتبارزين قد رضى أن يموت أو أن يجرح ولكنه لا يريده لنفسه هذا الضرر . وقد يعلم المضرور بالضرر ولكنه لا يرضى به ، فمن اشترك في إحدى الألعاب الرياضية يعلم بما عسى أن ينجم من ضرر عن هذه اللعبة ولكن لا يمكن القول بأنه رضى بهذا الضرر إلا بقدر ما تنطوي عليه اللعبة في العادة من أخطار . فلعب الكرة أو ” التنس ” لا ينطوي عادة على خطر . فمن اشترك فيه يمكن أن يقال عنه إنه يعلم بالضرر ولكنه لم يرض به . ” والبوكس ” والمصارعة تنطوي عادة على خطر ، فمن اشترك فيهما يمكن أن يقال عنه إنه يعلم بالضرر وقد رضى به . وصيد البط يعلم الصائد فيه بالضرر ولكنه لم يرض به ، أما صيد الوحوش المفترسة فقد علم فيه الصائد بالضرر ورضى به . والذي يعنينا هنا هو أن يكون المضرور قد رضى بالضرر ، فلا يرتفع إلى حد أن يريده ، ولا ينزل إلى مجرد العلم به . والقاعدة أن رضاء المضرور بالضرر ليس من شأنه أن يزيل عن فعل المدعى عليه صفة الخطأ ، ولا يزال المدعى عليه خطئاً حتى لو رضى المضرور بما وقع عليه من الضرر . فالطبيب إذا أجرى لمريض عملية جراحية خطرة في غير ما ضرورة يكون مخطئاً حتى لو رضى المريض بإجراء هذه العملية . والمهندس إذا نفذ تصميماً معيباً يكون مخطئاً حتى لو رضى عمليه بهذا التصميم . فرضاء المضرور بالضرر لا يمنع إذن من أن يكون فعل المدعى عليه خطأ . ولكن هل يستغرق رضاء المضرور هذا الخطأ كما استغرقه إرادة المضرور للضرر فيما سبق لنا أن بيناه؟ واضح أن هناك فرقاً ظاهراً بين أن يريد المضرور الضرر وبين أن يرضى به . وإذا كان معقولاً في الحالة الأولى أن يستغرق خطأ المضرور خطأ المدعى عليه ، فليس من المعقول أن يكون مجرد رضاء المضرور بالضرر من شأنه أن يستغرق خطأ المدعى عليه . فالأصل إذن أن رضاء المضرور يترك فعل المدعى عليه كما هو ، فال يزيل عنه صفة الخطأ ولا يستغرقه . ويكون المدعى عليه مسئولاً عما أحدثه بخطئه من الضرر مسئولية كاملة . ولكن قد يكون رضاء المضرور بالضرر يعد خطأ منه . ففي هذه الحالة يخفف هذا الخطأ من مسئولية المدعى عليه كما هو الشأن في الخطأ المشترك . فينظر في كل حالة هل كان المضرور مخطئاً عندما رضى بالضرر ( [22] ) . ويكون في أكثر الأحوال مخطئاً . فمن رضى أن يركب سيارة غير سليمة وهو عالم بذلك ، أو ترك سائق السيارة يسوقها وهو في حالة سكر بين ، أو دفع السائق أن يسير بسرعة فائقة . يكون قد رضى بالضرر ويعد رضاؤه هذا وخطأ من شأنه أن يخفف من مسئولية السائق . ومن رضى بإجراء عملية تجميل خطرة بالغرم من نصح الطبيب له بعدم إجرائها يكون قد رضى بالضرر رضاؤه خطأ يخفف من مسئولية الطبيب . ولكن إذا رضى بإجراء العملية مع علمه بخطرها وكان رضاؤه بناء على إشارة الطبيب . لم يكن هذا الرضاء خطأ ولم يكن من شأنه أن يخفف من مسئولية الطبيب . وكذلك الحكم إذا أقدم المهندس على تشييد بناء معيب وكان ذلك برضاء العميل . فإن كان الرضاء قد وقع بالرغم من نصح المهندس كان خطأ يخفف من مسئوليته ، وإن كان قد وقع بناء على إشارة المهندس لم يكن خطأ وبقيت مسئولية المهندس كاملة . هذا وفي بعض الأحوال القليلة قد يصل خطأ المضرور في رضائه بالضرر حداً من الجسامة يجعل من شأنه أن يستغرق خطأ المدعى عليه ، فتنتفي المسئولية عن هذا لانعدام رابطة السببية . فصاحب السفينة الذي يرضى عن بينة بنقل مهربات حربية فتصادر سفينته ، لا يرجع بشيء على صاحب المهربات ( [23] ) . والمرأة البالغة سن الرشد غير الغرة إذا انقادت عن شهوة إلى معاشرة خليلها لا ترجع عليه بالتعويض ( [24] ) . وإذا اتفق أهالي بلدين على المضاربة معاً ، ومات أحدهم في أثناء المضاربة ، فلا حق لورثته في التعويض لأنه هو الذي عرض نفسه باختياره إلى القتل ( [25] ) . وهذه الأحوال القليلة هي التي أشرنا إليها وفيها يستغرق رضاء المضرور بالضرر خطأ المدعى عليه .

595 – الحالة الثانية – أحد الخطأين هو نتيجة الخطأ الآخر : إذا كان خطأ المضرور هو نتيجة خطأ المدعى عليه ، استغرق الخطأ الثاني الخطأ الأول . واعتبر خطأ المدعى عليه هو وحده الذي أحدث الضرر ، وتكون مسئولية المدعى عليه مسئولية كاملة . فإذا ركب شخص مع صديق له في سيارة يقودها هذا الصديق مسرعاً في سيره بها . فنجم عن هذا السير السريع خطر دفع الراكب تحت تأثير الفزع إلى أن يأتي بحركة خاطئة التماساً للنجاة . ناضر بنفسه . كان خطأ المضرور هنا هو نتيجة لخطأ المدعى عليه ، فاستغرق خطا الصديق خطأ الراكب . وتحققت مسئولية الصديق كاملة ( [26] ) . وكذلك يكون الحكم إذا ارتكب المريض خطأ في علاج نفسه . وكان ذلك بناء على إشارة خاطئة من الطبيب . فإن خطأ الطبيب يستغرق خطأ المريض إذ الخطأ الثاني ليس إلا نتيجة للخطأ الأول . فيكون الطبيب مسئولاً عن التعيض كاملاً . وهذا هو شأن الموكل يخطئ إتباعا لنصيحة خاطئة من محاميه ، فيستغرق خطأ المحامي خطأ الموكل لأن الخطأ الثاني هو نتيجة الخطأ الأول .

أما إذا كان خطأ المدعى عليه هو نتيجة خطأ المضرور . فإن خطأ المضرور هو الذي يستغرق خطأ المدعى عليه . ولا نقف إلا عند خطأ المضرور سبباً للضرر الذي وقع . فلا تتحقق مسئولية المدعى عليه لانعدام رابطة السببية . فإذا دهس سائق السيارة أحد العابرة . وأثبت أن المضرور تحول فجأة من جانب الطريق إلى الجانب الآخر دون أي احتياط وكان هذا الخطأ هو السبب الوحيد للإصابة . فقد أثبت أن الخطأ المفروض في جانبه – وهو الخطأ في الحراسة – ليس إلا نتيجة خطأ المضرور . واستغرق خطأ العاب خطأ السائق ، وانعدمت علاقة السببية ما بين خطأ السائق والضرر . فانتفت مسئولية السائق إذ اعتبر خطأ المضرور هو وحده السبب وفي وقوع الضرر ( [27] ) .

596 – الخطأ المشترك : فإذا لم يستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر ، بل بقيا تميزين كل منهما اشترك في إحداث الضرر مستقلاً ، كان للضرر سببان : خطأ المدعى عليه وخطأ المضرور . وهذا ما يسمى بالخطأ المشترك ( faute commune ) ( [28] ) .

والأصل أن كلا من الخطأين يعتبر سبباً في إحداث الضرر . إذ لولاه لما وقع هذا الضرر . ولما كان كل من المدعى عليه والمضرور مسئولاً بقدر ما أحدث من ضرر . وكان خطأ كل منهما سبباً لوقوع الضرر كله كما قدمنا ، فإن المسئولية تكون بالتساوي بينهما . ويكون المدعى عليه مسئولاً عن نصف الضرر .ويتحمل المضرور النصف الآخر فلا يرجع على المدعى عليه إلا بنصف الضرر ( [29] ) . ولو أن المدعى عليه شخصان لا شخص واحد ، وكانا هما والمضرور مسئولين بالتساوي ، فغن المضرور يرجع على أي منهما بثلثي الضرر لأنه تحمل الثلث الباقي ولأن المدعى عليهما المتضامنان في الثلثين . وهكذا توزع المسئولية على المدعى عليهم والمضرور على عدد الرؤوس ( par part virite ) . وفي هذا تطبيق خاص لقاعدة تعدد المسئولين . فقد نصت المادة 169 من القانون المدني الجديد على أنه ” إذا تعدد المسئولين عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر . وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض ” . ووجه أن التطبيق خاص هنا هو أنه يوجد بين المسئولين المتعددين المضرور نفسه ، فيجب أن يدخل في الحساب عند توزيع المسئولية . فيتحمل نصيباً منها بالتساوي مع المسئولين المتعددين .

