تطابق الإيجاب والقبول


تطابق الإيجاب والقبول

20 – العناصر التي يتطابق فيها الإيجاب والقبول : كانت المادة 557 من المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد تجري على الوجه الآتي : (( يتم البيع برضاء المتعاقدين أحدهما بالبيع والآخر بالشراء ، وباتفاقهما على المبيع والثمن )) . وهذا النص مأخوذ من المادة 236 / 301 من التقنين المدني السابق ، وكانت تصن على أنه (( لا يتم البيع إلا إذا كان برضاء المتعاقدين أحدهما بالبيع والآخر بالشراء وباتفاقهما على المبيع وثمنه )) . ولما تلى نص المشروع التمهيدي في لجنة المراجعة ، قررت هذه اللجنة حذفه ، لأن حكمه مستفاد من القواعد العامة ([1]) .

$43 فيجب إذن أن يتفق المتعاقدان على طبيعة العقد الذي يقصدان إبرامه ، وهو البيع . فلو قصد أحدهما رهناً وقصد الآخر بيعاً ، بأن قال صاحب الدار للمتعاقد الآخر خذ هذه الدار وأعطني ألفاً وقصد أن يرهنها بهذا المبلغ ، وقبل الآخر هذا الإيجاب معتقداً أن صاحب الدار يبيعها لا يرهنها ، فإن الإيجاب والقبول لم يتطابقا لا على البيع ولا على الرهن ، فلا يوجد بيع ولا رهن .

ويجب أن يتفقا على الشيء المبيع ، فلو كان للبائع داران وعرض على شخص أن يبيعه إحداهما فظن هذا أنه يبيع الدار الأخرى فقبل شراءها لم يتم البيع ، لأن المتعاقدين لم يتفقا على المبيع فقد قصد البائع أن يبيع داراً وقصد المشتري أن يشتري أخرى .

ويجب أخيراً أن يتفقا على الثمن ، فلو طلب البائع في الدار ألفاً ولم يقبل المشتري أن يشتريها إلا بتسعمائة لم يتم البيع لأن المتبايعين لم يتفقا على الثمن ([2]) .

$44 وإذا كان اتفاق المتبايعين على البيع والمبيع والثمن ضرورياً ليتم البيع ، فهو أيضاً كاف ، ولا ضرورة لتمام البيع لأن يتفقا على أكثر من ذلك ([3]) . فيتم البيع  $45 إذن حتى لو سكت المتبايعان عن تحديد وقت تسليم المبيع ، أو عن تحديد وقت دفع الثمن ، أو عما إذا كان الثمن المؤجل ينتج فوائد أو لا ينتج ، أو عمن يلتزم بدفع مصروفات البيع ، أو عن نحو ذلك من المسائل . فما دام المبتايعان قد اتفقا على البيع والمبيع والثمن فقد تم البيع ([4]) ، ويكون المبيع واجب التسليم فوراً ، ويكون الثمن واجب الدفع في الحال ، وإذا كان الثمن مؤجلا ولم يتفق على فوائد $46 لم تستحق الفوائد إلا في حالات خاصة ، وإذا لم يعرض المتبايعان لمن يلتزم بدفع مصروفات البيع فالمصروفات على المشتري . فها نحن نرى أن هذه المسائل التي لم يعرض لها المتبايعان قد تكفل القانون بحلها ، ولا يجوز بعد أن تم العقد على النحو الذي قدمناه لأحد من المتعاقدين أن يعدل عنه دون رضاء المتعاقد الآخر ([5]) .

ولكن إذا عرض المتعاقدان لشيء من هذه المسائل – ميعاد تسليم المبيع أو ميعاد دفع الثمن إلخ – ولم يتفقا على مسألة منها ، فإن البيع لا يتم ، لأنهما عرضا للمسألة ولم يتفقا عليها . وكذلك الحكم إذا احتفظ أحد المتبايعين بمسألة للاتفاق عليها فيما بعد ، فاحتفاظ المتعاقد بمسألة دليل على أنه قصد ألا يتم البيع إلا بعد الاتفاق عليها . ومع ذلك فقد نصت المادة 95 مدني على أنه (( إذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد ، واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد ، ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها ، فإن المحكمة تقضي فيها طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة ([6]) )) .

وقد سبق بيان ذلك تفصيلا في الجزء الأول من الوسيط ([7]) .

وسبق كذلك بيان أن الأصل في الإيجاب ألا يكون ملزماً ، فيجوز للموجب الرجوع عنه إلى أن يلتقي به القبول . ولكن إذا مات من صدر له الإيجاب أو فقد أهليته بعد صدور القبول منه ، فإن ذلك لا يمنع من تمام البيع عند اتصال القبول بعلم الموجب ، وهذا ما لم يتبين العكس من التعبير أو من طبيعة التعامل ([8]) .

$47 21 – صور عملية للإيجاب : قد يتخذ الإيجاب صوراً عملية مألوفة ، فتعمد المتاجر إلى عرض سلعها عن طريق النشرات والإعلانات و (( الكتالوجات )) وغيرها من وسائل الدعاية ، وتضع بياناً تفصيلياً لما تتجر فيه من السلع ، وتذكر أمام كل سلعة ثمنها . وقد يعمد المتجر إلى عرض عينات من السلع التي يبيعها على الجمهور في واجهة المكان الذي يتجر فيه ، ويضع إلى جانب كل سلعة منها بياناً بالثمن الذي يبيعها به ([9]) .

كل هذه صور عملية للإيجاب أصبحت الآن مألوفة في التجارة ، والخصيصة التي تشترك جميعاً فيها هي أن الإيجاب موجه لغير شخص معين بالذات ، إذ هو موجه للجمهور في مجموعه دون تمييز بين شخص وآخر . ومع ذلك يعتبر هذا إيجاباً صحيحاً ، لأن الموجب لا يعنيه شخص من يوجه إليه الإيجاب ، ولا يهمه إلا أن يبيع سلعته لأي شخص يتقدم لشرائها بالثمن الذي حدده لها . ومن ثم إذا تقدم أي شخص من جمهور الناس إلى المتجر ، وقبل أن يشتري السلعة المبنية في النشرة أو في الإعلان أو الكتالوج أو الموضوعة في الواجهة بالثمن المحدد لها ، كان هذا قبولا صحيحاً لإيجاب قائم ، ويتم عقد البيع على هذا الوجه بتطابق الإيجاب والقبول . ولا يستطيع صاحب المتجر أن يرفض ، بعد أن تم العقد على هذا الوجه ، تسليم السلعة للمشتري .

على أن هذا الحكم ترد عليه القيود الآتية :

1 – عرض السلع على الجمهور عن طريق النشرات والإعلانات و (( الكتالوجات )) يكون في الغالب دعوة إلى التعاقد لا إيجاباً كاملا ، فإذا تقدم شخص إلى صاحب المتجر وطلب منه أن يبيع له سلعة من السلع المبينة في نشرة أو إعلان أو (( كتالوج )) غير موجه إليه شخصياً ، كان هذا إيجاباً من صاحب $48 السلعة لا قبولا ، ويصدر القبول بعد ذلك من صاحب المتجر ، ولكن لا يجوز له أن يرفض القبول بعد أن دعا إلى شراء سلعته إلا إذا استند في ذلك إلى أسباب مشروعة ([10]) . أما إذا كانت النشرة أو الإعلان أو الكتالوج قد أرسل إلى شخص بالذات بعنوانه الشخصي ، وقد قصد صاحب المتجر أن يوجه إليه إيجاباً ، فإن هذا يعتبر إيجاباً كاملا ، فإذا استجاب له من وجه إليه كان هذا قبولا وتم البيع ، ولا يستطيع صاحب المتجر بعد ذلك أن يرجع في تعاقده . وكذلك عرض السلعة في واجهة المكان مصحوبة ببيان ثمنها يعتبر إيجاباً لا مجرد دعوة للتعاقد ، بالرغم من أن الإيجاب هنا موجه للجمهور لا لشخص معين بالذات ، فإذا قبل شخص هذا العرض كان هذا قبولا وتم البيع . أما إذا كانت السلعة غير معروضة في واجهة المكان ، بل كانت داخل المتجر مصحوبة ببيان ثمنها ، وكان دخول المتجر مباحاً للجمهور كما هي العادة ، وعرض صاحب المتجر على العميل سلعته وقد بين عليها ثمنها ، اعتبر هذا إيجاباً منه إذا قبله العميل $49 تم البيع . أما إذا لم يبين على ا لسلعة الثمن ، أو كانت هناك بيانات عن الثمن لا يستطيع العميل إدراك معناها وقد قصد بها أن ترشد صاحب المتجر إلى تحديد الثمن ، فإن عرض السلعة على العميل في هذه الحالة لا يعتبر إيجاباً ، بل يجب أن يبين صاحب المتجر ثمن السلعة حتى يقوم الإيجاب .

2 – في الحالات التي يقوم فيها الإيجاب من صاحب المتجر ، وبخاصة عن طريق النشرات والإعلانات والكتالوجات ، يكون المفروض أن صاحب المتجر يعرض سلعته ما بقي عنده منها شيء . فإذا نفدت السلعة ، ثم أتى عميل بعد ذلك يطلبها ، كان لصاحب المتجر أن يعتبر نفاد السلعة بمثابة رجوع منه في الإيجاب جرى العرف أن ينتج أثره من غير حاجة إلى إعلانه ([11]) ، فلا يكون التاجر ملزماً بإجابة العميل إلى طلبه .

3 – الإيجاب الذي يقوم على هذا الوجه قد يحدد له ميعاد يبقى فيه قائماً ، فإذا انقضى الميعاد سقط الإيجاب من تلقاء نفسه . أما إذا لم يحدد ميعاد ، فالمفروض أن صاحب المتجر إنما قصد أن يقوم إيجابه في خلال مدة معقولة تحدد حسب ظروف المتجر ونوع البضاعة والمألوف في التجارة . فإذا تقدم عميل بعد انقضاء هذه المدة ، لم يكن التاجر ملزماً بإجابته إلى طلبه .

4 – إذا لم يكن عند صاحب المتجر شيء من السلعة وقت أن أصدر إيجابه على النحو السابق ، فليس ذلك مبرراً إلى أنه لا يجيب أي عميل إلى ما يطلب ، وإلا كان الإيجاب الذي أصدره لا معنى له . وإنما هو أراد بإيجابه أن يتعهد لمن يطلب السلعة بأن يوردها له في وقت مناسب . فما دامت المدة المعقولة لقيام الإيجاب لم تنقض ، كان لأي عميل الحق في طلب السلعة بالثمن المحدد ، وعلى صاحب السلعة توريدها له في وقت مناسب بهذا الثمن ، وليس له أن يحتج بأن السلعة لم تكن عنده ليكون حكمها حكم السلعة التي نفدت ([12]) .

هذا وقد كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد يشتمل في هذا الصدد $50 على النص الآتي ( م 143 من المشروع ) : (( 1 – يعتبر عرض البضائع مع بيان ثمنها إيجاباً . 2 – أما النشر والإعلان وبيان الأسعار الجاري التعامل بها وكل بيان آخر متعلق بعروض أو طلبات موجهة للجمهور أو للأفراد ، فلا يعتبر عند الشك إيجاباً ، وإنما يكون دعوة إلى التفاوض ([13]) )) . فحذفت لجنة المراجعة هذا النص لعدم الحاجة إليه ، إذا يسهل على القضاء تطبيق هذا الحكم دون نص عليه ([14]) .

22 – شكل عقد البيع : ويخلص مما تقدم أن عقد البيع ليس له شكل خاص ، فهو ليس بعقد شكلي ، بل هو عقد رضائي . فمتى تم الاتفاق على البيع والمبيع والثمن ، فقد تم البيع ، دون حاجة إلى ورقة رسمية بل ولا إلى ورقة عرفية . فمجرد تطابق الإيجاب والقبول يكفي ، شأن البيع في ذلك شأن كل عقد من عقود التراضي ([15]) .

$51 على أنه قد ينص القانون في بعض حالات استثنائية على شكل معين لأنواع خاصة من البيوع ، وذلك كبيع السفينة وبيع براءات الاختراع والعلامات التجارية ([16]) .

وقد يتفق الطرفان على أن يكتب بالبيع ورقة رسمية أو ورقة عرفية . وهذا الاتفاق يمكن أني قصد به أحد أمور ثلاثة :

( الأمر الأول ) أن يكون المتبايعان قد أرادا باتفاقهما هذا بيعاً كاملا باتا ، وإنما اتفقا على أن يعدا ورقة رسمية أو ورقة عرفية كدليل لإثبات هذا البيع ، إمعاناً منهما في الحصول على وسيلة قوية للإثبات . ويسمى هذا الاتفاق بالعقد الابتدائي ، وحقيقته أنه بيع كامل يؤخذ فيه بالشفعة ، وإذا مات أـحد المتبايعين قبل إعداد الورقة المتفق عليها كانت الورثة باعتبارهم ممثلين للتركة ملتزمين مكانه بالمساهمة في إعداد هذه الورقة . وسنعود إلى هذه المسألة بتفصيل أوفى عند الكلام في العقد الابتدائي . ولا يكون  البيع الابتدائي في هذه الحالة عقداً شكلياً ، بل يبقى عقداً رضائياً ، أما البيع النهائي فيكون عقداً شكلياً بموجب الاتفاق . فإذا امتنع أحد الطرفين من المساهمة في إعداد الورقة المتفق عليها أمكن الطرف الآخر إجباره على ذلك قضاء ، بأن يحصل على حكم بثبوت البيع منذ الاتفاق الأول ، ويحل الحكم محل الورقة العرفية أو الرسمية المتفق عليها .

( الأمر الثاني ) أن يكون المتعاقدان قد قصدا باتفاقهما مجرد وعد بالبيع ، وأن البيع لا يتم إلا عند كتابة الورقة العرفية أو الرسمية . وقد يكون هذا الوعد من جانب أحد الطرفين ، أو من جانب كل من الطرفين . فإذا أخل الواعد $52 بالتزامه ولم يساهم في إتمام البيع بكتابة الورقة المتفق عليها ، أجبره الطرف الآخر على تنفيذ التزامه عينا بالحصول على حكم يقوم مقام عقد البيع . والبيع في هذه الحالة يكون شكلياً لا يتم إلا بكتابة الورقة المتفق عليها أو بالحكم الذي يصدر لإجراء البيع ، ولا يعتبر الحكم موجوداً إلا من وقت كتابة الورقة أو من وقت صدور الحكم ، بخلاف الحالة الأولى فقد رأينا أن البيع يكون موجوداً من وقت الاتفاق الأول .

