لا ضرورة لن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية


لا ضرورة لن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية

 أو أن يكون الإثراء باقياً وقت رفع الدعوى

 776 – موقف القانون المدني الجديد : ذكرنا في التطور التاريخي لقاعدة الإثراء بلا سبب أن هذه القاعد ة لم تستقم قاعدة مستقلة إلا منذ عهد قريب وأنها حتى بعد أن صار لها كيان ذاتي بقيت مغلولة بقيود لا يفسرها إلا ما صاحب القاعدة من تطبيق في الماضي . وإلا أنها استعصت على الطفرة فلم تستطيع أن تظفر باستقلالها إلا مقيداً بشروط ، إذا استطاع تاريخ القاعدة أن يفسرها . فإنه لا يستطيع أن يبررها .

وقد ألف الفقه والقضاء في فرنسا وفي مصر أن يقررا ، منذ قامت القاعدة مستقلة ، أن دعوى الإثراء بلا سبب دعوى احتياطية لا يجوز الالتجاء إليها إلا إذا انعدمت كل وسيلة قانونية أخرى . وأن الإثراء الذي يطالب المفتقر باسترداده يجب أن يكون قائماً وقت رفع الدعوى . والمبتدع لهذين القيدين هما الفقيهان الكبيران أن أوبري ورو على ما مر بنا .

وقد بدأ الفقه في فرنسا وفي مصر يكسر من أغلال القيد الأول . ولكنه هو القضاء بقيا جامدين إزاء القيد الثاني ، فظلا يقولان بأن من شروط دعوى الإثراء أن يكون الإثراء قائماً وقت رفع الدعوى .

أما القانون المصري الجديد فقد تكفل بتكسير القيدين معاً كما أسلفنا القول فهو لم يشترط أن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية ، ثم هو قد نص صراحة في المادة 179على أن التزام المثري يبقى قائماً ولو زال الإثراء فيما بعد ( [1] ) . فتم بذلك تحرير القاعدة من قيودها ، وأقيمت على أساس من المنطق السليم .

ها نحن نستعرض كلا من هذين القيدين لنبرر موقف القانون المصري الجديد منهما .

 المطلب الأول

 لا ضرورة لأن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية

 1 – القانون الفرنسي

777 – اتفاق الفقه والقضاء بادئ الأمر على أن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية :

منذ تحررت دعوى الإثراء وأصبحت دعوى مستقلة ، على ما مر بنا في التطور التاريخي لهذه الدعوى ، ومنذ أعلنت محكمة النقض الفرنسية ” أن دعوى الإثراء بلا سبب ، وهي تقوم على مبدأ عادل يحرم الإثراء على حساب الغير ، لم يعرض لتنظيمها نص في القانون ، فهي لا تخضع في استعمالها لأي شرط معين ، ويكفي لقبولها أن يتقدم المدعى بإثبات أنه جعل من يرفع عليه الدعوى يثري عن طريق تضحية تحملها هو أو عمل شخصي قام به ( [2] ) ” . ساد شعور قوى بأن تطوراً خطيراً قد وقع ، وأن دعوى الإثراء بعد أن كانت ترسف في أغلال التبعية لدعوى الفضالة . أصبحت طليقة من كل قيد . فتحولت من النقيض إلى النقيض ، وأنه يجدر البحث عن قيد تنضبط به . فلا تطغى على جميع نواحي القانون .

وسرعان ما عثر الأستاذان أوبري ورو على هذا القيد . فقررا أنه يشترط في دعوى الإثراء بلا سبب ألا يكون هناك لدى المدعي ” دعوى أخرى ناشئة من عقد أو شبه عقد جريمة أو شبه جريمة ” ( [3] ) . وفهم ذلك على أن دعوى الإثراء هي دعوى احتياطية ( action subsidiaire ) لا يلجأ إليها المدعى إلا إذا لم يكن لديه أية دعوى أخرى . وما لبثت محكمة النقض الفرنسية أن اعتنقت هذا المذهب في حكمها المشهور الصادر في 12مايو سنة 1914 ( [4] ) وانعقد إجماع الفقه والقضاء بعد ذلك على هذا المبدأ ( [5] ) .

778 – تزعزع الفقه الفرنسي عن موقفه : ولكن الفقه في فرنسا ما لبث أن تزعزع عن موقفه ، وبدأ يتعمق في بحث هذه الصفة الاحتياطية التي خلعها على دعوى الإثراء .

وبدأ هذا البحث الأستاذ بارتان ( Bartin ) ، فتساءل في تعليقه على كتاب الأستاذين أوبري ورو ماذا يريد الفقيهان بقولهما إن دعوى الإثراء دعوى احتياطية ( [6] ) ؟ثم أخذ الأستاذ رواست ( Rouast ) يعالج المسألة على وجه أعمق في مقال له معروف ( [7] ) . وأفاض بعد ذلك الأستاذ الموزنينو ( Almosnino ) في بحث الموضوع في رسالة له مشهورة ( [8] ) . ثم خطأ الأستاذ كابيتان خطوة أبعد ، فتشكك في أن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية ، وتساءل لماذا لا تكون دعوى أصلية ( [9] ) .

ولكن بالرغم من هذه الحركة الفقهية لا تزال دعوى الإثراء عند جمهور الفقهاء في فرنسا وعند القضاء الفرنسي ( [10] ) دعوى احتياطية على المعنى الذي قال به أو برى ورو فيما قدمناه . والسبب في ذلك ، كما لاحظ بحق الأستاذ مارافان ( Maravent ) في رسالته ( [11] ) ، أن معنى ” سبب الإثراء ” لا يزال في فرنسا محل خلاف ، ولم ينضبط على الوجه الذي انضبط به في مصر . وسنرى أن هناك ارتباطاً شديداً بين سبب الإثراء والصفة الاحتياطية للدعوى ، وأنه متى انضبط معنى سبب الإثراء على الوجه الذي أسلفناه والذي أخذ به القانون المصري الجديد . وفسر هذا السباب بأنه هو المصدر القانوني الذي يكسب المثري الإثراء ، لم تعد هناك فائدة محسوسة للقول بأن دعوى الإثراء دعوى احتياطية . ويغني عن هذا القول تفسير السبب على الوجه المتقدم الذكر . وإذا كانت دعوى الإثراء قد أصبحت ، بعد أن انطلقت من عقالها ، في حاجة إلى قيد تنضبط به ، فالأولى إلا يكون القيد هو هذه الصفة الاحتياطية المزعومة التي ابتدعها الأستاذان أوبري ورو ، بل يكون هو ” سبب الإثراء ” مفهوماً على المعنى الذي قدمناه فيدخل قيدا ًفي الدعوى تنضبط به على الوجه المطلوب .