على أن القانون المدني الجديد لم يترك هذه المسألة الهامة دون أن يفرد لها نصاً خاصاً . فقضى في المادة 216 بأنه ” يجوز للقاضي أن ينقص مقدار التعويض ، أو ألا يحكم بتعويض ما ، إذا كان الدائن بخطئه قد اشترك في إحداث الضرر أو زاد فيه ( [30] ) ” . فالمضرور ، طبقاً لهذا النص . لا يتقاضى تعويضاً كاملاً ، بل يتحمل نصيبه في المسئولية . ونبادل إلى ملاحظة أمرين في شأن النص : أولهما أن يقول ” يجوز للقاضى أن ينقص مقدار التعويض ” ومعنى الجواز في الإنقاص احتمالاً لا ينقص القاضي من التعويض شيئاً ، ويكون ذلك في حالة ما إذا كان خطأ المضرور قد استغرقه خطأ المدعى عليه على النحو الذي بيناه . والأمر الثاني أن النص يقول ” أو لا يحكم بتعويض ما ” ، ويكون ذلك في حالة ما إذا كان خطأ المدعى عليه قد استغرقه خطأ المضرور في الصور التي أسلفنا ذكرها ( [31] ) .

بقى أن كلاً من النصين – المادة 169 والمادة 216 – يدع مجالاً للقاضي أن يوزع التعويض على المسئولين المتعددين ، ومن بينهم المضرور نفسه ، لا على عدد الرؤوس أي بالتساوي فيما بينهم ، بل على أساس آخر . والظاهر أن هذا الأساس الآخر هو جسامة الخطأ الذي صدر من كل من المسئولين وفي هذا يتمشى القانون المدني الجديد مع القضاء المصري ( [32] ) ، والقضاء الفرنسي ( [33] ) . ونصوص التقنينات الحديثة ( [34] ) . ولا يلجأ القاضي إلى التوزيع على عدد الرؤوس إلا إذا لم يستطع أن يحدد جسامة كل خطأ ، فعندئذ يفرض التكافؤ فيها جميعاً ، ويجري التوزيع بالتساوي على المسئولين ومنهم المضرور نفسه ( [35] ) .

هذا ويمكن تطبيق القاعدة المتقدمة في حالة ما إذا كان كل من الطرفين مسئولاً ومضروراً في الوقت ذاته . كما إذا تصادمت سيارتان . فأصاب السيارة الأولى ضرر قدر بمبلغ خمسين جنيهاً, وأصاب السيارة الثانية ضرر قدر بمبلغ عشرين جنيهاً . وثبت الخطأ في جانب كل من السائقين . أما الضرر الذي أصاب السيارة الأولى وقدره خمسون جنيهاً فيقسم بين السائقين بحسب جسامة الخطأ . فإذا فرض أن القاضي لم يستطع أن يتبين هذه الجسامة قسم بالتساوي ، فيكون السائق الثاني مسئولاً قبل السائق الأول بمبلغ خمسة وعشرين جنيهاً . وأما الضرر الذي أصاب السيارة الثانية وقدره عشرون جنيهاً فإنه يقسم أيضاً بالتساوي بين السائقين . فيكون السائق الأول مسئولاً قبل السائق الثاني بمبلغ عشرة جنيهات . وبعد أن تجري المقاصة يدفع السائق الثاني إلى السائق الأول في النهاية خمسة عشر جنيهاً ( [36] ) .

 $ 3 – خطأ الغير

597 – وضع المسألة : نستبعد هنا أيضاً ، كما فعلنا عند بحث خطأ المضرور ، حالة ما إذا لمي قع من المدعى عليه خطأ ما ، ثابت أو مفروض ، ووقع الضرر بفعل الغير وحده . فإن فعل الغير إذا كان هو السبب الوحيد في إحداث الضرر ، فإن كان خطأ كان الغير وحده هو المسئول ، وإن لم يكن خطأ كان من قبيل القوة القاهرة أو الحادث الفجائي فلا يكون أحد مسئولاً .

أما إذا وقع خطأ من المدعى عليه ، واشترك في إحداث الضرر مع هذا الخطأ فعل الغير ، كان هناك محل للتساؤل عن أثر فعل الغير في مسئولية المدعى عليه . ويشترط هنا أيضاً كما اشترط في فعل المضرور أن يكون فعل الغير خطأ له شأن في إحداث الضرر .

فإذا لم يكن فعل الغير خطأ فليس له أثر في مسئولية المدعى عليه . ويشترط هنا أيضاً كما اشترط في فعل المضرور أن يكون فعل الغير خطأ له شأن في إحداث الضرر .

فإذا لم يكن فعل الغير خطأ فليس له أثر في مسئولية المدعى عليه ، وكان هذا وحده هو المسئول ، وكانت مسئوليته كاملة . فلا بد إذن أن يكون فعل الغير خطأ . ويقاس الخطأ بمعياره المعروف : الانحراف عن السلوك المألوف للرجل المعتاد . ولابد كذلك أن يكون خطأ الغير له شأن في إحداث الضرر ، وإلا لما جاز للمدعى عليه أن يحتج به إذ لا علاقة له بالضرر ( [37] ) .

ويجب ألا يكون الغير الذي ارتكب الخطأ من بين الأشخاص الذي يعتبر المدعى عليه مسئولاً عنهم . فلو كان هذا الغير ولداً للمدعى عليه أو تلميذاً أو تابعاً ، فلا يكون للخطأ الصادر منه أثر في مسئولية المدعى عليه نحو المضرور ( [38] ) .

وليس من الضروري أن يكون الغير معروفاً ، فقد يقوم الدليل على أن الحادث كان من بين أسبابه خطأ صدر من شخص ثالث وقد هرب دون أن يعرف ، ويبقى مع ذلك خطأ هذا الغير مؤثراً في مسئولية المدعى عليه ( [39] ) .

598 – أثر خطأ الغير في خطأ المدعى عليه – استغراق أحد الخطأين للآخر : إذا كان لكل من خطأ المدعى عليه وخطأ الغير شأن في إحداث الضرر ، وكان أحد الخطأين يستغرق الخطأ الآخر ، اعتبر الخطأ المستغرق هو وحده السبب في إحداث الضرر . فإذا استغرق خطأ المدعى عليه خطأ الغير ، كان المدعى عليه وحده هو المسئول مسئولية كاملة ، ولا أثر لخطأ الغير في هذه المسئولية . أما إذا استغرق خطأ الغير خطأ المدعى عليه ، فالغير وحده هو المسئول مسئولية كاملة ، ولا أثر لخطأ المدعى عليه في هذه المسئولية .

ويستغرق أحد الخطأين الآخر – كما بينا في صدد الكلام في خطأ المضرور – إذا كان خطأ متعمداً أو كان هو الذي دفع إلى ارتكاب الخطأ الآخر . ولا يرد هنا ما رأيناه في خطأ المضرور من أن رضاءه قد يستغرق خطأ المدعى عليه ، فإنه إذا أمكن أن يتصور استغراق رضاء المضرور لخطأ المدعى عليه ، فلا يتصور أن خطأ المدعى عليه يستغرقه رضاء الغير .

599 – تعدد المسئولين : فإذا لم يستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر ، بقيا قائمين ، واعتبر أن كلاً منهما سبب في إحداث الضرر . وهذه هي حالة تعدد المسئولين ، فقد اشترك مع المدعى عليه شخص آخر في إحداث الضرر ، فأصبح المسئول أكثر من شخص واحد .

وقد نصت المادة 169 من القانون المدني الجديد ، السابق ذكرها ، على هذه الحالة . فقضت بما يأتي :

 ” إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر ، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي ، إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض ( [40] ) ” .

ويلاحظ أن النص قرر التضامن فيما بين المسئولين ، فيجوز إذن للمضرور أن يرجع على أي من المدعى عليه أو الغير بالتعويض كاملاً ( [41] ) . ثم يتقاسم المسئولان الغرم فيما بينهما : والأصل بحسب النص أن تكون القسمة بالتساوي على عدد الرؤوس ، إلا إذا استطاع القاضي أن يحدد جسامة كل من الخطأين فيجوز له أن يجعل القسمة بحسب جسامة الخطأ . وقد تقدم بيان ذلك عند الكلام في خطأ المضرور ( [42] ) .

600 – اشتراك خطأ المدعى عليه وخطأ الغير وخطأ المضرور في إحداث الضرر : وقد يساهم في إحداث الضرر خطأ أول يثبت في جانب المدعى عليه ، وخطأ ثان يثبت في جانب الغير ، وخطأ ثالث يثبت في جانب المضرور . ففي هذه الحالة يتحمل المضرور ، وقد ثبت خطأ في جانبه ، ثلث الضرر ، ويتحمل المدعى عليه والغير متضامنين بالثلثين الباقين . فيرجع المضرور بثلثي التعويض على المدعى عليه أو على الغير ، ويرجع من دفع الثلثين على المسئول الآخر بالثلث . هذا ما لم ير القاضي أن يكون التوزيع لا على عدد الرؤوس بل بحسب جسامة خطأ كل من الثلاثة ( [43] ) .


 ( [1] ) مارتو ( Marteau ) في رسالته ” السببية في المسئولية المدنية ” إكس سنة 1914 .

 ( [2] ) ومن هنا يصح التساؤل عن الفائدة العملية لقيام السببية ركناً مستقلاً عن الضرر وعن الخطأ . وقد رأينا في مثل أنها حيث تنعدم ينعدم معها الضرر وفي مثل آخر أنها حيث تنعدم ينعدم معها الخطأ . فلا تنتفي المسئولية إذن لانعدام السببية وحدها ، بل تارة لانعدامها مع الضرر ، وطوراً لانعدامها مع الخطأ . وكان يكفي أن يقال إن الضرر أو الخطأ قد انعدم ، ومن ثم انتفت المسئولية . ولا تبدو السببية ركناً متميزاً إلا حين الكلام في السبب المنتج والسبب المباشر .