( الأمر الثالث ) أن يكون الطرفان لم يقصدا لا بيعاً كاملا باتا كما في الحالة الأولى ، بل ولا مجرد وعد بالبيع كما في الحالة الثانية . وإنما قصدا إعداد مشروع للبيع يحدد شروطه مبدئياً ، على أن يتم البيع بعد ذلك بكتابة الورقة العرفية أو الرسمية . وفي هذه الحالة لا يكون هذا المشروع ملزماً لأحد منهما ، ويستطيع كل منهما الامتناع عن إبرام البيع ولا يجوز للطرف الآخر إجباره على ذلك عن طريق القضاء . فإذا ما قبل الطرفان إبرام البيع بعد ذلك عن طريق كتابة الورقة المتفق عليها ، فإن البيع يتم ولكن من وقت كتابة الورقة ، ويكون البيع شكلياً في هذه الحالة ([17]) .

$53 23 – إثبات عقد البيع : عقد البيع يثبت طبقاً للقواعد العامة في الإثبات . وتعتبر قيمة البيع بمقدار الثمن ، فإذا بيعت دار بألف كان التزام البائع بنقل ملكية الدار قيمته ألف لأن الدار قومت بهذا المقدار ([18]) . وكان التزام المشتري بدفع الثمن قيمته ألف بطبيعة الحال .

ومن ثم يثبت عقد البيع بالبينة أو بالقرائن إذا كان الثمن لا يزيد على عشرة جنيهات ([19]) . فإذا زاد الثمن على هذا المقدار ، أو كان غير معلوم القيمة بأن كان إيراداً مرتباً مدى الحياة مثلا ، لم يجز إثبات البيع إلا بالكتابة أو بما يقوم مقامها طبقاً للقواعد العامة ([20]) . ويقوم مقام عقد البيع الحكم النهائي القاضي بوقوع البيع وصحة التعاقد ([21]) .

24 – تفسير عقد البيع : عقد البيع ، كسائر العقود ، تجري عليه القواعد العامة في تفسير العقد.

فإذا كانت عبارات البيع واضحة ، لم يجز الانحراف عنها من طريق تفسيرها $54 للتعرف على إرادة المتبايعين ( م 150/1 مدني ) . ففي تفسير الشروط الظاهرة لا تجيز محكمة النقض لقاضي الموضوع أن ينحرف عن معناها الظاهر إلى معنى آخر ، ويعتبر الانحراف عن عبارة العقد الواضحة تحريفاً لها ومسخاً وتشويهاً مما يوجب نقض الحكم .

أما إذا كانت عبارات البيع غير واضحة ، وجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ( 150 / 2 مدني ) . ويستهدي القاضي ، للكشف عن هذه النية المشتركة ، بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين ، وفقاً للعرف الجاري في المعاملات .

وإذا قام شك في التعرف على النية المشتركة للمتعاقدين ، فسر عقد البيع بما فيه مصلحة الملتزم ، البائع أو المشتري ، فإن كلا منهما ملتزم بعقد البيع ( م 151/1 مدني ) . أما التقنين المدني الفرنسي فقد نصت المادة 1602/2 منه على أن (( الشروط الغامضة في عقد البيع تفسر لمصلحة المشتري وضد البائع )) ، أي سواء كان البائع هو الدائن أو المدين ([22]) .

وإذا كان البيع من عقود الإذعان ، فلا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة فيه ضاراً بمصلحة الطرف المذعن ( م 151/2 مدني ) . ففي التعاقد مع شركة المياه وشركة النور وشركة الغاز يكون العميل مشترياً للمياه والنور والغاز بشروط أملتها عليه الشركة ، ولا يستطيع هو إلا أن يذعن لها . فإذا كان هناك غموض في التزامات الشركة ، فسر هذا الغموض ، لا لمصلحة الشركة المدينة كما كانت القواعد العامة تقضي فيما قدمناه ، بل لمصلحة العميل إذ هو الطرف المذعن ([23]) .

$55 2 – الوعد بالبيع والبيع الابتدائي والبيع بالعربون

25 – مرحلة تمهيدية للبيع النهائي : فرضنا فيما قدمناه أن المتبايعين قد عقدا العزم على التبايع ، فأبرما عقد بيع نهائي . ولكن يقع كثيراً أن يمر المتعاقدان بمرحلة تمهيدية ، تؤدي على وجه محقق أو غير محقق إلى البيع النهائي . وهذه المرحلة التمهيدية نفسها متدرجة ، فقد تكون مجرد وعد بالبيع ، وقد تصل إلى أبعد من ذلك فتكون بيعاً ابتدائياً ، وكثيراً ما يقترن بالبيع الابتدائي عربون يجيز للعاقد الرجوع في البيع . وقد سبق أن استعرضنا هذه المرحلة التمهيدية في التعاقد بوجه عام ([24]) ، وتطبق هنا الأحكام التي سبق أن فصلناها في العقد على عقد البيع بالذات .

فتستعرض : ( أولاً ) الوعد بالبيع ( ثانياً ) البيع الابتدائي ( ثالثاً ) البيع بالعربون .

أولاً – الوعد بالبيع

26 – صورة ثلاث للوعد بالبيع : قد يتفق المتعاقدان ، لا على بيع نهائي ، بل على مجرد وعد بالبيع . والوعد بالبيع له صور ثلاث :

( الصورة الأولى ) الوعد بالبيع من جانب واحد ( promesse de vente ) . وفي هذه الصورة يعد صاحب الشيء المتعاقد الآخر أن يبيع منه هذا الشيء إذا رغب الآخر في شرائه في مدة معينة . فيكون صاحب الشيء هو الملزم وحده بالبيع إذا أظهر الطرف الآخر رغبته في الشراء ، أما الطرف الآخر فلا يكون ملزماً بالشراء ، بل هو حر إن شاء أظهر رغبته في الشراء فيتم البيع النهائي ، وإن شاء امتنع عن إظهار هذه الرغبة فلا يتم البيع ، بل ويسقط الوعد بالبيع .

$56 ( الصورة الثانية ) الوعد بالشراء من جانب واحد ( promesse d’achat ) . وفي هذه الصورة يعد المتعاقد الآخر صاحب الشيء أن يشتري منه هذا الشيء إذا رغب الأول في بيعه في مدة معينة . فهذه ، كما نرى ، الصورة العكسية للصورة الأولى . ويكون المتعاقد الآخر هو الملتزم وحده بالشراء إذا رغب صاحب الشيء في بعيه ، أما صاحب الشيء فلا يكون ملزماً بالبيع ، بل هو حر إن شاء أظهر رغبته في البيع فيتم البيع النهائي ، وإن شاء امتنع عن إظهار هذه الرغبة فلا يتم البيع بل ويسقط الوعد بالشراء .

( الصورة الثالثة ) الوعد بالبيع وبالشراء ( promesse de vente et d’achat ) وتحتها حالتان ، حالة الوعد بالبيع وبالشراء من جانب واحد وحالة الوعد بالبيع وبالشراء من الجانبين . ففي الوعد بالبيع وبالشراء من جانب واحد يجتمع الوعد بالبيع ملزماً لجانب صاحب الشيء دون المتعاقد الآخر ، والوعد بالشراء ملزماً للمتعاقد الآخر دون صاحب الشيء ، أي تجتمع الصورتان المتقدمتان . فيكون صاحب الشيء ملزماً ببيعه إذا أظهر المتعاقد الآخر رغبته في الشراء في المدة المحددة ، وقد لا يظهر هذه الرغبة فيسقط الوعد بالبيع كما قدمنا . ويكون ، من ناحية أخرى ، المتعاقد الآخر ملزماً بالشراء إذا أظهر صاحب الشيء رغبته في البيع في المدة المحددة ، وقد لا يظهر هذه الرغبة فيسقط الوعد بالشراء كما قدمنا . ونرى من ذلك أن هناك احتمالا في هذه الحالة أن كلا من صاحب الشيء والمتعاقد الآخر ، الأول لا يظهر رغبته في البيع والثاني لا يظهر رغبته في الشراء ، فيسقط كل من الوعد بالبيع والوعد بالشراء في وقت واحد . وهذا بخلاف الوعد الوعد بالبيع وبالشراء من الجانبين ، فهذا وعد ملزم للجانبين وهو بيع كامل ، وليس هو اجتماع وعد بالبيع ملزم لجانب واحد ووعد بالشراء ملزم لجانب واحد ، وسنرى تفصيل ذلك فيما يلي :

1 – الوعد بالبيع من جانب واحد

27 – أمثلة عملية : يحدث كثيراً أن يجد الشخص نفسه في حاجة إلى الحصول من آخر على وعد بالبيع دون أن يتقيد هو بالشراء .

$57 فالمستأجر لدار قد يقوم عنده احتمال في أن يشتريها ، ولكنه لا يريد أن يتقيد بالشراء منذ البداية ، إما لأنه يريد تجربة الدار وقتاً كافياً وهو يسكنها كمستأجر ، وإما لأنه في حاجة إلى وقت لتدبير ثمن الدار وقد لا يستطيع تدبيره ، وإما لأي سبب آخر . ففي هذه الحالة يحصل ، إذا استطاع ، من صاحب الدار على وعد ببيعها منه إذا أبدى المستأجر رغبته في الشراء في مدة معينة تكون غالباً هي مدة الإيجار . فيتسع للمستأجر الوقت لتجربة الدار أو لتدبير لثمن ، وقد لا تعجبه الدار أو لا يتيسر له تدبير الثمن ، فلا يظهر رغبته في الشراء ومن ثم يسقط الوعد . أما إذا أعجبته الدار أو تيسر له تدبير الثمن فما عليه إلا أن يبدي رغبته في الشراء فيتم البيع ([25]) .

وقد يقع أن شخصاً يريد إنشاء مصنع على أرض معينة ، فيستأجرها من صاحبها ويقيم عليها المصنع . ويحصل في الوقت ذاته على وعد من صاحب الأرض ببيعها منه في مدة معينة إذا رغب في شرائها . فإذا هو دبر المال اللازم للشراء ، أبدي رغبته في أن يشتريها فيتم البيع ، وقد أتيح له بذلك الوقت الكافي لتدبير الثمن .

وقد يقع أن يكون بناء مستشفى أو مدرسة أو نحو ذلك يقتضي أن يقوم البناء على قطع متجاورة من الأرض لملاك مختلفين ، فيعمد من يريد البناء إلى الحصول على وعد بالبيع من كل مالك على حدة ، حتى إذا اكتمل له وعود من جميع الملاك ، أبدي رغبته في الشراء ، فيتم البيع في جميع القطع اللازمة للبناء .

 $58 ويمكن الأكثار من هذه الأمثلة العملية التي يحتاج فيها الشخص إلى الحصول على وعد بالبيع دون أن يتقيد هو بالشراء ([26]) . وفيها جميعاً يكون الوعد بالبيع $59 عقداً ملزماً لجانب واحد ، هو جانب صاحب الشيء الذي وعد ببيعه . فنظر كيف ينعقد هذا الوعد بالبيع ، ثم نستعرض الآثار التي تترتب عليها إذا انعقد صحيحاً .

28 – كيف ينعقد الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد انعقاداً صحيحاً :

 رأينا في الجزء الأول من الوسيط ([27]) أن المادة 101 مدني تنص على أن (( 1 – الاتفاق الذي يعد بموجبه كلا المتعاقدين أو أحدهما بإبرام عقد معين في المستقبل لا ينعقد إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه والمدة التي يجب إبرامه فيها . 2 – وإذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين ، فهذا الشكل تجب مراعاته أيضاً في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد ([28]) .

ونرى من ذلك أن الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد ليس مجرد إيجاب من الواعد ، بل هو عقد لا بد فيه من إيجاب وقبول من الواعد والموعود له ([29]) . ذلك أنه قد يتصور أن صاحب الدار مثلا يصدر منه إيجاب ببيع الدار لشخص آخر ويتضمن الإيجاب مدة معينة لقبوله فيكون هذا الإيجاب ملزماً . ولكنه لا يكون الوعد بالبيع الذي نقصده هنا . والفرق بينهما أن الوعد بالبيع وسط بين هذا الإيجاب الملزم والبيع النهائي . ففي الوعد بالبيع يتفق كل من الواعد والموعد له على أن يبيع الواعد الدار إذا أبدى الموعود له رغبته في شرائها خلال مدة معينة ، فهذا أكثر من إيجاب ملزم لأنه إيجاب قد اقترن به القبول من الطرف الآخر . ولكنه لا يزال دون البيع النهائي ، لأن كلا من الإيجاب والقبول لم ينصب على البيع ذاته بل على مجرد وعد بالبيع . ولذلك يكون الوعد مرحلة دون البيع النهائي وفوق الإيجاب الملزم ، ففي الإيجاب الملزم لم يلتزم الموجب وعداً بالبيع بل التزم بالبقاء على إيجابه المدة المحددة . ثم إن الوعد مرحلة دون البيع النهائي وفوق الإيجاب الملزم ، ففي الإيجاب الملزم لم يلتزم الموجب وعداً بالبيع بل التزم بالبقاء على إيجابه المدة المحددة . ثم إن الوعد $60 بالبيع ، من الناحية العملية ، مرحلة أقوى وأكثر ثباتاً في إلزام الواعد من مرحلة الإيجاب الملزم ، وتكون المدة المحددة للوعد أطول عادة من المدة المحددة للإيجاب الملزم ([30]) .

ويخلص من المادة 101 مدني التي تقدم ذكرها أنه يشترط لانعقاد الوعد بالبيع الاتفاق على جميع الأركان والمسائل الجوهرية للبيع الموعود به . فيجب أن يتفق الواعد والموعود له على المبيع والثمن وعلى جميع شروط البيع التي يريان الاتفاق عليها ، وذلك حتى يكون السبيل مهيأ لإبرام البيع النهائي بمجرد ظهور رغبة الموعود له في الشراء . ويجب أيضاً أن يحدد المتعاقدان مدة يظهر في خلالها الموعود له رغبته في الشراء ، حتى إذا انقضت هذه المدة ولم تظهر هذه الرغبة سقط الوعد . ونرى من ذلك أن أقل ما يجب أن يتم الاتفاق عليه لانعقاد الوعد بالبيع هو ما يأتي . ( 1 ) العين المراد بيعها ، مع تعيينها التعيين الواجب شأن كل مبيع . ( 2 ) الثمن الذي تباع به ، مع تحديده تحديداً كافياً شأن كل ثمن ([31]) . ( 3 ) المدة التي يجب في خلالها على الموعود له أن يظهر رغبته في الشراء ، وقد يكون الاتفاق على هذه المدة اتفاقاً ضميناً ، كما رأينا في حالة المستأجر الموعود ببيع العين المؤجرة عندما يتبين من الظروف أن مدة الوعد هي مدة الإيجار ([32]) . فإذا لم تزد المسائل المتفق عليها في الوعد بالبيع على ما تقدم ، وأبرم $61 البيع بعد ذلك بظهور رغبة الموعود له في الشراء ، فإن بقية شروط البيع تستخلص من أحكام القانون ، كما هو الأمر في أي بيع آخر . فيكون تسليم المبيع واجباً في الحال ، ويكون الثمن واجب الدفع فوراً ، ويكون حق المشتري في الثمار وحق البائع في تقاضي فوائد عن الثمن ومصروفات البيع وكيفية تسليم المبيع وضمان الهلاك وضمان الاستحقاق والعيوب الخفية وغير ذلك من المسائل الكثيرة التي يشتمل عليها عقد البيع خاضعة للأحكام التي تسري على البيع ووفقاً للقواعد التي قررها القانون في هذا الشأن .