وسنرى الآن أن الفقه والقضاء في مصر تقدما في هذا السبيل تقدماً مشهوداً ، وأن القانون المصري الجديد خطا فيه الخطوة الحاسمة .

2 – القانون المصري

779 – الفقه والقضاء في مصر : سار الفقه والقضاء في مصر بادئ الأمر في الطريق الذي سار فيه الفقه والقضاء في فرنسا ، فقالا بالصفة الاحتياطية للدعوى ( [12] ) .

ولكن جانباً من الفقه ما لبث أن شق لنفسه طريقاً آخر ، واخذ يتساءل : هل صحيح ما يقال من أن دعوى الإثراء دعوى احتياطية ؟ وننقل هنا ما كبتناه في ” الموجز ” في ظل القانون المدني القديم :

 ” تقرر الفقهاء عادة أن دعوى الإثراء على حساب الغير هي دعوى احتياطية . ويريدون بهذا أنه لا يجوز للمدعي الالتجاء إليها إلا إذا اعوزته السبل الأخرى . إذا كان له سبيل غير دعوى الإثراء ، فعليه أن يسلك هذا السبيل . مثل ذلك أن يغتصب شخص مالا لغيره فينتفع به ، فهنا يستطيع صاحب المال أن يرجع على المغتصب بدعوى المسئولية التقصيرية فلا يرجع عليه بدعوى الإثراء . وقد يكون للمفتقر طريق آخر ، ولكن قبل الغير لا قبل المثري ، فهنا أيضاً يرجع المفتقر على الغير لا على المثري . مثل ذلك أن يتفق طبيب مع مريض على معالجته ، ويكون المريض قد أمن على نفسه ضد المرض ، فلا يرجع الطبيب على شركة التامين بدعوى الإثراء ، بل يرجع على المريض بدعوى العقد . ومثل ذلك أيضاً أن يوفي شخص ديناً على غيره معتقداً أن الدين في ذمته ، فيكون له ، إلى جانب دعوى الإثراء قبل المدين الحقيقي ، دعوى دفع مالا يجب قبل الدائن الذي استوفى الدين ، فعليه أن يرجع بالدعوى الثانية دون الأولى ” .

 ” ونحن لا نرى محلا للقول بأن دعوى الإثراء على حساب الغير دعوى احتياطية . فهي دعوى ككل الدعاوى متى توافرت شروطها أمكن رفعها ، حتى لو وجد المدعى أمامه طرقاً أخرى . أما ما يقال من أن الدعوى مبنية على قواعد العدالة ، فلا يجوز الالتجاء إليها إلا عندما تضيق القواعد القانونية ، فقول كان يصح في قانون كالقانون الروماني حيث كان هناك تمييز بين قواعد العدالة ممثلة في القانون البريطوري وقواعد القانون ممثلة في القانون المدني العتيق ، أو في القانون الإنجليزي حيث كانت قواعد العدالة منفصلة عن ” القانون العام ” . أما الآن فلا تمييز بين قواعد العدالة وقواعد القانون ، فكلاهما قانون يمكن الالتجاء إليه ، ولا يشترط الالتجاء إلى واحد قبل الآخر ” .

 ” أما ما قدمناه من الأمثلة التي رأينا فيها المدعى يملك دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ، فلا نرى فيها ما يمنع المدعى من أن يترك هذه الدعوى الأخرى إلى دعوى الإثراء . فيستطيع صاحب المال أن يترك دعوى المسئولية التقصيرية قبل المغتصب ، ويستطيع الطبيب أن يترك دعوى العقد قبل المريض ، ويستطيع من وفي دين غيره أن يترك دعوى دفع ما لا يجب قبل الدائن ، ويلجأ هؤلاء جميعاً إلى دعوى الإثراء . إلا إنهم لا يفعلون ، إذ أن هذه الدعاوى الأخرى أجدى عليهم من دعوى الإثراء ، ففيها يستولون على تعويض كامل ، أما في دعوى الإثراء فلا ينالون إلا أقل القيمتين من إثراء أو افتقار . . . . ( [13] ) ” .

هذا ما قلناه في ” الموجز ” في ظل القانون القديم ، ولا تزال نقوله حتى اليوم ، وفي ظل القانون الجديد ( [14] ) .

وينحو الدكتور محمود أبو عافية هذا النحو في رسالته ” التصرف القانوني المجرد ” بل هو يربط في وضوح ما بين ” السبب في الإثراء ” والصفة الاحتياطية للدعوى فيقول : ” يفسر الفقه في فرنسا ومصر هذا المبدأ بقوله إن دعوى الإثراء دعوى احتياطية . . . وهذا في رأينا خطأ يؤسف له لشدة ما يترتب عليه من تعقيد لمسألة الإثراء . ولا نرى علة لوجود هذا الخطأ سوى أخذ السبب في الإثراء بمعنى الغرض الشخصي المنشود . أما إذا أخذناه على معنى السبب المنشيء ، فإن دعوى الإثراء لا تجوز مباشرتها في الحالة المذكورة في المتن ( حالة المشتري الذي يدفع الثمن دون أن تنتقل إليه ملكية المبيع ، فلا يجوز له أن يرجع على البائع بدعوى الإثراء بل يرجع بدعوى البيع ) لا لأنها دعوى احتياطية ، وإنما لأن الإثراء له سبب هو العقد النائم ” ( [15] ) .

وينهج الأستاذ مارافان ( Maravent ) في رسالته هذا المنهج ، ويبين في وضوح وقوة أن الصفة الاحتياطية المزعومة لدعوى الإثراء لا تلبث أن تختفى إذا فهم ” السبب في الإثراء ” على الوجه الصحيح ( [16] ) .