 ( [3] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 332 من المشروع التمهيدي مع بعض خلاف في اللفظ . وأقرته لجنة المراجعة بعد تغيير كلمة ” المصاب ” بكلمة ” المضرور ” ، وأصبح رقمه المادة 169 في المشروع النهائي . وأقره مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ جرت مناقشات طويلة حول النص . وكان من رأي أحد الأعضاء أن يكون المبدأ في المسئولية التقصيرية هو افتراض الخطأ ، وتحمل التبعة ، فلا يستطيع المسئول أن يتخلص من المسئولية إلا إذا نفى علاقة السببية بإثبات السبب الأجنبي . فرد عليه بأنه لا توجد شريعة اتخذت كأساس للمسئولية مبدأ تحمل تبعة الخطأ والخطأ المفروض فقط ، وغنما يجب إثبات الخطأ لقيام المسئولية كمبدأ عام ، ثم ترد استثناءات على هذا المبدأ يؤخذ فيها بالخطأ المفروض . وانتهت اللجنة إلى إقرار النص تحت رقم المادة 165 . ووافق عليه مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 361 – ص 369 ) .

 وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص والنصوص التالية ما يأتي : ” تستظهر المواد من 232 إلى 235 سلسلة متصلة الحلقات من الأحكام ، تتناول تعيين أحوال ارتفاع المسئولية والتخفيف منها . وقد درج الفقه على التفريق بين أحوال ارتفاع المسئولية لانعدام رابطة السببية كما هو الشأن في السبب الأجنبي ، وأحوال ارتفاعها بسبب انتفاء الخطأ كما يقع ذلك في حالة الدفاع الشرعي وحالة صدور أمر من رئيس وحالة الضرورة . ومهما يكن من شأن هذه التفرقة فمن الأنسب من الناحية العملية أن تحشد هذه الأحوال المختلفة في صعيد واحد باعتبار أن فكرة انتفاء المسئولية تنتظمها جميعاً . ويقع عبء إثبات الخطأ على المضرور وتكون القرائن القضائية عادة سبيله إلى التماس الدليل . بل إنه يسوغ لمن أحدث الضرر أن يثبت وجود السبب الأجنبي وينفي بذلك مسئوليته باستبعاد كل قرينة عليها . وللمحدثين من الفقهاء تحليل أدق في هذا الشأن . فمن رأيهم أن المضرور إذا أقام الدليل على المسئولية بإثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما ، فلمن أحدث الضرر عندئذ أن يسقط الدليل على علاقة السببية هذه بإثبات السبب الأجنبي ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 377 – ص 378 ) .

 ( [4] ) يكون السبب الأجنبي عادة أحد هذه الأسباب الثلاثة . ولكن هذا البيان لم يرد على سبيل الحصر كما هو واضح من النص . وقد جاء في المذكرة الإ]ضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويكون هذا السبب ( الأجنبي ) بوجه عام حادثاً فجائياً أو قوة قاهرة – وليس ثمة محل للتفريق بينهما – أو خطأ وقع من المضرور أو من الغير . على أن هذا البيان غير وارد على سبيل الحصر . فقد يكون السبب الأجنبي عيباً لاصقاً بالشيء المختلف أو مرضاً خاص المضرور ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 378 ) .

 ( [5] ) وقد رأينا في المسئولية العقدية أن علاقة السببية تلتقى أيضاً بإثبات السبب الأجنبي ، وكل ما سنذكره في شأن السبب الأجنبي ، من حادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير ، ينطبق في كلتا المسئوليتين : المسئولية التقصيرية والمسئولية العقدية .

 ( [6] ) رادوان ( Radouant ) ( في الحادث الفجائي والقوة القاهرة باريس سنة 1920 ص 173 وما بعدها ) ولأبيه ( المجلة الانتقادية سنة 1870 ص 115 ) يقولان إن القوة القاهرة والحادث الفجائي تعبير أن يكمل أحدهما الآخر ، فالتعبير الأول يبرز خصيصة استحالة الدفع ، والتعبير الثاني يبرز خصيصة عدم إمكان التوقع ، ولكن لا بد من اجتماع الخصيصتين معاً في الحادث حتى تنعدم السببية . ولكن هذا الرأي يجعل التمييز ما بين القوة القاهرة والحادث الفجائي معدوم الفائدة من الناحية العملية .

 ( [7] ) كولان وكابيتان الطبعة العاشرة جزء 2 فقرة 126 .

 ( [8] ) جوسران الطبعة الثالثة جزء 2 فقرة 451 وما بعدها .

 ( [9] ) أنظر في هذا المعنى مازو 2 فقرة 1559 – فقرة 1561 ومراجع الفقه والقضاء التي يشير إليها .

 ( [10] ) ويندرج في شرط استحالة الدفع أن يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً كما سنرى .

 ( [11] ) استئناف مختلط في 20 يناير سنة 1902 م 15 ص 92 – وفي 8 فبراير سنة 1911 م 23 ص 159 – وفي 15 ديسمبر سنة 1927 – م 40 ص 81 .

 ( [12] ) استئناف مختلط في 8 فبراير سنة 1911 م 23 ص 159 .

 ( [13] ) مازو 2 فقرة 1570 .

 ( [14] ) مازو 2 فقرة 1578 – فقرة 1589 .

 ( [15] ) مازو 2 فقرة 1599 – فقرة 1605 .

 ( [16] ) مازو 2 فقرة 1606 . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن مسئولية الحكومة المصرية عن عدم إمداد أحد المحضرين بالحماية الكافية في أثناء قيامه بمأمورية خطرة تخضع للقواعد العامة ، ومن ثم يجب إثبات خطأ في جانب الحكومة وقيام سببية مباشرة ما بين هذا الخطأ والضرر الذي أصاب المحضر . ولا يجوز أن يكون الخطأ الذي سبب الضرر مباشرة في هذه الحالة هو ما قيل من رفض رئيس البوليس المحلي إعطاء المحضر قوة كافية لحمايته عندما طلب ذلك ، ما دام لم يثبت أن الاعتداء على المحضر ، الذي كان مفاجئاً بقدر ما هو عنيف ، لم يكن في هذه الظروف من المستطاع تفاديه ( استئناف مختلط في 29 مايو سنة 1941 م 53 ص 208 ) .

 ( [17] ) مازو 2 فقرة 1615 – فقرة 1621 . وانظر فقرة 654 فيما يلي .

 ( [18] ) وإذا كان للمدعى عليه أن يحتج بخطأ المضرور على النحو الذي سنبينه كان له أيضاً أن يحتج بهذا الخطأ على ورثة المضرور . فإذا كان المضرور قد أخطأ ، وكان خطؤه سبباً في وقوع الحادث الذي انتهى بموته ، كان للمدعى عليه أن يحتج بخطأ المضرور على ورثته كما كان يستطيع أن يحتج بهذا الخطأ على المضرور نفسه لو بقى حياً . هذا إذا كان الوارث يرفع دعوى المضرور باعتباره وارثاً . أما إذا تقدم أصيلاً في دعوى المسئولية باعتبار أنه قد أصابه ضرر مباشرة من موت المصاب ، فلا يجوز للمدعى عليه في هذه الحالة أن يحتج عليه بخطأ المصاب إلا بالقدر الذي يستطيع به الاحتجاج بخطأ الغير ، إذ أن المضرور الأصلي في الغرض الذي نحن بصدده هو الوارث ، والمصاب يعتبر من الغير بالنسبة إليه . ولكن يلاحظ أن الوارث إذا طالب بالتعويض كاملاً ، فإن المدعى عليه من حقه أن يرجع على المصاب في تركته بقدر مسئوليته . ويكون الوارث مسئولاً عن ذلك في حدود نصيبه في التركة . ويلاحظ كذلك أنه يجوز الاحتجاج على الوارث بخطئه هو ، كما لو كان المصاب طفلاً دهسته سيارة والوارث أبوه وقد أخطأ في القيام بواجبه من الرعاية لطفله بتركه إياه دون رقيب .

 ( [19] ) ولا نعرض هنا لما إذا كان المضرور قد استطاع إثبات أن الضرر ليس له إلا سبب واحد هو خطأ المدعى عليه أو استطاع المدعى عليه إثبات أن فعل المضرور هو وحده سبب الضرر . ففي الحالة الأولى يكون المدعى عليه مسئولاً عن تعويض الضرر تعويضاً كاملاً ، ولا دخل لفعل المضرور أو لخطئه في الضرر الذي حدث . وفي الحالة الثانية يكون فعل المضرور وحده هو السبب فيما أصابه من ضرر ، ولا دخل لخطأ المدعى عليه في هذا الضرر فلا تتحقق مسئوليته أصلاً .

 ( [20] ) ومن التطبيقات القضائية لهذا الوضع ما قضت به محكمة الاستئناف المختلطة من أنه إذا لم يقف سائق التزام في المحطة ومع ذلك تسلق أحد الركاب على نحو غير مسموح به دون أن يلتفت إليه السائق وعلى غير انتظار ، فأصيب من جراء ذلك ، فإن السائق لا يكون مسئولاً ( استئناف مختلط في 23 يونية سنة 1948 م 61 ص 13 ) . أما إذا نزل الراكب عند تهدئة السائق للسير وهو يقترب من محطة إجبارية فإنه لا يرتكب إلا خطأ يسيراً جداً يجبه خطأ السائق إذا كان هذا بعد التهدئة لم يقف ، بل عاود السير بعد أن ترك الركاب يظنون أن هذه التهدئة أمام المحطة الإجبارية سيعقبها الوقوف ( استئناف مختلط في أول ديسمبر سنة 1948 م 61 ص 22 ) . وفي قضية أخرى هدأ السائق من سيره أمام محطة إجبارية ولكنه لم يقف ، وكان أحد الطلبة قد تعلق بمركبة ، وأسرع السائق في السير ، فسقط الطالب بين عجلات الترام ومات في المستشفى ، فاعتبرت المحكمة أن هناك خطأ مشتركاً بين السائق الذي أسرع بعد أن أوهم الناس أنه سيقف في المحطة الإجبارية وبين الطالب الذي تعلق بالمركبة والتزام يسير ولو بعد تهدئة السير ( استئناف مختلط في 16 فبراير سنة 1949 م 61 ص 57 ) . وإذا قامت الإدارة بأعمال حفر في الطريق العام ، فحفرت خندقاً في عرض شارع رئيسي ، وأتى راكب الموتوسيكل وهو يعلم بوجود الخندق ولم يقلل السرعة ، كان خطأ مشترك ( استئناف مختلط في 25 مارس سنة 1942 م 54 ص 149 ) .