ولما كان عقد البيع عقداً رضائياً كما قدمنا ، فإن عقد الوعد بالبيع هو أيضاً عقد رضائي لا يشترط لانعقاده شكل خاص ، شأنه في ذلك شأن البيع . وإذا كانت الفقرة الثانية من المادة 101 مدني تقضي بأنه إذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل تجب مراعاته أيضاً في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد ، فإن عقد الوعد بالبيع لا يدخل في مضمون هذا النص ، إذ لم يشترط القانون لتمام البيع استيفاء شكل معين كما سبق القول . وهذا ما لم نكن في حالة من الحالات الاستثنائية التي يكون فيها البيع شكليا ([33]) ، فعندئذ يجب أن يستوفي الوعد بهذا البيع نفس الشكل الخاص الذي يجب أن يستوفيه البيع ([34]) .

$62 ولما كان الوعد بالبيع هو خطوة نحو البيع النهائي كما قدمنا ، فإن شروط البيع – لا من حيث الانعقاد فحسب بل أيضاً من حيث الصحة – تكون مطلوبة في الوعد بالبيع . فتعتبر الأهلية بالنسبة إلى الواعد وقت الوعد ، ومن ثم يجب أن يكون الواعد أهلاً للبيع النهائي وقت الوعد ولو فقد الأهلية وقت إبرام العقد النهائي بأن حجر عليه مثلا . وتعتبر عيوب الإرادة بالنسبة إلى الواعد وقت الوعد أيضاً ، فإنه لا يصدر منه رضاء بعد ذلك إذ البيع النهائي يتم بمجرد ظهور رغبة الموعود له كما سيجيء . أما أهلية الموعود له فتعتبر وقت البيع النهائي لا وقت الوعد ، فيصح أن يكون قاصراً وقت الوعد بشرط أن تتوافر فيه أهلية التصرف وقت ظهور رغبته في الشراء ، ذلك أنه لا يلتزم بشيء وقت الوعد وإنما يلتزم عند البيع النهائي . على أنه يجب أن تتوافر فيه أهلية التعاقد – أي التمييز – وقت الوعد ، لأن الوعد كما قدمنا عقد وهو أحد طرفيه . أما عيوب الإرادة فتعتبر بالنسبة إليه وقت الوعد ووقت البيع النهائي معاً ، إذ أنه يصدر منه رضاء في كل من هذين الوقتين ، فيجب أن يكون رضاؤه في كل منهما صحيحاً ([35]) .

ويكفى أن تتوافر مشروعية المحل والسبب وقت البيع النهائي ، حتى لو لم تكن متوافرة وقت الوعد ([36]) .

$63  29 – الآثار التي تترتب على الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد : إذا انعقد الوعد بالبيع صحيحاً على النحو الذي قدمناه ، وجب في بيان الآثار التي تترتب عليه التميز بين مرحلتين : ( 1 ) قبل ظهور رغبة الموعود له في الشراء في خلال المدة المحدودة ( 2 ) بعد ظهور هذه الرغبة أو بعد انقضاء المدة المحددة دون ظهورها .

30 – الآثار التي قد تترتب قبل ظهور الرغبة : قدمنا أن الوعد بالبيع عقد ملزم لجانب واحد هو الواعد بالبيع ، فلا يترتب أي التزام في جانب الموعود له . والالتزام الذي يترتب في ذمة الواعد هو التزام بعمل ( obligation de faire ) ، وهذا العمل هو أن يبرم عقد بيع نهائي مع الموعود له إذا أظهر هذا رغبته في الشراء في المدة المحددة ([37]) . ونرى من ذلك أن حق الموعود له في هذه المرحلة – أي قبل ظهور رغبته – حق شخصي لا حق عيني ، فلا تنتقل إليه ملكية الشيء الموعود ببيعه . ويترتب على ذلك أمران :

( الأمر الأول ) أن الواعد بالبيع يبقى مالكاً للشيء الذي وعد ببيعه . فله أن يتصرف فيه ، وله أن يؤجره وأن يحصل على غلته ، وذلك إلى وقت إبرام البيع النهائي ([38]) . ويسرى بوجه عام تصرف الواعد في حق الموعود له . فإذا كان الشيء الموعود ببيعه عقاراً ، وباع الواعد العقار من آخر ، وسجل البيع قبل ظهور رغبة الموعود له في الشراء ، بل وبعد ظهور هذه الرغبة إذا لم يتمكن الموعود له من تسجيل البيع  النهائي الذي تم بظهور رغبته في الشراء قبل تسجيل البيع الأول ، فإن تصرف الواعد يسري في حق الموعود له . أما إذا كان الشيء الموعود ببيعه منقولا معيناً بالذات ، وتصرف فيه الواعد قبل ظهور رغبة الموعود له في الشراء ، سرى التصرف في حق الموعود له وليس لهذا إلا الرجوع   $64 بتعويض على الواعد ([39]) . فإذا كان تصرف الواعد في المنقول قد صدر بعد ظهور رغبة الموعود له في الشراء ، لم يسر التصرف في حق الموعود له ، بل اعتبر البيع الصادر له قد أبرم أولا فتنتفل إليه ملكية المنقول . وهذا كله مع مراعاة القاعدة التي تقضي بأن الحيازة في المنقول سند الملكية ، فإذا تصرف الموعود له في المنقول ، سواء كان هذا قبل ظهور رغبة الموعود له في الشراء أو بعد ظهور هذه الرغبة ، فأيهما تسلم العين أولا – الموعود له أو من تصرف له الواعد – يكون مالكاً للعين إما بموجب عقد البيع النهائي وإما بموجب الحيازة ، ويرجع الآخر بتعويض على الواعد .

( الأمر الثاني ) أنه إذا هلك الشيء الموعود ببيعه قضاء وقدراً ، تحمل الواعد تبعة هلاكه ([40]) ، لا لأنه هلك قبل التسليم كما يكون الأمر لو أن البيع النهائي $65 قد أبرم ، بل لأن الواعد لا يزال هو المالك والأصل أن الشيء يهلك على مالكه . وكهلاك الشيء نزع ملكيته ، يتحمل الواعد تبعته ([41]) .

31 – الآثار التي تترتب بعد ظهور الرغبة أو بعد انقضاء المدة دون ظهورها : وننتقل الآن إلى المرحلة الثانية ، وفيها يقع أحد شيئين : ( 1 ) إما أن يظهر الموعود له رغبته في الشراء في خلال المدة المحددة ( 2 ) وإما أن تنقضي المدة المحددة دون أن يظهر هذه الرغبة .

ففي الحالة الأولى تظهر رغبة الموعود له في الشراء صراحة أو ضمناً ، بشرط أن يكون ذلك في المدة المحددة . وتظهر الرغبة ضمناً فيما إذا تصرف الموعود له في الشيء الموعود ببيع أو إيجار أو غير ذلك ، مما تستخلص منه نيته في أنه اعتبر الشيء مملوكاً له فتصرف فيه على هذا النحو . فإذا ظهرت رغبة الموعود له في شراء الشيء الموعود به ، فإن البيع النهائي يتم بمجرد ظهور هذه $66 الرغبة ، ولا حاجة لرضاء جديد من الواعد ([42]) . ويعتبر البيع النهائي قد تم من وقت الرغبة لا من وقت الوعد ، على أساس أن ظهور الرغبة يعد إيجاباً من جانب الموعود له ، وهو إيجاب مقبول من الواعد فقد التزم هذا أن يقبله بموجب الوعد الصادر منه ([43]) . فيتم البيع النهائي ، على هذا الوجه ، من وقت ظهور الرغبة ([44]) . والأمر واضح فيما إذا كان الشيء الموعود ببيعه عيناً منقولة $67 معينة بالذات ، ككتاب أو سيارة أو جهاز أو آلة ، فإن البيع النهائي يعتبر قد تم بمجرد ظهور رغبة الموعود له في الشراء ، وتنتقل ملكية العين إلى الموعود له الذي أصبح الآن مشترياً ، ويلتزم هذا بدفع الثمن المتفق عليه للواعد الذي أصبح الآن بائعاً ، وتسري أحكام البيع في سائر المسائل . أما إذا كان الشيء والموعود ببيعه عقاراً ، فالبيع يتم أيضاً بمجرد ظهور رغبة الموعود له في الشراء ، ولكن الملكية لا تنتقل إلا بالتسجيل . فعلى البائع ( الواعد ) أن يقوم بالأعمال الواجبة لكتابة العقد والتصديق على إمضائه حتى يكون العقد معداً للتسجيل ، فإن هو امتنع عن ذلك أو نازع في أن العقد النهائي قد تم جاز للمشتري ( الموعود له ) أن يحصل على حكم بثبوت البيع يقوم مقام العقد ، ومتى سجل هذا الحكم انتقلت الملكية إليه ([45]) .

وفي الحالة الثانية ، إذا لم يظهر الموعود  له رغبته في الشراء ، تحلل الواعد من وعده وسقط الوعد ([46]) ، وصار الواعد في حل بعد ذلك أن يتصرف الشيء لمن يشاء . وهذا وهو الحكم أيضاً حتى لو أظهر الموعود له رغبته في الشراء ولكن بعد انقضاء المدة المحددة . كذلك يكون هذا هو الحكم لو أن الموعود له ، حتى قبل انقضاء المدة المحددة ، أعلن عدم رغبته في شراء الشيء الموعود به ، ولو ضمناً كأن تعامل مع الواعد في الشيء على اعتبار أن الواعد هو المالك المستقر فاستأجره منه مثلا لمدة تجاوز مدة الوعد . ذلك أن إعلان $68 الموعود له عدم رغبته في الشراء يكون بمثابة نزول منه عن حقه الذي استمده من الوعد ([47]) .

32 – الوعد بالتفضيل : وهناك صورة خاصة من الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد هي الوعد بالتفضيل ( pacte de preference ) . وفي هذه الصورة لا يلتزم الواعد في وعده أن يلتزم ببيع الشيء إذا أظهر الموعود له رغبته في شرائه ، وإنما يلتزم ، إذا هو رغب في بيع الشيء أن يعرضه أولا على الموعود له تفضيلا له على غيره ، فإن قبل الموعود له شراءه تم البيع . فالذي يميز هذه الصورة عن الصورة الأخرى في الوعد بالبيع أن الواعد لم يلتزم ببيع الشيء ، وكل ما التزم به هو أنه إذا رغب في بيع الشيء وجب عليه أن يعرضه أولا على الموعود له . فلا يتم البيع النهائي إذن إلا باجتماع أمرين : أن يريد الواعد بيع الشيء وأن يريد الموعود له شراءه ([48]) . ويكون التزام الواعد بعرض الشيء على الموعود له معلقاً $69 على شرط أن يريد بيعه ، ولا يقال إن هذا شرط إرادي محض من جانب المدين ، فإن إرادة الواعد بيع الشيء ليست إرادة محضة ، بل هي متصلة بظروف خارجية قد تدفعه أن يمتنع عن بيعه مع شدة رغبته في ذلك ، فالشرط إذن شرط مختلط وليس شرطاً إرادياً محضاً ([49]) .

وينعقد الوعد بالتفضيل على النحو الذي ينعقد به الوعد بالبيع الملزم $70 لجانب واحد ، فيجب أن يكون مشتملا على الشيء الموعود به والثمن الذي يباع به والمدة التي يجب في خلالها أن يعرض الواعد الشيء على الموعود له إذا أراد بيعه ([50]) . وكل ما قلنا في انعقاد بالبيع وفي صحته يقال هنا .

والأثر الذي يترتب على الوعد بالتفضيل ، في المرحلة السابقة على عرض الشيء الموعود ببيعه ، هو نشوء التزام شخصي في ذمة الواعد بأن يعرض الشيء على الموعود له إذا أراد بيعه . وهو مجرد التزام شخصي يترتب عليه كما في الوعد بالبيع فيما قدمناه ، أن يبقى الواعد مالكاً للشيء ([51]) . وأن الشيء إذا هلك أو نزعت ملكيته تحمل الواعد تبعة ذلك دون أن يلتزم بضمان للموعود له .

والأثر الذي يترتب ، في المرحلة الأخيرة ، أنه إذا أراد الواعد بيع الشيء في المدة المحددة ، وعرضه على الموعود له فقبل شراءه ، تم البيع النهائي في المنقول وفي العقار على الوجه الذي بيناه في الوعد بالبيع . وإذا رفض الموعود له شراءه ، $71 أو انقضت المدة المحددة دون أن يريد الواعد بيع الشيء ولو أراد البيع بعد ذلك ، أو أعلن الموعود له رغبته في تحليل الواعد من التزامه ، فإن الوعد بالتفضيل يسقط ، ويتحلل الواعد من الالتزام الذي ترتب في ذمته بموجب الوعد بالتفضيل . وقد قدمنا كل هذه الأحكام تفصيلا في الوعد بالبيع .

ب – الوعد بالشراء من جانب واحد

33 – أمثلة عملية : يحدث أن يجد صاحب الشيء نفسه في حاجة إلى الحصول من شخص آخر على وعد بشراء هذا الشيء . مثل ذلك صاحب الدار يتقدم له شخص في شرائها ، وهو لم يبت العزم بعد على البيع ، فيكتفي بالحصول من هذا الشخص على وعد بالشراء فيما إذا بت صاحب الدار العزم على البيع في مدة معينة . أو يكون قد بت العزم على البيع ، ولكنه يريد أعلى ثمن ، فيحصل ممن تقدم له على وعد بالشراء بالثمن الذي يعرضه ، وإن وجد بعد ذلك من يعرض ثمناً أعلى باع الدار منه ، وإلا باعها من الواعد بالشراء . أو يكون قد أراد بيع الدار لشراء دار أخرى ، ويخشى إن بت في البيع ألا يجد بعد ذلك الدار التي يرغب في شرائها ، فيكتفي بالحصول على وعد بالشراء ، حتى إذا عثر على الدار التي يرغب فيها باع داره واشتراها ([52]) .