هذا هو الفقه المصري في مرحلته الأخيرة قبل صدور القانون المدني الجديد أما القضاء في مصر فكان أقل وضوحاً في إنكار الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء ، ولكن محكمة النقض لم تصرح في حكم من أحكامها بأن للدعوى هذه الصفة على الرغم مما نسب إليه من ذلك ( [17] ) .

780 – القانون المصري الجديد : وجاء القانون الجديد صدى للفقه المصري في مرحلته الأخيرة ، مستجيباً لدعوته ، جاعلا من دعوى الإثراء دعوى أصلية ، مؤكداً بذلك استقلال هذه الدعوى ، بعد أن رد إليها اعتباره ، ونفي عنها الصفة الاحتياطية ، فرفعها بذلك إلى مرتبة دعوى العقد ودعوى المسئولية التقصيرية .

ويبقى أن نبرر هذا الموقف الحق الذي وقف القانون الجديد .

إن الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء لا يمكن أن تثار في أية حالة لا يكون فيها للمدعى دعوى أخرى إلى جانبها . والحالات التي من هذا القبيل كثيرة متنوعة . وقد رأينا أمثلة منها متعددة فيما قدمناه . وهذا هو الميدان الحقيقي لدعوى الإثراء .

أما إذا قامت دعوى أخرى إلى جانب دعوى الإثراء ، فهنا تثار الصفة الاحتياطية المزعومة ، ويقال إن المدعى لا يجوز له أن يرجع بدعوى الإثراء لأنها دعوى احتياطية لا تجوز مباشرتها إذا وجد سبيل قانوني آخر ، فيتعين عليه أن يباشر الدعوى الأخرى دون دعوى الإثراء . مثل ذلك المعير يدفع العارية للمستعير وله في استردادها دعوى العارية ودعوى الاستحقاق ، فلا يجوز له في هذه الحالة الرجوع بدعوى الإثراء ومثل ذلك أيضاً المغتصب لمال الغير ، يستطيع صاحب المال أن يرجع عليه بدعوى الغصب ، فلا يجوز أن يرجع عليه بدعوى الإثراء .

والصحيح أن المعير في المثل الأول ، إذا كان لا يجوز له الرجوع بدعوى الإثراء ، فليس ذلك لأنها دعوى احتياطية ، بل لأنها غير قائمة أصلاً ، إذ المثري هنا وهو المستعير قد اثرى بسبب قانوني هو عقد العارية كما رأينا فيما تقدم . وسنرى فيما يلي أن ” سبب الإثراء ” يغني في الكثرة الغالبة من الأحوال . كما أغنى في هذه الحالة ، عن الالتجاء إلى الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء أما في المثل الثاني فلا يوجد ما يمنع صاحب المال من الرجوع على المغتصب بدعوى الإثراء ، فهو بالخيار بين هذه الدعوى ودعوى الغصب ، وإن كان في الواقع يختار دعوى الغصب إذ هي تهيئ له تعويضاً أوفر ، فدعوى الإثراء لا تكون إذن دعوى احتياطية إلا إذا كان ذلك من ناحية الواقع لا من ناحية القانون ( [18] ) .

بقيت الحالات التي تكون فيها الدعوى الأخرى التي قامت إلى جانب دعوى الإثراء قد انسد طريقها ، فلا يستطيع المدعى أن يباشر دعوى الإثراء لأنها كما يقال دعوى احتياطية ، ولا الدعوى الأخرى لأن طريقها قد انسد . وجميع الأمثلة التي تورد عادة في هذا الصدد ليست إلا حالات تحقق فيها للإثراء سبب قانوني ، فلا يجوز للمدعى أن يرجع بدعوى الإثراء ، لا لأنها دعوى احتياطية ، بل لأنها ليست قائمة . فإذا اقرض شخص آخر مبلغاً من النقود يزيد على عشرة الجنيهات ولم يحصل على دليل كتابي ، وأراد المقرض – بعد أن انسد امامه طريق دعوى القرض لمانع قانوني هو انعدام الدليل الكتابي – أن يرجع على المقترض بدعوى الإثراء حتى يتمكن من إثبات القرض بالبينة كواقعة مادية ، لم يجز له ذلك لأن الإثراء هنا له سبب هو عقد القرض ( [19] ) . وإذا اقرض مصرف مديناً مبلغاً من النقود سدد به دائناً مرتهناً ، حكم القانون وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( [20] ) . وإذا تعاقد معلم مع والد تلميذ على أن يعطي التلميذ درساً خاصاً ، ثم يفلس الأب ، فتنسد أمام المعلم دعوى الرجوع عليه بالعقد لإعساره ، ويريد المعلم الرجوع على التلميذ بدعوى الإثراء بلا سبب ، لم يجز له ذلك لأن إثراء التلميذ له سبب هو التزام الأب أن يقوم على تعليم ولده ( [21] ) .

ويتبين مما قدمناه أن دعوى الإثراء هي دعوى أصلية . فإذا قامت دعوى أخرى إلى جانبها ، كان للمدعى الخيار بين الدعويين . وإذا كان يختار في الواقع الدعوى الأخرى ، فتبدو دعوى الإثراء في الظاهر كأنها دعوى احتياطية ، فإن ذلك يرجع إلى أن هذه الدعوى الأخرى إما أن تكون قد جعلت للإثراء سبباً فلا يستطيع المدعى أن يباشر دعوى الإثراء ، وإما أن تكون هي الأجدى على المدعى فلا يرغب في أن يباشر دعوى الإثراء .

وإذا كان هناك شيء يستبقى من فكرة الصفة الاحتياطية ، فليس ذلك ما يقال من أنه يجب على المدعى أن يستعرض الدعاوى واحدة بعد الأخرى ، فإذا استنفدها جميعاً ولم يستقم له أي منها التجأ إلى دعوى الإثراء . بل الذي يستبقى هو أنه يجب على المدعى أن يستعرض الأسباب القانونية واحداً بعد الآخر ، فإذا استنفدها جميعاً ولم يقم أي منها سبباً لإثراء المدعى عليه ، جاز له عند ذلك أن يرجع بدعوى الإثراء ( [22] ) .


