آثار الالتزام


آثار الالتزام

  717  تمهيد ( [1] )

تنفيذ الالتزام

380 – أثر الالتزام وأثر العقد : أثر العقد هو إنشاء الالتزام ، إذ العقد مصدر من مصادر الالتزام .

أما أثر الالتزام فهو وجوب تنفيذه . وقد خلط التقنين المدني الفرنسي خلطا ظاهراً بين أثر العقد وأثر الالتزام ، فعالج الأثرين معاً مختطلين في باب واحد ، وكان ينبغي التمييز بينهما تمييزاً دقيقا ( [2] ) . أما التقنين المدني المصري السابق فقد فصل ما بين الأثرين ، وتجنب الخلط الذي وقع فيه التقنين المدني الفرنسي ، ولكنه كان مقتضبا كل الاقتضاب في بسط الأحكام المتعلقة بآثار  718  الالتزام ، فأغفل ” طائفة من أمهات المسائل التي تعرضت لها التقنينات الحديثة ( [3] ) واستدرك هذا النقص التقنين المدني المصري الجديد ، فتناول آثار الالتزام في باب رتب ترتيبا تتسلسل الأحكام فيه ، وتتعاقب النصوص علي وجه قل أن تجد له نظيرا في التقنينات الحديثة ( [4] ) .

وتنفيذ الالتزام إما أن يكون تنفيذا عينيا ( execution en nature ) أو تقنينا بمقابل ( execution par equivalent ) عن طريق التعويض ( damages – interest ) كذلك قد يكون تنفيذ الالتزام تنفيذا اختياريا ( execution volontaire ) أو تنفيذا جبريا ( execution obligatoire ) .

381 – التنفيذ العيني والتنفيذ عن طريق التعويض : والأصل في تنفيذ الالتزام أن يكون تنفيذا عينيا ، فيقوم المدين بأداء عين ما التزام به ، وذلك إذا توافرت شروط معينة سيأتي ذكرها . أما إذا اختل أحد هذه الشروط فإن التنفيذ يكون بمقابل فيقوم المدين بدفع تعويض للدائن يشمل ما لحقه من خسارة وما فاته من كسب بسبب عدم تنفيذ الالتزام تنفيذا عينيا . وقد يكون التعويض هو ذاته تعويضا عينيا ( reparation en nature ) فإذا التزام جار بألا يقيم حائطا في أرضه يحجب النور عن جاره ، فإن التنفيذ العيني لهذا الالتزام هو ألا يقيم الجار الحائط ، والتعويض العيني هو هدم الحائط بعد أن يكون الجار قد  719  أقامه . ولكن التعويض العيني نادر في العمل ، وأكثر ما يكون التعويض مبلغ من النقود .

382 – التنفيذ الاختياري والتنفيذ الجبري : وسواء كان التنفيذ عينيا أو كان عن طريق التعويض ، فإن المدين يدعي إلي تنفيذه اختياراً . والتنفيذ الاختياري هو الذي يقابل عنصر المديونية ( Schuld ) في الالتزام ، ويدعي عادة بالوفاء ( paiement ) ، وموضع الكلام فيه عند أسباب انقضاء الالتزام فهو أول هذه الأسباب وأهما . وإذا امتنع المدين عن التنفيذ اختياراً – ولم يكن الالتزام التزاما طبيعيا علي النحو الذي سنبينه فيما يلي – أجبر علي التنفيذ العيني أو التنفيذ بطريق التعويض علي حسب الأحوال . والتنفيذ الجبري هو الذي يقابل عنصر المسئولية ( Haftung ) في الالتزام .

ولا يصح الخلط بين التنفيذ الجبري والتنفيذ العيني واعتبارهما شيئا واحداً ، ذلك أن التنفيذ الجبري كما قد يوجه إلي تنفيذ الالتزام تنفيذا عينيا ، كذلك قد بوجه – بل أن هذا الذي يقع كثيراً – إلي تنفيذ الالتزام بطريق التعويض ( [5] ) .

383 – الضمان العام للدائنين : وجميع أموال المدين ضامنة لالتزاماته ، وهذا ما يسمي بالضمان العام ( gage commun ) للدائنين . والدائنون متساوون قانونا في هذا الضمان ، لا يتقدم أحد منهم علي الآخرين ، إلا من خوله  720  القانون ذلك بمقتضي حق خاص ، كرهن أو امتياز ، علي مال معين للمدين ، وعندئذ لا يتقدم علي سائر الدائنين إلا بالنسبة إلي هذا المال وحده .

والمساواة ما بين الدائنين في التنفيذ علي أموال المدين إنما هي مساواة قانونية ، لا مساواة فعلية . فالقانون يجعل لكل دائن الحق في التنفيذ علي أموال مدينة ، فإذا بادر أحدهم إلي التنفيذ علي مال للمدين ، كان لسائر الدائنين الحق في مشاركته في هذا التنفيذ ومقاسمته ما ينتج منه مقاسمة الغرماء . ولكن إذا كانت هذه المشاركة جائزة قانونا ، فقد تكون غير متيسرة فعلا . ويرجع ذلك إلي أسباب كثيرة : فقد يكون الدائنون الآخرون غير عالمين بما يتخذ الدائن من إجراءات التنفيذ ، وإذا علموا فقد تكون إجراءات التنفيذ قد وصلت إلي مرحلة لا تسمح لهم بالمشاركة الفعلية ، وإذا كانت إجراءات التنفيذ لم تصل إلي هذه المرحلة فقد يعوزهم سند قابل للتنفيذ يستطيعون بمقتضاه المشاركة الفعلية ، إذ قد تكون حقوقهم غير خالية من النزاع ، أو هي خالية من النزاع ولكنها غير مستحقة الأداء ، أو هي مستحقة الأداء ولكنها غير مقترنة بسند رسمي أو حكم قابل للتنفيذ . تلك هي بعض وجوه انعدام المساواة بين الدائنين من الناحية الفعلية ، وإن كانوا جميعا متساوين من الناحية القانونية كما قدمنا .

والدائن ، قبل ا ، يتخذ الإجراءات التنفيذية ، قد يتخذ إجراءات تحفظية يكون الغرض منها المحافظة علي أموال المدين حتي يتمكن من التنفيذ عليها .

وبين الإجراءات التحفظية والإجراءات التنفيذية توجد مرحلة وسطي من الإجراءات ، هي فوق الأولي دون الثانية ، يمهد بها الدائن إلي التنفيذ ولا يقتصر علي مجرد المحافظة علي أموال المدين . هذه الإجراءات التمهيدية هي الدعوي غير المباشرة والدعوي البولصية ودعوي الصورية وحبس مال المدين وشهر إعساره . وفي شهر إعسار المدين – كما سنري – ضمان أقوي للمساواة ما بين الدائنين ، وإن كان ذلك لا يبلغ مبلغ شهر الإفلاس ، فلا تزال إجراءات التنفيذ بعد شهر الإعسار إجراءات فردية لا جماعية .

384 – الموضوعات التي يتناولها هذا القسم من الكتاب : هذه هي الموضوعات التي يتناولها هذا القسم من الكتاب في آثار الالتزام : التنفيذ العيني ،  721  التنفيذ بطريق التعويض ، ثم القاعدة التي تقضي بأن أموال المدين تكفل تنفيذ التزاماته وما تتضمنه هذه القاعدة من الإجراءات التمهيدية وهي الدعوي غير المباشرة والدعوي البولصية ودعوي الوصرية والحق في الحبس والإعسار .

وقبل ذلك – وفي هذا التمهيد – نتكلم في الالتزام الطبيعي والالتزام المدني ، وهما يفترقان من حيث الجبر في التنفيذ ، فالالتزام الطبيعي لا جبر في تنفيذه ، وينفذ الالتزام المدني جبرا علي المدين .

الالتزام الطبيعي والالتزام المدني

385 – النصوص القانونية : تنص المادة 199 من التقنين المدني علي ما يأتي :

 ” 1 – ينفذ الالتزام جبرا علي المدين ” .

 ” 2 – ومع ذلك إذا كان الالتزام طبيعيا فلا جبر في تنفيذه ( [6] ) ” .

ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ( [7] ) ، ولكن حكمه كان مطبقا من غير نص .

ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخري : في التقنين المدني السوري المادة 200 ، وفي التقنين المدني اليبي المادة 202 ، وفي تقنين الموجبات والعقود  722  اللبناني المادة 2( [8] ) . ولم يرد في التقنين المدني العراقي نص مقابل ، ولكن ذلك لا يفيد ضرورة أن القانون المدني العراقي لا يعترف بالالتزام الطبيعي ، ففي المباديء العامة وفي مباديء الفقه الإسلامي( [9] ) . ما قد يستعاض به عن النص للاعتراف بالالتزام الطبيعي في هذا القانون ( [10] ) .

386 – مكان الالتزام الطبيعي وتمييزه عن الالتزام المدني : ويتبين من النص المتقدم أن التقنين المدني الجديد ، وهو في مستهل الكلام في آثار الالتزام ، عمد إلي إبراز التمييز ما بين الالتزام الطبيعي والالتزام المدني ، فالأول لا جبر في تنفيذه ( [11] ) ، أما الثاني فيجبر المدين فيه علي التنفيذ . وهذا التمييز يرجع إلي أثر الالتزام من حيث جواز إجبار المدين علي تنفيذ التزامه ، ومن ثم استطاع التقنين الجديد أن يجد مكانا صالحا للالتزام الطبيعي يبين فيه حالاته ويبسط أحكامه .

ولم يذكر التقنين المدني السابق الالتزام الطبيعي إلا عرضا ، وفي مواطن ليس مظنة لوجوده فيه . فهو يشير إليه في مناسبة دفع غير المستحق ، ويقول في المادة 147 / 208 : ” إنما من أعطي باختياره شيئا لآخر ، وفاء لدين يعتقد ملزوميته به ولو لم يوجبه القانون ، لا يكون له استرداده ” . وقد قصد بالدين الذي  723  لا يوجبه القانون ولكن المدين يعتقد ملزوميته به الالتزام الطبيعي ، وبين حكم الوفاء بهذا الالتزام .

وكذلك فعل التقنين المدني الفرنسي ، فقد ذكر الالتزام الطبيعي استطراداً في المادة 1235 في صدد الكلام في الوفاء ( Paiement ) علي الوجه الآتي : ” 1 – كل وفاء يفترض وجود دين ، وما دفع دون استحقاق يجوز استرداده . 2 – علي أنه لا يجوز الاسترداد في الالتزامات الطبيعية إذا كان الوفاء بها قد تم اختياراً ” ( [12] ) .

وقل في التقنينات ، حتي الحديثة منها ، ما يعرض للالتزام الطبيعي في أكثر من نص أو نصين ( [13] ) .

أما التقنين المدني الجديد فقد أولي الالتزام الطبيعي ، في مناسبة التمييز بينه وبين الالتزام المدني ، شيئا من العناية ، فعرض في نصوص أربعة إلي بيان حالاته وبسط أحكامه( [14] ) . وبدأ ، كما قدمنا ، بالتمييز بين الالتزام الطبيعي  724  والالتزام المدني ، فقابل فيما بينهما من ناحية الجبر علي التنفيذ ( [15] ) . ونحن نتابعه في ذلك ، ونتناول بالكلام من هذه الناحية الالتزام الطبيعي ثم الالتزام المدني .

 ” 1 – الالتزام الطبيعي ( [16] )

( Obligation naturelle )

387 – الالتزام الطبيعي وسط في المرتبة بين الالتزام المدني والواجب الأدبي : الالتزام الطبيعي واجب أدبي يدخل في منطقة القانون ، فيعترف به القانون إلي مدي معين . وهذا المدي الذي يقف عنده القانون في الاعتراف بالالتزام الطبيعي هو التنفيذ الاختياري : لا يجبر المدين في الالتزام الطبيعي علي التنفيذ القهري ، ولكن التنفيذ الاختياري معتبر . فإذا قام المدين بتنفيذ التزامه طوعا وهو علي بينه من أمره ، أي إذا كان يعلم أن القانون لا يجبره علي التنفيذ ولكنه مع ذلك يؤدي إلي الدائن ما يحس أن ضميره يلزمه بأدائه ، فإنه لا يستطيع أن يسترد ما دفعه تنفيذا لهذا الالتزام الطبيعي ، إذ أن ما دفعه ليس هبة ( liberalite ) يجوز له الرجوع فيها ، بل هو وفاء ( paiement ) لالتزام  725  في ذمته وهذا كله بخلاف الالتزام المدني ، فإن هذا الالتزام لا يقتصر الأمر فيه علي أن المدين إذا وفاه لا يستطيع أن يسترده ، بل أيضا إذا هو لم يوفه أجبر علي الوفاء .

وإذا رجعنا إلي ما قدمناه في الجزء الأول من هذا الكتاب ( [17] ) .من أن الالتزام المدني يشتمل علي عنصرين ، عنصر المديونية ( devoir Schuld ) ، وعنصر المسئولية ( engagement Haftung ) ، رأينا أن الالتزام الطبيعي لا يحتوي من هذين العنصرين إلا علي العنصر الأول وحده ، وهو عنصر المديونية . فالمدين بالتزام طبيعي مدين ، لا في حكم الضمير فحسب ، بل أيضا في حكم القانون ، ومن هنا إذا وفي الدين لم يستطع استرداده ، فهذا هو عنصر المديونية قد توافر فيه . ولكن المدين لا يجبر علي الوفاء إذا لم يرد ذلك عن بينة واختيار ، فهذا هو عنصر المسئولية قد انفصل عنه .

ونري من ذلك أن الالتزام الطبيعي هو واجب أدبي ارتفعت منزلته في نظر القانون حتي قارب أن يكون التزاما مدنيا ، فهو وسط ما بين المرتبتين : سما عن أن يكون مجرد التزام أدبي ( devoir moral ) ، ولم يبلغ أن يصير التزاما مدنيا ( obligation civile ) فهو التزام طبيعي ( obligation naturelle ) ، يعترف به القانون فيرتفع به عن الواجب الأدبي ، ولا يرتب عليه إلا بعض الآثار فينزل به دون الالتزام المدني .

ومن ثم يقف الالتزام الطبيعي في الحد الفاصل ما بين الأخلاق والقانون . والتسليم بوجوده اعتراف من القانون ببعض الواجبات التي تمليها الأخلاق والآداب . وإذا كان التزام العام بابا تدخل منه العوامل الاجتماعية والاقتصادية والأدبية فتؤثر في القانون وروابطه ، فهذا هو الالتزام الطبيعي باب آخر تدخل منه العوامل الاجتماعية والاقتصادية والأدبية إلي القانون . والقاضي هو الذي يحدد الالتزامات الطبيعية ، كما هو الذي يحدد النظام العام ، مسترشداً في ذلك بآداب الجيل من ناحية المجموع ، وبواجب الضمير من ناحية الفرد . فإذا وقف أمام واجب أدبي لم يبلغ أن يكون التزاما مدنيا ، ولكنه قدر أنه التزام تحتمه أخلاق البيئة ويقضي به ضمير الفرد ، أقره التزاما طبيعيا ، ورتب عليه أثره .  726  فلو أن فقيرا أنقذ مثريا من الغرق ، التزم المثري نحو الفقير : ( أولا ) بما تجشمه الفقير من خسارة في إنقاذه وذلك بدعوي الفضالة ، وهذا هو التزام مدني – ( ثانياً ) وبإجازة الفقير علي إنقاذه ، وهذا هو التزام طبيعي – ( ثالث ) وبالإحسان إلي هذا الفقير من حيث هو فقير ، وذلك حتي لو لم يكن هو الذي أنقذه وهذا هو واجب أدبي ( [18] ) .