 أنظر أيضاً : استئناف مختلط في 15 مارس سنة 1900 م 12 ص 157 ( صاحب ماكينة طحين كان من واجبه أن يحتاط فيقيم إفريزاً يفصل ما بينه وبين الطريق العام ) – وفي 28 يناير سنة 1926 م 38 ص 207 ( شخص حكم عليه من محكمة غير مختصة فلم يستأنف الحكم ورجع على الضامن ، فتمسك الضامن بخطأ المدعى في عدم استئناف الحكم ) – وفي 27 نوفمبر سنة 1940 م 53 ص 21 ( أعطى الكمارى إشارة المسير قبل الأوان ، والطفل لم تحافظ عليه مرافقته ، فالخطأ مشترك ) – وفي 26 يونية سنة 1941 م 53 ص 238 ( خطأ مشترك بين سائق السيارة وأحد المارة ) .

أنظر أيضاً في تطبيقات قضائية في فرنسا مازو 2 فقرة 1471 – فقرة 1474 – 4

 ( [21] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان المجني عليه تعمد الإضرار بنفسه ، فانتهز فرصة خطأ الجاني واتخذه وسيلة لتنفيذ ما تعمده من إيقاع الضرر بنفسه ، فلا يقضي له بتعويض ( نقض جنائي في 28 نوفمبر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 401 ص 815 ) . وتدق الحالة لو أن كلاً من المدعى عليه والمضرور قد أراد إحداث الضرر ، كما إذا دفع مصاب بمرض مستعص طبيباً في أن يخلصه من حياته . وعندنا أنه إذا لم يستغرق خطأ المريض خطأ الطبيب في هذه الحالة ، وبقى خطأ الطبيب قائماً ، ولم تنتف المسئولية عن طريق انتفاء الخطأ ، فإنها تنتفي عن طريق انتفاء الضرر ، فإن الطبيب لم يحدث ضرراً بمريض خلصه من حياة شقية .

 ( [22] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي أنه ” لا ينبغي أن يعتد بذلك الرضاء إلا حيث يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية . وفي حدود هذا الجواز فحسب ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 550 ) . ولكن يجب أن يضاف إلى ذلك حالة ما إذا كان رضاه المضرور بالضرر يعتبر خطأ منه ، فتتبع في هذه الحالة قواعد الخطأ المشترك .

 ( [23] ) استئناف مختلط في 22 يونية سنة 1898 م 10 ص 328 .

 ( [24] ) استئناف مختلط في 12 يناير سنة 1928 م 40 ص 134 .

 ( [25] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 24 يناير سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 6 ص 183 – وأنظر أيضاً محكمة الاستئناف الوطنية في 20 مايو سنة 1906 الحقوق 21 ص 215 ( لا تعويض لأحد في حالة تقاذف طرفي الخصوم ) – وبني سويف في 19 يونية سنة 1922 المحاماة 3 رقم 16 ص 38 ( لا تعويض في حالة تضارب فريقين وإصابة أحدهم بضربة أفضت إلى موته ) .

 ومع ذلك فقد قضت محكمة النقض بأن كل مضاربة تتضمن بطبيعتها واقعتين بالنسبة إلى كل متضارب ، واقعة يكون هو فيها جانباً على غيره والأخرى يكون مجنياً عليه من هذا الغير . فمن يطلب التعويض منهما تطبق على طلبه قواعد المسئولية المدنية . ويقدر التعويض بحسب جسامة خطأ غريمه الناشئ عنه الضرر مع مراعاة مبلغ اشتراكه هو في إحداث الضرر لنفسه أو تسببه فيه . ثم يقضي له بالتعويض الذي يستحقه أو يرفض طلبه متى كان خصمه أيضاً قد طلب تعويضاً فوجدت المحكمة بعد البحث على الطريقة المتقدمة أن تعويض خصمه يعادل تعويضه أو وجدت أنه يربو على تعويضه فأوقعت المقاصة بين التعويض ، وقضت لخصمه بالزائد . وكل ما تجريه المحكمة من ذلك يجب بيانه في الحكم ، ولا يكفي في ذلك قول المحكمة من بادئ الأمر إنه ما دام كل فريق قد اعتدى على الآخر فقد سقط حقه في طلب التعويض على كل حال لأن هذا مخالف لقواعد المسئولية ( نقض جنائي في 28 نوفمبر سنة 1933 المحاماة 13 رقم 401 ص 815 ) : ونرى من ذلك أن محكمة النقض لم تذهب إلى أن المضاربة تنطوي على عنصر رضاء المضرور بالضرر ، بل تعتبر كل متضارب معتدياً ومجنياً عليه . فتأخذ منه بقدر ما اعتدى وتعطى له بقدر ما اعتدى عليه . وإذا كان هذا صحيحاً في المضاربة بوجه عام ، إلا أن الاتفاق على المضاربة – وهو أقرب ما يكون إلى المبارزة – ينطوي كما هو ظاهر على معنى رضاء المضرور بالضرر الذي قد يقع عليه .

 ( [26] ) أنظر في هذا المعنى نقض مدني في 26 يناير سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 162 ص 489 .

 ( [27] ) وقد جرى القضاء في فرنسا ، لتيسير عبء الإثبات على السائق ، على أن يسمح للسائق بإثبات أن خطأ المضرور كان لا يمكن توقعه ولا يستطاع دفعه ، فيكون هذا الخطأ بمثابة القوة القاهرة ( أنظر في هذا القضاء مازو 2 فقرة 1527 – 2 ) .

 ( [28] ) التعبير غير دقيق ، فالخطأ ليس مشتركاً ارتكبه الاثنان معاً ، بل هما خطآن مستقلان أحدهما ارتكبه شخص والثاني ارتكبه الآخر ( لالو فقرة 348 – مازو 2 فقرة 1507 ) .

 ( [29] ) أنظر تحليلاً آخر يقرب مما قدمناه في مازو 2 فقرة 1511 . وسنرى أن القضاء يميل إلى توزيع المسئولية بحسب جسامة الخطأ .

 ( [30] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 294 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” على أنه يجوز للقاضي أن ينقص مقدار التعويض ، أو ألا يحكم بتعويض ما ، إذا كان الدائن بخطئه قد اشترك في إحداث الضرر ، أو زاد فيه ، أو كان قد سوأ مركز المدين ” . وقد أقرته لجنة المراجعة ، وأصبح رقم المادة 223 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب .

 وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ حذفت عبارة ” أو سوأ مركز المدين ” ، لأنه يحسب إعمال القواعد العامة في هذه الحالة ولا سيما أن الحالة التي أغفلت تدخل ضمن إحداث الضرر أو الزيادة فيه . وأصبح رقم المادة 216 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 548 – ص 551 ) .

 وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” تعرض هذه المادة لحكم الخطأ المشترك ، وهو يسري على المسئولية التعاقدية والمسئولية التقصيرية على حد سواء . وقد تقدمت الإشارة إلى أن القاضي لا يحكم بالتعويض متى أقام المدين الدليل على أن الضرر نشأ عن خطأ الدائن وحده ، وأثبت بذلك وجود السبب الأجنبي . وكما أن حق الدائن في التعويض يسقط عند إنفراده بإحداث الضرر بخطئه ، كذلك لا يكون من حقه أن يقتضى تعويضاً كاملاً إذا اشترك بخطئه في إحداث هذا الضرر أو زاد فيه أو سوأ مركز المدين . ويتوقف مقدار ما ينقص من التعويض بوجه خاص على مبلغ رجحان نصيب الدائن أو المدين في إحداث الضرر . وقد جعلت المادة 354 من التقنين الألماني من هذا الترجيح عنصراً من عناصر التوجيه ، فنصت على أنه ” إذا كان الخطأ المضرور نصيب في إحداث الضرر عند وقوعه توقف قيام الالتزام بالتعويض ومدى التعويض الواجب أداؤه على الظروف ، وبوجه خاص على مبلغ رجحان نصيب أي من الطرفين في إحداث الضرر ” . وليس بمتنع إزاء ذلك أن يرجح نصيب الدائن في إحداث الضرر رجاناً يثير أمره البحث في قيام الالتزام بالتعويض بأسره . وهذا هو المعنى الذي قصدت المادة 294 إلى استظهاره بنصها على أن للقاضي ” ألا يحكم بتعويض ما ” . ويراعى أن رضاء المضرور بالضرر الحادث لا يؤخذ لزاماً عليه بوصفه خطأ يبرر انتقاص التعويض فالتقنين الألماني لا يجعل من هذا الرضاء سبباً للانتقاص ( م 254 ) على نقيض ما يقضي به التقنين السويسري ( م 44 فقرة 1 ) في هذا الشأن . فلا ينبغي أن يعتد بذاك الرضاء إلا حيث يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية ، وفي حدود هذا الجواز فحسب . وتعين فكرة الخطأ المشترك على ضبط حدود فكرة تقاربها ، هي فكرة ” النتيجة الطبيعية ” أو ” المألوفة ” لتخلف المدين . فقد تترتب على هذا التخلف نتائج يتفاوت مدى بعدها عنه ، وبذلك يسفر الموقف عن حلقات متسلسلة من الضرر لا يدري لدى أيها ينبغي الوقوف . ومناط الحكم في هذه الحالة هو فكرة النتيجة الطبيعية أو المألوفة . فيعتبر من قبيل النتائج الطبيعية أو المألوفة التي يجب التعويض عنها كل ضرر لم يكن في وسع الدائن عقلاً أن يحول دون وقوعه . ذلك أن امتناعه عن اتخاذ الحيطة المعقولة لحصر هذا الضرر في أضيق حدوده يكون بمنزلة الخطأ ، وبعبارة أخرى يترتب على هذا الامتناع قيام خطأ مشترك يستتبع الانتقاص من التعويض ، بل وسقوط الحق فيه أحياناً . وقد طبق القانون الألماني تلك الفكرة فنص في المادة 254 على وجوب إنقاص التعويض بل وسقوط الحق فيه ” إذا انحصر خطأ المضرور في عدم تنبيه المدين إلى خطر ضرر بالغ الجسامة لم يكن يعلم به ولم يكن يتحتم عليه العلم به أو في عدم دفع هذا الخطر أو الحد منه ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 549 – 550 ) .