 ( [1] ) وهذا ما جاء بالمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد :وقد اكتفي المشروع بهذه الشروط الثلاثة دون أن يضيف إليها شرطين آخرين نصت عليهما بعض تقنينات تأثرت مما كان مأثوراً من الممانعة أو التحرز في قبول مبدأ الإثراء . فلا يشترط أن يظل الإثراء قائماً إلى وقت رفع الدعوى ( قارن المادة 142 من التقنين اللبناني وهي تنص على هذا الشرط في حالة الإثراء بحسن النية ) بل يكون الرد واجباً ولو زال الإثراء فيما بعد ، وهذا ما تقضى به صراحة المادة 248 من المشروع ( أنظر في هذا المعني المادة 2343 من التقنين الأرجنتيني ) . ولا يشترط كذلك ألا يكون للدائن دعوى سوى دعوى الإثراء يستطيع أن يلجأ إليها لاستيفاء حقه ، بل يجوز له أن يباشر هذه الدعوى ولو هيأ له القانون طريقاً آخر . ولا يزال التقنين اللبناني ( المادة 142 ) مبقياً على ما كان لدعوى ” رد غير المستحق ” من صفة احتياطية أو تبعية ، وقد قصد المشروع إلى إهمال هذا الشرط فتعمد إغفال النص عليه ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 442 ) .

 ( [2] ) محكمة النقض الفرنسية في 15 يونية سنة 1892 داللوز 92 – 1 – 596 .

 ( [3] ) أوبري ورو الطبعة الرابعة الجزء السادس ص 246 – ص 247 . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

 ( [4] ) محكمة النقض الفرنسية في 12 مايو سنة 1914 سيريه 1998 – 1 – 41 – وما لبثت المحكمة أن أصدرت حكماً آخر في هذا المعني في 2 مارس سنة 1915 داللوز 1920 – 1 – 102 ( أنظر تحليلاً لهذا الحكم وتعليقاً عليه للأستاذ كابيتان في كتابه الأحكام الكبرى للقضاء المدني طبعة ثالثة باريس سنة 1950 ص 335 – ص 336 ) .

 ( [5] ) بودري وبارد 4 فقرة 2849 ( 16 ) – بلانيول وريبير وبرلانجية 2 فقرة 1276 – جوسران 2 فقرة 574 – ديموج 3 ص 287 – محكمة النقض في 12 فبراير سنة 1923 داللوز 1924 – 1 – 129 – وفي نوفمبر سنة 1934 داللوز الأسبوعي 1934 ص 587 – وفي 11 سبتمبر سنة 1940 جازيت دي باليه 1141 وسيريه 1941 – 1 – 121 .

 ( [6] ) أوبري ورو مع تعليقات بارتان طبيعة خاصة جزء 9 ص 355 . وقد أول الأستاذ بارتان المعنى المراد بالصفة الاحتياطية تأويلات ثلاثة :1 ) فإما أن يراد بذلك أن دعوى الإثراء لا تجوز مباشرتها إلا حيث لا توجد أية دعوى أخرى يتمكن بها الدائن من الوصول إلى حقه . 2 ) وإما أن يراد أن دعوى الإثراء تجوز مباشرتها حتى لو وجدت هذه الدعوى الأخرى ما دامت هذه الدعوى قد فقدها الدائن بغير خطأ منه . 3 ) وإما أن يراد أن دعوى الإثراء تجوز مباشرتها حتى لو وجدت الدعوى الأخرى ولم يفتقدها الدائن ولكنها غير منتجة بسبب إجبار المدين في هذه الدعوى الأخرى .

 ( [7] ) ” الإثراء بلا سبب والقضاء المدني ” ( المجلة الفصلية للقانون المدني 1922 ص 35 وما بعدها ) . وقد ميز الأستاذ رواست في هذا المجال بين فرضين ( الفرض الأول ) أن توجد دعوى قائمة لدى الدائن يستطيع الالتجاء إليها بجانب دعوى الإثراء ، فهو لا شك يؤثرها على دعوى الإثراء لأنها تسير له تعويضاً أوفي . وسواء كانت دعوى الإثراء في هذا الفرض دعوى احتياطية أو دعوى أصلية فالواقع من الأمر أن الدائن لا يلجأ إليها ما دام الباب أمامه مفتوحاً عن طريق دعوى أخرى . فدعوى الإثراء في الفرض الذي نحن بصدده دعوى احتياطية على كل حال ، إما من طريق الواقع . ( والفرض الثاني ) أن تكون هناك دعوى أخرى إلى جانب الإثراء ، ولكنها انسدت أمام الدائن فلم يبق لديه إلا دعوى انسد طريقها لمانع قانوني ، أواند طريقها بفعل الدائن نفسه ، أواند طريقها بغير فعله ويكون ذلك عادة بإعارة المدين في الدعوى الأخرى .

 ( [8] ) الإثراء بلا سبب وصفته الاحتياطية باريس سنة 1931 ” . وقد بحث ألموزنينو في هذه الرسالة جميع الفروض المتقدمة وأرجعها إلى خمس أحوال 1 ) ليس لدى الدائن إلا دعوى الإثراء وحدها . 2 ) المدى للدائن دعوى قائمة منتجة غير دعوى الإثراء . 3 ) كان لدى الدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكن طريقها أند لمانع قانوني . 4 ) كان لدى الدائن دعوى الإثراء ولكن طريقها أند بفعله هو . 5 ) كان لدى الدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكن طريقها أند بغير فعله ( بسبب إعسار المدين في الدعوى الأخرى ) .