ونتلكم الآن في الحالات التي يقوم فيها الالتزام الطبيعي وفي الآثار التي تترتب عليه .

  • الحالات التي يقوم فيها الالتزام الطبيعي
  •  النصوص القانونية : تنص المادة 200 من التقنين المدني علي ما يأتي :

 ” يقدر القاضي ، عند عدم النص ، ما إذا كان هناك التزام طبيعي . وفي كل حالا لا يجوز أن يقوم التزام طبيعي يخالف النظام العام ” ( [19] ) .

ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، ولكن حكمه كان مطبقا من غير نص .

ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخري : في التقنين المدني السوري المادة 201 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 203 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني  727  المادة 3( [20] ) . ولا مقابل للنص في التقنين المدني العراقي .

389 – سلطة التقدير للقاضي – رقابة محكمة النقض : ويتبين من هذا النص أن البت فيما إذا كان واجب أدبي قد ارتقي إلي منزلة الالتزام الطبيعي أمر متروك تقديره إلي القاضي ، هذا ما لم يوجد نص تشريعي يقضي في حالة معينه أن هناك التزاما طبيعيا ، فيجب إعمال النص ( [21] ) . مثل ذلك ما ورد في الفقرة الأولي من المادة 386 من أنه ” يترتب علي التقادم انقضاء الالتزام ، ومع ذلك يتخلف في ذمة المدين التزام طبيعي ” .

والقاضي ، وهو يحدد الالتزامات الطبيعية في الحالات التي تعرض له ، يبت في مسألة قانون يخضع فيها لرقابة محكمة النقض ، ومسألة واقع لا يخضع فيها لهذه الرقابة .

أما مسألة فهي تحديد العناصر التي يتكون منها الالتزام الطبيعي ، وتكييف الوقائع الثابتة عنده تكييفا قانونيا ، ومطابقة ما يجب توافره من العناصر علي ما ثبت عنده من الوقائع مكيفة التكييف القانوني الصحيح . وهو في تحديده لعناصر الالتزام الطبيعي أقرب إلي المشرع منه إلي القاضي ، غذ قد فوض له المشرع أن يقدر ، عند عدم النص ، ما إذا كان هناك التزام طبيعي . ويستأنس في عمله بما استقر في القضاء والفقه ، مستمداً تقديره من روح التشريع والعرف ومباديء القانون الطبيعي وقواعد العدالة ، لا باعتبارها مصادر مباشرة يجب  728  الرجوع إليها عند انعدام النص ، بل باعتبارها المصادر الطبيعية التي يسترشد بها القاضي مع وجود النص الذي يكل إليه أمر التقدير . ومن ثم فلا يرتبط في شأنها بترتيب خاص كما كان يرتبط لو أن هذه كانت هي المصادر المباشرة التي يستخلص منها الحلول القانونية وفقا للمادة الأولي من التقنين المدني .

أما مسألة الواقع التي يبت فيها القاضي دون تعقيب عليه من محكمة النقض فهي تحصيل الوقائع الثابتة مما يقدم له من الأوراق والمستندات وغير ذلك من الأدلة ( [22] ) .

وننظر الآن كيف يستطيع القاضي أن يحدد العناصر التي يتكون منها الالتزام الطبيعي ، ممهدين لبيان ذلك بالصعود إلي الأصل التاريخي لهذا النوع من الالتزام ، ومستعرضين النظريتين التقليدية والحديثة في هذا الشأن ، ثم معقبين بذلك بعض الحالات المعروفة للالتزام الطبيعي بعد أن نكون قد حددنا العناصر التي يتكون منها .

390 – الأصل التاريخي للالتزام الطبيعي : يصعد الالتزام الطبيعي في أصله إلي القانون الروماني . وكان الرومان يعترفون بعدد كبير من الالتزامات الطبيعية ، ويجعلون للالتزام الطبيعي آثاراً بعيدة المدي . أما القانون الحديث فهو يعترف أيضا بعدد كبير من الالتزامات الطبيعية ( [23] ) ، ولكن يترتب علي الالتزام الطبيعي آثاراً أقل مما كان يرتبه القانون الروماني ( [24] ) .

والالتزام الطبيعي في القانون الروماني كان نتيجة مباشرة لما يحتويه هذا القانون من أوضاع ورسوم وأشكال ومن نظم خاصة كنظام الرق ونظام السلطة الأبوية فكان هناك التزام طبيعي حيث يختل الشكل المطلوب ، وحيث توجد علاقة تبعية بين الدائن والمدين بأن يكون هذا ابنا لذاك أو عبداً له ، وحيث يكون المدين ناقص  729  الأهلية . ففي هذه الحالات وغيرها تأبي الأوضاع الرومانية أن يقوم التزام مدني ، فيقوم بدلا منه التزام طبيعي تترتب عليه بعض آثار الالتزام المدني ، وهي آثار أبعد مدي مما يقره القانون الحديث . فكانت فكرة الالتزام الطبيعي من بين الوسائل التي تخفف بها القانون الروماني من الشكلية المغرقة التي كانت تحيط به ، ومن الأبواب التي انفتحت لإدخال بعض عناصر المرونة فيما جمد من قواعد هذا القانون .

وفي القانون الفرنسي القديم توسع القانون الكنسي توسعا كبيراً في الالتزامات الطبيعية ، فجلها تمتد إلي كل التزام يوجبه الضمير ، وكادت منطقة الالتزام الطبيعي تكون هي عين منطقة الواجب الأدبي . ولكن دوما ( Domat ) تلقي فكرة الالتزام الطبيعي عن القانون الروماني ، فجعله محصوراً في التزام المدين ناقص الأهلية بعد أن زالت الأشكال والأوضاع الرومانية . أما بوتييه ( Pothier ) فعلي النقيض من دوما نقل فكرة القانون الكنسي ، وعارض بها فكرة القانون الروماني ( [25] ) .فعنده أن الالتزام الطبيعي هو ما يلتزم به الإنسان أمام الضمير ( qui oblige dans le for de la conscience ) ، أما الالتزام المدني فهو ما يلتزم به أمام العالم الخارجي ( qui oblige dans le for exterieur ) علي ان بوتييه كان يميز تمييزاً واضحا بين الالتزام الطبيعي والواجب الأدبي ( [26] ) .

391 – النظرية التقليدية في الالتزام الطبيعي – الالتزام المدني المتحلل : قامت النظرية التقليدية في الالتزام الطبيعي في القانون الحديث علي الفكرة الرومانية الضيقة ، لا علي فكرة القانون الكنسي الواسعة . فالالتزام الطبيعي يرتبط ارتباطاً وثيقا بالالتزام المدني ، ويبتعد كثيرا عن الواجب الأدبي فهو في الأصل التزام مدني عاقه مانع قانوني عن أن يرتب آثاره . وهذا المانع قد يوجد منذ البداية عند نشأة الالتزام ، كأن يكون العقد قابلا للإبطال لنقص الأهلية . وقد يكون المانع جد بعد نشأة الالتزام وبعد أن تولدت آثاره ، كما  730  يقع ذلك في التقادم أو في الصلح مع المفلس ( concordat ) ، فينقضي الالتزام المدني ويتخلف عنه التزام طبيعي .

وهذه النظرية التقليدية ، كما نري ، تجعل الالتزام الطبيعي نوعا من الالتزام المدني ، فهو التزام مدني متحلل ( obligation civile degeneree ) ، عاقة مانع قانوني عن أن يولد آثاره كاملة .

والذي وده النظرية التقليدية هذا التوجيه عاملان : ( 1 ) تقاليد القانون الروماني التي سبق ذكرها ، وقد نقلت عن دوما كما أسلفنا القول . ( 2 ) الرغبة في فصل منطقة القانون عن منطقة الآداب والأخلاق ، فلا يكون الالتزام الطبيعي واجبا أدبيا ليعترف به القانون ولو إلي مدي محدود ، ولا يكون جسراً يصل ما بين منطقتي القانون والآداب ، بل يكون التزاما مدنيا منذ الأصل لم يبرح منطقة الالتزامات المدنية ، فتبقي هذه المنطقة منفصلة انفصالا تاما عن منطقة الآداب والأخلاق . وظن أنصار النظرية التقليدية أن هذا الوضع من شأنه أن يضبط حالات الالتزام الطبيعي ضبطا دقيقا ، فلا يكون هناك مجال للتحكم ، ما دام الالتزام الطبيعي لا يعدو أن يكون التزاما مدنيا أصابه هذا التحلل بسبب مانع قانوني .

وعيب هذه النظرية التقليدية واضح . فهي تحاول محاولة فاشلة أن تفصل ما بين منطقتي القانون والآداب فصلا تاما ، فتغفل في سبيل هذا الفصل المميز الأول للالتزام الطبيعي . ذلك أن الالتزام الطبيعي ليس إلا مظهراً لاعتراف القانون بالواجبات الأدبية ، فيرقي بها في بعض الحالات إلي حد أن يتب عليها أثراً قانونيا ، فيدخلها بذلك في حظيرة القانون . فالالتزام الطبيعي إذن هو واجب أدبي اعترف به القانون ، قبل أن يكون التزاما مدنيا متحللا . بل قد لا يكون بتاتا التزاما مدنيا متحللا ، وينشأ منذ البداية واجبا أدبيا يعترف به القانون ويدخله في منطقته . وهذا ما تكفلت ببيانه النظرية الحديثة ، فننتقل ألان إليها .

392 – النظرية الحديثة في الالتزام الطبيعي – الواجب الأدبي : تركت النظرية الحديثة النظرة الرومانية الضيقة للالتزام الطبيعي باعتباره التزاماً  731  مدنيا متحللا ، إلي النظرة الواسعة التي اعتنقها القانون الكنسي وقال بها بوتييه . فاعتبرت الالتزام الطبيعي واجبا أدبيا ( devoir miral ) ارتقي به القانون ، فاعترف له بعض الآثار ، سواء كان واجبا أدبيا منذ بديته ، ونشأ التزاما مدنيا ثم عاقة مانع قانوني عن أن يولد جميع آثاره .

فلا تلازم إذن بين الالتزام الطبيعي والالتزام المدني كما تزعم النظرية التقليدية بل ان الالتزام الطبيعي هو الذي يثل ما بين منطقتي القانون والآداب ، إذ هو النقطة المشتركة في المنطقتين ، فهو في منطقة الآداب من حيث هو واجب أدبي ، وهو في منطقة القانون من حيث أن يولد بعض الآثار القانونية . وما دام في مرتبة ونمطي بين الالتزام المدني والواجب الأدبي ، فهو إما أن يكون التزاما مدنيا نزل عن مرتبته بزوال عنصر المسئولية مع بقاء عنصر المديونية ، وإما أن يكون واجبا أدبيا ارتفع عن مرتبته بقيام عنصر المديونية فيه دون عنصر المسئولية وفي الحالتين يكون الالتزام الطبيعي مشتملا علي عنصر المديونية دون عنصر المسئولية .

ويخلص من ذلك أن النظرية الحديثة تنظر إلي الالتزام الطبيعي باعتبار أنه واجب أدبي تفرضه الأخلاق أولا ، ثم يتدخل فيه القانون بقدر محدود ، فيعترف به مديونية لا مسئولية ، ويسلم فيه بالتنفيذ الاختياري دون التنفيذ الجبري . وهذا الاعتبار يصدق سواء كان الالتزام الطبيعي واجبا أدبيا منذ البداية ، أو نشأ التزاما مدنيا ولم تترتب آثاره لمانع قانوني فاستحال واجبا أدبيا يرتب عليه القانون بعض الآثار( [27] ) .

  732  393 – عناصر الالتزام الطبيعي : ويمكن القول ، استخلاصا من النظرية الحديثة علي النحو الذي قدمناه ، ومن الرجوع إلي نص التقنين المدني الذي سبق إيراده ، إن للالتزام الطبيعي عناصر ثلاثة :

( العنصر الأول ) واجب أدبي يتميز في نطاق محدد بحيث يكون قابلا للتنفيذ .

  733  فيخرج بلك من دائرة الإبهام والغموض التي تغمر عادة منطقة الواجبات الأدبية إلي دائرة التحديد والوضوح التي تميز منطقة الالتزامات المدنية . وهذا الواجب الأدبي إما أن يكون في أصله التزاما مدنيا ثم انقلب التزاما طبيعيا لسبب قانوني منع من أن يترتب عليه كل آثاره ، أو أن يكون منذ البداية واجب أدبيا أصبح التزاما طبيعيا لتوفره علي العناصر الثلاثة لهذا الالتزام .

وهذا العنصر الأول هو العنصر المادي . وفيه يسترشد القاضي بآداب الجيل من ناحية القابلية للتنفيذ في العمل .

( العنصر الثاني ) إحساس المدين أن في ذمته التزاما طبيعيا . وليس من الضروري أن يكون هذا الإحساس قائما فعلا عند المدين بالذات ، بل يكفي أن يكون من الواجب أن يقوم ، وأن يدخل في الاعتبار المألوف عند الناس أن مثل هذا الواجب مما ينبغي أمام الضمير أن يؤدي . ونري من ذلك أن المعيار في العنصر الثاني موضوعي لا ذاتي ، والعبرة فيه ليست بما يحس المدين فعلا ، بل بما ينبغي أن يحس ، بوعي الجماعة أ وعي الفرد المجرد لا بوعي المدين بالذات . وفي هذا ضبط للالتزام الطبيعي يستقر عنده التعامل .

وهذا العنصر الثاني هو العنصر المعنوي وفيه يسترشد القاضي بواجب الضمير من ناحية وعي الجماعة .

( العنصر الثالث ) عدم التعارض مع النظام العام . وتقول العبارة الأخيرة من المادة 200 من التقنين المدني في هذا الصدد أنه ” في كل حال لا يجوز أن يقوم التزام طبيعي يخالف النظام العام ” ونأتي بأمثلة علي ذلك :

( 1 ) إذا اتفق المتعاقدان علي سعر للفوائد يزيد علي 7% ، ودفع المدين للدائن هذه الفوائد وهو يحس أنه يقوم بتعهده ، فإن ما دفعه من الفوائد زائداً علي 7% لا يجوز مع ذلك أن يكون التزاما طبيعيا ، إذا هو يتعارض مع النظام العام ،  734  ويكون للمدين الحق في استرداد ما دفع من ذلك . وهذا ما قضت به الفقرة الأولي من المادة 227 من التقنين المدني إذ تقول في العبارة الأخيرة منها : ” فإذا اتفقا علي فوائد تزيد عي هذا السعر وجب تخفيضها إلي 7% ، ويتعين رد ما دفع زائدا لي هذا القدر( [28] ) .

( 2 ) إذا خسر المدين في مقامرة أو رهان ، ووفي ما خسره محسا أنه إنما يوفي دينا واجبا في ذمته ، فإن هذه الخسارة لا يجوز أن تكون التزاما طبيعيا ، إذ أن دين القمر أو الرهان يتعارض مع النظام العام ، وإذا وفاه المدين جاز له استرداده . وهذا ما قضت به الفقرة الثانية من المادة 739 من التقنين المدني إذ تقول : ” ولمن خسر في مقامرة أو رهان أن يسترد ما دفعه خلال ثلاث سنوات من الوقت الذي أدي فيه ما خسره ، ولو كان هناك اتفاق يقضي بغير ذلك . وله أن يثبت ما أداه بجميع الطرق ( [29] ) .