وكثيراً ما يقع أن يتفق صاحب الشيء المعروض في المزاد مع شخص آخر على أن يتقدم هذا في المزاد لإبلاغ الثمن إلى مقدار معين ، فهذا وعد بالشراء من جانب الشخص الآخر ، وعليه أن يتقدم بعطاء بهذا المقدار ، فإن زيد عليه لم يلتزم بأن يزيد ، فإذا رسا المزاد على غيره ، ثم أبطل أو أعيد على من رسا عليه ، لم يلتزم أن يتقدم في المزاد الجديد . أما إذا لم يتقدم للمزاد أصلاً ، أو تقدم $72 ولم يبلغ الثمن المقدار المتفق عليه ، فرسا المزاد بثمن أقل ، ألزم بالفرق على سبيل التعويض لأنه يكون قد أخل بوعده ([53]) .

34 – كيف ينعقد الوعد بالشراء الملزم لجانب واحد انعقاداً صحيحا : 

هنا أيضاً نطبق المادة 101 مدني التي سبق ذكرها ([54]) ، فيشترط لانعقاد الوعد بالشراء الاتفاق على جميع الأركان والمسائل الجوهرية للشراء الموعود به . فيتفق الواعد بالشراء مع الموعود له على الشيء الموعود بشرائه ، والثمن الذي يشتري به ومدة يتفق عليها صراحة أو ضمناً يظهر في خلالها الموعود له رغبته في البيع ليتم الشراء .

$73 وكل ما قلناه في خصوص رضائية الوعد بالبيع ، وأهلية كل من الواعد والموعود له ، ومتى تتوافر هذه الأهلية ، وعيوب الإرادة عند كل من الطرفين ، ومشروعية المحل والسبب ، ينطبق هنا على الوعد بالشراء .

35 – الآثار التي تترتب على الوعد بالشراء قبل ظهور الرغبة :

الوعد بالشراء كالوعد بالبيع عقد ملزم لجانب واحد هو جانب الواعد بالشراء ، فلا يترتب أي التزام في جانب الموعود له . والالتزام الذي يترتب في ذمة الواعد بالشراء هو أيضاً التزام بعمل ( obligation de faire ) ، وهو أن يبرم بيعاً نهائياً مع الموعود له إذا أظهر هذا رغبته في البيع في المدة المحددة ([55]) . فيكون حق الموعود له في هذه المرحلة حقاً شخصياً لاحقاً عينياً ، كحق الموعود له في الوعد بالبيع ([56]) . ويترتب على ذلك ما يأتي :

أولاً : يبقى الشيء مملوكاً للموعود له ، ويستطيع هذا أن يتصرف فيه كما يشاء . ويسري تصرفه في حق الواعد بالشراء . فإذا باع الموعود له الشيء من آخر غير الواعد ، صح البيع وسرى في حق الواعد ن وسقط في الوقت ذاته الوعد بالشراء لأن الموعود له بتصرفه في الشيء لغير الواعد قد نزل عن حقه في إلزام الواعد بشرائه .

ثانياً : وبديهي أن الواعد بالشراء لا يستطيع التصرف في الشيء لأنه لم تنتقل له ملكيته في هذه المرحلة ، وإذا تصرف فيه كان تصرفاً في ملك الغير ، ولا يسري تصرفه هذا في حق المالك وهو الموعود له . ولكن يجوز للموعود له أن يجيز التصرف فيصح ويسري في حقه ، وهذا هو حكم بيع ملك الغير . كذلك يجوز بعد تصرف الواعد في الشيء أن يبدى الموعود له رغبته في بيعه من الواعد فيتم البيع النهائي ، ويصبح الواعد بموجبه مالكاً للشيء وفقاً لأحكام القانون ، $74 فيصح التصرف الذي صدر منه قبل ظهور رغبة الموعود له في بيع الشيء . وهذا هو أيضاً حكم بيع ملك الغير عندما يصبح البائع مالكاً للشيء الذي باعه قبل أن يملكه .

ثالثاً : إذا هلك الشيء الموعود بشرائه قضاء وقدراً هلك على ملك الموعود له ، وتحمل هذا تبعة الهلاك ، إذ الأصل أن الشيء يهلك على مالكه . ولا يستطيع لموعود له بداهة ، بعد هلالك الشيء ، أن يلزم الواعد بشرائه . وكهلاك الشيء أنزع ملكيته ، يتحمل الموعود له تبعته ([57]) .

36 – الآثار التي تترتب على الوعد بالشراء بعد ظهور الرغبة أو بعد انقضاء المدة دون ظهورها : وننتقل إلى المرحلة الثانية ز فأما أن يظهر الموعود له رغبته في البيع في خلال المدة المحددة ، وإما أن تنقضي المدة المحددة دون أن يظهر هذه الرغبة .

ففي الحالة الأولى ، إذا ظهرت رغبة الموعود له ، صراحة أو ضمناً ، في البيع في خلال المدة المحددة ، تم البيع النهائي بمجرد ظهور هذه الرغبة ، ولا حاجة لرضاء جديد بالشراء من جهة الواعد . ويعتبر البيع النهائي قد تم من وقت ظهور الرغبة لا من وقت الوعد ، تنفيذاً للالتزام الذي نشأ في ذمة الواعد ، فإذا نازع هذا في تمام البيع استطاع الموعود له أن يحصل على حكم بوقوع البيع يقوم مقام العقد ، وذلك كله على النحو الذي رأيناه في الوعد بالبيع .

وفي الحالة الثانية ، إذا لم يظهر الموعود له رغبته في البيع في المدة المحددة ، تحلل الواعد من وعده وسقط الوعد . وهذا هو الحكم أيضاً فيما لو أظهر الموعود له رغبته في البيع ولكن بعد انقضاء المدة المحددة ، أو أعلن عدم رغبته في البيع حتى قبل انقضاء المدة المحددة ، ففي جميع هذه الفروض يتحلل الواعد من وعده ويسقط الوعد على الوجه الذي بيناه في الوعد بالبيع ([58]) .

$75 جـ – الوعد بالبيع وبالشراء

37 – التمييز بين الوعد بالبيع بالشراء من جانب واحد والوعد بالبيع وبالشراء من الجانبين : قدمنا أنه يجب أن نميز هنا بين حالتين :

أولا ً: الوعد بالبيع وبالشراء من جانب واحد . وفي هذه الحالة يوجد عقدان يقعان على شيء واحد وبين نفس الطرفين . العقد الأول هو وعد بالبيع من صاحب الشيء يرتبط به نحو الموعود له فيما إذا أظهر هذا رغبته في شراء الشيء . والعقد الثاني هو وعد بالشراء يرتبط به الموعود له في العقد الأول بأن يشتري الشيء إذا أظهر صاحبه – وهو الواعد في العقد الأولى – رغبته في بيعه . ومن ثم يوجد وعدان ، وعد بالبيع من جانب واحد ووعد بالشراء من جانب واحد ، وقد وقع العقدان على نفس الشيء وتما بين نفس الطرفين ([59]) .

ثانياً : الوعد بالبيع وبالشراء من الجانبين . وفي هذه الحالة يوجد عقد $76 واحد ، التزم بموجبه أحد الطرفين بأن يبيع شيئاً والتزم الطرف الآخر بأن يشتريه ، فيتم البيع بينهما ملزماً للجانبين على هذا النحو .

38 – الوعد بالبيع وبالشراء من جانب واحد : نفرض أن صاحب الدار يريد أن يحصل على وعد بشرائها إذا أظهر رغبته في البيع ، وكان إظهار هذه الرغبة متوقفاً على أن يعثر على أرض صالحة يشتريها بدلا من الدار . فتقدم له شخص وعقد معه وعداً بالشراء ، التزم بموجبه أن يشتري الدار بمبلغ معين إذا ظهر صاحب الدار في مدة محددة رغبته أن يبيعها منه . فهنا تم بين الطرفين عقد وعد بالشراء ، على الوجه الذي بيناه فيما تقدم . ونفرض في الوقت ذاته أن الواعد بالشراء يتوقع ظروفاً وقعت تجعل شراءه للدار أمراً هاماً ، كأن ينتقل إلى المدينة التي فيها الدار فيتخذ الدار سكناً له . فيحصل من صاحب الدار على وعد بيع الدار إياه إذا أظهر في مدة محددة رغبته في شرائها . فهنا أيضاً تم عقد وعد بالبيع بين نفس الطرفين بالنسبة إلى نفس الدار . وفي هذا الوعد بالبيع الواعد هو صاحب الدار ، وهو الملتزم وحده بهذا الوعد على النحو الذي قدمناه في الوعد بالبيع . أما في الوعد بالشراء فالواعد بالشراء هو الموعود له بالبيع ، وهو وحده الملتزم بهذا الوعد . في مثل هذه الحالة يكون هناك وعد بالبيع من جانب واحد ، يقترن به وعد بالشراء من جانب واحد .

قد يعترض بأن الطرفين في هذه الحالة إنما يتعاقدان على وعد بالبيع وبالشراء ، وأن الوعد بالبيع ملزم لأحد الطرفين ببيع الدار ، والوعد بالشراء ملزم للطرف الآخر بشرائها ، فيكون الوعد بالبيع وبالشراء ملزماً للجانبين ، هذا بالشراء وذاك بالبيع ، ويكون في حقيقته بيعاً نهائياً أبرمه الطرفان . ولكن هذا الاعتراض لا أساس له ، لأن الطرفين لم يريدا هذا الوضع ، وإنما أرادا أن يلتزم أحدهما ببيع الدار إذا أراد الآخر شراءها وتوافرت عنده الأسباب لهذا الشراء ، وأن يلتزم الآخر بشرائها إذا أراد الأول بيعها وتوافرت عنده الأسباب لهذا البيع . والفرق بين الوضعين كبير . والدليل على ذلك أنه في الوضع الذي نحن فيه – الوعد بالبيع والشراء الملزم لجانب واحد – قد لا يتم البيع النهائي أصلا ، ويكفي لذلك ألا تتوافر الأسباب $77 عند الطرف الأول لبيع الدار ، بالأ يجد الأرض الصالحة التي يشتريها لتحل محل الدار ، فلا يظهر رغبته في البيع في الميعاد المحدد ، ومن ثم يسقط الوعد بالشراء وفي الوقت ذاته لا تتوافر الأسباب عند الطرف الآخر لشراء الدار ، بالأ ينتقل إلى المدينة التي فيها الدار ، فلا يظهر رغبته في الشراء في الميعاد المحدد ، ومن ثم يسقط الوعد بالبيع . فإذا ما سقط كل من الوعد بالبيع والوعد بالشراء ، فإن البيع النهائي لن يتم ، ويكون كل من الوعدين قد أدى الغرض الذي أريد به تحقيقه وسقط بعد أن أدى هذا الغرض . وهذا الوضع يختلف تماماً عن وضع الوعد بالبيع وبالشراء الملزم للجانبين ، كما سنرى .

ومن ذلك يتبين أنه إذا عقد كل من الطرفين مع الطرف الآخر وعدا بالبيع ملزماً لجانب واحد ووعدا بالشراء ملزماً لجانب واحد ، أخذ كل وعد من هذين الوعدين حكمه . فالوعد بالبيع ينعقد على الوجه الذي سبق أن قررناه ، فإذا ما انعقد صحيحاً رتب التزاماً في ذمة صاحب الدار بأن يبيعها من الموعود له إذا رغب هذا في شرائها . فإذا أظهر الموعود له رغبته في الشراء تم البيع النهائي وأصبح الموعود له مشترياً للدار ، وإذا لم يظهر هذه الرغبة في الميعاد المحدد سقط الوعد بالبيع . والوعد بالشراء ينعقد أيضاً على الوجه الذي بيناه ، فإذا ما انعقد صحيحاً رتب التزاماً في ذمة الواعد بالشراء بأن يشتريها إذا رغب صاحب الدار في بيعها . فإذا أظهر هذا رغبته في البيع في الميعاد – وقد يكون نفس الميعاد المتفق عليه في الوعد بالبيع كما قد يكون أطول منه أو أقصر – تم البيع النهائي ، وإذا لم يظهر هذه الرغبة في البيع في الميعاد المحدد سقط الوعد بالشراء . فالبيع النهائي يتم إذن في أحد فرضين : إما بأن يظهر صاحب الدار رغبته في بيع الدار ، وإما بأن يظهر الطرف الآخر رغبته في شرائها . فإذا لم يظهر هذا رغبته في الشراء ، ولم يظهر ذاك رغبته في البيع ، فإن البيع النهائي لن يتم كما سبق القول .

39 – الوعد بالبيع وبالشراء الملزم للجانبين : قدمنا أن الوضع في الوعد بالبيع وبالشراء الملزم للجانبين يختلف عن الوضع السابق في الوعد بالبيع وبالشراء الملزم لجانب واحد . ففي الوعد بالبيع والشراء الملزم للجانبين – وهذا $78 هو العقد الابتدائي كما سنرى – يلتزم صاحب الدار ببيعها للطرف الآخر ، وفي الوقت ذاته يلتزم الطرف الآخر بشرائها منه ([60]) . فعندنا هنا عقد واحد ملزم للجانبين ، أما في الوضع السابق فيوجد عقدان كل منهما ملزم لجانب واحد . وهنا لا بد أن يتم البيع ، بل هو قد تم فعلا فقد التزم صاحب الدار ببيعها والتزم الطرف الآخر بشرائها فتم البيع ملزماً للجانبين ([61]) ، أما في الوضع السابق فقد لا يتم أصلا كما قدمنا .

يبقى إذن أن نعرف لماذا لجأ الطرفان في الوعد بالبيع وبالشراء الملزم للجانبين إلى عبارة الوعد وهما في الحقيقة يبرمان بيعاً تاماً ؟ السبب في ذلك يرجع إلى اعتبارات عملية محضة ، فقد أراد الطرفان إبرام بيع تام ، وسمياه بالوعد لأنهما يعتبران أن هذا البيع التام ليس هو البيع النهائي . فقد يريد المشتري ، بعد أن قيد البائع بالبيع وتقيد هو بالشراء ، أن يبحث عن حالة الدار من حيث ترتب حقوق عليها ، فإذا ما رآها خالية من التكاليف استبدل بالوعد البيع النهائي ، وإلا طلب الفسخ ([62]) . وقد يريد المشتري ، بعد إبرام الوعد على النحو الذي قررناه ، أن يتسع له الوقت لتدبير المشتري ، بعد إبرام الوعد على النحو الذي قررناه ، أن يتسع له الوقت لتدبير الثمن ، حتى إذا ما دبره أبرم البيع النهائي . وقد يكون الأمر لا هذا ولا ذاك ، ولكن تسجيل البيع يقتضي إجراءات تستغرق مدة من الزمن – وبخاصة إذا كان أحد الطرفين قاصراً حيث يضاف إلى إجراءات التسجيل إجراءات الحصول على إذن من المحكمة – ولكن يريد كل من الطرفين أن يقيد الآخر بعقد ابتدائي هو هذا الوعد ، وذلك إلى أن تتم الإجراءات اللازمة فيبرما البيع النهائي .