ففي الحالة الأولي – حالة ما إذا لم يكن لدي الدائن إلا دعوى الإثراء –لا تثار الصفة الاحتياطية لهذه الدعوى ، إذ هي الدعوى الوحيدة المفتوحة أمام الدائن ، وليس لديه غيرها للمطالبة بحقه . وفي الحالة الثانية – حالة ما إذا كان لدى الدائن بجانب دعوى الإثراء دعوى أخرى قائمة منتجة – يقول أنصار الصفقة الاحتياطية إن الدائن لا يستطيع مباشرة دعوى الإثراء لأن لديه أخرى قائمة منتجة . ويخالف البعض ( ومنهم الموزينينو ) هذا الرأي ، ويذهبون إلى إعطاء الدائن الخيار بين الدعويين ولكن المزنينو يتثنى من ذلك ما إذا كانت الدعوى الأخرى دعوى العقد أو دعوى الاستحقاق فتجب دعوى الإثراء ، وتصبح هذه الدعوى احتياطية وفي هذه الحالة الثالثة – حالة ما إذا كان لدى الدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكن طريقها أند لمانع قانوني –لا يجوز الالتجاء إلى دعوى الإثراء حتى لا يداور المانع القانوني وتنجح الحيلة في مخالفته . ومثل المانع القانوني قواعد الإثبات ، فإذا أقرض شخص آخر مبلغاً يزيد على عشرة الجنيهات لم تستطع الرجوع عليه بدعوى الإثراء ليتمكن من إثبات القرض بالبينة ، إذ أن دعوى الإثراء تقوم على واقعة مادية فيجوز إثباتها بجميع الطرق . ولا يبقي أمام المقرض إلا دعوى القرض ، وفيها يجب الإثبات بالكتابة أو بما يقوم مقامها . ومثل المانع القانوني أيضاً التقادم ، فإذا قام تاجر بتوريد أشياء لشخص لا يتجر فيها وتقادم حقه بانقضاء سنة ( م 378 مدني جديد ) ، لم يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء لأن دعوى عقد التوريد قد انسد طريقها لمانع قانوني هو التقادم . ومثل المانع القانوني أخيراً قوة الشيء المقضي ن فإذا باع قاصر عقاراً بغبن فاحش ورفع دعوى لتكملة الثمن ( م 425 مدني جديد ) فقضى له بالتكملة ، ثم نزلت قيمة العقار في يد المشتري إلى أقل من أربعة أخماسه ، لم يستطيع المشتري أن يرجع على القاصر بدعوى الإثراء ليسترد منه التكملة لأن الدعوى الأخرى وهي دعوى تكملة الثمن قد انسد طريقها لمانع قانوني هو قوة الشيء المقضي .

وفي الحالة الرابعة – ما إذا كان لدى لدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكن طريقها السد بفعله هو – لا يجوز للدائن في رأي رواست مباشرة دعوى الإثراء ولا الدعوى الأخرى التي انسد طريقها . وهذا معناه أن دعوى لإثراء دعوى احتياطية جبتها دعوى أصلية فقلا تجوز له مباشرتها ، ثم إن الدعوى الأصلية السد طريقها بفعله هو فلا يجوز له أيضاً أن يباشرها . فإذا أقرض مصرف مديناً النقود التي سدد بها دائناً مرتهناً ، وأهمل المصرف في أن يتخذ الإجراءات اللازمة لحلوله محل الدائن المرتهن ، وترتيب على ذلك أن رهناً قانونياً لقصر كان المدين وصياً عليهم سبق المصرف المرتبة ، فإن المصرف لا يستطيع الرجوع على القصر بدعوى الإثراء ( نقض فرنسي 12 يولية سنة 1889 داللوز 89 – 1 – 393 : قضية Arrazat ) ، لأن الدعوى الأخرى وهي دعوى الحلول محل الدائن المرتهن انسد طريقها بإهمال المصرف . وإذا كان شخص يملك كليا فضل في غاية للصيد وأفزع الطري في الغابة ، فأمسك به صاحب الغاية وأبقاه عنده أياما ، فإنه لا يستطيع الرجوع على صاحب الكلب بدعوى الإثراء لما أنفقه عليه في إطعامه ( نقض فرنسي 11 نوفمبر سنة 1902 سيريه 1903 – 1 – 453 : قضية Rolland ) ، لأن الدعوى الأخرى وهي دعوى الفضالة انسد طريقها بإغفال صاحب الغاية أن يسلم الكلب للبلدية وهي التي تتولى إطعامه تطبيقاً لأحكام قانون 21 يونية سنة 1898 في فرنسا . وإذا أهمل المقاول في اتخاذ الإجراءات اللازمة لقيد حق امتيازه على بناء أقامه لشخص أفلس ، فإنه لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء على التفليسة ( نقض فرنسي 12 فبراير سنة 1923 داللوز 24 – 1 – 129 : قضية Marty ) ، لأن الدعوى الأخرى وهي دعوى حق الامتياز قد انسد طريقها إذ أضاعها المقاول بتقصيره .

أما الأستاذ ألمزينيو فيري أن دعوى الإثراء في هذه الحالة هي دعوى أصلية تجوز مباشرتها ولو انسد طريق الدعوى الأخرى بفعل الدائن .

وفي الحالة الخامسة – حالة ما إذا كان لدى الدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكنها أصبحت غير ذات فائدة بسبب إعسار المدين – فإذا كان المدين لا يستطيع الرجوع على المثري ، جاز للمفتقر أن يرجع عليه بدعوى الإثراء ، وتكون هذه الدعوى إذن دعوى أصلية . مثل ذلك أن يتعاقد معلم مع والد التلميذ على إعطاء التلميذ درساً خاصاً ، ويفلس الوالد ، فيستطيع المعلم في هذه الحالة أن يرجع بدعوى الإثراء على التلميذ ( انظر ألموزتينو ص 157 وفي فروض أخرى ص 158 – ص 173 ) .

 ( [9] ) أنظر كابيتان في كتابه الأحكام الكبرى للقضاء المدني طبعة ثالثة باريس سنة 1950 ص 336 ( وقد سبقت الإشارة إلى هذا المرجع ) .

 ( [10] ) وقد سبقت الإشارة إلى الفقه والقضاء الفرنسيين اللذين يؤيدان الصفة الاحتياطية للدعوى .

 ( [11] ) مارفان مجلة مصر العصرية سنة 1949 ص 129 – ص 131 .

 ( [12] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 9 ابريل 1929 م 41 ص 345 – وفي 13 يناير سنة 1931 م 43 ص 148 – وفي أول ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 37 – إتياي البارود 6 أبريل سنة 1931 المحاماة 12 ص 1190 ( وقد سبقت الإشارة إلى بعض هذه الأحكام ) . وانظر والتون 2 ص 190 – ص 191 – ذهني فقرة 705 وما بعدها – حشمت أبو ستيت فقرة 523 ص 389 ( وقد سبت الإشارة إلى هذه المراجع ) – وينضم الدكتور وديع فرج في مذكراته إلى رأي من يقولون بالصفة الاحتياطية لدعوى الآثراء . ويأخذ على القانون الجديد أنه نفي هذه الصفة عن الدعوى . ثم يقول إن التعديل الذي أدخله القانون الجديد له أثر عميق ، إذ يصح تطبيقا لهذا التعديل – بحسب رأيه – أن يختار صاحب الأرض التي بنى فيها أجنبي بحسن نية ، في رجوعه على الباني ، بين المطالبة بما تقضي به المادة 925 وبين دعوى الإثراء بعد أن أصبحت دعوى أصلية . وواضح أن المادة 925 قد تكفلت ببيان حكم الباني بحسن نية في أرض الغير ، وهي تطبيق خاص لدعوى الإثراء ، كما أسلفنا القول فتطبيق هذه المادة إنما هو تطبيق الدعوى لإثراء ذاتها في حالة من حالاتها الخاصة . فلا يجوز القول بعد ذلك أن لصاحب الأرض أن يختار بينها وبين دعوى الإثراء . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

 ( [13] ) الموجز للمؤلف فقرة 390 – فقرة 391 .