  735  إذا عقد شخص مع آخر اتفاقا مخالفا للنظام العام أو للآداب ، كما لو اتفقا علي رشوة ، ودفعها المدين للدائن وهو يحس أنه يقوم بتعهده ، فإن هذا لا يكون التزاما طبيعيا لتعارضه مع النظام العام . وفي رأينا انه يجوز للراشي أن يسترد الرشوة من المرشو . وقد سبق أن فصلنا هذه المسألة في الجزء الأول من هذا الكتاب ( [30] ) .

وهذا العنصر الثالث هو عنصر المشروعية . وفيه يسترشد القاضي بالأحكام القانونية المتعلقة بالنظام العام ( [31] ) .

394 – بعض حالات الالتزام الطبيعي : بعد أن استعرضنا النظريتين التقليدية والحديثة في الالتزام ، وحددنا عناصر هذا الالتزام ، نورد تطبيقا لما قدمناه جملة من الحالات الكثيرة الوقوع التي يقوم فيها الالتزام الطبيعي .

  736  ونقسم هذه الحالات إلي طائفتين : ( 1 ) التزامات بدأت مدنية ثم انقلبت طبيعية ، وهي وحدها الالتزامات الطبيعية التي تقراها النظرية التقليدية . ( 2 ) التزامات بدأت أدبية ثم أصبحت طبيعية ، وهذه الطائفة تضيفها النظرية الحديثة إلي الطائفة الأولي تقرها النظرية التقليدية .

395 – التزامات بدأت مدنية ثم انقلبت طبيعية : هذه التزامات نشأت في الأصل التزامات مدنية ، وعاقها مانع قانوني عن أن ترتب آثارها كما قدمنا ، فتخلفت عنها التزامات طبيعية ( [32] ) . ومن هذه ما قام المانع القانوني فيه منذ نشأته . ومنها ما نشأ التزاما مدنيا صحيحا وولد آثاره ، ثم قام المانع القانوني بعد ذلك ، فانقضي التزاما مدنيا ليصبح التزاما طبيعيا .

ومن أمثلة النوع الأول العقد القابل للإبطال لنقص في الأهلية ( [33] ) . فإذا وتعاقد القاصر ولم يلحق العقد الأجازة ، كان له أن يطلب إبطال العقد فينقلب التزامه المدني التزامنا طبيعيا ، إذا أداه عالما مختاراً لم يستطع أن يسترده ( [34] ) . ويذكر عادة ، كمثل آخر للنوع الأول عقد الهبة الباطل لعدم استبقاء الشكل ، فقد نصت المادة 489 من التقنين المدني علي أنه ” إذا قام الواهب أو رثته  737  مختارين بتنفيذ هبة باطلة لعيب في الشكل ، فلا يجوز لهم أن يستردوا ما سلموه ” . جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي أن هذا النص إنما هو تطبيق لالتزام طبيعي تخلف عن الهبة الباطلة ( [35] ) . ولو صح هذا ، لصلح هذا الالتزام الطبيعي الذي تخلف عن الهبة الباطلة سببا لالتزام مدني ، ولأمكن التحايل عل الشكل في الهبة عن طريق كتابتها في ورقة عرفية ثم اتخاذها سببا لالتزام مدني صحيح في ورقة عرفية . وهذا ما لا يجوز التسليم به . والصحيح في رأينا أن التنفيذ الاختياري للهبة الباطلة في الشكل ، سواء من جهة الواهب أو من جهة ورثته ، إنما هو إجازة لعقد الهبة ، إذ البطلان المترتب علي عيب في الشكل قد تلحقه الإجازة إذا نص القانون علي ذلك ( [36] ) .

ومن أمثلة النوع الثاني الالتزام المدني إذا تقادم . فقد نشأ التزاما مدنيا ، وأنتج جميع آثاره . ثم قادم بعد ذلك مانع قانوني من بقائه التزاما مدنيا ، وهو التقادم الذي تمسك به المدين( [37] ) ، فانقلب التزاما طبيعيا ، إذا أداه المدين مختاراً لم يستطع استرداده . وقد ورد في هذا الحكم نص تشريعي صريح في التقنين  738  المدني الجديد ، هو الفقرة الأولي من المادة 386 ، وتقضي بأنه ” يترتب علي التقادم انقضاء الالتزام ، ومع ذلك يتخلف في ذمة المدين التزام طبيعي ” ( [38] ) . ومن أمثلة النوع الثاني أيضا الالتزام المدني الذي لا يثبت في ذمة مدين وجهت إليه اليمين الحاسمة فحلفها ، فإن الالتزام المدني في هذه الحالة لا يقضي به ولا يجبر المدين علي تنفيذه ، ولكن إذا كانت ذمة المدين مشغولة به فعلا بالرغم من حلفه اليمين الحاسمة ، فإنه ينقلب إلي التزام طبيعي ، إذا أداه المدين مختاراً لم يستطع استرداده . وكذلك الحال في الالتزام المدني الذي صدر برفض الدعوي فيه حكم حاز حجية الأمر المقضي ، فإنه إذا كانت ذمة المدين مشغولة به بالرغم من هذا الحكم انقلب التزاما طبيعيا ( [39] ) . والصلح مع المدين المفلس ( concordat ) ، الذي يتفق بمقتضاه المدين مع دائنيه علي قضاء بعض الديون المدنية في نظير انقضاء الباقي ، يجعل هذا الباقي للذي انقضي بالصلح ينقلب التزاما طبيعيا ، إذا أداه الدائن مختاراً بعد ذلك لم يستطع استرداده ( [40] ) . ولا حجة في الصلح لإباحة الاسترداد( [41] ) .

  739  396 – التزامات بدأت أدبية ثم أصبحت طبيعية : وهذه التزامات بدأت واجبات أدبية ثم ارتفعت منزلتها فأصبحت التزامات طبيعية ، علي النقيض من الطائفة الأولي التي وصلت إلي مرتبة الالتزامات المدنية وانحدرت بعد ذلك إلي مرتبة الالتزامات الطبيعية( [42] ) .

ومن الأمثلة علي هذه الطائفة الثانية من الالتزامات التزام شخص بتعويض شخص آخر عن الضرر غير المباشر الذي الحقه به من جراء خطأ ارتكبه ، أما التزامه بالتعويض عن الضرر المباشر فهذا التزام مدني مصدره العمل غير المشروع . كذلك الالتزام بالتعويض عن إغواء غير مصحوب بالغش أو عن معاشرة غير شرعية بعد انتهاء هذه المعاشرة يكون التزاما طبيعيا . أما إذا صحب الإغواء غش فالالتزام بالتعويض يصبح التزاما مدنيا . وإذا لم يكن الغرض من الالتزام التعويض عن المعاشرة بعد انتهائها ، بل الإغراء علي المعاشرة ، فإن الالتزام لا يكون التزاما طبيعيا ، بل يكون التزاما مخالفا للآداب لا يتخلف عن بطلانه التزام طبيعي .

ومن الأمثلة علي هذه الطائفة الثانية أيضا التزام شخص بإجازة شخص آخر علي خدمة أداها له ( donation remuneratrice ) إذا لم يكن هناك التزام مدني بالإجازة ، وذلك كإجازة خدام أخلص في الخدمة أو وكيل أحسن أداء الوكالة أو طبيب أنقذ حياة المريض ( [43] ) . فإن هذا الالتزام يبدأ واجبا أدبيا ، ولكن وجوب الاعتراف بالجميل في هذه الظروف الخاصة يرقي به إلي مرتبة الالتزام الطبيعي ( [44] ) . كذلك إذا أثري شخص علي حساب غيره دون أن تتوافر  740  شروط دعوي الإثراء ، لم يكن هناك التزام مدني برد قيمة الإثراء لعدم توافر الشروط ، ولكن يقوم التزام طبيعي بهذا الرد مبني علي فكرة العدالة .

ومن الأمثلة علي هذه الطائفة الثانية أخيراً التزام شخص بالنفقة علي أقارب لا تلزمه النفقة عليهم قانونا ، فإن الالتزام هنا يبدأ واجبا أدبيا ، ولكن واجب التضامن بين أفراد الأسرة في هذه الحالة الخاصة يرتفع به إلي مرتبة الالتزام الطبيعي ( [45] ) . كذلك التزام الأب بتجهيز ابنته أو بتقديم المعونة لابنه لتنظيم عمل يرتزق منه يكون التزاما طبيعيا في ذمة الأب ، بسبب توثق أواصر العلاقة الأبوية فيما بين الأب وأولاده ( [46] ) .

397 – تأصيل لحالات الالتزام الطبيعي – الالتزام الطبيعي يتاخم الالتزام المدني : ونظره إلي ما قدمناه من حالات الالتزام الطبيعي تدل علي أن هذا الالتزام مكانه في دائرة القانون أوسع مما يظن لأول وهلة بل إن الالتزام الطبيعي يتاخم الالتزام المدني ، ويتعقبه خطوة خطوة . وقد علمنا أن مصادر الالتزام المدني هي العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون . وها نحن نري أن الالتزام الطبيعي يساير الالتزام المدني في هذه المصادر .

فالالتزام الطبيعي الذي بدأ التزاما مدنيا ثم انقلب التزاما طبيعيا يكون مصدره في العادة العقد ، فهو يتاخم الالتزام المدني العقدي . وقد لحقت العقد علة قانونية لا ترجع إلي الرضاء في ذاته الذي هو قوام العقد ، بل ترجع إلي مقتضيات الصنعة القانونية ، فمنعت العقد من توليد آثاره المدنية ، ولكن لم تمنعه من توليد آثاره الطبيعية لأن الرضاء سليم غير مشوب بعيب . ومن ثم نري أن العقد القابل للإبطال بسبب نقص الأهلية ، والالتزام الذي سقط  741  التقادم ، أو اعترضته يمين حاسمة ، أو حكم حاز حجية الأمر المقضي ، كل هذه حالات يقوم فيها الالتزام الطبيعي ، لأن المانع القانوني الذي حال دون توليد الآثار المدنية ترجع إلي الصنعة القانونية لا إلي طبائع الأشياء ، فلم ينعدم الالتزام بتاتا ، بل انقلب التزاما طبيعيا علي النحو الذي قدمناه ( [47] ) .

والالتزام الطبيعي بتعويض الضرر غير المباشر ، أو بالتعويض عن الإغواء غير المصحوب بالغش ، أو بالتعويض عن المعاشرة غير المشروعة ، مصدره العمل غير المشروع ، فهو يتاخم الالتزام المدني التقصيري . وقد منع هذا الالتزام أن يكون التزاما مدنيا فقد شرط من الشروط التي ترجع إلي الصنعة القانونية لا إلي طبائع الأشياء ، فقد نقص الالتزام شرط أن يكون الضرر مباشراً ، أو شرط أن يكون هناك خطأ بالمعني الذي عرفناه في المسئولية التقصيرية إذ أن الإغواء غير المصحوب بالغش أو مجرد المعاشرة غير المشروعة لا يعتبر خطأ تقصيريا وأن اعتبر خطأ أدبيا يقوم علي أساسه التزام طبيعي .

والالتزام الطبيعي بإجازة خدمة أديت أو برد إثراء علي حساب الغير يتاخم الالتزام المدني المتولد من الإثراء بلا سبب . وقد منع هذا الالتزام أن يكون التزاما مدنيا فقد شرط من شروط قاعدة الإثراء بلا سبب يرجع إلي الصنعة القانونية . أما الشروط التي ترجع إلي طبائع الأشياء – وتتخلص في أن شخصا أثري علي حساب غيره – فمتوافرة ، ومن ثم قام الالتزام الطبيعي .

والالتزام الطبيعي بالنفقة علي الأقارب أو بتجهيز البنت أو بتقديم المعونة للابن مصدره القانون ، فهو يتاخم الالتزام المدني الذي يتولد مباشرة من القانون وقد رأينا ، عند الكلام في القانون كمصدر مباشر للالتزام ، أن هناك التزامات إيجابية ترجع إلي التضامن الاجتماعي ، أبرزها القانون دون أن يرسم لها قاعدة عامة ، فجعلها بنص منه التزامات مدنية( [48] ) . فإذا لم يبلغ الواجب الأدبي هذه الدرجة العليا من الموضوع والتحديد والقابلية للانضباط ، فإن القانون لا يصل  742  به إلي مرتبة الالتزام المدني . ولكنه مع ذلك يرقي به إلي مرتبة الالتزام الطبيعي ، علي أن تتوافر له العناصر الثلاثة : قدر من التحديد والانضباط وهذا هو العنصر المادي ، وإحساس بالقوة الملزمة وهذا هو العنصر المعنوي ، وانتفاء التعارض مع النظام العام وهذا هو عنصر المشروعية ( [49] ) .

فالالتزام الطبيعي إذن هو توأم الالتزام المدني ، يسير إلي جانبه ، ولكنه يسير علي هامش القانون كظل للالتزام المدني . وإذا كان الالتزام المدني هو وليد الصنعة القانونية ، فإن الالتزام الطبيعي هو بمثابة رد الفعل لهذه الصنعة . ذلك بأن للصنعة القانونية مقتضيات لا تتواءم في كثير من الحالات مع طبائع الأشياء . فحيث تقوم هذه المقتضيات متعارضة مع طبائع الأشياء ، فإن الالتزام المدني لا يقوم خضوعا لمقتضيات الصنعة ، ويقوم الالتزام الطبيعي مطاوعة لطبائع الأشياء .

ب – الآثار التي تترتب علي الالتزام الطبيعي

  398 – النصوص القانونية : تنص المادة 201 من التقنين المدني علي ما يأتي :

   ” لا يسترد المدين ما أداه باختياره ، قاصداً أن يوفي التزاما طبيعيا ” .

  وتنص المادة 202 علي ما يأتي :

   ” الالتزام الطبيعي يصلح سببا لالتزام مدني ” ( [50] ) .

  743  وتقابل المادة 201 من التقنين المدني الجديد المادة 147 / 208 من التقنين المدني السابق ( [51] ) . أما المادة 202 فلا مقابل لها في التقنين السابق ، ولكن الحكم كان معمولا به .

ويقابل النصان في التقنينات المدنية العربية الأخري : في التقنين المدني السوري المادتين 202 – 203 ، وفي التقنين المدني الليبي المادتين 204 – 205 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المواد 4 و 6 و 8 ( [52] ) . ولا مقابل لهما في التقنين المدني العراقي .

  744  399 – المبدأ العام : قدمنا أن الالتزام إذا كان طبيعيا لم يجبر المدين علي تنفيذه ، لانتفاء عنصر المسئولية من الالتزام . ولكن لما كان عنصر المديونية موجوداً كما قدمنا ، فكل عمل اختياري يقوم به المدين ، قاصداً به الوفاء في الحال أو في المستقبل بالالتزام الطبيعي ، يكون عملا معتبراً ولا يجوز الرجوع فيه .

ويترتب علي هذا المبدأ العام ما يأتي :

( أولا ) الوفاء الاختياري بالالتزام الطبيعي يجوز ، ويعتبر وفاء لا يجوز استرداده ، لا تبرعا يجوز الرجوع فيه . وهذا هو الوفاء بالالتزام الطبيعي في الحال .

( ثانياً ) الالتزام الطبيعي يصلح سببا لإنشاء التزام مدني . وهذا هو الوفاء بالالتزام الطبيعي في الاستقبال ، عن طريق تحويله إلي التزام مدني .

( ثالثاً ) لا يجوز أن يقاص الالتزام الطبيعي بدين آخر ، لأن المقاصة ضرب من الوفاء الجبري ، فإذا أجزنا المقاصة في الالتزام الطبيعي كان هذا إجباراً للمدين علي الوفاء بطريق غير مباشر .