 هذا وقد ورد في المادة 216 أن القاضي ينقص مقدار التعويض إذا كان الدائن بخطئه قد زاد في إحداث الضرر . ومثل ذلك شخص يجرح في حادث ، فيهمل في علاج نفسه ، فيزيد في الضرر ( استئناف مختلط في 10 يونية سنة 1897 م ) ص 387 – وفي 24 يونية سنة 1903 م 15 ص 359 ) . ومثل ذلك أيضاً حادث يصيب منزلاً فيجعله غير قابل للسكنى مدة معينة ، فيهمل صاحب المنزل في إصلاحه ، وتطور من جراء ذلك المدة التي يبقى فيها المنزل غير صالح للسكنى ، فلا يتحمل المسئول ضرر ما طال من هذه المدة ( أنظر في هذا المعنى استئناف مختلط في 24 مايو سنة 1945 م 57 ص 158 ) . أنظر أيضاً : استئناف مختلط في 2 أبريل سنة 1903 م 15 ص 226 – وفي 27 ديسمبر سنة 1905 م 18 ص 52 – وفي 23 نوفمبر سنة 1910 م 23 ص 30 – وفي 4 مارس سنة 1914 م 26 ص 259 – وفي 14 يونية سنة 1916 م 28 ص 429 – وفي 30 يونية سنة 1917 – حاريت 7 رقم 166 ص 470 – وفي 11 مايو سنة 1921 جازيت 12 رقم 28 ص 48 – وفي أول يونية سنة 1921 م 33 ص 361 – وفي 18 مايو سنة 1922 م 34 ص 413 – وفي 24 يناير سنة 1923 م 35 ص 185 – وفي 29 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 58 – وفي 10 يناير سنة 1924 م 36 ص 140 – وفي أول مارس سنة 1928 جازيت 18 رقم 239 ص 303 – وفي 6 فبراير سنة 1930 م 42 ص 258 .

 ولكن المضرور لا يتحمل خطأ الغير في زيادة الضرر وعلى المسئول أن يرجع على هذا الغير . فإذا أحدث شخص كسراً في أحد أعضاء جسم المضرور ، ووقع خطأ في جبر الكسر تسبب عنه زيادة الضرر ، فالمضرور لا يكون مسئولاً عن هذا الخطأ وله أن يتقاضى من المسئول تعويضاً عن زيادة الضرر ، وللمسئول أن يرجع على من وقع منه الخطأ في جبر الكسر ( استئناف مختلط في 24 مايو سنة 1934 م 46 ص 296 ) .

 ( [31] ) ونحن نفرض في غالب ما قدمناه أن كلاً من الخطأ الذي وقع من المسئول والخطأ الذي وقع من المضرور هو خطأ واجب الإثبات وقد ثبت في جانب كل منهما . وقد يكون الخطأ مفترضاً في جانب أي منهما أو في جانب كليهما .

 مثل الخطأ المفترض في جانب المسئول أن يرتكب صبي في رعاية أبيه خطأ يلحق ضرراً بشخص آخر . فيرجع المضرور على الأب يطالبه بتعويض الضرر على أساس خطأ مفترض في جانب الأب . فيثبت الأب خطأ في جانب المضرور ، فهل له أن يحتج بهذا الخطأ ليخلص من المسئولية كلها أو بعضها؟ يستطيع الأب بادئ الأمر أن يثبت أنه لم يخطئ في رعاية ولده ، فينفي بذلك الخطأ المفترض في جانبه ، ويخلص من المسئولية بتاتاً . ولكن إذا عجز الأب عن نفي الخطأ في جانبه ، فهل له أن يحتج بما أثبته من خطأ المضرور؟ ما دام قد ثبت خطأ في جانب المضرور فالضرر على أقل تقدير له سببان لا سبب واحد : خطأ المضرور الثابت وخطأ الأب المفترض . فتطبق قواعد الخطأ المشترك ، وتقسم المسئولية بين المضرور والأب . وستطيع الأب أن يخلص من المسئولية كلها إذا هو أثبت أن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بواجب الرعاية بما ينبغي من العناية ( أنظر المادة 173 فقرة 3 من القانون المدني الجديد ) . وقد يكون الخطأ المفترض في جانب المسئول لا يقبل إثبات العكس . مثل ذلك سائق السيارة يدهس عابراً في الطريق ويثبت خطأ في جانب المضرور – هنا أيضاً خطأ مشترك ، خطأ العابر الثابت وخطأ السائق المفترض ، فتقسم المسئولية بين السائق والعابر . ويستطيع السائق أن يخلص من المسئولية كلها إذا هو أثبت أن الخطأ في الحراسة ، وهو الخطأ المفترض في جانبه ، لا دخل له في إحداث الضرر ، وأن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بواجبه في الحراسة كما ينبغي . ومن ذلك أن يثبت أن خطأ المضرور كان لا يمكن توقعه ولا يستطاع دفعه فيكون بمثابة القوة القاهرة ، وقد مر بيان ذلك . والمهم في الصورة التي نحن بصددها أن السائق لا يستطيع الخلاص من المسئولية الخطأ المفترض في جانبه ، لأن الخطأ هنا لا يقبل إثبات العكس ، وهذا بخلاف الصورة الأولى حيث ستطيع الأب أن ينفي الخطأ المفترض في جانبه كما قدمنا .

ومثل الخطأ المفترض في جانب المضرور أن سائق السيارة ، وهو يريد أن يتفادى دهس عابر كان يسير في الطريق دون احتياط ، ينحرف عن الجادة ويصطدم بحائط فيصاب بضرر . فالسائق في هذا المثل هو المضرور . فهل يستطيع العابر الذي كان يسير في الطريق دون احتياط فثبت الخطأ في جانبه أن يحتج بخطأ مفترض في جانب السائق؟ لا يجوز ذلك إطلاقاً ، لأن الخطأ المفترض في جانب السائق إنما فرض لمصلحة من يصيبه السائق بالضرر ، فهو خطأ مفترض في مصلحة المضرور . والمضرور هنا هو السائق كما قدمنا ، فلا يقوم الخطأ المفترض ضد مصلحته . ويتبنى على ذلك أن المسئول ، وهو عابر الطريق ، لا يستطيع أن يحتج على السائق بخطأ مفترض ، ويبقى خطأه هو – وهو السير في الطريق دون احتياط – السبب الوحيد في إحداث الضرر ، وتكون مسئوليته عن هذا الضرر كاملة .

ومثل الخطأ المفترض في جانب كل من المسئول والمضرور أن تصطدم سيارتان ولا يستطيع أحد من السائقين أن يثبت خطأ في جانب السائق الآخر . فإذا أصيبت إحدى السيارتين دون الأخرى بالضرر ، فإن سائق السيارة غير المصابة يكون مسئولاً عن هذا الضرر كاملاً ، ولا يستطيع أن يحتج بخطأ مفترض في جانب سائق السيارة المصابة كما رأينا فيما تقدم . أما إذا أصيبت السيارتان معاً بالضرر ، فإن كلاًم ، السائقين يعوض السائق الآخر تعويضاً كاملاً ما أصاب سيارته من الضرر ، ولا يستطيع أن يحتج عليه بخطأ مفترض في جانبه . ولا يجوز القول إن الخطأ المفترض في جانب سائق يتهاتر مع الخطأ المفترض في جانب السائق الآخر ، فيتخلص كل منهما من المسئولية بتاتاً ، فإن هذا معناه أن الخطأ يفترض ضد مصلحة المضرور ، وهذا غير مستساغ كما بينا .

 ( أنظر في هذا الموضوع مازو 2 فقرة 1515 – فقرة 1537 ) .

 ( [32] ) وقد وضعت محكمة النقض المبدأ الذي يسير عليه القضاء المصري في هذا الصدد فيما قضت به من أنه إذا كان المضرور قد أخطأ أيضاً ، وساهم هو الآخر بخطئه في الضرر الذي أصابه ، فإن ذلك يجب أن يراعى في تقدير مبلغ التعويض المستحق له ، فلا يحكم له على الغير إلا بالقدر المناسب لخطأ هذا الغير ، لأن كون الضرر الذي لحق المضرور ناشئاً عن خطأين ، خطئه هو وخطأ غيره ، ذلك يقتضي توزيع مبلغ التعويض بينهما بنسبة خطأ كل منهما ، وبناء على عملية تشبه المقاصة لا يكون الغير ملزماً إلا بمقدار التعويض المستحق عن كل ضرر منقوصاً منه ما يجب أن يتحمله المضرور بسبب الخطأ الذي وقع منه ( نقض جنائي في 2 أبريل سنة 1945 المحاماة 27 رقم 200 ص 486 ) .