فالوعد بالبيع وبالشراء الملزم للجانبين هو إذن بيع تام ، تترتب عليه كل $79 الآثار التي تترتب على البيع ([63]) . وسنرى ذلك تفصيلا عند الكلام في البيع الابتدائي ، لأن هذا الوعد ليس إلا بيعاً ابتدائياً كما قدمنا . وإلى هذا المعنى تشير المادة 1589 من التقنين المدني الفرنسي ، إذ تقول : (( الوعد بالبيع يعدل البيع إذا تراضى الطرفان على المبيع والثمن )) ([64]) . وقد اختلف الفقه في فرنسا في تفسير هذا النص ، ولكن الكثرة الغالبة من الفقهاء يفسرونه بحسب معناه الظاهر ، وهو أنه إذا وعد شخص آخر بالبيع ووعد الآخر الأول بالشراء ، واتفقا على المبيع والثمن ، فهذا هو البيع الكامل . ويستوي أن يبيع الشخص أو أن يعد بالشراء ، وعبارة (( الوعد )) ما دامت منجزة وصادرة من الطرفين لتلزم كلا منهما في الحال لا تختلف عن عبارة (( البيع والشراء )) ([65]) . وإذا كان التقنين المدني الفرنسي قد عنى بإبراز هذا المعنى الواضح في نص خاص ، فإن ذلك يرجع إلى أسباب تاريخية تتصل

بالقانون الفرنسي القديم ([66]) .


([1]) مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 14 – ص 15 في الهامش . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : (( النص مطابق للتقنين المصري الحالي ( السابق ) م 236 / 301 . وهو إن كان مجرد تطبيق للقواعد العامة ، إلا أنه يرمي إلى =

= غرضين : ( أولاً ) أن يمهد بذكر المبيع والثمن لإيراد النصوص الخاصة بكل من هذين الركنين . ( ثانياً ) أن يبين أن البيع عقد رضائي لا يشترط في تمامه تسجيل ولا كتابة )) .

    وقد نصت المادة 388 من تقنين الموجبات والعقود اللبناني على أنه (( لا يكون البيع تاماً إلا إذا اتفق المتعاقدان على نوع العقد وعلى المبيع والثمن )) ونصت المادة 373 من نفس التقنين على أن (( صحة البيع تتوقف على اتفاق المتعاقدين على ماهية العقد وعلى المبيع والثمن والشرائط العامة لصحة الموجبات العقدية )) .

([2]) نقض مدني 9 يونيه سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 433 ص 797 – ويعرض الفقه الفرنسي مقتفيا أثر بوتييه لفرض بعيد الوقوع في العمل : يطلب البائع في الدار ألفاً ويقبل المشتري أن يشتريها بألف ومائتين ، فهل يكون هناك اتفاق على الثمن ؟ يذهب بوتييه إلى أن المشتري وقد رضي أن يشتري بألف ومائتين يكون راضياً دون شك أن يشتري بألف ، فيتم البيع على ألف ( بوتييه في البيع فقرة 36 – بودري وسينيا فقرة 21 ص 15 ) . وإذا قيل إن البائع وقد رضي أن يبيع بألف يكون راضياً دون شك أن يبيع بألف ومائتين فلم لا يتم البيع على ألف ومائتين ، أمكن رد هذا الاعتراض بأن الحل الأصلح للملتزم بالثمن – هو المشتري – هو الحل الذي يؤخذ به ، فيتم البيع على ألف لا على ألف ومائتين . وتنص المادة 178 من مجلة الأحكام العدلية على أنه (( تكفي موافقة القبول للإيجاب ضمناً ، فلو قال البائع للمشتري بعتك هذا المال بألف قرش ، وقال المشتري اشتريته منك بألف وخمسمائة ، انعقد البيع على الألف ، إلا أنه لو قبل البائع هذه الزيادة في المجلس لزم المشتري حينئذ أن يعطيه خمسمائة القرش التي زادها أيضاً وكذا لو قال المشتري للبائع اشتريت منك هذا المال بألف قرش ، فقال البائع بعته منك بثمانمائة ينعقد البيع ويلزم تنزيل المائتين من الألف )) .

    ونفرض فيما قدمناه أن المشتري وقت أن زاد في الثمن أو أن البائع وقت أن نقص فيه قد وقع في غلط . لكن قد يحدث أن المشتري يبدأ بعرض ثمن معين ، ويأبى ضمير البائع أن يسايره في هذا الثمن ، فيقبل البيع بثمن أقل هو الثمن العادل في نظره ، فهنا يكون إيجاب المشتري قد عارضه قبول البائع فيعتبر قبول البائع إيجاباً جديداً ( م 96 مدني ) ، ويعتبر سكوت المشتري والإيجاب الجديد نافع له نفعاً محضاً قبولاً لهذا الإيجاب الجديد ، فيتم البيع على الثمن الأقل . وإذا بدأ البائع بطلب ثمن معين ، فأبى ضمير المشتري إلا أن يزيد في الثمن ، فقبول المشتري الشراء بالثمن الأكبر إيجاب جديد يقبله البائع بسكوته ، فيتم البيع على الثمن الأكبر ( أنظر في هذا المعنى الأستاذ سليمان مرقس فقرة 32 ) .

    والعبرة بنية المتعاقدين ، وتستخلص النية من القرائن في كل من الفقه الغربي والفقه الإسلامي . جاء في الفتاوى الخانية (( رجل ساوم رجلا بثوب ، فقال البائع أبيعه بخمسة عشر ، وقال المشتري لا آخذه إلا بعشرة ، فذهب به ، ولم يقل البائع شيئاً . فهو بخمسة عشر إن كان المبيع في يد المشتري حين ساومه ، وإن كان في يد البائع فأخذه منه المشتري ولم يمنعه البائع فهو بعشرة . ولو كان في يد المشتري وقال لا آخذه إلا بعشرة وقال البائع لا أبيعه إلا بخمسة عشر ، فرده عليه المشتري ، ثم تناوله من يد البائع فدفعه البائع إليه ولم يقل شيئاً ، فذهب به المشتري ، فهو بعشرة )) ( شرح المجلة لسليم باز م 178 ص 83 ).

([3]) استئناف وطني 3 نوفمبر سنة 1892 الحقوق 7 ص 285 – استئناف مختلط 11 يناير سنة 1905 م 17 ص 73 .

     وفي صدد توافق الإيجاب والقبول في البيع قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن البيع يتم بتوافق الإيجاب والقبول على المبيع والثمن ( 20 فبراير سنة 1890 م 2 ص 392 – 30 مايو سنة 1894 م 6ص 310 – 9 مايو سنة 1895 م 7 ص 268 ) ، فلا البيع يتم إذا امتنع أحد المتبايعين من قبول العقد كاملا ( 24 ديسمبر سنة 1890م 3 ص 92 – 4 فبراير سنة 1891 م 3 ص 194 – 2 نوفمبر سنة 1893 م 6 ص 5 – 13 مايو 1896 م 8 ص 292 – 10 مارس سنة 1898م 10 ص 198 – 9 يونيه سنة 1898 م 10 ص 319 ) ويجوز أن يغني عن توقيع فلشترى على عقد البيع طلبه التسجيل أو قبضه للعين المبيعة أو تصرفه في المبيع مستنداً إلى عقد البيع ( 4 ديسمبر سنة 1895م 8 ص 22 – 23 إبريل سنة 1896م 8 ص 151 – 21 فبراير سنة 1897 م 9 ص 310 – 19 مايو سنة 1897 م 9 ص 348 – أول نوفمبر سنة 1899م 11 ص 110 – 11 نوفمبر سنة 1903م 16 ص 6 – 27 يناير 1916م 28 ص 131 – 18 فبراير سنة 1930م 42 ص 290 – ولكن قارن 12 فبراير سنة 1890 م 2 ص 373 – 14 مايو سنة 1891 م 3 ص 334 – 31 يناير سنة 1894 م 6 ص 131 – عليه من البائع موحده يلزمه وبحوز للمشتري إجباره على تسليم المبيع ، ولكن هذا البيع لا يكون نافذاً في حق الغير حتى لو سجل ( 20 ديسمبر سنة 1894 م 7 ص 56 – 23 يناير

      سنة 1896 م 8 ص 99 – وفي حكم يكون نافذاً في حق الغير لو سجل : 5 مارس سنة 1896 م 8 ص 148 ) . ولا يجوز الاحتجاج بعدم توقيع المشتري على عقد البيع إلا ممن له مصلحة في ذلك كمشتر آخر من البائع أو دائن مرتهن ( 15 يناير سنة 1896 م 8 ص 74 – 19 مايو سنة 1897م 9 ص 348 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة أيضاً بأن مجرد إرسال كتاب من صاحب السلعة بعرض سلعته لا يكون إلا إيجاباً غير مقترن بقبول الطرف الآخر ( 24 أبريل سنة 1902م 14 ص 264 ) وبأن مداولات مجلس إدارة الشركة للترخيص لمدير الشركة في إيقاع البيع لا تعتبر إيجاباً ( 25 يونيه سنة 1918 م 30 ص 490 ) .

([4]) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا رأت المحكمة أن العبارة المحررة في مفكرة المدعي والموقع عليها من المدعي عليه ، المتضمنة التزام الموقع بأن يبيع للمدعي الصنف المبينة أنواعه وأوصافه فيها ومقدار كل نوع منه وثمنه وتشمل كل البيانات اللازمة لتوافر أركان عقد البيع ولو أنها مذيلة بعبارة (( وهذا لحين تحرير الشروط )) ، ثم عرضت لتنفيذ هذا الاتفاق فرأت أن نية المتعاقدين فيما يتعلق بباقي شروط البيع من تسليم المبيع ودفع ثمنه قد توضحت من الطريقة التي بينتها في حكمها وقالت إنهما إتباعها طوال مدة تنفيذ جزئياً ، وإذ استكملت شروط الاتفاق من العناصر الأخرى القائمة في الدعوى ، تكون قد استخلصت ذلك مما ينتجه ، فلا تصح مناقشتها فيه أمام محكمة النقض لتعلقه بسلطة محكمة الموضوع في تقرير الوقائع ( نقض مدني 13 مايو سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 57 ص 154 ) . وقضت من جهة أخرى بأن متى كان الإقرار المتنازع على تكييفه صريحاً في الإفصاح عن قبول المقر البيع بالشروط التي ارتضاها ، وكان المتمسك بهذا الإقرار ينازع في انعقاد البيع على أساس هذه الشروط ، فلا يمكن مع هذا القول بتلاقي الإيجاب والقبول اللازمين لانعقاد البيع ، واختلاف الطرفين على مساحة المبيع وحدوده يجعل البيع غير منعقد لعدم الاتفاق على العين المبيعة ( نقض مدني 19 يناير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 56 ص 203 ) . وقضت بأنه إذا أودع عقد البيع والثمن أمانة عند أجنبي، وقرر الأجنبي أن السبب في الإيداع هو أن البالغ كان باع نفس المبيع لشخص آخر واشترط ألا يكون هذا البيع الثاني باتا إلا بعد التقايل من البيع الأول ، كيف البيع الثاني بأنه بيع معلق على شرط واقف هو التقايل من البيع الأول ( نقض مدني 31 ديسمبر سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 36 ص 185) .

([5]) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان الثابت من وقائع الدعوى التي أوردها الحكم أن راغب الشراء بعد أن قبل عرض البائع قد بادر إلى المطالبة بإتمام الصفقة ، ووجه في الوقت المناسب إنذاراً للبائع بتكليفه الحضور لتحرير العقد الرسمي ، وانتهى الحكم رغم ذلك إلى القول بأن المشتري عدل عن الصفقة ، ولم يدعم قضاءه بذلك بأدلة من شأنها أن تؤدي إليه ، بل كان كل ما قاله لا يبرر ما خلص إليه ، فإنه يكون معيباً متعيناً نقضه ( نقض مدني 14 يونيه سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 267 ص 729 ) .

([6]) مثل ذلك الاحتفاظ بمسألة تعيين من يتحمل من المتبايعين مصروفات خزن المبيع المدة التي بقى فيها مخزوناً ، فعدم الاتفاق عليها بعد ذلك لا يمنع من تمام البيع ، وتعين المحكمة المتعاقد الذي يتحمل هذه المصروفات طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة .

([7]) الوسيط 1 فقرة 111 .

([8]) م 92 مدني – الوسيط 1 فقرة 82 .

([9]) وقد جاء في الجزء الأول من الوسيط في هذا الصدد : (( ويكون التعبير الصريح أخيراً باتخاذ أي موقف آخر لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على حقيقة المقصود . فعرض التاجر لبضائعه على الجمهور مع بيان أثمانها يعتبر إيجابا صريحاً ، ووقوف عربات الركوب ونحوها في الأماكن المعدة لذلك عرض صريح على الجمهور ، ووضع آلة ميكانيكية لتأدية عمل معين كميزان أو آلة لبيع الحلوة أو لتوزيع طوابع البريد أو نحو ذلك ، كل هذا يعد تعبيراً صريحاً )) ( الوسيط 1 فقرة 76 ص 176 ) .

([10]) وقد كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد يشتمل على نص في هذا المعنى حذف اكتفاء بتطبيق القواعد العامة ، فكانت المادة 136 من هذا المشروع تنص على أنه (( يجوز لمن وجه إليه الإيجاب أن يرفض ، ما لم يكن قد دعا إليه فلا يجوز له في هذه الحالة أن يرفض التعاقد إلا إذا استند إلى أسباب مشروعة )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 45 – ص 46 ) . وجاء في الجزء الأول من الوسيط في هذا الصدد : (( والتطبيقات العملية لهذا النص كثيرة متنوعة . فهناك طوائف من الناس تستحث غيرها على الإيجاب وتدعوهم إليه ، كالتجار في النشرات والإعلانات وقوائم الأسعار التي يوجهونها إلى الجمهور ، وكأصحاب الفنادق والمطاعم يفتحون أبوابهم للطارق ، وكأرباب الصناعات يدعون العمال إلى العمل في صناعاتهم . فإذا استجيبت هذه الدعوة إلى التعاقد ، كانت الاستجابة إيجاباً يمتاز عما عداه من ضروب الإيجاب لأن من وجه إليه لا يجوز له أن يرفضه لغير سبب مشروع . وقد عللت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي هذا الحكم العادل بما يأتي (( وليس هذا الأثر القانوني إلا نتيجة للحالة التي أنشأها صاحب الدعوة ، بل وتطبيقاً من تطبيقات مبدأ جامع هو مبدأ إساءة استعمال الحق ، أو التعسف في استعماله . على أن الإساءة في هذا الفرض ترد على مجرد رخصة من الرخص ، وهذه خصوصية تسترعى الانتباه . وقد تعمد المشرع إغفال تعيين الجزاء الذي يترتب على الرفض التعسفي . فمثل هذا الرفض يرتب مسئولية لا شك فيها . فيجوز أن يقتصر التعويض على مبلغ من المال ، إذا كان هذا الجزاء كافياً . ويجوز للقاضي في بعض الفروض أن يذهب إلى ما هو أبعد ، فيعتبر أن العقد قد تم على سبيل التعويض إذا كان في الظروف ما يوجب ذلك : مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 45 في الهامش )) ( الوسيط 1 ص 216 – 217 ) .