( رابعاً ) كذلك لا تجوز كفالة الالتزام الطبيعي ، وإلا كان في هذا تنفيذ جبري للالتزام الطبيعي عن طريق تنفيذه علي الكفيل .

ونفصل الآن ما أجملناه :

  745  400 – الوفاء الاختياري بالالتزام الطبيعي جائز : يشترط في الوفاء بالالتزام الطبيعي ، كما قدمنا ، أن يكون الوفاء عن بينة واختيار ، فلا يجوز إجبار المدين علي الوفاء ولو عن طريق القضاء . والوفاء يكون عن بينة إذا لم يشبه غلط أو تدليس ، وعن اختيار إذا لم يشبه إكراه . فإذا اعتقد المدين خطأ ، وهو يؤدي التزاما طبيعيا ، أنه مجبر علي الوفاء لأن التزامه مدني ، أو ظن أن الالتزام الطبيعي يجوز الجبر علي تنفيذه ، سواء كان خطأه هذا نتيجة غلط وقع فيه أو تدليس جاز عليه ، كان له أن يسترد ما وفاه بدعوي استرداد غير المستحق كذلك إذا أكره المدين في الالتزام الطبيعي علي الوفاء به ، جاز له الاسترداد ( [53] ) .

  746  ولا يكفي أن يكون الوفاء عن بينه واختيار ، بل يجب أيضا أن يكون المدين قاصداً أن يوفي التزاما طبيعيا ( م 201 مدني ), وقد قدمنا عند الكلام في قيام الالتزام الطبيعي ، أن هذا الالتزام يجب أن يرتفع في وعي الجماعة إلي هذه المنزلة وهنا ، ونحن نتكلم في تنفيذ الالتزام الطبيعي ، يشترط أن يقع في وعي المدين بالذات انه ينفذ التزاما طبيعيا وهذا هو الذي يجمع في الالتزام الطبيعي بين وعي الجماعة ومعياره موضوعي ، وبين وعي المدين بالذات ومعياره ذاتي الأول مطلوب لقيام الالتزام الطبيعي ، والثاني مطلوب لتنفيذه ( [54] ) .

فإذا نفذ المدين الالتزام الطبيعي عن بينه واختيار قاصداً أن يوفي بالتزام طبيعي ، كان هذا التنفيذ وفاء ( Paiement ) لا تبرعاً ( libralite ) كما سبق القول ( [55] ) ويترتب علي ذلك النتائج الآتية :

  • لا يشترط في الوفاء بالالتزام الطبيعي شكل خاص ، كما يشترط ذلك عادة في الهبات( [56] ) .
    • لا يجوز للمدين ، كما قدمنا |أن يسترد ما وفاه ولو كان الوفاء هبة لجاز الاسترداد حيث يجوز الرجوع في الهبة . ولما كان الوفاء بالالتزام الطبيعي لا يقلبه إلي التزام مدني ، فإنه يترتب علي ذلك أن المدين إذا وفي بالتزامه الطبيعي وفاء جزئيا لم يستطع أن يسترد الجزء الذي وفاه ، ولكن لا يستطيع الدائن أن يجبره علي الوفاء بالباقي ( [57] ) . ويترتب علي ذلك أيضا أن ما دفعه المدين وفاء  747  لالتزامه الطبيعي لو استحق للغير لا يضمنه المدين ( [58] ) .
    • لا يشترط في الوفاء بالتزام طبيعي أهلية التبرع . ولو كان الوفاء هبة لاشترطت هذه الأهلية .
    • إذا وفي المريض مرض الموت بالتزام طبيعي ، لم يعتبر هذا الوفاء مقصوداً به التبرع في حكم المادة 916 من التقنين المدني ، فلا تسري عليه أحكام الوصية . إلا أنه يلاحظ أن هناك قرينة قانونية تقضي بأن كل تصرف صدر في مرض الموت يعتبر صادراً علي سبيل التبرع ( م 916 فقرة 3 ) ، ومن ثم يفرض في هذا الوفاء أنه تبرع حتي يثبت الدائن أنه وفاء الالتزام طبيعي .
    • أما فيما بين المدين الذي وفي بالالتزام الطبيعي ودائنيه بدين مدني ، فقد ذهب كثير إلي أن الوفاء بالالتزام الطبيعي يبقي وفاء لا تبرعا ، فلو طعن دائن في هذا الوفاء بالدعوي البولصية كان عليه أن يثبت غش المدين الذي وفي بالالتزام الطبيعي وغش الدائن الذي استوفي هذا الالتزام ، كما هو الشأن في الدعوي البولصية بالنسبة إلي المعاوضات ( [59] ) . وقد كنا ممن يذهب إلي هذا الرأي في عهد التقنين السابق ( [60] ) . ولكن التقنين الجديد ، وقد عد الوفاء بدين مدني مؤجل في حكم التبرع بالنسبة إلي الدعوي البولصية ( أنظر المادة 242 فقرة ثانية ) ، لا شك في أنه يجعل من باب أولي هذا الحكم للوفاء بالتزام طبيعي . فالمدين المعسر ، إذا وفي بالتزام طبيعي كان في استطاعته ألا يوفي به ، يجعل لدائنيه وجها للاعتراض علي هذا التصرف ، ويكون من حقهم أن يعتبروا هذا الوفاء تبرعا لا معاوضة ، فيكون غير نافذ بالنسبة إليهم حتي لو كان كل من المدين الذي وفي بالالتزام الطبيعي والدائن الذي تلق هذا الوفاء حسن النية ( [61] ) . ويغلب  748  أن يتحقق ذلك عملا في تجهيز الأب المعسر لابنته ، فإن التجهيز التزام طبيعي إذا وفي به المدين المعسر جاز لدائنيه الطعن بالدعوي البولصية في هذا الوفاء باعتباره تبرعا لا معاوضة( [62] ) .

401 – الالتزام الطبيعي يصلح سببا لإنشاء التزام مدني : وكما يجوز الوفاء الاختياري بالالتزام الطبيعي ، يجوز كذلك الوعد بالوفاء به ( promesse dexecution ) ، ما دام هذا الوعد قد صدر عن بينه واختيار فإذا كان المدين في التزام طبيعي ، بدلا من أني في بهذا الالتزام وفاء فعليا ، وعد أن يفي به ، فإن هذا الوعد يصبح ملزما له ( [63] ) . ويكون الالتزام في هذه الحالة التزاما مدنيا يجبر المدين علي الوفاء به . فكأن المدين قد وفي الالتزام الطبيعي بالتزام مدني ( [64] ) .  749  ويجب أيضا – كما في الوفاء الاختياري – أن يكون المدين قد قصد أن يلتزم وفاء التزاما مدنيا ( [65] ) ، فلا يكفي مجرد الاعتراف بوجود التزام طبيعي في ( [66] ) .ذلك أن اعتراف المدين بوجود التزام طبيعي لا يدل ضرورة علي الوفاء به ، ذلك القصد رأيناه في الوفاء الاختياري – كما هو هنا في عد بالوفاء – يجمع إلي وعير الجماعة بالالتزام الطبيعي وعي المدين ذاته بهذا الالتزام . وقد قدمنا أن وعي الجماعة ضروري في قيام الالتزام الطبيعي ، ووعي بدين بالذات ضروري في تنفيه . ووجوب أن يقصد المدين الوفاء بالالتزام الطبيعي مسألة من مسائل القانون تخضع لرقابة محكمة النقض ، أما استخلاص القصد من وقائع الدعوي فمسألة واقع لا تخضع لهذه الرقابة ( [67] ) .وعلي ذلك إذا عقد المفلس صلحا ( concordat ) مع دائنيه ، ووفاهم جزءاً من الديون ، وعدهم في الوقت ذاته بوفاء الباقي إذا انصلحت حالته ( sil revient ameilleyre fortune ) ، ترك لقاضي الموضوع أن يستخلص نية المدين من وقائع الدعوي : هل قصد المدين بهذا الوعد أن يلتزم مدنيا بوفاء الباقي من ديونه فيكون هناك التزام مدني في ذمته معل علي شرط وقف هو انصلاح حاله ويكون الصلح ذاته معلقا أيضا علي شرط فاسخ هو الوفاء بهذا الالتزام المدني ، أم قصد مجرد الاعتراف بوجود التزام طبيعي في ذمته هو الوفاء بباقي ديونه متي  750  تمكن من ذلك وفي هذه الحالة لا يجبر علي الوفاء ويبقي الصلح قائما حتي ولو لم يوف بالباقي من ديونه مع قدرته علي الوفاء ( [68] )؟ فإذا قام شك هل قصد المدين بالوعد أن يلتزم مدنيا أم قصد مجرد الاعتراف بوجود التزام طبيعي ، فالشك يفسر في مصلحته ، ويكون قد قصد مجرد الاعتراف بوجود التزام طبيعي ( [69] ) .

وقد اختلف الرأي في التكييف القانوني للوعد بالوفاء ، ذهب رأي قديم إلي أنة هذا الوعد يعتبر تجديداً ( novation ) للالتزام الطبيعي . فيكون المدين والدائن قد اتفقا علي استبدال دين مدني بالدين الطبيعي ، فيصبح الالتزام الطبيعي التزاما مدنيا عن طريق التجديد بتغيير الدين ( novation par changement de dette ) ( [70] ) . وعيب هذا الرأي أنه يتعارض مع قواعد التجديد المعروفة ، إذ التجديد يفترض تعديلا في الالتزام الأصلي ، إما بتغيير محل الدين أو بتغيير سببه أو بتغيير أوصافه أو بتغيير الدائن أو بتغيير المدين . والوعد بوفاء التزام طبيعي لا يتضمن تغييراً في شيء من ذلك ، بل هو يقلب الالتزام ذاته _ محلا وسببا وأوصافا وأطرافا – من التزام إلي التزام مدني . ومن ثم اختار التقنين المدني الجديد الرأي  751  في الفقه ، واعتبر الوعد بوفاء التزام طبيعي إنشاء لالتزام مدني سببه هو التزام الطبيعي ذاته . وبذلك يكون من آثار الالتزام الطبيعي أنه يصلح سببا لإنشاء مدني ( [71] ) . فإذا وعد المدين في التزام طبيعي دائنه بوفاء التزام ، كان هذا الوعد ملزما للمدين ( [72] ) . وأجبر هذا علي تنفيذ التزامه إذا أصبح التزاما مدنيا توافرت فيه كل أركانه من رضاء ومحل وسبب .

ولما كان الوعد بوفاء التزام طبيعي ، كالوفاء الاختياري بهذا الالتزام ، يعتبر تبرعا ، فهو لا يخضع لأحكام التبرع ، بل لأحكام المعاوضات ، من حيث الشكل ومن حيث الموضوع ، شأنه في ذلك شأن الوفاء الاختياري فيما قدمناه ( [73] ) .

402 – لا يقاص التزام طبيعي في التزام مدني : تقصر آثار الالتزام الطبيعي علي جواز الوفاء الاختياري به وعلي جواز الوعد بالوفاء ، وذلك علي النحو الذ قدمناه . ففي هاتين الصورتين لم يجبر المدين علي الوفاء بالتزام الطبيعي ، بل أداه مختاراً وهو علي بينة من أمره .

  752  أما إجبار المدين علي الوفاء فلا يجوز في الالتزام الطبيعي ، ولو كان ذلك بطريق غير مباشر . ولما كانت المقاصة القانونية تتضمن وفاء إجباريا للدين ، لأن المدين يجد نفسه بمقتضي هذه المقاصة قد أدي ما عليه من الدين بما ثبت له من حق في ذمة دائنه دون أن يكون مختاراً في ذلك ، فإن المدين في التزام طبيعي إذا كان له في الوقت ذاته حق مدني في ذمة دائنه ، فحقه هذا لا ينقضي بالمقاصة القانونية في مقابلة التزامه الطبيعي ، وإلا كان في هذا إجبار له علي الوفاء بالتزامه الطبيعي ، وهذا لا يجوز ( [74] ) .

علي أن قواعد المقاصة القانونية ذاتها تقضي بذلك ، فمن شروطها أن يتساوي الدينان المتقاصان قوة وضعفا ، فلا يقاص التزام طبيعي في التزام مدني ( [75] ) . ولكن يجوز بداهة أن يتمسك الدائن ، إذا كان الحق الذي له حقا مدنيا ، بالمقاصة بين حقه هذا والتزام طبيعي في ذمته لمدينه ، إذ هو في هذه الصورة إنما يوفي بالتزامه الطبيعي اختياراً لا إجباراً ( [76] ) .

وقد كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد يتضمن نصا صريحا في عدم جواز مقاصة الالتزام الطبيعي بالتزام مدني . فكانت الفقرة الأولي من المادة 287 من هذا المشروع تنص علي أنه ” لا يقاص التزام طبيعي في التزام  753  مدني ( [77] ) . وقد حذفت هذه الفقرة في لجنة المراجعة ” لإمكان استخلاص حكمها من النصوص الواردة في المقاصة ( [78] ) ” .

403 – لا تجوز كفالة الالتزام الطبيعي : كذلك لا تجوز كفالة الالتزام الطبيعي إذا كان يقصد بالكفالة أن يترتب في ذمة الكفيل التزام مدني يضمن الدين الطبيعي المكفول ( [79] ) . ذلك أن الكفالة علي هذا النحو تفتح سبيلا لإجبار المدين علي الوفاء بالتزامه الطبيعي عن طريق غير مباشر ، إذا يجبر الدائن الكفيل علي الوفاء ، ثم يرجع الكفيل علي المدين الأصلي ، فيكون المدين بالتزام طبيعي قد أجبر في النهاية عن طريق غير مباشر علي الوفاء بالتزامه ، وهذا لا يجوز ( [80] ) .

أما الشبهة التي تقوم في شأن كفالة ناقص الأهلية فمندفعة ذلك أن المادة 777 من التقنين المدني نصت علي أن ” من كفل التزام ناقص الأهلية ، وكانت الكفالة بسبب نقص الأهلية ، كان ملزما بتنفيذ الالتزام إذا لم ينفذه المدين المكفول ” . فهذا النص قد أجاز أن يلتزم شخص بتنفيذ التزام ناقص الأهلية  754  إذا تمسك هذا بنقص أهليته . وليست هذه كفالة تبعية بالمعني المألوف ، بل هي التزام أصلي أخذه علي نفسه من تسمي بالكفيل ، وعلقه علي شرط واقف هو أن يتمسك ناقص الأهلية بنقص أهليته ليتخلص من تنفيذ التزامه ( [81] ) .

علي أنه يجوز أن يكفل الكفيل التزاما طبيعيا وتكون كفالته تبعية لا التزاما أصليا ، ولكن التزام الكفيل في هذه الحالة يكون هو أيضا التزاما طبيعيا كالتزام المكفول ، إذ لا يجوز أن تكون الكفالة بشروط أشد من شروط الدين المكفول ( م 780 مدني ) ويتحقق هذا الفرض فيما إذا كفل الكفيل ناقص الأهلية دون أن يكون عالما بنقص أهليته ، فعند ذلك يجوز للكفيل أن يتمسك بالدفوع التي يتمسك بها المدين الأصلي ( م 782 فقرة أولي مدني ) ، ومنها الدفع بنقص الأهلية ( [82] ) ، فينقلب كل من التزام المكفول ناقص الأهلية والتزام الكفيل التزاما طبيعيا . ولا يجبر أحد منهما علي الوفاء بالتزامه . لكن إذا وفاه مختاراً لم يجز له استرداده . فإن كان الذي وفي التزامه مختاراً هو المكفول ناقص الأهلية فقد قضي التزامه والتزام الكفيل معا ، لأن التزام الكفيل الطبيعي تبع لالتزام المكفول . وإن كان الذي وفي التزامه مختاراً هو الكفيل ، فقد قضي التزامه هو ولا يستطيع أن يسترده ، كما لا يستطيع الرجوع علي المكفول ناقص الأهلية بما وفي ، لأن التزام المكفول التزام طبيعي كما قدمنا لا يجبر علي وفائه ولو بطريق غير مباشر ( [83] ) .