 وقضت هذه المحكمة أيضاً قبل ذلك بأن المادة 151 من القانون المدني ( القديم ) قد نصت على إلزام : من يقع منه فعل ضار بالغير بتعويض الضرر الذي ترتب على فعله ، فإذا كان المضرور قد أخطأ هو الآخر وساهم في الضرر الذي أصابه ، فإن ذلك ، وإن كان يجب أن يراعى عند تقدير التعويض الذي يطالب به المضرور ، لا يصح أن يكون سبباً لرفع المسئولية المدنية عمن اشترك معه في حصول الضرر . وإذن فإذا كان الحكم قد قضى برفض الدعوى المدنية بناء على ما قاله من ” تكافؤ السيئات ” ، وكان المستفاد من البيانات التي أوردها أنه إنما قصد أن المحبي عليهم وقع من جانبهم هم أيضاً خطأ في حق أنفسهم ، ولم يقصد أن الخطأ تسبب عنه أي ضرر بالمدعى عليه ، فإن هذا يكون مقتضاه أن يحكم للمجنى عليهم بالتعويض مع مراعاة درجة خطئهم من الجسامة ( نقض جنائي في 2 نوفمبر سنة 1942 المحاماة 23 رقم 208 ص 517 ) . وقضت الدائرة المدنية من محكمة النقض بمثل ذلك فقالت إنه وإن كان ما يراه قاضي الموضوع من إثبات مساهمة المضرور في الفعل الضار لتوزيع المسئولية بينه هو ومن اشترك معه في إحداث الضرر متعلقاً بفهم الواقع في الدعوى ولا رقابة عليه لمحكمة النقض ، فإن وصف الأفعال التي وقعت من المضرور في الحادث الضار وأسس عليها اشتراكه فيه هو من التكييف الذي تراقبه هذه المحكمة ،و إذا كان مجرد ركوب شخص مع صديق له في سيارة يقودها هذا الصديق مسرعاً في سيره بها هو مما لا يعتبر في بعض الصور اشتراكاً في الخطأ الذي وقع فيه قائد السيارة ، وإذا كان مجرد قيام هذا الراكب تحت تأثير الفزع بحركة ما التماساً للنجاة فأضر بنفسه لا يعتبر كذلك اشتراكاً في خطأ القائد ، فإنه لا شك في أن مساهمة هذا الراكب في الاتفاق مع قائدة السيارة على إجراء مسابقة بها هي مما يجعله مخطئاً كالمتسابقين ومشتركاً معهم في خطئهم ومسئولاً عما يحدث من جراء ذلك . والأصل أن الضرر المترتب على فعل مضمون ومهدر يسقط فيه ما يقابل المهدر ويعتبر ما يقابل المضمون ، فينبغي إذن أن يستنزل من التعويض ما يقابل الفعل الذي ساهم به المضرور في الضرر ، ويعتبر الفعل الذي وقع من الغير ( نقض مدني في 26 يناير سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 162 ص 489 ) .

 وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة كذلك أن توزيع المسئولية فيما بين المدينين المتضامنين يكون بحسب جسامة الخطأ الذي صدر من كل منهم ( استئناف مختلط في 22 أبريل سنة 1942 م 54 ص 172 – وأنظر أيضاً : استئناف مختلط في 18 مايو سنة 1922 م 34 ص 413 ) .

 وأحكام القضاء المصري من وطني ومختلط كثيرة في هذا الموضوع . أنظر : استئناف وطني في 31 ديسمبر سنة 1912 المجموعة الرسمية 14 رقم 35 ص 65 ( صدمة تسببت من إهمال في قيادة عربة وثبت أنه كان في إمكان المجني عليه منع الحادثة لو لم يكن تحت تأثير الحشيش ) – استئناف وطني في 7 يناير سنة 1914 الشرائع 1 رقم 334 ص 186 ( طفلة عمرها ثلاث سنوات دهسها القطار بسبب ترك السور الذي يحول بين منزل والدها وقضبان السكك الحديدية بدون ملاحظة فأزال العمال من الأعمدة لتقصير الطريق إلى منازلهم : خطأ مشترك من مصلحة السكك الحديدية ؟؟ وحدها خارج المنزل ) – استئناف مصر الوطنية في 21 نوفمبر سنة 1927 المحامة 8 رقم 235 ص 315 – وفي 31 يناير سنة 1928 المحاماة 8 رقم 492 ص 806 ( إهمال السائق والمجني عليه ) . وقد يذهب القضاء إذا كان خطأ المضرور فاحشاً إلى حد أن يجعل هذا الخطأ يستغرق خطأ المسئول : استئناف وطني في 3 ديسمبر سنة 1907 المجموعة الرسمية ) رقم 48 ص 107 . شخص أصابه ضرر من مصادمة وقعت بإهمال مصلحة السكك الحديدية ، فرفض طلب التعويض لأنه كان موجوداً خارج باب العربة في أثناء سير القطار – استئناف وطني في أول ديسمبر سنة 1915 الشرائع 3 رقم 52 ص 233 ( يمر الأهالي من غير المزلقان الذي أعدته المصلحة للجمهور فدهم أحدهم القطار فقتله ، فاستغرق خطأ المضرور خطأ المسئول ورفض طلب التعويض – استئناف مختلط في 13 مارس سنة 1930 م 42 ص 358 ) تلميذ صغير عمره ) سنوات : لا خطأ على والده أن يتركه يذهب إلى المدرسة بمفرده ) – استئناف مختلط في 5 مارس سنة 1931 م 43 ص 266 ( مثل القضية السابقة ) – استئناف مختلط في ) مارس سنة 1938 م 50 ص 162 ( خطأ مشترك لأن والد بنت صغيرة تركها في الشارع المزدحم بالحركة دون رقيب ) . استئناف مختلط في 21 فبراير سنة 1945 م 57 ص 104 ( التعويض الذي يعطي لقريب الميت في حالة الخطأ المشترك يكون هو أيضاً مخففاً كما لو كان الميت هو الذي يطالب شخصاً بالتعويض ) . أمثلة أخرى من قضاء محكمة الاستئناف المختلطة : استئناف مختلط في 2 فبراير سنة 1887 بوريللي م 213 رقم 15 – وفي 13 يونية سنة 1888 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 13 ص 255 – وفي 12 يونية سنة 1890 م 2 ص 421 – وفي 4 نوفمبر سنة 1896 م ) ص 5 – وفي أول يونية سنة 1898 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 23 ص 306 – وفي 17 يونية سنة 1908 م 20 ص 276 – وفي 2 أبريل سنة 1931 م 43 ص 331 – وفي 20 يناير سنة 1932 م 44 ص 130 – وفي 15 يونية سنة 1932 م 44 ص 376 – وفي 16 يونية سنة 1932 م 44 ص 383 – وفي 4 مايو سنة 1933 م 45 ص 265 – وفي 18 فبراير سنة 1937 م 49 ص 115 – وفي 25 مايو سنة 1938 م 50 ص 322 .

 وهناك أحكام قليلة لمحكمة الاستئناف المختلطة توزع التعويض بعدد الرؤوس لا بحسب جسامة الخطأ : استئناف مختلط في 14 نوفمبر سنة 1917 م 30 ص 31 – وفي 15 ديسمبر سنة 1921 م 34 ص 57 .

 هذا ولا يكون هناك خطأ مشترك إذا كان ثمة خطآن متميزان كل منهما أحدث أثراً مستقلاً عن الآخر . فإذا سلم قلم الكتاب شهادة خاطئة ترتب عليها إدراج دائن في المرتبة الأولى خطأ ، فلا يجوز لقلم الكتاب أن يحتج على هذا الدائن بأنه هو أيضاً أخطأ في أنه جعل قيده يمتد إلى أموال غير مملوكة لمدينه ما دام مال المدين المأخوذ عليه القيد يكفي لوفاء الدين في المرتبة التي أدرج فيها الدائن خطأ ( استئناف مختلط في 13 ديسمبر سنة 1923 م 36 ص 83 ) . وكذلك إذا كان خطأ المضرور ليس سبباً مباشراً في إحداث الضرر ، كما إذا علقت عجلات عربة بشريط الترام عن خطأ من السائق ، وبينما هو يعالج تخليص العربة مدة ربع ساعة إذا بترام أتى مسرعاً سرعة غير عادية فقتل السائق ، فإن سائق الترام وحده هو المسئول لا سائق العربة ( استئناف مختلط في 15 نوفمبر سنة 1922 م 35 ص 25 ) .

 ( [33] ) أنظر في تحليل القضاء الفرنسي مازو 2 فقرة 1512 .

 ( [34] ) التقنين الألماني م 254 – التقنين البولوني م 158 فقرة 2 – المشروع الفرنسي الإيطالي م 78 .

 ( [35] ) وفي هذا ، كما جاء في مازو 2 بقية ظاهرة من ميل القضاء إلى قياس التعويض على أساس جسامة الخطأ ، مما يلبس الخطأ المدني لباساً ذاتياً يقر به من الخطأ الجنائي ( أنظر في نقد هذا مازو 2 فقرة 1512 ) . على أن هذ هو الحل العملي العادل ، وهو إذا تعارض مع المنطق المحض ، فإنه يبقى مع ذلك حلاً إنسانياً يصعب الانحراف عنه . وهذا ما يقوله حتى نفس الأستاذين مازو ( أنظر مازو 2 فقرة 1973 ص 821 ) . ومع ذلك فإن المادة 169 من القانون المدني الجديد تجعل الأصل أن تكون القسمة فيما بين المسئولين بالتساوي على عدد الرؤوس ، وسيأتي بيان ذلك ( أنظر فقرة 599 في الهامش ) .

 ( [36] ) ويتبين من ذلك أن كلاً من السائقين يتحمل في النهاية نصف مجموع الضررين ( 50 + 20 ÷2 = 35 ) . فالسائق الأول أصيب بضرر ق دره خمسون جنيهاً ، تقاضى منه خمسة عشر جنيهاً ، فيتحمل في النهاية ضرراً قدره خمسة وثلاثون جنيهاً . والسائق الثاني أصيب بضرر قدره عشرون جنيهاً ، ثم دفع للسائق الأول خمسة عشر جنيهاً ، فيكون قد تحمل في النهاية ضرراً قدره خمسة وثلاثون جنيهاً هو أيضاً .