 ( [14] ) وهذا مع تحفظ واحد خاص بتحديد معنى ” الافتقار ” في الأمثلة التي وردت في النص و؟؟ إليه بالتفصيل فيما يلي

 ( [15] ) الدكتور محمود أبو عافية : التصرف القانوني المجرد ( نسخة عربية 9 فقرة 52 ص 196 حاشية رقم 7 .

 ( [16] ) الدكتور مارافان ( Maravent ) مجلة مصر العصرية سنة 1949 ص 124 – ص 145 .

 ( [17] ) ينسب الدكتور حشمت أبو ستيت ( فقرة 533 ص 389 ) إلى محكمة النقض أن قضاءها استقر على أن لدعوى الإثراء صفة احتياطية . ويورد في سبيل الاستشهاد على ذلك حكماً صدر من هذه المحكمة في 22 ديسمبر سنة 1932 ( ملحق القانون والاقتصاد 3 ص 68 ) تقول فيه ” حيثما وجد بين المتخاصمين رابطة عقدية فلا قيام لدعوى الإثراء بغير سبب على حساب الغير ، بل تكون أحكام العقد هي مناط تحديد حقوق كل من المتخاصمين وواجباته قبل الآخر ” ( انظر أيضاً مارافان وهو يستشهد على هذا الرأي بنفس الحكم في ص 127 حاشية 2 ) . وغنى عن البيان أن الحكم غير صريح في المعنى المنسوب إلى محكمة النقض . وقد استشهدنا نحن بهذا الحكم ذاته في صدد أن الإثراء قد يكون سببه عقداً . ومن هنا نرى الارتباط القوي بين الصفة الاحتياطية والسبب في الإثراء ، فإن حكماً واحداً استشهد به على كل من الأمرين .

على أن هذين الأمرين جد مختلفين فالقول بأن دعوى الإثراء دعوى احتياطية لا تباشر إذا وجدت بجانبها دعوى أخرى غير القول بأنه إذا وجد للإثراء سبب فلا تقوم دعوى الإثراء . وفرق بين أن يقال إن دعوى الإثراء قائمة ولكنها لا تباشر ، وأن يقال إن دعوى الإثراء لا تباشر لأنها غير قائمة .

 ( [18] ) وقد رأينا فيما نقلنه عن الموجز ( فقرة 390 – فقرة 391 ) مثلين آخرين : ( 1 ) يتفق طبيب مع مريض على معالجته ويكون المريض قد أمن على نفسه من المرض . ( 2 ) يوفي شخص ديناً على غيره معتقداً أن الدين في ذمته – وقلنا إننا لا نرى ما يمنع من أن يترك الطبيب دعوى العقد قبل المريض إلى دعوى الإثراء قبل شركة التأمين ، وأن يترك من وفى دين غيره دعوى دفع غير المستحق قبل الدائن إلى دعوى الإثراء قبل المدين .

وفي هذين المثلين اجتمعت دعوى الإثراء مع دعوى العقد ومع دعوى دفع غير المستحق . وقد تجتمع مع دعوى المسئولية التقصيرية كما رأينا في ثمل المغتصب لمال الغير الذي أوردناه في المتن ، وكما يقع في المنافسة غير المشروعة وفي التقليد ( Contrefacon ) فيجوز للمدعى أن يرجعى المنافس أن المقلد بدعوى المسئولية التقصيرية أو بدعوى الإثراء . وقد تجتمع دعوى الإثراء مع دعوى الفضالة كما إذا كشف نسابة ميراثاً لشخص يجهل أنه وارث ، وكما إذا تولى محام عملا لصالح شخص دون توكيل ، فيجوز أن يرجع النسابة أو المحامي على من أثرى إما بدعوى الفضالة أو بدعوى الإثراء .

ونستخلص من هذه الأمثلة أن دعوى الإثراء هى دعوى أصلية ، فإذا اجتمعت مع دعوى أخرى – كدعوى العقد أو دعوى المسئولية التقصيرية أو دعوى دفع غير المستحق أن دعوى الفضالة – كان للمدعى الخيار بينها وبين هذه الدعوى الأخرى . وفي هذه النطاق وحده يمكن أن نتصور أن تقوم دعوى الإثراء مع قيام دعوى أخرى إلى جانبها .

ويمكن القول – وهذا هو التحفظ الذي أشرنا إليه عندما كنا ننقل عن الموجز – إن دعوى الإثراء حتى في هذا النطاق لا تقوم . ولعلنا نستطيع الوصول إلى هذه النتيجة عن طريق تحليل معنى ” الافتقار ” تحليلاً أبعد مدى مما قدمناه . إذ يلاحظ أن الافتقار في كل هذه الأمثلة يقابله حق ترتب للمفتقر بسبب افتقاره . فالمغصوب ماله كسب بالغصب حقاً في التعويض قبل الغاصب . والطبيب كسب بالعقد حقاً قبل المريض . والموفى لدين غيره كسب بالوفاء حقاً قبل الدائن . ومن نوفس منافسة غير مشروعة أو قلدت بضاعته كسب بالمنافسة غير المشروعة أو بالتقليد حقاً قبل المنافس أو المقلد . والنسابة والمحامي دون توكيل كسبا بالفضالة حقاً قبل الوارث وقبل من ترافع عنه المحامي – فهل إذا كان المفتقر في الوقت الذي افتقر فيه كسب حقاً يعادل هذا الافتقار ودخل هذا الحق في ماله ، يمكن القول مع ذلك إن افتقاره موجود ؟ ألا يجوز أن يقال إن الافتقار هنا قابله حق يعادله فانعدم ، فلا تقوم دعوى الإثراء في جميع الحالات التي قدمناها ؟ إذا صح ذلك انمحى كل فرض تقوم فيه دعوى الإثراء مع قيام دعوى أخرى إلى جانبها ، فهذه الدعوى الأخرى إذا قامت تكون إما ” سبباً ” للإثراء أو ” معادلا ” للافتقار ، وفي الحالتين لا تقوم دعوى الإثراء .