  755  وقد كان المشروع التمهيدي يتضمن نصا صريحا في عدم جواز كفالة الالتزام الطبيعي ، هو الفقرة الثانية من المادة 278 من هذا المشروع ، إذ كانت تنص علي أنه ” لا تجوز كفالة الالتزام الطبيعي كفالة شخصية أو عينية ما دام التزام طبيعيا ” ( [84] ) . وقد حذفت هذه الفقرة في لجنة المراجعة ” لإمكان استخلاص حكمها من النصوص الواردة في الكفالة ” ( [85] ) .

( 2 ) الالتزام المدني

( Obligation civile )

404 – التنفيذ جبراً علي المدين : بعد أن فرغنا من الكلام في الالتزام الطبيعي ، لم يعد أمامنا إلا أن نواجه الالتزام المدني ، وهذه هي الصورة المألوفة للالتزام . وإذا ذكرنا منذ الآن الالتزام دون تحديد ، فإننا لا نقصد به إلا الالتزام المدني .

ولا يمكن حصر حالات الالتزام ، وإنما يحصر الالتزام بمصادره ، فهي  756  العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون ، وقد تقدم بيانها تفصيلا في الجزء الأول من هذا الكتاب .

والذي يميز الالتزام المدني عن الالتزام الطبيعي هو ، كما قدمنا ، أن الالتزام المدني ينفذ جبراً علي المدين ( م 199 فقرة أولي مدني ) ذلك أن هذا الالتزام يجتمع فيه ، كما سبق القول ، عنصراً المديونية والمسئولية ، فالمديونية تجيز الوفاء به كما في الالتزام الطبيعي ، والمسئولية تجبر علي الوفاء به خلافا للالتزام الطبيعي .

وقد رأينا فيما تقدم أن تنفيذ الالتزام إما أن يكون تنفيذا عينيا ، وإما أن يكون تنفيذا بمقابل عن طريق التعويض . ورأينا أن القاعدة الجوهرية في هذا الموضوع أن أموال المدين جميعا تكفل تنفيذ التزاماته .

فنعالج إذن – استعراضا لآثار الالتزام – هذه الموضوعات الثلاثة في أبواب ثلاثة :

الباب الأول : التنفيذ العيني .

الباب الثاني : التنفيذ بطريق التعويض .

الباب الثالث : القاعدة التي تقضي بأن أموال المدين تكفل تنفي التزاماته ، وما يكفل حقوق الدائنين من وسائل تنفيذ ووسائل ضمان .


( [1] ) مراجع : نذكر هنا المراجع العامة التي يعتمد عليها في هذا القسم ، تاركين المراجع الخاصة بكل موضوع نذكرها عند الكلام في هذا الموضوع  . وقد بينا أمام كل مرجع الطبعة التي رجعنا إليها ، فعند الإشارة إلي المرجع تنصرف الإشارة إلي هذه الطبعة  .

        الفقه الفرنسي : أوبري ورو وبارتان جزء 4 طبعة سادية – بودري وبارد الجزآن الأول والثاني طبعة ثالثة – ديموج الجزآن السادس والسابع – بلانيول وريبير وردوان جزء سابع طبعة ثانية – بيدان ولاجارد الجزآن الثامن والتاسع طبعة ثانية – دي باج الجزآن الثاني والثالث طبعة ثانية( في شرح القانون البلجيكي ) – بلانيول وريبير وبولانجيه الجزء الثاني طبعة ثالثة – كولان وكابيتان وجوليودي لامور انديير الجزء الثاني طبعة عاشرة – جوسران الجزء الثاني طبعة ثانية – داللوز انسيكلوبيدي  .

الفقه المصري : دي هلتس – هالتون – والتون – الأستاذ عبد السلام ذهني في نظرية الالتزامات – نظرية العقد للمؤلف – الموجز للمؤلف – الأستاذ حلمي بهجت بدوي في نظرية العقد – الأستاذ أحمد حشمت أبو ستيت في نظرية الالتزام _ سنة 1945 ) – الأستاذ عبد الحي حجازي في النظرية العامة للالتزام الجزء الثالث – الأستاذ إسماعيل غانم في أحكام الالتزام  .

( [2] ) بودري وبارد 1 فقرة 328 – فقرة 229 – دي باج 3 فقرة 64 وفقرة 66  .    

( [3] )وإلي هذا تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ، فتقول : ” قتر التقنين الحالي ( القديم ) في النصوص الخاصة بآثار الالتزام تقتيرا أغفل معه طائفة من أمهات المسائل التي تعرضت لها التقنينات الحديثة  . وإذا كان قد أغفل       الالتزامات الطبيعية وهي بعد مغموطة الحق في أغلب التقنينات ، فثمة مسائل أخري تتصل بآثار الالتزام يكاد يكون نصيبها من الإغفال كاملا  . وأهم هذه المسائل : التنفيذ العيني وما يقتضيه من تنظيم بالنسبة لأقساك الالتزام الثلاثة ، والتنفيذ بالغرامات التهديدية ، والتنفيذ بمقابل وبوجه خاص تبعة المدين والإعفاء منها ، وإجراءات التنفيذ وإجراءات التحفظ  . ثم أن من المسائل ما بالغ هذا التقنين في إجمال الأحكام الخاصة به مبالغة لا تخلو من الإخلال أحيانا ، كما هو الشأن في الإعذار والشرط الجزائي والفوائد والدعوي غير المباشرة والدعوي البولصية ودعوي الصورية ”  . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 494 )        

( [4] ) الوسيط جزء أول ص 30 – ص 31 – وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وقد استدرك المشروع أوجه النقص المتقدمة جميعا ، وجهد في علاج أهم وجه منها ، فعمد إلي تنظيم الإعسار دون أن يكون أمامه مثال كامل يطمئن إلي احتذائه كلما دعت الحاجة لذلك  . ويكفي أن يشار بوجه عام إلي ما تضمن هذا الباب من مسائل فقد استهل بأحكام تمهيدية أفردت في سياقها بعض نصوص للالتزامات الطبيعية ، ثم عرض بعد ذلك للالتزامات المدنية فعقد لها فصولا ثلاثة : تناول في أولها التنفيذ العيني وما يتبعه من تنفيذ بالغرامات التهديدية  . وخص الثاني بالنصوص المتعلقة بالتنفيذ بمقابل وما يتصل به من أحكام الإعذار ، وتقدير التعويص تقديراً قضائيا أو اتفاقيات أو قانونيا  . ووقف ثالثها علي ما يكفل حقوق الدائنين من وسائل التنفيذ ووسائل الضمان  . ويراعي أن وسائل التنفيذ أو الاستخلاص تنتظم دعاوي ثلاثا تتفرغ جميعا علي اعتبار الذمة ضمانا عاما للدائنين : وهي الدعوي غير المباشرة والدعوي البولصية ودعوي الصورية  .  . أما وسائل الضمان فيمثلها حق الحبس ، وقد بسطت أحكامه بسطا يسمو به إلي مرتبة الأصول العامة  . وأخيراً اختتمت نصوص هذا الفصل بالأحكام الخاصة بتنظيم الإعسار ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 494 – ص 495 )  .

( [5] ) دي باج 3 فقرة 67  .        

( [6] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 274 والفقرة الأولي من المادة 275 من المشروع التمهيدي علي الوجه الآتي : ” م 274 – يجبر المدين علي تنفيذ التزامه  . م 275 فقرة أولي – ومع ذلك إذا كان الالتزام طبيعيا ، فإن المدين لا ينفذه إلا باختياره ” وفي لجنة المراجعة أدمج النصان في نص واحد ، هو المادة 205 من المشروع النهائي ، علي الوجه الآتي :

 ” 1 – ينفذ الالتزام جبرا علي المدين  . 2 – ومع ذلك إذا كان الالتزام طبيعيا فلا جبر في تنفيذه ”  . ووافق مجلس النواب علي النص كما هو ، ثم وافق عليه مجلس الشيوخ تحت رقم 199 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 496 – ص 497 )  .    

( [7] ) انظر مع ذلك المادة 147 / 208 من التقنين المدني السابق ، وسيأتي ذكرها  .        

( [8] ) التقنينات المدنية العربية الأخري : التقنين المدني السوري م 200 ( مطابقة لنص المادة 199 من التقنين المدني المصري )  .

التقنين المدني للمملكة الليبية المتحدة م 202 ( مطابقة لنص المادة 199 من التقنين المدني المصري )  .

تقنين الموجبات والعقود اللبناني م 2 : الموجب المدني هو الذي يستطيع الدائن أن يوجب تنفيذه علي المديون ، والموجب الطبيعي هو واجب قانوني لا يمكن تطلب تنفيذه ، علي أن تنفيذه الاختياري يكون له من الشأن والمفاعيل ما يكون لتنفيذ الموجب المدني  .        

( [9] ) ومباديء الفقه الإسلامي مصدر من مصادر القانون المدني العراقي ( انظر المادة الأولي من التقنين المدني العراقي )  .       

( [10] ) وقد بحث الدكتور حسن علي الذنون في كتابه ” أحكام الالتزام في القانون المدني العراقي ” بغداد سنة 1954 ( 117 – ص 124 ) موضوع الالتزام الطبيعي علي النحو المعروف في كتب الفقه الغربي ، ولم يبين مبلغ جواز الأخذ في القانون المدني العراقي بالأحكام التي بسطها في ذلك ، بعد أن أغفل التقنين المدني العراقي الإشارة إلي الالتزام الطبيعي  .

( [11] ) استئناف مختلط 26 مايو سنة 1920 م 32 ص 337  .

( [12] ) وهذا هو الأصل في نصه الفرنسي :

Art  . 1235 : Tout paiement suppose une dette : ce qui a ete paye sans etre du, est sujet a repetition  . La repetition n’est pas admise a l’egard des obligations naturelles qui ont ete volontairement acquittees  .   

( [13] ) أنظر التقنين المدني الألماني 814 – وتقنين الالتزامات السويسري م 72 فقرة 2 – والتقنين الأرجنتيني م 516 – 518 والتقنين الشيلي م 1470 و 1472 و 1630  . وكذلك فصل تقنين الموجبات والعقود اللبناني أحكام الالتزام الطبيعي في المواد من 2 إلي 8  .

( [14] ) وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” اختص المشروع الالتزامات الطبيعية بمواد أربع  . ويراعي أن هذه الالتزامات تمتاز عن غيرها ، بوجه خاص ، بما يكون لها من آثار  . فسمة الالتزام الطبيعي هي اجتماع مكنة ترتيب الأثر القانوني وفكرة انتفاء الجزاء ، ولهذا كان الباب المعقود لآثار الالتزام خير موضع لأحكامها  . ومهما يكن من أمر الوضع ، فليس شك في أنه يفضل وضعها في التقنين الحالي ( السابق ) ، حيث أجملت كل الإجمال ، في معرض القواعد الخاصة بدفع غير المستحق : انظر المادة 147 / 208 من التقنين المصري( السابق ) وإذا كان من غير الميسور بيان صور الالتزام الطبيعي علي سبيل الحصر ، فليس ثمة بد من أن يترك أمرها لتقدير القضاء ، ليقرر في أي الأحوال وبأي الشروط يعتبر الواجب الأدبي واجبا يعترف به القانون  . وليس يحد من سلطان القضاء في هذا الشأن إلا وجوب مراعاة النظام العام والآداب ، فلا يجوز له إقرار الالتزام الطبيعي بأي حال متي كان مخالفا لهما : انظر المادة 206 فقرة 2 من المشروع  . ويختلف عن ذلك شأن ما يترتب علي الالتزام الطبيعي من آثار ، فمن الميسور تحديدها تقريبيا ، ولاسيما أنها جد قليلة  . ومن المأثور أن الالتزام الطبيعي في القانون الحديث يفترق عن صنوه عند الرومان بأنه أكثر صوراً في نطاق التطبيق ، وأقل إنتاجا في نطاق الآثار ، وهو بهذا يعوض في ناحية ما يفوته في الناحية الأخري  . وتنحصر هذه الآثار في أمرين لا أكثر : أولهما أن أداء المدين اختياراً لما يجب عليه بمقتضي التزام طبيعي يكون له حكم الوفاء ولا يعتبر تبرعاً : المادة 207 من المشروع  . والثاني أن هذا الالتزام يصلح سببا لالتزام مدني  . وفيما عدا هذين الأثرين لا يرتب الالتزام الطبيعي أي أثر آخر ، فلا يجوز علي وجه الخصوص أن يقاض في التزام مدني أو أن يكفل كفالة شخصية أو عينية ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 495 – ص 496 )  .

( [15] ) انظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 497 )  .    

( [16] ) مراجع : بنكاز ملحق بودري جزء خامس – ديموج جزء أول – ريبير في القاعدة الخلقية فقرة 186 وما بعدها – بلانيول ( مقال له في المجلة الانتقادية سنة 1913 ) – بيرو ( Perreau ) ( مقال له في مجلة القانون المدني الفصلية سنة 1913 ) – بارو ( Barraud ) رسالة من باريس سنة 1908  . أيونسكو ( Ionesco ) رسالة من باريس سنة 1912 – سيفير ( Sieffert ) رسالة من بارسينة سنة 1915 – برو ( Barreau ) رسالة من كان سنة 1915 – سافاتييه ( Savatier ) رسالة من بواتييه سنة 1916 – سندرييه ( Cendrier ) رسالة من باريس سنة 1932  .

( [17] ) الوسيط الجزء الأول فقرة 9 ص 108 هامش رقم 1  .   

( [18] ) انظر في كل هذا الموجز للمؤلف فقرة 457 – وانظر أيضا : استئناف مختلط 26 مايو سنة 1920 م 32 ص 337  .     

( [19] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في الفقرة الثانية من المادة 275 من المشروع التمهيدي علي الوجه الآتي : ” ويقرر القاضي ، عند عدم النص ، متي يعتبر الواجب الأدبي التزاما طبيعيا  . وفي كل حال لا يجوز أن يقوم التزام طبيعي يخالف النظام العام ”  . وفي لجنة المراجعة جعلت هذه الفقرة مادة مستقلة مع تحوير في اللفظ جعلها مطابقة لما استقرت عليه في التقنين الجديد ، وأصبح رقمها 206 في المشروع النهائي  . ووافق عليها مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 200( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 498 – ص 499 )  .

( [20] ) التقنينات المدنية العربية الأخري : التقنين المدني السوري م 201( مطابقة لنص المادة 200 من التقنين المدني المصري )  .

التقنين المدني للمملكة الليبية المتحدة م 203 : يقدر القاضي ، عند عدم النص ، ما إذا كان هناك التزام طبيعي يقوم علي أساس واجب أدبي أو اجتماعي  . وفي كل حال لا يجوز أن يقوم التزام طبيعي يقوم علي أساس واجب أدبي أو اجتماعي  . وفي كل حال لا يجوز أن يقوم التزام طبيعي يخالف النظام العام  . ( ولا فرق قي الحكم ما بين هذا النص ونص التقنين المصري )  .      تقنين الموجبات والعقود اللبناني م 3 : للقاضي ، عند انتفاء النص ، أن يفصل فيما إذا كان الواجب المعنوي يتكون منه موجب طبيعي أو لا  . ولا يمكن أن يكون الموجب الطبيعي مخالفا لقاعدة من قواعد الحق العام ( ولا فرق أيضا في الحكم ما بين هذا النص ونص التقنين المصري )  . 