 هذا ويختلف حل المسألة ذاتها لو أن الخطأ كان مفترضاً في جانب كل من السائقين . فقد قدمنا أن كلاً من السائقين في هذه الحالة يعوض السائق الآخر عن الضرر الذي أصابه تعويضاً كاملاً . فيكون السائق الأول مسئولاً إزاء السائق الثاني بمبلغ عشرين جنيهاً ، ويكون السائق الثاني مسئولاً إزاء السائق الأول بمبلغ خمسين جنيهاً ، فتقع المقاصة . ويبقى السائق الثاني مسئولاً إزاء السائق الأول بمبلغ ثلاثين جنيهاً . وكان في الصورة الأخرى مسئولاً بمبلغ خمسة عشر جنيها فقط .

 ( [37] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا انتزع المالك منقولات المستأجر وبضائعه بعد أن أخذ مشورة أحد المحامين وطبقاً لهذه المشورة ، فانتفت نية الغش وهي ضرورية لوجود الجريمة ، فمن ناحية المسئولية المدنية ، حيث لا يجوز الجهل بالقانون بتاتاً ، وحيث تقوم المسئولية على مجرد الخطأ ، لا يكون لمشورة المحامي أي أثر ( استئناف مختلط في 26 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 127 ) . فيلاحظ أن المحكمة في هذه القضية لم تجعل لخطأ الغير ( وهو هنا المحامي ) أثراً في مسئولية المالك . وهذا بخلاف ما إذا كان الضرر من خطأ المحامي قد وقع على المالك مباشرة ، فقد رأينا أن الخطأ يكون مشتركاً في هذه الحالة . ولعل المحكمة اعتبرت في القضية التي نحن بصددها أن خطأ المالك ، وهو يعمل تحت مسئوليته في تصرفه نحو الغير ، قد استغرق خطأ المحامي .

 ( [38] ) وينبني على ذلك أن خطأ الولد أو التلميذ أو التابع لا يجوز أن يستغرق خطأ المدعى عليه ، بل يبقى هذا دائماً هو المسئول نحو المضرور ، ويدفع له التعويض كاملاً ، ولكن هذا لا يمنع من رجوع المدعى عليه ببعض هذا التعويض أو كله على الغير الذي ارتكب الخطأ ولو كان هو مسئولاً عن هذا الغير نحو المضرور .

 أما إذا لم يكن المدعى عليه مسئولاً عن الغير ، فالخطأ الذي يصدر من هذا الأخير يكون من شأنه أن يؤثر في مسئوليته ، بل يجوز أن يستغرق خطأه ، حتى لو قامت علاقة بين المدعى عليه والغير ، فإذا ترك صاحب السيارة سيارته لأحد من أهله أو من أصدقائه ، وهو ليس مسئولاً عنه ، وارتكب القريب أو الصديق خطأ ، عد خطأ صادراً من الغير ، وجاز أن يستغرق خطأ المدعى عليه .

 ( [39] ) يحوز أن يستغرق خطأ هذا الغير المجهول خطأ المدعى عليه .

 ( [40] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 236 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار ، كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر . 2 – ويرجع من دفع التعويض بأكمله على كل من الباقين بنصيب يحدده القاضي حسب الأحوال وعلى قدر جسامة الخطأ الذي وقع من كل منهم ، فإن استحال تحديد قسط كل منهم في المسئولية تكون القسمة سوية بينهم ” . وفي لجنة المراجعة أقر النص بعد إدخال تعديلات لفظية ، وأصبح رقم المادة 173 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ جرت مناقشات طويلة حول جعل التضامن فيما بين المسئولين إجبارياً بحكم القانون أو اختيارياً بحكم القاضي ، وحول الأساس الذي تقوم عليه قسمة التعويض فيما بين المسئولين . وانتهى رأي اللجنة إلى أنها حذفت الفقرة الثانية من النص ، وأضافت إلى الفقرة الأولى عبارة ” وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض ” . وقد روعى في هذه الإضافة أن يكون الأصل هو المساواة في المسئولية بين من وقع منهم الفعل الضار ، إلا أن للقاضي أن يعدل في نصيب كل منهم في التعويض حسب تقديره للظروف . وأصبح رقم المادة 169 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 382 – ص 389 ) .

 وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” لا يقتصر هذا النص على تقرير التضامن بين من يشتركون في إحداث ضرر معين عند رجوع المضرور عليهم ، وهو ما يقضي به التقنين المصري الحالي في المادة 150 / 211 ، بل يتناول فوق ذلك تعيين كيفية رجوع المسئولين فيما بينهم إذا قام أحدهم بأداء التعويض بأكمله . ففيما يتعلق برجوع المضرور على المسئولين عن العمل الضار يكون هؤلاء متضامنين دون حاجة للتفريق بين المحرض والفاعل الأصلي والشريك ، على نحو ما فعل تقنين الالتزامات السويسري في المادة 50 ( أنظر أيضاً المادتين 108 / 99 من التقنين التونسي والمراكشي والمادة 1301 من التقنين النمساوي ) . ويلاحظ أن هذه المادة نفسها تنص أيضاً على مخفى الشيء المسروق لا يلتزم بالتعويض إلا إذا أصاب نصيباً من الربح أو أحدث ضرراً بمعاونته . ويؤدي هذا إلى التفريق بين حالتين : ( الأولى ) حالة وقوع الفعل الضار من أشخاص متعددين دون أن يكون في الوسع تعيين من أحدث الضرر حقيقة من بينهم ، أو تحديد نسبة مساهمة كل منهم في إحداثه ، وفي هذه الحالة لا يكون ثمة معدى عن تقرير التضامن بينهم جميعاً ( أنظر المادتين 109 / 100 من التقنين التونسي والمراكشي والمادة 830 من التقنين الألماني ) . ( والثانية ) حالة إمكان تعيين محدثي الضرر من بين من وقع منهم الفعل الضار رغم تعددهم وإمكان تحديد نصيب كل منهم في إحداثه ، وفي هذه الحالة لا يسأل كل منهم إلا عن الضرر الحادث بخطئه ، ولا يسألون البتة على وه التضامن ( أنظر المادة 136 من التقنين البولوني والمادة 1302 من التقنين النمساوي ) وهذا هو حكم حالة الإخفاء التي تقدمت الإشارة إليها في التقنين السويسري . أما فيما يتعلق برجوع المسئولين فيما بينهم عند التضامن ، فيحدد القاضي ما يؤديه كل منهم معتداً في ذلك بجسامة الخطأ الذي وقع منه ونصيب هذا الخطأ في إحداث الضرر وكل ظرف آخر من شأنه أن يكشف عن مدى مساهمة المسئول في الضرر الحادث من هؤلاء المسئولين جميعاً . فإذا استحال تحديد قسط كل منهم في المسئولية ، فتكون القسمة سوية بينهم ، إذ المفروض أن الدليل لم يقم على تفاوت تبعاتهم . وقد واجه تقنين الالتزامات السويسري حالة تعدد المسئولين عن ذات الضرر مع اختلاف أسباب المسئولية ، كأن يسأل البعض على أساس العمل غير المشروع ، والبعض على أساس التعاقد ، والبعض بمقتضى نص في القانون . وقد قضى هذا التقنين بإلزام كل منهم في هذه الصورة بأداء عين الدين إلزاماً مبتدأ ، وقرر في المادة 51 فيما يتعلق بعلاقة بعضهم بالبعض الآخر أن تبعة الضرر تقع أولاً على عاتق من أحدثه من بين المسئولين بعمل غير مشروع ، وتقع أخيراً على عاتق من يسأل عنه بمقتضى نص في القانون دون أن يكوى مسئولاً بناء على خطأ وقع منه أو بناء على التزام تعاقدي ، وغني عن البيان أن هذا الحكم لا يتيسر الأخذ به إلا بمقتضى نص خاص ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 383 – ص 384 ) .