([11]) أو يقال إن الإيجاب يقوم ما دامت السلعة موجودة عند التاجر ، فإذا نفدت سقط الإيجاب من تلقاء نفسه .

([12]) أنظر في كل ما تقدم من القيود بودري وسينيا فقرة 46 – فقرة 55 .

([13]) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في الصدد : (( وقد تقدم في الفقرة الثانية من المادة 134 من المشروع أن النشرات والإعلانات وقوائم الأسعار التي يجري التعامل بها وغير ذلك من البيانات الموجهة للجمهور أو الأفراد تعتبر في الأصل دعوة لحث الناس على الإيجاب . فليس ينصرف حكم النص في الصورة التي يواجهها إلى الإيجاب النهائي الملزم الذي ينقلب إلى ارتباط تعاقدي متى اقترن به القبول ، وإنما ينصرف هذا الحكم إلى مجرد الدعوة للتقدم بالإيجاب . والاستجابة لهذه الدعوة هي التي تعتبر إيجاباً نهائياً ملزماً ، يمتاز عما عداه من ضروب الإيجاب بأن من وجه إليه لا يجوز له أن يرفضه لغير سبب مشروع )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 45 في الهامش ) .

([14]) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 41 في الهامش – الوسيط 1 ص 176 هامش رقم 1 .

([15]) استئناف وطني 15 مايو سنة 1893 الحقوق 8 ص 197 – 4 مايو سنة 1905 الاستقلال 4 ص 526 – 21 فبراير سنة 1914 المجموعة الرسمية 15 رقم 105 ص 201 – استئناف مختلط 2 يونيه سنة 1908 م 20 ص 262 .

     وتنص المادة 376 من تقنين الموجبات والعقود اللبناني على أنه (( يجوز أن يكون البيع خطياً أو شفهياً مع مراعاة القواعد الموضوعة لبيع الأموال الثابتة )) . وكان التقنين المدني المصري السابق ينص صراحة على رضائية عقد البيع ، فكانت المادة 237 وطني على أنه (( يجوز أن يكون البيع بالكتابة أو بالمشافهة )) ، وتقابلها المادة 302 مختلط : (( البيع يجوز أن يكون بالكتابة بسند رسمي أو غير رسمي)) ، والمادة 303 مختلط : (( البيع يكون بالمشافهة أو بالإشارة )) .

     هذا ولم يغير قانون التسجيل في العقار من رضائية البيع ، فسنرى أن بيع العقار لا يزال عقداً رضائياً والتسجيل ليس ضرورياً إلا لنقل الملكية .

([16]) وقد نصت المادة 3 من تقنين التجارة البحري على أن (( بيع السفينة كلها أو بعضها اختيارياً يلزم أن يكون بسند رسمي ، سواء حصل قبل السفر أو في أثنائه ، وإلا كان البيع لاغياً )) .

    وإذا كان الثمن إيراداً مرتباً ، لم ينعقد البيع إلا بالكتابة فيكون عقداً شكلياً ، وقد نصت المادة 743 مدني على أن (( العقد الذي يقرر المرتب لا يكون صحيحاً إلا إذا كان مكتوباً )) .

    وتقضي المادة 37/2 من القانون رقم 354 لسنة 1954 بأن كل تصرف يرد على حق المؤلف في استغلال مصنفه لا ينعقد إلا بالكتابة ، وقد يكون التصرف في المصنف بيعاً فيكون البيع في هذه الحالة شكلياً .

    وتعتبر بيوعاً شكلية البيوع الجبرية وبيع عقار القاصر والغائب .

([17]) بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 17 – وأنظر أيضاً لوران 24 فقرة 128 -* جيوار 1 فقرة 9 – بودري وسينيا فقرة 188-  وكان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد يتضمن نصاً يقضي ، إذا اشترط المتعاقدان الكتابة ، بأن يفترض عند الشك أنهما قصدا ألا يتم العقد إلا بالكتابة ، فتكون الكتابة شكلا لا مجرد طريق للإثبات . ولكن لجنة المراجعة حذفت هذا النص لإمكان الاستغناء عنه ، فيرجع إذن في كل حالة إلى قصد المتعاقدين ، وهل أرادا الشكل أو طريق الإثبات ، وما هي قيمة الاتفاق الابتدائي الذي أبرماه هل هو بيع كامل أو وعد بالبيع أو مجرد مشروع غير ملزم .

    وتنص المادة 1582 من التقنين المدني الفرنسي على أن البيع (( يمكن حصوله بعقد رسمي أو بعقد عرفي )) . وكان أصل المادة : (( بيع العقارات يجب أن يحصل بالكتابة ، ويمكن حصوله بعقد رسمي أو عقد عرفي )) . ولكن حذف شرط الكتابة في بيع العقارات ، وبقيت المادة بعد حذف هذا الشرط ، فأصبحت توهم أن البيع تلزم فيه الكتابة . والتفسير الصحيح لهذا النص أن للمتبايعين كتابة ورقة رسمية أو ورقة عرفية إذا أرادا تحرير العقد ، أما البيع ذاته فيتم بمجرد التراضي ( لوران 5 فقرة 126 – فقرة 127 – جيوار 1 فقرة 7 – أوبري ورو 5 ص 28 هامش رقم 1 مكرر – بودري وسينيا 7 فقرة 18 وفقرة 185 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 17 ص 25 وهامش رقم 1 ) .

([18]) وهذا بخلاف حوالة الحق ، فقد يباع حق معروف المقدار بثمن أقل ، فيكون التزام المحيل قيمته أكبر من قيمة التزام المحال له ( الوسيط 3 فقرة 262 ) .

([19]) أو كان البيع تجارياً ، وقد قضت محكمة النقض بأنه متى كان طرفا النزاع تاجرين ، فلا جناح على المحكمة إن هي أحالت الدعوى على التحقيق ليثبت المدعي صدور بيع منه إلى المدعي عليه وقيمة الأشياء المبيعة ، وذلك لأن الإثبات في المواد التجارية جائز بكافة طرق الإثبات ( نقض مدني 28 يناير سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 68 ص 458 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه يجوز إثبات البيع التجاري بالقرائن كتصدير البضاعة للمشتري وتسليمها إياه ( 28 مارس سنة 1917 م 29 ص 326 ) ، وقضت أيضاً بأنه يجوز إثبات البيع التجاري بفاتورة صادرة من البائع ومقبولة من سمسار المشتري ( 8 يناير سنة 1939 م 51 ص 121 ) .

([20]) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا قدم المشتري إيصالا بالثمن بتوقيع البائع ، عد الإيصال مبدأ ثبوت بالكتابة يبيح إثبات مساحة الأرض المبيعة وحدودها ووقوع البيع باتا بالبينة ( 15 يناير سنة 1903 م 15 ص 89 ) .

([21]) استئناف مختلط سنة 1896 م 8ص 252 – وقد كانت العبارة الأخيرة من المادة 237 / 303 من التقنين المدني السابق تنص صراحة على تطبيق القواعد العامة في الإثبات فتقول : (( إنما في حالة الإنكار تتبع القواعد المقررة في القانون بشأن الإثبات )) .

([22]) وقد أورد الفقه الفرنسي على هذا النص قيدين . أحدهما أنه لا يسري إلا إذا أعوز القاضي قواعد أخرى لتفسير عقد البيع ، والقيد الثاني أنه لا يسري إلا في تفسير الشروط الطبيعية المألوفة في عقد البيع فإذا وضع المشتري شروطاً استثنائية لمصلحته وجب الرجوع إلى القواعد العامة وتفسير هذه الشروط لمصلحة البائع ( أو بري ورو 5 فقرة 353 هامش رقم 3 – بودري وسينيا فقرة 284 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 18 ) . وسنعود إلى هذه المسألة فيما يلي ( أنظر فقرة 225 في الهامش ) .

([23]) أنظر في مسألة تفسير العقد الوسيط 1 فقرة 386 – فقرة 400 .

([24]) الوسيط 1 فقرة 131 – فقرة 142 .

([25]) ويغلب كما قدمنا أن تكون مدة الوعد بالبيع هي مدة الإيجار ، فإذا امتد الإيجار امتد الوعد بالبيع ، أما إذا انتهت مدة الإيجار فإن مدة الوعد تنتهي حتى لو تجدد الإيجار تجدداً ضمنياً فإن التجدد يعتبر إيجاراً جديداً ، وذلك ما لم يجدد الطرفان الوعد لمدة الإيجار الجديد . وإذا انفسخ الإيجار بسبب هلاك العين المؤجرة لم ينفسخ الوعد بالبيع ، بل يبقى على العين بعد إعادة بنائها . وفي حالة تأجير العين من الباطن ، يظل الوعد قائماً لمصلحة المستأجر الأصلي لا لمصلحة المستأجر من الباطن ( بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 180 – قارن الأستاذ أنور سلطان فقرة 74 ) .

     وقد يقع أن مستأجر العين يحصل على وعد ببيعها ، ويعطي لصاحب العين الأجرة مضاعفة ، فإذا أكمل الثمن كانت له العين ، وإلا استرد ما دفعه زيادة على الأجرة ( بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 176 ) .

([26]) فمن هذه الأمثلة العملية : شركات البناء العقارية تضمن عقود الإيجار الصادرة منها وعداً ببيع العين إلى المستأجر – تلجأ الشركات الصناعية إلى الحصول من الأراضي المجاورة لمصانعها على وعد ببيعها ضماناً لتوسيع المصانع – مستأجر لأرض زراعية يحصل على وعد ببيعها قبل أن ينفق في إصلاحها مصروفات كبيرة – شركة تبحث عن معادن في أرض فتحصل من صاحب الأرض على وعد ببيعها إذا عثرت على المعادن .

    وقد قضت محكمة مصر الاستئنافية بأنه إذا تعمد المشتري من الحكومة في عقد البيع بأن يرد إليها كل أو بعض ما اشتراه منها في نظير ما يقابله من الثمن المتعاقد عليه إذا لزم للمنفعة العامة ، فهذا الشرط إنما هو شرط شخصي يترتب عليه حق عيني ، وهو يعتبر بمثابة وعد بالبيع موقوف تنفيذه على إرادة أحد المتعاقدين ( 5 ديسمبر سنة 1928 المجموعة الرسمية 30 رقم 42 ص 101 ) .

    وقد يحول سبب دون تقدم شخص للمزايدة بنفسه ، فيتفق مع آخر على أن يتقدم هو للمزايدة بعد أن يحصل منه على وعد ببيع العين إذا رسا مزادها عليه . ويجب التمييز بين هذه الصورة وصورة الدخول في المزاد باسم مستعار . وقد قضت محكمة النقض بأن تحدي المدين بأن من استخدمه للدخول في المزايدة يعتبر في القانون نائباً عنه بطريق إعارة الاسم ، وأن المعار اسمه لا يتملك في حق الأصيل – هذا التحدي محله أن يكون الثابت في الدعوى أن من رسا عليه المزاد كان عند رسو المزاد عليه معيراً اسمه . أما إذا كان الثابت أن الراسي عليه المزاد إنما وعد المدين بأن يبيع له الأطيان عند رسو المزاد عليه إذا دفع له الثمن والمصروفات ، فذلك لا يصح التحدي به في إنكار الملكية على الراسي عليه المزاد ( نقض مدني 29 أبريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 308 ص 613).

     وقد يعد مدين دائنه بأن يبيع منه عيناً إذا لم يوف الدين في الميعاد . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كانت الورقة المختلف على تكييفها – هل هي ورقة ضد عن العقد المتنازع على حقيقة المقصود منه أم هي وعد بالبيع – مذكوراً فيها أنه (( إذا مضى الميعاد المحدد ولم يدفع المبلغ فيكون البيع نافذ المفعول)) ، فهذا يدل على أن البيع لا يكون نافذ المفعول في مدة الوفاء . وليس هذا شأن بيع الوفاء الحقيقي الذي ينفذ مفعوله كبيع بمجرد التعاقد ، وإن تعلق على شرط فاسخ . وإذن فاعتبار تلك الورقة متضمنة شرط تمليك الدائن للأطيان مقابل الدين في نهاية الأجل المحدد للوفاء هو اعتبار تسوغه عباراتها ، وليس فيه مسخ لمدلولها ( نقض مدني 15 ديسمبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 30 ص 103 ) . وفي هذه القضية كان من الممكن أن يتفق الطرفان على وعد بالبيع يبدأ أثره من وقت حلول الدين وعدم الوفاء به ، وهذا يقتضي أن يكون للدائن الحق في ألا يظهر رغبته في الشراء مؤثراً المطالبة بالدين . أما على اعتبار أن البيع معلق على شرط واقف هو عدم الوفاء بالدين في الميعاد المحدد ، فهذا يقتضي أن يتم البيع بأثر رجعي بمجرد تحقق الشرط .

([27]) فقرة 134 – فقرة 135 .

([28]) أنظر تاريخ هذا النص في الوسيط 1 فقرة 134 ص 251 هامش رقم 1 .

([29]) وإذا كان القبول صادراً من الموعود له ، كما هو الغالب ، فهو قبول لا ينشئ في ذمته التزاما ، ومن ثم قد يكون مجرد السكوت قبولا ، وبالأولى قد يكون القبول ضمنياً .

([30]) ويقول بودري وسينيا إن الوعد بالبيع قد يكون في مرحلة أولى مجرد إيجاب من البائع ، وهو إيجاب يستطيع صاحبه العدول عنه . وقد يقوى عن ذلك في مرحلة ثانية فيكون إيجاباً اقترن بقبول من الطرف الآخر دون أن يتقيد هذا الطرف الآخر بالشراء ، فيكون وعداً بالبيع ملزماً لجانب واحد ، ويلتزم الموجب بوعده ولا يجوز له العدول عنه ، ولكن القابل لا يلتزم بشيء . وقد يصل في القوة إلى المرتبة العليا في المرحلة الثالثة ، فيلتزم القابل من جانبه هو أيضاً أن يشتري ، فيكون وعداً بالبيع وبالشراء ملزماً للجانبين ، وهذا يعدل البيع الكامل ( بودري وسينيا فقرة 57 ) .