( [21] )فالقاضي يأتي وراء المشرع في تحديد الالتزامات الطبيعية فإذا ما وقف المشرع قام القاضي بدوره ( انظر جوسران 2 فقرة 718 )  . 

( [22] ) بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 984 – قارن دي باج 3 فقرة 62 ص 73  . 

( [23] ) وليس هذا العدد بأقل مما كان في القانون الروماني ، بل لعله أكبر  . ذلك أنه إذا كان كثير من الالتزامات التي كان القانون الروماني يعتبرها التزامات طبيعية ، عن طريق اختلال الشكل أو عن طريق النظم الرومانية الخاصة كنظام الرق ونظام السلطة الأبوية ، قد أصبحت الآن التزامات مدنية ، فقد نبتت من جهة أخري التزامات طبيعية كثيرة استجدت في القانون الحديث عن طريق تسرب العوامل الخلقية والأدبية والاجتماعية إلي منطقة القانون  .

( [24] ) كولان وكاييتا مورانديير 2 فقرة 460  .

( [25] ) بوتييه في الالتزامات فقرة 191  .

( [26] ) بودري وبارد 2 فقرة 1654 ص 743

( [27] )وإلي هذه النظرية الحديثة يشير الحكم الآتي من محكمة الاستئناف المختلطة : قصدت المادة 208 ، بأحلالها لفظ ” الواجب ” محل عبارة ” الالتزام الطبيعي ” الواردة في المادة 123 من التقنين المدني الفرنسي ، أن تتوسع في فكرة الالتزام الطبيعي ، فتجعلها أكثر اتساقا مع حالة من الحضارة التزمت مستوي عاليا في فهم الشرف ( honneur ) ودقة السلوك ( delicatessen ) فيوجد الالتزام الطبيعي في جميع الأحوال التي يلتزم فيها شخص نحو آخر ، مدفوعا في ذلك ، لا فحسب بوازع من الضمير ( conscience ) أو بوازع من الشرف ( honneur ) ، بل أيضا بوازع من دقة السلوك( delicatessen ) ( استئناف مختلط 13 ديسمبر سنة 1928 م 41 ص 111 )  .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في ها الصدد ما يأتي : ” تعرض الفقرة الثانية من هذه المادة لصور الالتزام الطبيعي ، فتكل أمر الفصل فيها إلي تقدير القاضي ، لتعذر الإحاطة بها علي سبيل الحصر  . والحق أن أحكام القضاء حافلة بضروب من الواجبات الأدبية أنزلت منزلة الالتزامات الطبيعية  . علي أن الفقه يقسم تطبيقات الالتزام الطبيعي تقسيما سهل المأخذ ، فيردها إلي طائفتين : تنتظم أولاهما ما يكون أثراً تخلف عن التزام مدني تناسخ حكمه ، كما هو شأن الديون التي تسقط بالتقادم أو تنقضي بتصالح المفلس مع دائنيه أو يقضي ببطلانهم لعدم توافر الأهلية  . ويدخل في الثانية ما ينشأ واجبا أدبيا من الأصل ، كالتبرعات التي لا تستوفي فيها شروط الشكل ( الصحيح أن تنفيذ هذه التبرعات إنما هو إجازة لها وليس تنفيذا لالتزام طبيعي كما سنري ) ، والتزام الشخص بالإنفاق علي ذوي القربي ممن لا تلزمه نفقتهم قانونا ، والالتزام بإجازة شخص علي خدمة أداها ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 498 – ص 499 )  .

هذا ويذهب دي باج الي أن الالتزام الطبيعي لا وجود له  . فهو قبل تنفيذه أو الاعتراف به سببا لالتزام مدني ، لا يمكن أن يكون له أثر قانوني ، فليس له وجود  . وهو بد تنفيذه أو الاعتراف به سببا لالتزام مدني ، يكون قد حل محله التزام مدني ، فلم يعد له وجود  . فلا يوجد إذن التزام طبيعي بهذا الوصف في أية مرحلة من المرحلتين ( دي باج 3 ص 64 – ص 66 ) وهذا النظر يغفل أن من الواجبات الأدبية ما يمكم أن يصبح التزاما مدنيا بتنفيذه أو بالاعتراف به سببا لالتزام مدني ، ومنها ما لا يصلح لذلك  . فالأولي دون الثانية هي التي تسمي بالالتزامات الطبيعية  . والواقع من الأمر أن الالتزام الطبيعي قبل تنفيذه أو الاعتراف به سببا لالتزام مدني له وجود قانوني محقق ، إذ هو في هذه المرحلة الأولي التزام قابل للتنفيذ الاختياري وقابل لأن يكون سببا لالتزام مدني ، وهذا كاف في ثبوت وجوده القانوني  .

ويذهب بودري وبارد ( جزء 2 فقرة 1668 وما عدها ) مذهبا ضيقا في الالتزام الطبيعي ، فيحصره في حالات قليلة هي أقرب أي النظرية التقليدية  .

ويتحفظ بارتان ( في تعليقاته عل أوبري ورو ) ويري الوقوف موقفا معتدلا ما بين النظرية التقليدية التي تضيق في حالات الالتزام الطبيعي تضييقا شديدا والنظرية الحديثة التي توسع في هذه الحالات توسيعا مفرطا ، وهو عين الموقف المعتدل الذي وقفه أوبري ورو من هذه المسألة ( أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 17 وهامش رقم 26 مكرر ) علي أنه يبدو أن أوبري ورو وسعا في حالات الالتزام الطبيعي دون أن يصرحا بوجود التزام طبيعي قائم ، واكتفيا بالقول إن الاسترداد لا يجوز في هذه الحالات ، وأن ما لا يسترد الوفاء به ليس من الضروري أن يكون التزاما مدنيا أ التزاما طبيعيا ( أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 18 – ص 21 وهامش رقم 28 )  .

أما بلانيول ( انظر مقاله في المجلة الانتقادية سنة 1913 ص 157 وما بعدها ) فيري أن هناك تقارباً مستمراً ما بين الالتزام الطبيعي والواجب الأدبي ، فيتوسع في نظرته إلي الالتزام الطبيعي ، وهو من مؤسسي النظرية الحديثة  . كذلك يعد كولان وكابيتان ( جزء 2 فقرة 467 ) وريبير ( القاعدة الأدبية في الالتزامات المدنية فقرة 186 وما بعدها ) وبلانيول وريبير وبولانجيه ( جزء 2 فقرة 1334 ) وجوسران ( جزء 2 فقرة 717 ) من أقول أنصار النظرية الحديثة  .

ويلاحظ أن قواعد الآداب والأخلاق تقترب إلي القانون من جملة أبواب : أحدها فكرة النظام العام والآداب ، والثاني فكرة التعسف في استعمال الحق ، والثالث فكرة الالتزام الطبيعي  .

( [28] ) وهذا هو أيضا حكم القانون الفرنسي ( أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 16 – بيدان ولاجارد 8 فقرة 685 – كولان وكابيتان ومورانديير 2 فقرة 464 ص 339 ) أما إذا دفع المدين فوائد لا تزيد علي السعر الذي يفرضه القانون ، ولكن دون سابق اتفاق علي دفع هذه الفوائد ، فإن المادة 1906 من التقنين المدني الفرنسي تنص صراحة علي أن المدين لا يستطيع أن يسترد ما دفعه من الفوائد ، فيكون دفع الفوائد في هذه الحالة وفاء لالتزام طبيعي  . انظر أيضا في هذا المعني : استئناف مختلط 17 ديسمبر سنة 1896 م 9 ص 60  . 

( [29] ) أما التقنين المدني الفرنسي ( م 1967 ) فيقضي ، علي النقيض من ذلك ، بأنه من خسر في القمار ، ودفع ما خسره عن طواعية واختيار ، لا يستطيع أن يسترد ما دفعه  . ويقول الفقهاء الفرنسيون إن هذا النص لا يجعل م دين القمار التزاما طبيعيا ، فإن هذا الدين لا يصلح سببا لالتزام مدني  . وإذ كان لا يجوز استرداده بعد فعه ، فذلك لأن القانون أراد – إشعاراً بمقته للقمار وإمعانا في كراهيته – أن يتجاهله بتاتا ، فلا يسمح بدفعه ، ولا يسمح باسترداده إذا دفع ، تطبيقا للقاعدة المعروفة : لا يجوز لأحد أن يحتج بغض صدر من جانبه Nemo auditor turpitudimum suam allegans ( بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 1335 – جوسران 2 فقرة 714 ص 389 )  . ويعقب بعض الفقهاء علي هذا التعليل الغريب بأن المشرع زاد دين القمار قوة من حيث أراد أن يزيده ضعفا ، فانعكس عليه الغرض ( بيدان ولاجارد 8 فمقرة 686 )  . قارن مع ذلك أوبري ورو ويعتبران دين القمار مشروعا في ذاته ، ولكن رفض المشرع أن يجعل تنفيذه جبراً عن طريق الدعوي لأسباب اجتماعية ( جزء رابع فقرة 297 ص 10 – ص 11 ) ، ويذهبان إلي أن عدم إمكان تحويل دين القمار إلي دين مدني إنما هو استثناء من قاعدة إمكان تحويل الالتزام الطبيعي إلي التزام مدني ( ص 14 ) انظر أيضا في أن دين القمار التزام طبيعي : كولان وكابيتان وموانديير 2 فقرة 464 ص 338 – 339 وفي مصر – قبل التقنين المدني الجديد الذي اشتمل علي نص صريح في جواز استرداد دين القمار علي ما رأينا – كان العمل جاريا في الغالب علي حكم القانون الفرنسي الذي قدمناه ، فكان دين القمار لا يسترد باعتبار أنه من ديون الشرف ( dettes dhonneur ) ( استئناف مختلط 6 يناير سنة 1903 م 15 ص 79 – أول أبريل سنة 1903 م 15 ص 220 – الموسكي 26 فبراير سنة 1931 مجلة القانون والاقتصاد السنة الأولي 125 ص 14 )  . وقد قضت محكمة المنشية يجواز الاسترداد لعدم المشروعية ( 14 أبريل سنة 1931 المحاماة 12 ص 793 )  . انظر أيضا : والتون 1 ص 28 – ص 32 – الموجز للمؤلف فقرة 460 ص 466 – ص 467  .

وفي لبنان ” يعد دين المقامرة أو المراهنة التزاما طبيعيا ، لأنه وإن كان لا يخول الرابح حق المداعاة بشأنه ، لكنه لا يجيز للخاسر استرداد ما دفعه اختياراً ” ( الدكتور صبحي المحمصاني في آثار الالتزام في القانون المدني اللبناني ص 75 )  .

( [30] ) الوسيط جزء أول فقرة 338  .        

( [31] ) وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ، في خصوص العناصر الثلاثة للالتزام الطبيعي ، ما يأتي : ” ويتعين علي القاضي عند الفصل في أمر الالتزامات الطبيعية أن يتحقق أولا من قيام واجب أدبي ، وأن يتثبت بعد ذلك من أن هذا الواجب يرقي في وعي الفرد أو في وعي الجماعة إلي مرتبة الالتزام الطبيعي ، وأن يستوثق في النهاية من أن إقراره علي هذا الوجه لا يتعارض مع النظام العام  . هذا وقد تشير بعض النصوص إلي تطبيقات من تطبيقات الالتزام الطبيعي ، ومن ذلك ما نصت عليه الفقرة الأولي من المادة 523 من المشروع إذ قضت بأن الدين الذي ينقضي بالتقادم يتخلف عنه التزام طبيعي ” مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 499 )  .  

( [32] ) ويلاحظ أن هذه الطائفة من الالتزامات تقوم هي أيضا علي اعتبارات أدبية ، ولا تقل في هذه الناحية عن الطائفة الثانية  .     

( [33] ) أما العقد القابل للإبطال لعيب من عيوب الإرادة – غلط أو تدليس أو إكراه – فلا يتخلف عن إبطال التزام طبيعي ، لما لحق الإرادة من انحراف لا يتفق مع فكرة الالتزام الطبيعي ( أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 10 هامش رقم 5 )  .  

( [34] ) استئناف أهلي 26 ديسمبر سنة 1914 الحقوق 30 ص 331 – انظر بيدان ولاجارد 8 فقرة 683 – وقارن دي باج 3 ص 70  .

وهذا غير التزام القاصر بالتعويض إذا لجأ إلي طرق احتيالية ليخفي نقص أهليته ( م 119 مدني ) فهذا التزام مدني مصدره العمل غير المشروع ، أما الآخر فالتزام طبيعي تخلف عن التزام مدني مصدره العقد  .

ويقال عادة إن كفالة ناقص الأهلية بسبب نقص أهليته ( م 777 مدني ) دليل علي أن التزام ناقص الأهلية بعد إبطال العقد قد انقلب التزاما طبيعيا تكون كفالته صحيحة  . والصحيح في رأينا ان الكفالة في هذه الحالة ليست التزاما تبعيا ، بل هي التزام أصلي عقده الكفيل معلقا علي شرط واقف هو أن يتمسك ناقص الأهلية بإبطال العقد ، فيكون الكفيل عندئذ ملزما بتنفيذ العقد الذي لم ينفذه القاصر  . وسنعود إلي هذه المسألة  .      

( [35] ) انظر الأعمال التحضيرية جزء 2 ص 499 وجزء 4 ص 252 و ص 254  . وانظر أيضا محكمة الإسكندرية الكلية 13 مايو سنة 1930 المحاماة 11 رقم 324  .     

( [36] ) وهذا ما قررناه في الجزء الأول من الوسيط  . وقد جاء فيه ما يأتي  . ”  .  .  . الشكل من صنع القانون ، وهو الذي يعين له الجزء الكافي في حالة الإخلال به  . فقد يجعل العقد الذي لم يستوف الشكل المطلوب باطلا لا ترد عليه الإجازة ، وقد يسمح بإجازته كما في الهبة الباطلة شكلا ( م 489 جديد ) ، وقد يجعل الشكل من المرونة بحيث يقبل أن يستكمل ، وأن يحتج به في فرض دون فرض كما في شركات التضامن والتوصية ( الوسيط جزء أول ص 255 في الهامش وانظر أيضا فقرة 301 ص 492 )  . انظر أيضا من هذا الرأي الأستاذ إسماعيل غانم في أحكام الالتزام فقرة 155 ص 222 هامش رقم 2  . وقارن : الموجز للمؤلف ص 467 هامش رقم 2 – والتون 1 ص 27  .

وفي التقنين المدني الفرنسي تقصر المادة 1340 إمكان التنفيذ الاختياري للهبة الباطلة في الشكل علي ورثة الواهب دون الواهب نفسه ويذهب بعض الفقهاء الفرنسيين إلي القول بتخلف التزام طبيعي من الهبة الباطلة في الشكل في جانب ورثة الواهب ( بلانيول وريبير ودوان 7 فقرة 990 – بيدان ولاجارد 8 فقرة 683 ص 498 ) – قارن بودري وبارد ( جزء 2 فقرة 1671 – فقرة 1672 ) ، ومن رأيهما أن الهبة تكون باطلة بطلان مطلقا لانعدام الشكل ، حتي إذا مات الواهب كانت هذه الهبة ذاتها بالنسبة إلي الورثة قابلة للإبطال! ويصعب التسليم بأن البطلان المطلق ينقلب إلي بطلان نسبي بموت الواهب  .       