 ( [41] ) ونحن نفرض هنا ، كما فرضنا عند بحث خطأ المضرور ، أن كلاً من الخطأ الذي وقع من المسئول والخطأ الذي وقع من الغير هو خطأ واجب الإثبات وقد ثبت في جانب كل منهما . وقد يكون الخطأ مفترضاً في جانب أي منهما أو في جانب كليهما . مثل الخطأ المفترض في جانب المسئول أب مسئول عن خطأ صدر من ابنه ، وثبت في الوقت ذاته خطأ في جانب الغير كان هو أيضاً السبب في إحداث الضرر الذي جعل الأب مسئولاً عنه ، فيجز للأب – كما قدمنا في صدد خطأ المضرور – أن يثبت أنه لم يخطئ في رعاية ولده ، فينفي الخطأ المفترض في جانبه ، ويخلص من المسئولية بتاتاً . فإذا عجز عن ذلك بقى الخطأ مفترضاً في جانبه ، وهناك خطأ آخر ثابت في جانب الغير ، فيكون الأب والغير مسئولين بالتضامن نحو المضرور تطبيقاً للمادة 169 المتقدمة الذكر . وإذا دفع الأب التعويض كاملاً للمضرور ، رجع به كله على الغير الذي ثبت الخطأ في جانبه ، ولا يستطيع الغير أن يحتج بالخطأ المفترض في جانب الأب ، لأن هذا الافتراض لم يقمه القانون إلا لصالح المضرور وحده . وإذا استطاع الأب أن يثبت أن خطأ الغير كان هو السبب الوحيد في إحداث الضرر – بأن يثبت أن الضرر كان لا بد واقعاً ولو قام بواجب الرعاية كما ينبغي – تخلص من المسئولية بتاتاً حتى نحو المضرور ، ولا يستطيع هذا أن يرجع آل على الغير الذي ثبت خطأ ه ، ويرجع عليه بالتعويض كاملا ولا يرجع الغير بشيء على الأب . وقد يكون الخطأ المفترض في جانب المسئول لا يقبل إثبات العكس . مثل ذلك سائق السيارة دهس أحد العابرة ، واثبت خطأ شخص اعترض طريقه فجأة فاضطره إلى الانحراف عن الطريق فدهس العابر . هنا لا يستطيع السائق ، كما استطاع الأب في المثل السابق ، أن ينفي الخطأ عن جانبه لأنه مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس . بقي أنه اثبت خطأ الغير . فبالنسبة إلى المضرور يكون كل من السائق والغير مسئولا بالتضامن ، ويستطيع للمضرور أن يرجع على أي منهما بالتعويض كاملا . فإذا رجع على السائق رجع هذا على الغير الذي ثبت خطأه بكل ما دفعه ، ولا يستطيع الغير أن يحتج بالخطأ المفترض في جانب السائق لأن هذا الافتراض لم يقمه القانون إلا لصالح المضرور وحده . أما إذا رجع المضرور على الغير ، فلا يرجع هذا على السائق بشيء لأنه لم يثبت في جانبه خطأ ولا يجدى الخطأ المفترض في جانبه كما قدمنا . ويستطيع السائق أن يتخلص من المسئولية بتاتاً نحو المضرور إذا هو اثبت أن الضرر كان لا بد واقعاً حتى لو قام بواجبه في الحراسة كما ينبغي ، لأنه يثبت بذلك أن خطأ الغير كان هو السبب الوحيد في إحداث الضرر ، وفي هذه الحالة لا يرجع المضرور إلا على الغير ، ويرجع عليه بالتعويض كاملا ، ولا يرجع الغير بشيء على السائق . ويستطيع السائق ، الإثبات أن الضرر كان لا بد واقعاً حتى لو قام بواجبه في الحراسة ، أن يثبت أن خطأ الغير كان لا يمكن توقعه ولا يستطاع دفعه ، فيكون بمثابة القوة القاهرة ، فيخلص السائق من المسئولية على النحو الذي قدمناه ( أنظر في هذا المعنى استئناف مختلط في 31 أكتوبر سنة 1935 م 48 ص 10 – وفي 2 ابريل سنة 1941 م 53 ص 144 – وفي 25 مارس سنة 1942 م 54 ص 150 ) – وقد يزيد الضرر الذي أحدثه السائق عن الضرر الذي قصد تفاديه فلا تكون ثمة قوة قاهرة ، وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان المتهم إنما ارتكب ما ارتكبه مريداً مختاراً بعد أن وازن بين أمرين ، القضاء على حياة الغلام الذي اعترض سيارته عند مفترق الطرق أو الصعود بالسيارة على إفريز الشارع حيث وقعت الواقعة ، وكان الفعل المرتكب في حالة الضرورة لا يتناسب بحال مع ما قصد تفاديه ، بل كان بالبداهة أهم منه شأناً وأجل خطراً وأكبر قيمة ، فإن التعويض يكون واجباً إذا ما لحق الغير ضرر ( نقض جنائي في 17 نوفمبر سنة 1941 المحاماة 22 رقم 158 ص 468 – وانظر في الفقه والقضاء الفرنسيين في هذه المسألة مازو 2 فقرة 1652 – فقرة 1653 – 2 ) .

ومثل الخطأ المفترض في جانب الغير هو عين المثل المتقدم إذا اعتبر المضرور الغير الذي كان سبباً في دهس السيارة إياه هو الفاعل الأصلي فرجع عليه بالتعويض كاملا . ولا يستطيع الفاعل الأصلي أن يرجع على السائق – وقد أصبح السائق هنا هو الغير – لأنه لا يستطيع الاحتجاج بالخطأ المفترض في جانب السائق إذ أن هذا الخطأ لم يفترض إلا لمصلحة المضرور كما قدمنا . ومثل ذلك أيضاً سيارتان اصطدمتا ، فأصيب من جراء هذا الاصطدام عابر في الطريق ، واستطاع المضرور أن يثبت خطأ في جانب أحد السائقين دون الآخر ، فإن السائق الذي ثبت في جانبه الخطأ ودفع التعويض كاملا لا يستطيع الرجوع بشيء على السائق الآخر – وهو هنا الغير – إذ لا يوجد فيجانب هذا الأخير إلا خطأ مفترض .

ومثل الخطأ المفترض في جانب كل من المسئول والغير سيارتان اصطدمتا ، فأصيب عابر من جراء هذا الاصطدام ، ولم يستطيع المضرور إثبات خطأ في جانب أي من السائقين . فللمضرور الرجوع على أي منهما بالتعويض كاملا بمقتضى الخطأ المفترض . ويبقى أن نرى هل يستطيع من دفع التعويض أن يرجع على المسئول الآخر بنصيبه فيه ؟ كان القياس ألا يرجع لأنه لا يستطيع الاحتجاج بالخطأ المفترض في جانب السائق الآخر ، ولكن القول بذلك يفتح الطريق أمام المضرور للتحكم ما بين السائقين ، فأيهما يختار يضطره إلى دفع التعويض كاملا دون رجوع على المسئول الآخر . ومن أجل ذلك جرى الفقه والقضاء في فرنسا على أن يرجع السائق الذي دفع التعويض كاملا على السائق الآخر بنصيبه في هذا التعويض ( مازو 2 فقرة 1661 ) .

 ( [42] ) ولا بد أن نلاحظ هنا أن النص جعل الأصل أن تكون القسمة فيما بين المسئولين بالتساوي على عدد الرؤوس . وهذا ظاهر أيضاً من الرجوع إلى الأعمال التحضيرية للمادة 169 وقد نقلناها فيما تقدم . فقد كان المشروع النهائي ينص على القسمة تبعاً لجسامة الخطأ ثم عدل فجعل الأصل أن تكون القسمة بالتساوي . أما القضاء المصري فكان يجري على أن الأصل هو أن تكون القسمة بحسب جسامة الخطأ . فقد قضت محكمة النقض بأنه إذا تبين أن حادثة الإصابة الخطأ وقعت باشتراك شخصين في الخطا ، وجب توزيع المسئولية عليهما كل بمقدار خطئه ( نقض جنائي في 5 مارس سنة 1931 المجموعة الرسمية 32 رقم 159 / 2 ص 325 ) . وانظر أيضاً في هذا المعنى : استئناف مختلط في 3 ديسمبر سنة 1931 م 4 ص 84 – وفي 3 مايو سنة 1934 م 46 ص 275 – وفي 14 ابريل سنة 1938 م 50 ص 236 – وفي 16 يناير سنة 1946 م 58 ص 22 .

 ( [43] ) أما إذا كان هناك خطأ مفترض : فإن كان مفترضاً في جانب المضرور وحده وخطا كل من المدعى عليه والغير ثابت ، لم يحتج بهذا الخطأ المفترض على المضرور لأنه أقيم لصالحه كما قدمنا ، ورجع المضرور على أن من المسئولين بالتعويض كاملا ، ويرجع هذا بنصف التعويض على المسئول الآخر .

وإذا كان الخطأ مفترضاً في جانب المدعى عليه وحده وخطأ كل من المضرور والغير ثابت ، فالقياس أن يرجع المضرور بثلثي التعويض على أن من المدعى عليه أو الغير ، ولكن هذا الحل يجعل الغير يضار بالخطأ المفترض في جانب المدعى عليه ، إذ لو انتفى هذا الخطأ ، وبقى الخطأ الثابت في جانب كل من المضرور والغير ، لتحمل الغير نصف التعويض لا الثلثين ، لذلك يرجع المضرور في الحالة التي نحن بصددها على الغير بالنصف ولا يرجع الغير بشيء على المدعى عليه ، وإذا رجع المضرور على المدعى عليه بالنصف ، رجع المدعى عليه بما دفع كاملا على الغير ( أنظر في هذا المعنى مازو 2 فقرة 1664 ص 548 – ص 549 ) .

وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب الغير وحده وخطا كل من المدعى عليه والمضرور ثابت ، رجع المضرور ، للأسباب التي قدمناها في الصورة السابقة ، على المدعى عليه بنصف التعويض ، ولا يرجع هذا على الغير بشيء ، ويجوز أيضاً للمضرور أن يرجع على الغير بالنصف ، ويرجع الغير بما دفعه كله على المدعى عليه .

وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب كل من المضرو والممدعى عليه وخطا الغير ثابت ، رجع المضرور بالتعويض كاملا على الغير ولا يرجع هذا ابشيء على المدعى عليه . ويستطيع المضرور كذلك أن يرجع بالتعويض كاملا على المدعى عليه ، ويرجع هذا على الغير بكل ما دفعه .

وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب كل من المضرور والغير وخطا المدعى عليه ثابت ، رجع المضرور بالتعويض كاملا على المدعى عليه ولا يرجع هذا بشيء على الغير . كما يجوز للمضرور أن يرجع بكل التعويض على الغير ، ويرجع هذا بكل ما دفعه على المدعى عليه .

وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب كل من المدعى عليه والغير وخطا المضرور ثابت ، فليس للمضرور أن يرجع إلا بنصف التعويض على أي من المسئولين ، لأن خطأ ثبت في جانبه ، ومن دفع نصف التعويض يرجع على المسئول الآخر بنصف ما دفع أي بنصف النصف . وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب الثلاثة جميعاً ، كما إذا اصطدمت سيارات ثلاث وأصيبت إحداها ولم يستطع السائق المضرور أن يثبت خطأ أي من السائقين الآخرين جاز للسائق المضرور أن يرجع بالتعويض كاملا على أي من السائقين الآخرين ، والسائق الذي يدفع التعويض كاملا يرجع بنصفه على السائق الآخر ( أنظر في هذا الموضوع مازو 2 فقرة 1664 ) .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s