([31]) وكان بوتييه ( البيع فقرة 481 ) يذهب ، في القانون الفرنسي القديم ، إلى أن الاتفاق على الثمن ليس لازماً لصحة الوعد ، ويتولى الخبراء تقديره في البيع النهائي . ولكن هذا الرأي غير معمول به في القانون الفرنسي الحديث ( بودري وسينيا فقرة 68 ) .

([32]) وكما إذا كان العقد الموعود به لا يجدي تنفيذه بعد فوات وقت معين ، فهذا الوقت هو المدة التي يجب في خلالها إبرام هذا العقد . وإذا اتفق الطرفان على أن تكون المدة هي المدة المعقولة ، وكان في عناصر القضية ما ينهض لتحديد هذه المدة ، جاز الوعد بالبيع ، لأن المدة هنا تكون قابلة للتحديد ، وإذا اختلف الطرفان في تحديدها =

= تكفل القاضي بذلك ( الوسيط فقرة 134 ص 253 ) – أما في فرنسا فلا يوجد نص – كما يوجد في مصر – يوجب تحديد المدة فيجوز الوعد بالبيع دون تحديد مدة ، ويتولى القاضي تحديد المدة المدة المعقولة ( بودري وسينيا فقرة 70 – ) .

([33]) أنظر آنفاً فقرة 22 .

([34]) ولا يوجد ما يمنع من أن تكون ضمن شروط الوعد بالبيع الرضائي أنه في حاله ظهور رغبة الموعود له في الشراء يجب أن يفرغ البيع في ورقة رسمية . وفي هذه الحالة إذا أظهر الموعود له رغبته في الشراء ، وجب على الواعد أن يشترك مع الموعود له في إعداد الورقة الرسمية التي تبرم العقد النهائي . ويكون الوعد بالبيع هنا رضائياً مع أن للبيع النهائي شكل ، وذلك لأن الشكل هنا لم يشترطه القانون بل اتفق عليه المتعاقدان ( أنظر الوسيط 1 فقرة 135 ص 253 هامش رقم 2 ) . وإذا امتنع الواعد عن إمشاء الورقة الرسمية لإبرام العقد النهائي ، فمن رأينا أن يقوم الحكم في هذه الحالة مقام العقد مفرغاً في هذه الورقة الرسمية ، إذ الحكم هو نفسه ورقة رسمية . يؤيد ذلك ما جاء في المادة 102 مدني من أنه (( إذا وعد شخص بإبرام عقد ثم نكل ، وقاضاه المتعاقد الآخر طالباً تنفيذ الوعد ، وكانت الشروط اللازمة لتمام العقد ، وبخاصة ما يتعلق منها بالشكل ، متوافرة ، قام الحكم متى حاز قوة الشيء المقضي به مقام العقد )) . وهذا بخلاف ما إذا كان العقد الموعود بإبرامه هو في الأصل وبحكم القانون عقداً  =

= شكلياً كالرهن الرسمي ، وكان الوعد به لم يفرغ في الشكل الرسمي ، فالحكم في هذه الحالة لا يقوم مقام العقد ، بل يقتصر القاضي على الحكم بالتعويض ( الوسيط 1 فقرة 139 ) . وعلة ذلك أن عقد الوعد في حالة الرهن الرسمي عقد شكلي لم يستوف الشكل ، والمادة 102 مدني تشترط كما رأينا أن يكون الوعد بالعقد متوافراً فيه الشكل الواجب قانوناً حتى يقوم الحكم مقام العقد . أما إذا لم يكن هناك شكل واجب قانوناً ، كما هو الأمر في الوعد بالبيع ، فليس هناك ما يخل بأحكام المادة 102 مدني إذا نحن جعلنا الحكم يقوم مقام العقد ، حتى لو اشترط اتفاقاً أن يكون العقد النهائي رسمياً ، لأن الشروط اللازمة لتمام الوعد بالبيع – وليس فيها شرط خاص بالشكل – متوافرة ، وهذا كاف لجعل الحكم يقوم مقام العقد .

([35]) بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 177 .

([36]) ولكن الوعد بالبيع ذاته له محل هو إبرام العقد النهائي ، ولذلك يجب أن يكون إبرام هذا العقد ممكناً قانوناً ، فلا يجوز الوعد ببيع حق في تركة مستقبلة . كذلك يجب أن يكون الباعث على الوعد – وهذا هو السبب – مشروعاً ، فلا يصح الوعد ببيع سلاح يريده الموعود له لارتكاب جريمة ( الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 93 ) . لكن إذا وعد شخص ببيع عين سيريها ، ولم يبد الموعود له رغبته في الشراء إلا بعد أن ورث الواعد العين ، فإن هذا يكون جائزاً .

([37]) ولا يعترض على هذا بأن الالتزام يكون إراديا ، فإن الإرادة هنا هي إرادة الدائن لا إرادة المدين . هذا إلى أن إرادة الدائن نفسها محوطة بظروف لا تجعل الأمر يتعلق بمحض الإرادة ، فهو إذا أبدى رغبته في الشراء لابد أن يكون قادراً على دفع الثمن وعلى القيام بالتزاماته الأخرى ( بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 176 ص 203 )

([38]) بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 178 .

([39]) وهذا كله ما لم يستطيع الموعود له أن يطعن في تصرف الواعد بالدعوى البولصية ، بأن أثبت تواطؤ الواعد مع المتصرف له على الإضرار بحقه ، أو كان التصرف تبرعاً حيث لا يحتاج الموعود له إلى إثبات التواطؤ ( الوسيط 2 فقرة 588 – قارن بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 179 ) . وغني عن البيان أنه لو تصرف المتصرف له سيء النية لمتصرف له ثان وكان هذا حسن النية ، لم يملك الموعود له الطعن في التصرف الأخير لأن المتصرف له الثاني حسن النية ، وذلك وفقاً لقواعد الدعوى البولصية ( بلانيول وريبير وهامل 10 ص 191 هامش رقم 5 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 79 ص 103 ) .

    ويذهب الأستاذ جميل الشرقاوي إلى اقتصار حق الموعود له على استحقاق التعويض من المتصرف إليه إذا كان سيء النية ، بجانب مسئولية الواعد القائمة على تعاقده ، فالحكم بالتعويض هو الجزاء الوحيد الجائز التطبيق . أما جعل عدم نفاذ التصرف من صور التعويض فيقوم في نظره على خلط بين نظام التصرف القانوني ونظام المسئولية ( الأستاذ جميل الشرقاوي فقرة 32 ص 75 – ص 76 ) . ويشك الأستاذ عبد المنعم البدراوي في إمكان جعل التصرف غير نافذ في حق الموعود له ، فإن المشتري إذا تمكن من تسجيل عقده قبل أن يسجل الموعود له البيع النهائي ، لم يستطع الموعود له أن يحتج على المشتري بأنه كان سيء النية وقت أن سجل عقده ( الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 99 ) .

([40]) وإذا تخلف عن هلاك الشيء أو نزع ملكيته شيء يقوم مقامه – التعويض عن الضرر أو مبلغ التأمين أو التعويض عن نزع الملكية – فهل يحل هذا الشيء حلولا عينياً محل الشيء الموعود ببيعه : يجيب الفقه الفرنسي بالنفي ويذهب إلى سقوط الوعد ( بلانيول وريبير وهامل ص 178 ) ، ولكن القصاء الفرنسي يقول بالحلول العيني ( نقض فرنسي 19 يونيه سنة 1924 سيريه 1927 – 1 – 58 – وأنظر أيضاً في هذا المعنى الأستاذ أنور سلطان فقرة 76 ص 99 والأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 101 ص 151 – ص 152 ) .                                                                                     

      أما إذا هلك الشيء هلاكاً جزئياً ، ومع ذلك أبدى الموعود له رغبته في شرائه ، فللواعد أن يلزمه بكل الثمن ( الأستاذ أنور سلطان فقرة 76 ص 99 – ص 100 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 51 ص 84 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 41 ص 70 . وقارن الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 101 ص 151 والأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 90 ) .

([41]) بودري وسينيا فقرة 67 – فقرة 67 مكررة . وقد قضت محكمة النقض بأنه لا يجوز بحال أن يحسب على الواعد نزع ملكية بعض العين للمنفعة العامة ، لأن نزع ملكية المبيع يجري عليه حكم هلاكه ، وهذا يكون حتما على المالك ، وبحكم اللزوم العقلي لا يضمن عنه الواعد بالبيع ( نقض مدني 13 يناير سنة 1938 مجموعة عمر رقم 84 ص 240 ) .

    هذا وإلى جانب الأمرين اللذين قدمناهما – استبقاء الواعد للملكية وتحمله تبعة الهلاك – يجوز أيضاً للموعود له أن يحول حقه الشخصي في ذمة الواعد إلى محال له وفقاً لقواعد حوالة الحق ( بودري وسينيا فقرة 69 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 178 – أوبري ورو 5 فقرة 349 ص 7 ) . وإذا نزعت ملكية العين الموعود ببيعها للمنفعة العامة ، كان التعويض للواعد لا للموعود . وللموعود له أن يطالب بمنع الواعد من القيام بأعمال تحول دون إبرام البيع النهائي ، كمنعه من هدم الدار الموعود ببيعها . وللموعود له أن يستعمل الدعوى غير المباشرة باسم الواعد ، فيرفع دعاوي الحيازة ويقطع التقادم ، وله أن يطلب تعيين حارس على العين المبيعة إذا شرع الواعد في هدمها ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 51 ص 86 ) .

([42]) استئناف مختلط أو يناير سنة 1923 م 35 ص 412 – بودري وسينيا فقرة 70 مكررة .

    وإذا اشترط في الوعد أن الموعود له يجب أن يدفع الثمن فوراً عند ظهور رغبته ، فظهور الرغبة غير المصحوب بالثمن لا يعتد به ( أوبري ورو 5 فقرة 349 ص 6 ) .

    وإذا ارتفعت قيمة الشيء عما كانت عليه وقت الوعد ، لم يلزم الموعود له أية زيادة في الثمن . فإذا كان ارتفاع القيمة راجعاً إلى زيادة في المبيع أجراها الواعد دون اتفاق مع الموعود له ، اعتبر الواعد في حكم من أحدث هذه الزيادة بسوء نية في ملك الغير ( قارن الأستاذ أنور سلطان فقرة 77 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 51 ص 84 – الأستاذ كامل مرسي فقرة 51 ص 70 – الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي ص 94 هامش 3 – الأستاذ محمد *** عيسى فقرة 197 ) . ويكون للموعود له الحق في ثمرات المبيع من وقت ظهور رغبته في الشراء لا من وقت صدور الوعد بالبيع ( استئناف مختلط 18 نوفمبر سنة 4/19 م 27 ص 27 ) .

([43]) فقبول الواعد ليس إذن إلا تنفيذاً للالتزام الذي نشأ في ذمته بموجب الوعد بالبيع ، فقد التزم بعمل هو إبرام البيع النهائي ، أي قبول الرغبة التي يظهرها الموعود له في الشراء ، وإذا نازع الواعد في وقوع البيع ، حكم القاضي بوقوعه ، وقام حكمه مقام تنفيذ التزام الواعد ، لأن الالتزام هنا التزام بعمل تسمح طبيعته أن يقوم حكم القاضي فيه مقام التنفيذ ( م 210 مدني ) . وقد نصت المادة 102 مدني صراحة على هذا الحكم إذ تقول : (( إذا وعد شخص بإبرام عقد ثم نكل ، وقاضاه المتعاقد الآخر طالباً تنفيذ الوعد ، وكانت للشروط اللازمة لتمام العقد وبخاصة ما يتعلق منها بالشكل متوافرة ، قام الحكم متى حاز قوة الشيء المقضي به مقام العقد )) . وليس هذا النص إلا تطبيقاً لنص أعم هو المادة 210 مدني ، إذ تقول : (( في الالتزام بعمل يقوم حكم القاضي مقام التنفيذ إذا سمحت بهذا طبيعة الالتزام )) . أنظر الأستاذ أنور سلطان فقرة 78 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 53 ص 87 – ص 88 – الأستاذ عبد الفتاح عبد الباقي فقرة 46 ص 69 . وأنظر في الفقه الفرنسي أوبري ورو 5 فقرة 349 هامش رقم 10 – بودري وسينيا فقرة 66 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 182 .

([44]) ويجب استبعاد أن يكون الوعد بالبيع بيعاً معلقاً على شرط ، إذ أن الموعود له لم يرتبط وقت الوعد أن يشتري ولو تحت شرط ، ومن ثم لا يكون لظهور رغبته في الشراء أثر رجعي ( بلانيول وويبير وهامل 10 فقرة 176 ص 203 – ص 204 ) . كذلك يجب استبعاد أن يستحيل التزام الواعد ، وهو التزام بعمل كما قدمنا ، إلى تعويض ، غذ هو التزام قابل للتنفيذ العيني عن طريق صدور حكم قضائي ( بودري وسينيا فقرة 64 – فقرة 66

     بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 182 – جوسران 2 نشرة 1073 ) .

     هذا ويجوز أن يقضي الحكم الصادر بوقوع البيع بتعويض للموعود له عن الضرر الذي لحقه من جراء عدم مبادرة الواعد إلى الاعتراف بالتزامه ( بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 182 ) .

([45]) وإذا كان الوعد بالبيع – كما يقول الأستاذ سليمان مرقس – (( مدوناً في محرر يحمل توقيع الواعد توقيعاً مصدقاً عليه ، جاز للموعود له أن يستغنى عن استصدار حكم يقوم مقام عقد البيع ، بأن يسجل عقد الوعد المصدق عليه وإقراراً منه مصدقاً عليه أيضاً بقبول الشراء بناء على الوعد ، فيقوم تسجيل هاتين الوثيقتين مقام تسجيل عقد البيع ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 53 ص 87 – ص 88 ) .

([46]) وذلك دون حاجة لأن يعذر الواعد الوعود له ( نقض مدني 6 مايو سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 124 ص 834 ) .

([47]) وقد يدفع الموعود له للواعد عربوناً يخسره إذا لم يبد رغبته في الشراء ، فإذا لم يبد هذه الرغبة خسر العربون وتحلل الواعد من وعده ، ولا يجوز للموعود له أن يحتج بعدم إعذاره وبأنه كان مستعداً لدفع باقي الثمن ( استئناف مختلط 26 أبريل سنة 1921 م 33 ص 288 ) .