( [37] ) أما قبل التمسك بالتقادم فالالتزام يبقي مدنيا ( انظر المادة 387 مدني – وقارن بيدان ولاجارد فقرة 683 ص 497 )  .      

( [38] ) استئناف أهلي 26 ديسمبر سنة 1914 الحقوق 30 ص 331 – 9 مارس سنة 1915 الحقوق 30 ص 332 – محكمة مصر الكلية 27 مايو سنة 1931 المحاماة 12 رقم 434 ص 880 – وقارن الأستاذ عبد المنعم البدراوي رسالته في التقادم فقرة 208 ص 399 – ص 200  .     

( [39] ) بيدان ولاجارد 8 فقرة 683 ص 497 – ص 498  .             

( [40] ) أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 13 – بيدان ولاجارد 8 فقرة 683 ص 497 – أما إذا تعهد المفلس أن يدفع الباقي من ديونه إذا تحسنت حالته ( s’il revient a meilleure fortune ) ، فقد يفسر هذا التعهد بأنه التزام مدنى أو بأنه مجرد تقرير للالتزام الطبيعى ، حسبما يتبين من نية المدين ، وتستخلص هذه النية من الظروف والملابسات وعبارة التعهد  . وسنعود إلى هذا المسألة فيما يلى ( أنظر فقرة 401 ) ويشبه بارتان بالمدين المفلس الذي يصطلح مع دائنيه مديناً تعهد أن يدفع بسعر الذهب أو بسعر عملة أجنبية  . فإذا كان هذا التعهد – باعتباره تعهداً – مدنياً – باطلاً ، ولكن المدين مع ذلك دفع بسعر الذهب أو بسعر العملة الأجنبية المتفق عليها ، فإنه لا يستطيع أن يسترد ما دفعه زائداً عن سعر العملة الورقية ذات السعر الإلزامى ، لأنه إنما وفى التزاماً طبيعياً ( أو برى ورو 4 فقرة 297 ص 12 هامش رقم 13 )  . ولا يتفق هذا الرأى ، إذا اعتبرنا شرط الذهب باطلاً لمخالفته للنظام العام ، مع المبدأ الذي قدمناه من أن الالتزام الطبيعى لا يجوز أن يقوم مخالفاً للنظام العام  .

( [41] ) أما إذا كان الالتزام المدني لا يجوز إثباته إلا بالكتابة ، ولم توجد كتابة للإثبات ، ولم يصدر حكم حاز حجية الأمر المقضي برفض الدعوي بهذا الالتزام ، فإنه يبقي التزاما مدنيا ولا ينقلب التزاما طبيعيا  . لكنه يكون التزاما غير ثابت ، ويجوز أن يثبت بعد ذلك بالإقرار أو باليمين  . وإذا دفعه المدين لا يستطع استرداده ، لا لأنه يدفع التزاما طبيعيا لا يسترد ، بل لأنه يدفع التزاما مدنيا أقر به بمقتضي دفعه  . إياه ومن ثم يكون الدفع صحيحا ، ولا يجوز الاسترداد ، حتي لو كان المدين وهو يدفع الدين يعتقد عن غلط أن إثباته يجوز أن يكون بالبينة وألا مناص من دفعة ( قارن الأستاذ أحمد حشمت أبو ستيت في نظرية الالتزام فقرة 664 )  . 

( [42] ) بودري ربارد 2 فقرة 1666 وما بعدها  .       

( [43] ) أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 11  .  

( [44] ) قارن بودري وبارد 2 فقرة 1670 : ويشترطان أن تكون الخدمة مما يمكن تقديره بمال وألا تكون الجائزة أكبر بكثير من الأجر المعتاد علي مثل هذه الخدمة  .      

( [45] ) قارن بودري وبارد 2 فقرة 1669  .   

( [46] ) أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 11 – الموجز للمؤلف فقرة 460 – قارن بودري وبارد 2 فقرة 1668 ص 765 وفقرة 1669 مكررة – والتون 1 ص 33 – ص 34  .

ويعد التزاما طبيعيا التزام المطلق بالنفقة علي مطلقته بعد أن عاش معها مدة طويلة ، ثم طلقها في وقت لا تستطيع فيه أن تبدأ حياة جديدة ودون أن تكون هناك أسباب خطيرة تدعو إلي الفرق ( استئناف مختلط 13 ديسمبر سنة 1928 م 41 ص 111 )  .

( [47] ) وهذا صحيح فيما إذا كان الالتزام مصدره العقد  . أما إذا كان له مصدر آخر ، فيبقي التزاما طبيعيا ، دون أن يرجع ذلك إلي الرضاء ، بل إلي سبق وجود التزام مدني عاقة مانع – يرجع إلي الصنعة القانونية لا إلي طبائع الأشياء – من أن يولد آثاره كالتزام مدني  .

( [48] ) الوسيط الجزء الأول فقرة 905  .     

( [49] ) وعندما يجاوز القانون المنطقة السلبية إلي المنطقة الإيجابية – يجاوز النهي عن الإضرار بالغير الإثراء علي حساب الغير إلي الأمر بالتعاون والتضامن والمساعدة ( انظر الوسيط الجزء الأول فقرة 904 – فقرة 905 ) – يكون تدخله في المنطقة الإيجابية في أناة وحذر ، ويسبق الالتزام الطبيعي الالتزام المدني ، فهو طليعته ، يتحسس له الطريق ، ثم يعبده  .

( [50] ) تاريخ النصوص : م 201 – ورد هذا النص في المادة 276 من المشروع التمهيدي علي الوجه الآتي : ” لا يسترد المدين ما أداه باختياره وفاء لالتزام طبيعي ”  . وفي لجنة المراجعة حور النص تحويراً جعله أدق في الدلالة علي المعني ، فأصبح مطابقا لما استقر عليه في التقنين الجديد ، وأصبح رقم المادة 207 في المشروع النهائي  . ووافق مجلس النواب علي النص ، ثم وافق علي مجلس الشيوخ تحت رقم 201 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 500 – ص 201 )  .

م 202 ورد هذا النص في المادة 277 من المشروع التمهيدي علي الوجه الآتي : ” يصلح الالتزام الطبيعي ، إذا اعترف المدين به ، سببا لالتزام مدني ” ؟ وفي لجنة المراجعة حور النص علي الوجه الآتي : ” الالتزام الطبيعي إذا اعترف المدين به يصلح سببا لالتزام مدني ” ، وأصبح رقم المادة 208 في المشروع النهائي  . ووافق مجلس النواب علي هذا النص : وفي لجنة مجلس الشيوخ أثارت عبارة ” إذا اعترف المدين به ” شبهة ، فقد يظن أن المقصود منها أن مجرد الاعتراف بالالتزام الطبيعي ينقله إلي التزام مدني  . فذكر في دفع هذه الشبهة أن هذه المادة قد حسمت خلافا قائما بين الفقهاء فالبعض يقول إن الاعتراف يعتبر تجديداً له ، وهذا القول مردود بأن التجديد يكون في هذه الحالة قائما علي غير سبب  . والبعض الآخر يقول أن الاعتراف بالالتزام الطبيعي يصلح أن يكون سببا للالتزام المدني  . وقد أخذ المشروع بهذا الرأي الأخير ، فالمقصود من النص هو أن الاعتراف بالالتزام الطبيعي يصلح أن يكون سببا لالتزام مدني ، لا أن يكون سببا لتحويل الالتزام الطبيعي إلي التزام مدني  . وبعد مناقشة استقر رأي اللجنة علي حذف عبارة ” إذا اعترف المدين به ” دفعا للشبهات ، وعلي أن يثبت في المحضر أن مجرد الاعتراف لا يصلح أن يكون وحده سببا كافيا لتحويل الالتزام من طبيعي إلي مدني  . وبذلك أصبح نص المادة علي الوجه الذي استقر عليه في التقنين الجديد ، وأصبح رقمها 202  . ووافق مجلس الشيوخ علي المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 502 – ص 505 )  .

( [51] ) م 147 / 208 من التقنين المدني السابق : ” إنما من أعطي باختياره شيئا لآخر ، وفاء لدين يعتقد ملزوميته به ولو لم يوجبه القانون ، لا يكون له استرداده ”  . وهذا النص يتفق في الحكم مع نص التقنين الجديد  . ولم يستحدث هذا التقنين حكما جديداً في موضوع الالتزام الطبيعي ، ولكنه جعل النصوص أكثر جلاء ووضوحا مما كانت عليه في التقنين السابق  .

( 5 ) التقنينات المدنية العربية الأخري : التقنين المدني السوري م 202 – 203 ( مطابقتان للمادتين 201 – 202 من التقنين المدني المصري )  .

التقنين المدني للمملكة الليبية المتحدة م 204 – 205 ( مطابقتان للمادتين 201 – 202 من التقنين المدني المصري )  .

تقنين الموجبات والعقود اللبناني م 4 : أن ما يفعله المرء عن علم لتنفيذ موجب طبيعي لا يصح استرداده ولا يعد تبرعا ، بل يكون له شأن الإيفاء – م 6 : الاعتراف بموجب طبيعي ، ولو صريحا ، لا يكون من شأنه أن يحوله إلي موجب مدني  . ومثل هذا التحويل لا يمكن أن ينشأ إلا عن تجديد ( novation ) التعاقد – م 8 : إن العهود المقطوعة لضمان تنفيذ موجب طبيعي ( les engagements pris pour assurer l’execution d’une obligation naturelle ) تخضع من حيث الشكل والأساس لأحكام العقود ذات العوض  . ( وهذه النصوص لا تختلف في جمله أحكامها عن نظائرها في التقنين المصري : أنظر الدكتور صبحي المحمصاني في أحكام الالتزام في القانون المدني اللبناني ص 76 – إلا أن التصوير الفني في التقنين اللبناني لتحوي الالتزام الطبيعي إلي التزام مدني هو طريق التجديد ( novation ) ، وهذا التصوير هو الذي كان سائداً ، ثم عدل عنه إلي التصوير الذي أخذ به التقنين المصري الجديد وهو جعل الالتزام الطبيعي سببا لإنشاء التزام مدني  . ثم إن التقنين اللبناني في المادة 8 منه أكد فكرة أن الوفاء بالالتزام الطبيعي أو الاعتراف به بمقتضي عهد مقطوع لضمان تنفيذه لا يعد تبرعا ، ومن ثم لا يخضع ، من حيث الشكل والموضوع لأحكام التبرعات ، بل يخضع لأحكام المعاوضات )  .

( [52] ) وقد قدمنا عند الكلام في الدفع بعدم تنفيذ العقد أنه لا يجوز للمدين أن يدفع بعدم تنفيذ التزام طبيعي ليمتنع عن تنفيذ التزام مدني ، وإلا كان في هذا تنفيذ جبري للالتزام الطبيعي بطريق غير مباشر ( الوسيط جزء أول فقرة 495 )  . وسنري أن هذا يصدق أيضا في الحق للحسب الذي يعتبر بعدم تنفيذ العقد صورة من صورة( بودري وبارد 2 فقرة 1682 – عكس ذلك هيك 7 فقرة 169 ص 236 – ص 237 ، وقد تأثر هيك بالقانون الروماني ، ولكنه غفل عن أن هذا القانون كان يجيز أيضا المقاصة فلا تعارض فيه ، أما القانون الحديث فلا يجيز المقاصة لأنها وفاء إجباري ، ووجب أيضا لنفس السبب ألا يجيز الحبس )  .

( [53] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ويشترط لصحة هذا الوفاء أن يقوم به المدين من تلقاء نفسه دون إجبار ، وان يكون حاصلا عن بينة منه ، اى وهو يدرك أنه يستجيب لمقتضى إلتزام طبيعى لا يكفل له القانون جزاء ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 500 )  . وقد كان هذا هو أيضا حكم التقنين المدنى السابق : استئناف مختلط 15 إبريل سنة 1880 بوريللى م 208 رقم 1 – 2 ديسمبر سنة 1920 م 32 ص 46 – 10 مايو سنة 1927 م 39 ص 452 – استئناف مصر 28 مارس سنة 1953 المحاماة 16 رقم 412 ص 898 – دى هلتس ( execution – paiement ) فقرة 157  .

وكان القانون الرومانى لا يجيز استرداد ما دفع وفاء لالتزام طبيعى حتى لو كان المدين اعتقد وقت الوفاء أن التزامه مدنى  . وفى هذا الحكم – وغيره من الاحكام كما سنرى – يبين أن القانون الرومانى كان يرتب على الالتزام الطبيعى آثارا أبعد مدى مما يرتب القانون الحديث  .

وسار القانون الإيطالى وكذلك المشرع الفرنسى الإيطالى ( م 66 ) على هذا النهج ، فاكتفيا بأن يكون الدفع تلقائيا spontane ، فيجوز الاسترداد إذا كان الوفاء نتيجة تدليس أو إكراه لأن الوفاء لا يكون فى هاتين الحالتين تلقائيا ، ولا يجوز الاسترداد إذا كان الوفاء نتيجة غلط لان الغلط لا يمنع من تلقائية الوفاء

( كولان وكابيتان وموانديير 2 فقرة 468 ص 342 – وفى هذا المعنى الاستاذ عبد السلام ذهنى فقرة 379 )  .

ولكن الرأى الراجح فى الفقه – وهو الرأى الذى سار عليه التقنين المصرى_ هو ان يكون وفاء الالتزام الطبيعى عن بينة واختيار ، فلا يشوبه غلط أو تدليس أو إكراه  . ويبسط الأستاذان بودرى وبارد هذا الرأى فى العبارات الآتية : ” وعلى ذلك لا يكفى فى عدم جواز الاسترداد ان يكون الوفاء قد تم عن اختيار librement بل ولا أن يكون قد تم تلقائيا spontanement ، وإنما يستوجب القانون أن يكون الوفاء قد تم عن علم sciemment ، أى عن بينة من الأمر ( بوردى وبارد 2 فقرة 1674 )  .

Ainsi, pour que le paiement echappe a la repetition, il ne suffit pas qu’il ait eu lieu librement, ni meme spontanement, la loi veut qu’il ait ete fait sciemment, c ” est a dire en connaissance de cause  .

هذا ويخضع الوفاء بالالتزام الطبيعى فى غثباته للقواعد العامة فى الغثبات ( بلانيول وريبير ورودان 7 فقرة 993 ص 232 – ص 333 )  .

( [54] ) الأستاذ إسماعيل غانم في أحكام الالتزام فقرة 159 ص 230 – ص 231  .

( [55] ) ونري من ذلك أن الالتزام الطبيعي إنما يتأكد وجوده وقت انقضائه ( انظر في هذا المعني جوسران 2 فقرة 719 )  .

( [56] ) وقد نص تقنين الموجبات والعقود اللبناني ( م 8 ) علي ذلك صراحة كما سبق القول  . 

( [57] )هيك 8 فقرة 5 – ديمولومب 27 فقرة 49 – أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 15 – ودري وبارد 2 فقرة 1674 مكررة – بلانيول وريبير وردوان 2 فقرة 992 ص 329 – بيدان ولاجارد 8 فقرة 689 ص 503 هامش رقم 1  .

( [58] ) هيك 8 فقرة 5 – ديمولومب 27 فقرة 50 – بودري وبارد 2 فقرة 1674 يكررة  .