وهذا الرأي له مزيتان : ( أولاً ) ببسط المسألة التي نحن بصددها إلى حد كبير ، وبدلا من أن تفرض إلى جانب دعوى الإثراء دعوى أخرى قائمة ، ثم نتساءل أيجوز مع قيام هذه الدعوى الأخرى مباشرة دعوى الإثراء ، تقرر في ؟؟؟ أن دعوى الإثراء إذا توافرت أركانها لا يمكن أن تقوم إلى جانبها دعوى أخرى . فتصبح مسألة الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء مسألة غير ذات موضوع . ( ثانياً ) أنه يجعل للافتقار ” معادلا ” له مزية التحديد الذي جعلناه ” لسبب ” الاثرا ءز فكما أن الإثراء قد يكون له ” سبب ” هو المصدر القانوني الذي اكسب المثري هذا الإثراء ، كذلك الافتقار قد يكون له ” معادل ” هو الحق القانوني الذي كسبه المفتقر بسبب هذا الافتقار . والافتقار ” بمعادل ” كالإثراء ” بسبب ” ، كلاهما يعدم في دعوى الإثراء ركنا ًمن أركانها فلا تقوم .

هذا وقد تجتمع دعوى الإثراء مع الدعوى غير المباشرة ، كصاحب أرض يؤرها ويشترط على المستأجر أن يكون ما يقيمه هذا من بناء ملكا له . ثم يتعاقد المستأجر مع مقاول لإقامة البناء ، ويعجز عن الوفاء بالتزامه نحو كل من المقاول وصاحب الأرض ، فيلتزم هذا نحو المستأجر أن يعوض المقاول ويستولى على البناء . فللمقاول في هذه الحالة أن يرجع على صاحب الأرض إما بدعوى الإثراء أو بالدعوى غير المباشرة نيابة عن المستأجر . ولكن دعوى الإثراء هنا لم يوجد إلى جانبها دعوى أخرى للمقاول ، فإن الدعوى غير المباشرة ليست إلا دعوى المستأجر يستعملها المقاول نيابة عنه ( انظر محكمة السين الفرنسية في 8 ديسمبر سنة 1899 جازيت دي باليه 1900 – 1 – 290 – محكمة الاستئناف المختلطة في 5 مارس سنة 1919 م 31 ص 186 يعارض حكماً آخر في أول مايو سنة 1901 م 13 ص 286 ) .

 ( [19] ) ويرى الأستاذ تاكية ( Naquet ) جواز أن يباشر القرض دعوى الإثراء بشرط إثبات واقعة الإثراء بالكتابة قياساً على الوقائع القانونية التي تنطوي على عقود فإنه يجب إثباتها بالكتابة كما في جريمة خيانة الأمانة ( تعليق على حكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 12 مايو 1914 سيرية 1918 – 1 – 41 ) .

والصحيح أن دعوى الإثراء هنا لا تقوم لوجود سبب للإثراء هو عقد القرض كما قدمنا .

وهذا هو شأن عقد المقاولة إذا أبرم كتابة بأجر إجمالي على أساس تصميم اتفق عليه من رب العمل ( م 658 فقرة 1 وفقرة 2 مدني جديد ) ، فإذا حدث في هذا التصميم تعديل أو إضافة لم يأذن بهما رب العمل كتابة ، وأراد المقاول الرجوع على رب العمل بزيادة في الأجر ، فإنه لا يستطيع الرجوع بدعوى العقد إذ لا يجوز له إثبات الاتفاق على التعديل أو الإضافة إلا بورقة مكتوبة ، ولا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء لأن إثراء رب العمل له سبب هو عقد المقاولة الأصلي .

وهذا أيضاً هو شان كل الفروض التي يقوم فيها إلى جانب دعوى الإثراء دعوى أخرى ينسد طريقها لمانع قانوني ( انظر الحالة الثالثة من الحالات الخمس التي بحثها ألموزنينو في رسالته ) فإذا قام تاجر بتوريد أشياء لشخص لا يتجر فيها ، وتقادم حقه بانقضاء سنة ( م 378 مدني جديد ) ، وانسد طريق دعوى العقد بالتقادم ، فإن التاجر لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء لأن المدعى عليه قد أثرى بسبب قانوني هو التقادم . وإذا باع قاصر عقاراً بغبن فاحش ورفع دعوى لتكملة الثمن فقضى له بالتكملة ، ثم نزلت قيمة العقار في يد المشتري إلى أقل من أربعة أخماسه ، وانسد طريق دعوى تكملة الثمن بصدور حكم نهائي ، فإن المشتري لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء على القاصر لأن هذا قد أثرى بسبب قانوني هو قوة الشيء المقضى .

وقد رأينا فيما قدمناه من الأمثلة أن المانع القانوني الذي ينسد به طريق الدعوى الأخرى ينقلب فيكون سبباً للإثراء ، فيمنع بذلك قيام دعوى الإثراء . فإذا لم ينقلب هذا المانع القانوني سبباً للإثراء ، انسد الطريق دون الدعوى الأخرى من غير أن ينسد دون دعوى الإثراء . وهذا قاطع في أن دعوى الإثراء ليست بالدعوى الاحتياطية كما يقال . ونأتي بمثل لذلك : نصت المادة 184 من القانون المدني الجديد ( م 148 / 290 قديم ) على أنه ” لا محل لاسترداد غير المستحق إذا حصل الوفاء من غير المدين وترتب عليه أن الدائن ، وهو حسن النية ، قد تجرد من سند الدين ، أو مما حصل عليه من التأمينات أو ترك دعواه قبل المدين الحقيقي تسقط بالتقادم . ويلتزم المدين الحقيقي في هذه الحالة بتعويض الغير الذي قام بالوفاء ” . فهنا وجدت دعوى استرداد غير المستحق . وانسد طريقها لمانع قانوني وهو تجرد الدائن من سند الدين أو من التأمينات أو سقوط دعواه بالتقادم ، ولكن القانون اصطنع هذا المانع بقدر فلم يجعله سبباً للإثراء ، وأجاز للغير الذي قام بالوفاء أن يرجع بدعوى الإثراء على المدين الحقيقي . ولا يقال ، إذا ترك الدائن دعواه قبل المدين الحقيقي تسقط بالتقادم ، إن التقادم هو سبب للإثراء ، ذلك لأن دعوى الدائن وقت أن استوفى الدين ، أي وقت أن أثرى ، لم تكن قد سقطت بالتقادم ، والعبرة في الإثراء بوقت وقوعه لا بوقت الدعوى كما سنرى .