( [59] ) انظر في هذا المعني بيرو ص 107 ، الأستاذ أحمد حشمت أبو ستيت في نظرية الالتزام فقرة 666 ص 499 – المذكرة الإيضاحية للمشورع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية جزء 2 ص 501  .      

( [60] ) انظر الموجز فقرة 462 ص 468 هامش رقم 2  .      

( [61] ) بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 992 ص 328 – ص 329 – بيدان ولاجارد 8 فقرة 692 – كولان وكابيتان وموانديير 2 فقرة 468 ص 343 – الأستاذ إسماعيل غام في أحكام الالتزام فقرة 161  .   

( [62] ) وقد أوردت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي هذه النتائج ، التي تترتب علي أن الوفاء بالالتزام الطبيعي إنما هو وفاء لا تبرع ، علي الوجه الآتي : ” فإذا تحقق هذا الشرط ( حصول الوفاء عن بينة واختيار ) كان الأداء المدين حكم الوفاء لا حكم التبرع  . ويتفرع علي ذلك نتائج أربع : أولاها امتناع المطالبة برد ما دفع ، فهو لم يؤد وفاء لدين غير مستحق أو تبرعا يجوز الرجوع فيه ، وإنما أدي وفاء لما هو واجب دون أن تحدو نية للتبرع عليه  . والثانية عدم اشتراط شكل خاص للوفاء بالالتزام الطبيعي ، علي خلاف التبرعات فيغلب فيها اشتراط ذلك والرابعة اعتبار أداء المدين وفاء لا تبرعا ، وبوجه خاص فيما يتعلق بتطبيق أحكام الدعوي البولصية ( وقد خالفنا هذا الرأي فيما قدمناه ) وتصرفات المريض مرض الموت ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 500 – ص 501 )  .     

( [63] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة با ، من عاشر امرأة معاشرة الأزواج التزم التزاما طبيعيا بالنفقة عليها هي وولدها منه ، وينقلب هذا الالتزام الطبيعي إلي التزام مدني إذا هو أرسل إليها النفقة مرات عدة وتعهد تعهدا صريحا في مكاتباته بالاستمرار علي ذلك ( استئناف مختلط 11 ديسمبر سنة 1930 م 43 ص 79 ) وكذلك يتحول الالتزام الطبيعي إلي التزام مدني إذا كان المخدوم قد تعهد خادمه القديم بعد أنن أصبح عاجزاً بالعون والمساعدة ، ثم تعهد بعد ذلك بأن يدفع له مبلغا معينا ( استئناف مختلط 17 فبراير سنة 1931 م 43 ص 228 ) انظر أيضا استئناف مختلط 17 يناير سنة 1918 م 30 ص 162 – 26 مايو سنة 1920 م 32 ص 337 – 26 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 117 – 20 مايو سنة 1937 م 49 ص 234  .   

( [64] ) قارن بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 993 ص 331  .   

( [65] ) استئناف مختلط 25 يونية سنة 1925 م 37 ص 498 – 13 ديسمبر سنة 1928 م 41 ص 111 – انظر أيضا في الالتزام نحو أشخاص يعتبرهم الملتزم أبناءه الطبيعيين : استئناف مختلط 10 مارس سنة 1897 م 9 ص 191 ، وفي التزام رب العمل نحو عامل مدة تجنيده : استئناف مختلط 26 مايو سنة 1920 م 32 ص 337 – لكن لا يعتد بالتزام الشخص نحو بنت زوجته إذا كان قد آواها في منزلة ، ثم خرجت إلي كنف أحد أقاربها ، فلا يعتبر ملتزما بالنفقة عليها ( استئناف مختلط 24 ديسمبر سنة 1902 م 15 ص 75 )  . وإذا صرفت شركة لأرملة موظف قديم ، مات ضحية حادث من حوادث العمل ، ولأولاده القصر نفقة شهرية مدة طويلة ، لم يتحول هذا الالتزام الطبيعي إلي التزام مدني ( استئناف مختلط 19 مايو سنة 1927 م 39 ص 491 )  .        

( [66] ) ومن أجل ذلك حذفت لجنة مجلس الشيوخ عبارة ” إذا اعترف المدين به ” التي كانت واردة في المشروع النهائي للتقنين الجديد حتي لا يكون مجرد الاعتراف بالالتزام الطبيعي كافيا لتحويله إلي التزام مدني ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 502 ، وقد سبقت الإشارة إلي ذلك عند إيراد تاريخ نص المادة 202 : انظر فقرة 398 في الهامش )  . 

( [67] ) الأستاذ إسماعيل غانم في أحكام الالتزام فقرة 159 ص 230 – ص 231  .

( [68] ) قارن استئناف مختلط 12 يونيه سنة 1940 م 52 ص 308 – وقد يستخلص قصد المدين من عبارة التعهد ( دى باج 3 ص 63 ) ، ومن تفسير نية الدائنين نية أنفسهم وهل كانوا لا يعقدون الصلح لولا هذا التعهد فيكون التزاما مدنيا ( استئناف مختلط 22 إبريل سنة 1936 م 48 ص 239 – ومع ذلك انظر فى ان التعهد يبقى التزاما طبيعيا إذا أكره المفلس وقت الصلح على ان يوقع كمبيالة لصالح دائن ليحمله على إقرار الصلح : محكمة إسكندرية الوطنية 19 يناير سنة 1931 المحاماة 12 رقم 133 ص 248 )  .

( [69] ) بلانيول وريبير ورودان 7 فقرة 933 ص 332 ،331 – بودرى وبارد 2 فقرة 1673 مكررة – كولان وكابيتان ومورانديير 2 فقرة 469 – تالير موجز القانون التجارى طبعة ثامنة فقرة 2097      .

( [70] ) أنظر فى جواز أن يكون الالتزام الطبيعى محلا للتجديد : أوبرى ورو 4 فقرة 297 ص 14 – بودرى وبارد 2 – فقرة 1678 – بيدان ولاجارد 8 فقرة 689 ص 502 ، 503 – جوسران 2 فقرة 916 – والتون 1 ص 36 – ص 38 – انظر أيضا فى هذا المعنى : استئناف مختلط 21 ديسمبر سنة 1939 م 52 ص 67 – 22 يناير سنة 1942 م 54 ص 51  . ومن ثم نرى أن القضاء المصرى ، فى عهد التقنين السابق ، كان يسير على هذا الرأى  . وأنظر أيضا المادة 6 من تقنين الموجبات والعقود اللبنانى ، وهى تصرح بان تحويل الالتزام الطبيعى إلى إلتزام مدنى لا يمكن أن ينشأ إلا عن تجديد التعاقد  .

( [71] ) كولان وكابيتان ومورانديير 2 فقرة 469 – بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 993 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 1337 – دي باج 3 فقرة 63 – وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وقد انقسم الفقه بشأن ما هيه هذا الاعتراف فلم يكن بد من أن يقع المشروع برأي في هذا الخلاف  . والحق أن الاعتراف لا ينطوي علي تجديد ينقلب من جرائه الالتزام الطبيعي التزاما مدنيا ، بل هو إنشاء لالتزام مدني يقوم الالتزام الطبيعي منه مقام السبب ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 503 )  . 

( [72] ) والرأي الراجح في الفقه أن هذا الوعد يتم بإرادة المدين المنفردة دون حاجة إلي قبول الدائن ، ومن ثم يجوز لدائن هذا الدائن أن يوقعوا حجزاً تحت يد المدين بمجرد أن يصدر منه الوعد دون انتظار لقبول الدائن ( بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 994 – دي باج 3 فقرة 43 )  .       

( [73] )انظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية جزء 2 ص 503 – الموجز للمؤلف فقرة 462 – ومن ثم لا يشترط شكل خاص في الوعد بالوفاء كما مشترط ذلك في الهبة  . كذلك لا تطلب أهلية التبرع ، ويكتفي بأهلية التصرف( بيدان ولاجارد 8 فقرة 689 ص 502 هامش رقم 3 ) ويجير المدين قضاء ، بعد صدور الوعد بالوفاء ، علي تنفيذ هذا الوعد  . وإذا صدر الوعد في مرض الموت لا يعتبر تبرعا إذا أثبت الدائن أنه وعد قصد به الوفاء بالتزام طبيعي  . أما بالنسبة إلي الدعوي البولصية ، فيعتبر الوعد بالوفاء تبرعا ، شأنه في ذلك شأن الوفاء الاختياري  .

( [74] ) وقد كان القانون الروماني يجيز المقاصة ما بين التزام طبيعي والتزام مدني  . وهنا أيضا نري هذا القانون يتوسع في آثار الالتزام الطبيعي ، كما فعل عندما منع استرداد الوفاء بالتزام طبيعي ولو كان الوفاء عن غلط  . 

( [75] ) أما المقاصة القضائية – وهي وفاء اختياري – فتجوز بين التزام طبيعي والتزام مدني ( بودري وبارد 2 فقرة 1681 – بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 997 )  .     

( [76] ) انظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية حزء 2 ص 502 هامش رقم 1 – وهل تجوز المقاصة القانونية بين التزامين طبيعيين؟ لا نري جواز ذلك ، لأن المقاصة القانونية لا تزال تتضمن هنا وفاء إجباريا ، وقد يكون أحد المدنيين أو كلاهما لا يريد الوفاء مختاراً بالتزامه الطبيعي للآخر  . ويترتب علي ذلك النتيجتان الآتيتان : ( أولا ) إذا إذا لم يف أي من المدينين بالتزامه الطبيعي مختاراً لم يجبر علي ذلك ، ولا يختلف هذا الوضع عن الوضع الذي تقع فيه المقاصة إلا في أن حالة المقاصة تسقط الدينين أما في الوضع الأول فيبقي الدينان قائمين وإن كان لا يجبر أحد من المدينين علي الوفاء به  . ( ثانيا )إذا وفي أحد المدينين لآخر بالتزامه الطبيعي مختاراً ولم يرد الآخر أن يوفي هو أيضا بالتزامه الطبيعي نحو الأول ، لم يستطع الأول أن يسترد ما وفاه بدعوي أنه وفي بالتزام طبيعي سقط بالمقاصة  .

( [77] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” لا يجوز أن يقاص التزام طبيعي في التزام مدني ، لأن المقاصة ضرب من ضروب الوفاء القهري  . بيد أن للدائن أن يتمسك بوقوع المقاصة بين دينه المدني ودين طبيعي يلزمه أداؤه ، إذ القصاص في هذه الصورة يكون بمنزلة الوفاء اختياراً ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 502 هامش رقم 1 )  .

( [78] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 502 هامش رقم 1  .        

( [79] ) وكما لا تجوز كفالة الالتزام الطبيعي كفالة شخصية ، كذلك لا تجوز كفالة هذا الالتزام كفالة عينية ، ولا يجوز ترتيب رهن رسمي أو رهن حيازي لضمانه ، وذلك لنفس الأسباب التي لا تجوز من أجلها الكفالة الشخصية ( هيك 7 فقرة 236 – بودري وبارد 2 فقرة 1677 – بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 996 – الموجز للمؤلف ص 469 هامش رقم – قارن جيللوار في الكفالة فقرة 54 – بيدان ولاجارد 8 فقرة 689 ص 503 – ص 504 )  .     

( [80] ) لوران 17 فقرة 28 – أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 15 – جوسران 2 فقرة 715 – قارن بودري وبارد 2 فقرة 1676 – بيدان ولاجارد 8 فقرة 689 ص 503 – ص 504 ، وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بجواز كفالة الالتزام الطبيعي كفالة يترتب بموجبها في ذمة الكفيل التزام مدني ( استئناف مختلط 27 ديسمبر سنة 1928 م 41 ص 142 )  .

وقد كان القانون الروماني ، هنا أيضا ، يجيز كفالة الالتزام الطبيعي بالتزام مدني  . وهذا وجه ثالث لتوسع القانون الروماني في آثار الالتزام الطبيعي ، وقد رأينا الوجهين الأولين في منع الاسترداد ولو كان الوفاء عن غلط وفي مقاصة الالتزام الطبيعي بالتزام مدني  .   

( [81] ) انظر آنفا فقرة 395 في الهامش  .    

( [82] ) وقد قضت الفقرة الثانية من المادة 782 من التقنين المدني بأنه ” إذا كان الوجه الذي يحتج به المدين هو نقص أهليته ، وكان الكفيل عالما بذلك وقت التعاقد ، فليس له أن يحتج بهذا الوجه ”  . ويستخلص بطريق العكس ، من هذا النص أن الكفيل إذا لم يكن عالما بنقص أهلية المدين وقت التعاقد كان له أن يحتج بهذا الوجه  . أما إذا كان عالما بنقص الأهلية – وهذا هو الفرض الذي ورد فيه النص – فإنه يكون عندئذ قد كفل التزام ناقص الأهلية بسبب نقص أهليته ( م 777 مدني ) ، ويكون التزامه التزاما أصليا علي النحو الذي قدمناه ( قارب بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 1339 – كولان وكابيتان ومورانديير 2 فقرة 470 – وقارن أوبري ورو 4 فقرة 297 ص 15 – بلانيول وردوان 7 فقرة 995 )  .      

( [83] ) أما إذا انقلب الالتزام الطبيعي التزاما مدنيا عن طريق الوعد بالوفاء به علي النحو الذي قدمناه ، فإنه تجوز كفالته بالتزام مدني ، شأنه في ذلك شأن أي التزام مدني آخر ( قارب بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 995 ص 335 ) – ويعد وعدا ضمنيا بوفاء التزام طبيعي أن يقدم المدين بهذا الالتزام كفالة شخصية أو رهنا أو كفالة عينية ( بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 995 وفقرة 996 – الأستاذ إسماعيل غانم في أحكام الالتزام فقرة 160 ص 232 – وقارب بودري وبارد 2 فقرة 1675 )  . 

( [84] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وكذلك لا تجوز كفالة الالتزام الطبيعي كفالة عينية أو شخصية – انظر عكس ذلك المادة 552 من التقنين الأرجنتيني – ما بقي في نطاق الواجبات الأدبية  . ذلك أن الكفالة التزام تابع فلا يجوز ، والحال هذه ، أن تكون أفعل أثراً من الالتزام الأصيل ولا وجه للقياس في هذا الشأن علي كفالة التزام ناقص الأهلية ، فهذه الكفالة يكون لها حكم الصحة باعتبارها التزاما أصيلا لا تابعا  . وصفوة القول إن كفالة الالتزام الطبيعي لا تصح إلا إذا اعترف به وألحق تفريعا علي ذلك بالالتزامات المدنية ( م 277 من المشروع ) ، ومما هو جدير بالذكر أن القانون الروماني يجيز كفالة الالتزام الطبيعي كما يجيز القصاص فيه ، علي خلاف ما هو متبع في القانون الحديث ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 502 هامش رقم 1 )  . 

( [85] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 502 هامش رقم 1 – هذا ولا يجوز نقل التزام طبيعي من ذمة إلي ذمة ، ولا ينتقل الالتزام الطبيعي من ذمة المورث إلي ذمة الوارث حتي في القانون الفرنسي الذ تنتقل فيه الديون بالميراث  . وعند القائلين بأن الهبة الباطلة لعيب في الشكل يتخلف عنها التزام طبيعي في ذمة ورثة الواهب ، يكون هذا الالتزام الطبيعي أصيلا في ذمة الورثة فهو قد نشأ ابتداء في ذمتهم ولم ينتقل إليهم من المورق  . انظر في ذلك : بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 1340 – وقارن جوسران 2 فقرة 716  .      

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s