 ( [20] ) وهذا أيضاً هو شأن كل الفروض التي يقوم فيها إلى جانب دعوى الإثراء دعوى أخرى يسند طريقها بفعل الدائن ( انظر الحالة الرابعة من الحالات الخمس التي بحثها ألموزنيوم في رسالته ) . فإذا كان شخص يملك كاباً ضل في غابه للصيد ، فأمسك به صاحب الغابة وأبقاه عنده أياماً متولياً نفقة إطعامه دون أن يسلمه للبلدية ، فسد امامه طريق دعوى الفضالة بفعله ، فإن صاحب الغابة لا يستطيع أن يرجع بدعوى الإثراء على صاحب الكلب ، لأن هذا إذا كان قد أثرى فلا ثرائه سبب هو قانون 21 يونية سنة 1898 الذي يوجب في فرنسا تسليم الكلاب الضالة للبلدية وهي التي تتولى إطعامها ( انظر رسالة ألموزنينو من 151 – ص 152 – مارافان مجلة مصر العصرية سنة 1949 ص 141 – ص 142 – انظر أيضاً محكمة إتياي البارود في 6 ابريل سنة 1931 المحاماة 12 ص 790 – محكمة الاستئناف المختلطة في 13 يناير سنة 1931 م 43 ص 148 – وفي أول ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 37 وهي الأحكام التي أشار إليها مارافان في المرجع الشار إليه ) . وإذا اهمل المقاول في اتخاذ الإجراءات اللازمة لقيد حق امتيازه على بناء اقامه لشخص أفلس ، فسد أمامه طريق دعوى الامتياز بفعله ، فإنه لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء بلا سبب على التفليسة ، لأن التفليسة إذا كانت قد أثرت من ضياع حق امتياز المقاول ، فلهذا الإثراء سبب قانوني هو أحكام القانون الخاصة بمراتب الدائنين ( أنظر ألموزنينو ص 152 – ص 154 – مارافان ص 140 ) .

يضاف إلى هذه الأمثلة مثل آخر قضية فرنسية هي قضية ( Deschalettes ) ( نقض فرنسي 13 نوفمبر سنة 1912 داللوز 13 – 1 – 433 ) : باع رجل أرضاً لخليلته بيعاً صورياً فرهنت الخليلة الأرض لمصرف في مقابل قرض اقامت به بناء على الأرض . فرفعت مطلقة البائع دعوى قضت فيها محكمة النقض الفرنسية ببطلان الرهن الصادر من الخليلة لأن ملكيتها للأرض ملكية صورية ، ورفضت أن يكون للمصرف دعوى إثراء قبل المطلقة التي أثرت من وراء بطلان الرهن إذا ارتفعت مرتبة رهنها القانوني على أموال مطلقها ومنها هذه الأرض . ويقول الأستاذ رواست في صدد هذه القضية إن دعوى الإثراء ترفض لأن المصرف أهمل . وهذا غير صحيح لأن المصرف لم يكن يعلم بصورية البيع ، وهبه اهمل فدعوى الإثراء لا تدفع بإهمال الدائن وقد رأينا أن الحائز سيء النية يرجع بدعوى الإثراء ، والصحيح أن محكمة النقض الفرنسية أخطأت في إبطال الرهن ، لأن الصورية لا يحتج بها على الغير حسن النية . أما إذا فرضنا جدلا أن الصورية يحتج بها هنا ، فإن محكمة النقض تكون قد أصابت في إنكار دعوى الإثراء على المصرف الذي سد طريق دعوى الرهن بفعله ، وإذا كانت المطلقة قد أثرت ، فإن لإثرائها سبباً قانونياً هو أحكام القانون الخاصة بحفظ مراتب الدائنين ( مارافان ص 138 – س 14 – ألموزنيفي ص 144 – ص 150 ) .

 ( [21] ) وقد رأينا أن محكمة مونبيلييه الفرنسية ( 3 فبراير سنة 1869 دللوز 69 – 2 – 213 ) أجازت رجوع العلم على التلميذ بدعوى الإثراء بلا سبب . ( أنظر ألموزنينو ص 157 ) وأنظر عكس ذلك مارافان ص 109 .

كذلك إذا باع شخص سيارة لآخر ، فوهبها المشتري لثالث ، وفسخ البائع البيع وأراد الرجوع على المشتري فوجده معسراً ، فهو لا يستطيع الرجوع على الموهوب له بدعوى الإثراء ، لأن الموهوب له قد أثرى بسبب قانوني هو حيازة المنقول بحسن نية ( لاعقد الهبة لأن الواهب قد انفسخ سند ملكيته ) . وقد سبقت الإشارة إلى أن المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد أشتمل على نص يجيز في هذه الحالة رجوع البائع على الموهوب له بدعوى الإثراء ، ولكن النص حذف في لجنة المراجعة ، فخرج المشروع النهائي خالياً منه .

 ( [22] ) وإذا أخذنا بفكرة ” المعادل ” في الافتقار على الوجه الذي قدمناه أمكن أن تقول إن دعوى الإثراء دعوى احتياطية بالمعنى الآتي : يجب على المدعى قبل أن يلجأ إلى دعوى الإثراء أن يستعرض كل الأسباب التي تصلح مصدراً قانونياً لقيام الإثراء أو لقيام معادل للافتقار ، فإذا استنفدها جميعاً ولم يجد أياً منها يصلح لذلك ، جاز له عندئذ أن يرجع بدعوى الإثراء .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s