    هذا وقد عالج تقنين الموجبات والعقود الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد في نصوص متصلة . فنصت المادة 493 من هذا التقنين على (( أن الوعد بالبيع عقد بمقتضاه يلتزم المرء ببيع شيء من شخص آخر لا يلتزم شراءه في الحال . ومن طبيعة هذا العقد أنه متبادل . وهو لا يولد موجباً على الموعود ، بل يلزم الواعد بوجه بات ، فلا يستطيع الرجوع عن عرضه بل يجب  عليه انتظار قرار الشخص الموعود)) . ونصت المادة 494 على أن (( مفاعيل العقد تنتقل إلى ورثة المتعاقدين بما توجبه لهم أو عليهم )) . ونصت المادة 495 على أنه (( إذا تفرغ الواعد لشخص عن شيء منقول بالرغم مما التزمه ، فهو يملك المتفرغ له ذلك الشيء ، لكنه يستهدف لأداء بدل العطل والضرر إلى الشخص الموعود لعدم قيامه بالموجب الذي التزمه )) . ونصت المادة 496 على أنه (( عند ما يصرح الشخص الموعود لعدم قيامه بالموجب الذي التزمه )) . ونصت المادة 496 على أنه (( عند ما يصرح الشخص الموعود بعزمه على الشراء ، يتحول الوعد إلى بيع دون أن يكون له مفعول رجعي ، ويتم انتقال الملكية في يوم القبول . على أنه يرجع في تعين مقدار العين إلى اليوم الذي وعد فيه البائع )) . ونصت المادة 498 على (( أن الوعد بالبيع فيما يختص بالأموال غير المنقولة خاضع للقوانين العقارية المرعية الإجراء )) .

([48]) ومن الأمثلة العملية للوعد بالتفضيل أن يكون لشخص دار في مدينة يتوقع أن يرحل عنها ، فيحصل منه شخص آخر على وعد بأنه إذا أراد بيع الدار عند رحيله فعليه أن يعرضها على الموعود له ، حتى إذا قبل هذا شراءها تم البيع النهائي . أما إذا حصل صاحب الدار من                                     =

= الشخص الآخر على وعد بالشراء ، فإن هذه الحالة تختلف عن حالة الوعد بالتفضيل المتقدمة من وجهين : ( أولاً ) في حالة الوعد بالشراء لا يكون صاحب الدار ملزماً ببيعها من الشخص الآخر بل يجوز له أن يبيعها من غيره ، بخلاف حالة الوعد بالتفضيل فإن صاحب الدار يكون فيها ملزماً بعرض الدار على الشخص الآخر إذا أراد بيعها . ( ثانياً ) في حالة الوعد بالشراء يكون الشخص الآخر ملزماً بالشراء إذا عرضت عليه الدار ، بخلاف حالة الوعد بالتفضيل فإنه لا يكون ملزماً بذلك .

     وهناك أمثلة عملية أخرى للوعد بالتفضيل : يحصل المستأجر من المؤجر على وعد بتفضيله إذا أراد هذا بيع العين المؤجرة – يحصل مشتري العقار من البائع على وعد بتفضيله في عقار آخر مملوك للبائع إذا أراد هذا بيعه – يبيع شخص عينا من آخر ويتفق مع المشتري على أنه إذا أراد هذا أن يبيع العين وجب عليه أن يعرضها على بائعها الأول ، وهذا ما يسمى بالوعد بإعادة البيع ( promesse de revente ) – أنظر بودري وسينيا فقرة 71 مكررة ثانيا – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 184 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 55 .

([49]) بودري وسينيا فقرة 71 مكررة – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 184 – ويذهب الأستاذ عبد المنعم البدراوي – مشيراً إلى رسالة Leduc ص 235 – إلى أن الوعد بالتفضيل هو في الحقيقة وعد بالبيع في طريق التكوين تعين فيه من الآن المستفيد الاحتمالي ، وهذا المستفيد لم يكسب من الوعد حقاً في الشراء ولو معلقاً على شرط ، ولكنه كسب حقاً يخوله منع الواعد من التعاقد مع الغير . وهو يتحول إلى وعد بالبيع إذا قرر الواعد بيع الشيء ، فعندئذ يصبح المستفيد في مركز الدائن بوعد بالبيع . ومتى نشأ هذا الحق في الشراء فهو لا ينشأ إلا من هذا الوقت وبدون أثر رجعي ، على عكس ما كان يجب أن يترتب منطقياً على اعتبار الوعد بالتفضيل وعدا بالبيع معلقاً على شرط واقف ( الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 103 – فقرة 104 ) .

    ويستخلص من هذا الرأي أن التزام الواعد بالتفضيل ليس التزاماً معلقاً على شرط واقف ، بل هو التزام احتمالي يتحقق إذا رغب الواعد في بيع الشيء . ومن ثم يوجد الالتزام كاملا من وقت الرغبة في البيع لا من وقت صدور الوعد ، والعبرة في توافر الأهلية عند الواعد هي بوقت وجود الرغبة في البيع لا بوقت صدور الوعد . وهاتان النتيجتان يمكن استخلاصهما ، كما نرى ، من أن التزام الواعد هو التزام احتمالي لا التزام معلق على شرط واقف . فلا حاجة بعد ذلك إلى القول ، كما يقول الأستاذ عبد المنعم البدراوي ، بأن الالتزام الناشئ من الوعد بالتفضيل ليس التزاما بعمل بل التزاما بامتناع عن عمل .

([50]) ويمكن وفقاً لمبدأ سلطان الإرادة ألا يحدد المتعاقدان لا الثمن ولا المدة ، فيقتصر الواعد على أن يلتزم بأنه في أي وقت يعتزم بيع الشيء يعرضه أولا على الموعود له ليشتريه بالثمن الذي يمكن به بيعه للغير ( بودري وسينيا فقرة 71 مكررة ) . أنظر في عدم لزوم تحديد المدة الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 103 ن وعلى العكس من ذلك في أن تحديد المدة واجب الأستاذ أنور سلطان فقرة 80 والأستاذ عبد الفتاح عبد الباقي فقرة 47 .

   ويغلب في الوعد بالتفضيل ألا يجوز للموعود له النزول عن حقه لأن شخصه محل اعتبار عند الواعد . ومع ذلك لا يوجد ما يمنع من أن يشترط الموعود له جواز النزول عن حقه ( بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 184 ص 218 ) . وإذا مات الواعد انتقل التزامه إلى ورثته ، فإذا كانت الورثة قصرا قامت صعوبة في تحديد الثمن إذ الغالب أن مال القاصر يباع بالمزاد العلني ، فإذا وضع شرط التفضيل في دفتر الشروط أحجم الناس عن المزايدة ( أنظر في أن الوعد بالتفضيل لا يكون إلا في البيع بالممارسة ولا يجوز في البيع بالمزاد أو بري ورو 5 فقرة 349 هامش رقم 13 مكرر 9 ) .

([51]) فإذا تصرف فيه لغير الموعود له نفذ تصرفه ، ولكن يرجع الموعود له بتعويض على الواعد . فإذا كان الواعد متواطئاً مع من تصرف له في الشيء ، وأمكن الموعود له الطعن في التصرف بالدعوى البولصية ، كان التصرف غير نافذ في حق الموعود له ( بودري وسينيا فقرة 71 – قارن بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 185 ) .

    ولكن إذا تصرف الواعد في الشيء بغير البيع ، بأن وهبه أو قايض عليه أو دفعه حصة في شركة ، لم يكن للموعود له حق في أخذه ، بل ولا في التعويض ، إذ التزام الواعد مقصور على حالة التصرف بالبيع ( بودري وسينيا فقرة 72 ) .

([52]) ويقع كثيراً أن يحصل السمسار من عملية على وعد بشراء الدار التي يتوسط السمسار في شرائها له ، بثمن معين في خلال مدة معينة ، وهذا ما يسمى بالتفويض . فإذا نجح السمسار في حمل صاحب الدار على بيعها بهذا الثمن في خلال هذه المدة ، رجع على الواعد وألزمه بوعده . ولكن الواعد هنا يلتزم بالشراء نحو السمسار لا نحو صاحب الدار ، فإذا أخل بوعده ولم يشتر الدار رجع السمسار عليه بالتعويض وهو مقدار السمسرة الذي فات عليه ، ولا شأن لصاحب الدار بالواعد .

([53]) بودري وسينيا فقرة 78 – وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا اتفق المدين مع آخر على شراء العقار المنزوع ملكيته اتقاء لخطر المجازفة ، وسعياً وراء الحصول على ثمن ثابت قدر أنه مناسب لقيمة العقار ويحقق مصلحة الدائنين الذين تعلق حقهم بالتنفيذ بضمان حصولهم على كامل حقوقهم ، والتزم المشتري بالتدخل في المزاد والمزايدة حتى يصل بالثمن إلى الحد المتفق عليه ، بحيث إذا اضطر إلى الزيادة في الثمن فوق هذا المبلغ تكون هذه الزيادة من حقه ولا شأن للمدين البائع بها ، فإن الدفع ببطلان هذا الاتفاق لمخالفته للنظام العام وانعدام سبب استحقاق المشتري للزيادة عن الثمن المتفق عليه يكون على غير أساس . ذلك أن هذا الاتفاق ليس من شأنه الإخلال بحرية المزايدة أو إبعاد المزايدين عن محيطها ، بدليل أن المتعاقدين قدرا احتمال رسو المزاد على غير المشتري من المدين بثمن يزيد على الثمن المسمى مما يدل على انتفاء فكرة المساس بحرية المزايدة ، فضلا عن تحقيقه مصلحة المدين ودائنيه . وأما الإدعاء بانعدام سبب الزيادة فمردود بأن المتعاقد مع المدين أصبح بمقتضى الاتفاق المشار إليه في مركز المشتري والمدين في مركز البائع ، ومن حق المشتري الحصول على الزيادة وسببها القانوني هو العقد المبرم بينهما ( نقض مدني 30 يناير سنة 1955 مجموعة أحكام النقض 6 رقم 63 ص 507 ) . ويبدو من وقائع هذه القضية أنه لو رسا المزاد بأقل من الثمن المتفق عليه فإن المتعهد بإرساء المزاد بهذا الثمن كان يدفع الفرق ، فكذلك تكون له الزيادة ، فالعقد احتمالي وهذا هو السبب القانوني .

    وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الوعد الصادر من شخص بدخول مزاد وإرساء المزاد عليه هو وعد بالشراء صحيح ، ويلتزم الواعد بالتعويض إذا أخل بالتزامه ( 16 أبريل سنة 1913 م 25 ص 309) . وقضت أيضاً في نفس الحكم بأن من وعد بالدخول في مزاد والمزيادة إلى حد مبلغ معين ، ينقضى وعده إذا أجل هذا المزاد . وقضت كذلك بأن الوعد بالشراء الصادر من مستأجر الأرض لمؤجرها يلزمه إلى مدة معقولة ، فلا يجوز للمؤجر أن يطيل هذه المدة قبل أن يبدى رغبته في البيع إلى حد أن يتقاضى من المستأجر أجرة تدانى ثمن الأرض ( 7 مايو سنة 1918 م 30 ص 409 ) .

([54]) أنظر آنفاً فقرة 28 .

([55]) وليس الالتزام هنا معلقاً على شرط إرادي محض ، وقد بينا هذا عند الكلام في الوعد بالبيع ( انظر آنفاً فقرة 29 في الهامش ) .

([56]) وقد خص تقنين الموجبات والعقود اللبناني الوعد بالشراء بنص واحد هو المادة 497 من هذا التقنين ، وتجري على الوجه الآتي : (( إن الوعد بالشراء الصادر من فريق واحد مباح أيضاً ، ويجب أن يفهم ويفسر كالوعد بالبيع مع التعديل المقتضى )) .

([57]) وإذا هلك الشيء هلاكاً جزئياً ، وأبدى الموعود له رغبته في البيع ، كان الواعد بالشراء مخيراً بين أن يشتري مع إنقاص الثمن أو أن يمتنع عن الشراء بتاتاً لتفرق الصفقة ( الأستاذ أنور سلطان فقرة 81 ) .

([58]) ويمكن أن نتصور في الوعد بالشراء وعداً بالتفضيل كما في الوعد بالبيع . ويتحقق ذلك لو أن تاجر التجزئة مثلاً تعهد لتاجر الجملة أنه في حالة احتياجه لسلعة معينة يستوردها منه بالأفضلية على سواه . فيكون تاجر التجزئة ملتزماً ، في حالة احتياجه لشراء السلعة ، أن يعرض على تاجر الجملة شراءها منه أولاً ، فإن قبل هذا توريد السلعة تم البيع النهائي . وليس تاجر الجملة في هذه الحالة ملتزماً بتوريد السلعة ، فهو الموعود له ولم يلتزم بشيء ، والملتزم هو تاجر التجزئة إذا احتاج إلى شراء السلعة . فإذا لم يقم تاجر التجزئة بالتزامه ، كان مسئولا نحو تاجر الجملة عن تعويض يكون عادة هو الربح الذي كان يجنيه تاجر الجملة لو أنه ورد السلعة إلى تاجر التجزئة .

     وشبيه بذلك أن يتعهد المؤلف للناشر أن يكون للناشر الأفضلية في نشر مؤلفه ، أو في نشر طبعة تالية منه ، بالشروط المتفق عليها ، فيما إذا اعتزم إصدار المؤلف مؤلفه . فيكون المؤلف هو الملتزم إذا اعتزم إصدار مؤلفه ، أن يعرض التزام النشر على الناشر أولا ، فإذا قبل هذا تم عقد النشر النهائي .

     ومثل ذلك أيضاً أن تتعهد مدرسة أو مستشفى باستيراد ما عسى أن يلزم من أثاث أو طعام من تاجر معين بالأفضلية على غيره .

([59]) نظرية العقد للمؤلف ص 263 هامش 1 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 83 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 57 ص 92 ص 93 . وقارن الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 87 – ص 131 – الأستاذ جميل الشرقاوي فقرة 31 ص 70 – ص 71 .

([60]) ولو ضمنا ( استئناف مختلط 21 فبراير 1928 م 40 ص 210 ) .

([61]) استئناف مختلط 19 مارس سنة 1913 م 25 ص 235 .

([62]) ويلجأ المشتري عادة إلى الكشف عن حالة العقار في مصلحة الشهر العقاري ، كما يعمد إلى تحقيق مستندات ملكية البائع للمبيع حتى يتثبت من أنه مالك لما يبيع ( استئناف مختلط 10 فبراير سنة 1925 م 37 ص 214 – 11 فبراير سنة 1930م 42 ص 268 – 14 يونيه سنة 1932 م 44 ص 365 – 4 أبريل سنة 1933م 45 ص 227 – 5 يناير سنة 1935م 48 ص 92 – 3 ديسمبر سنة 1935م 48 ص 45 – 14 يناير سنة 1936م 48 ص 76 ) .

([63])وإذا امتنع البائع عن تمكين المشتري من التسجيل ، جاز للمشتري إجباره على ذلك برفع دعوى صحة التعاقد ( استئناف مختلط 7 فبراير سنة 1928 م 40 ص 186 ) .

([64])وهذا هو الأصل الفرنسي للنص : Art. 1589 C.C,F: La promesse de vente vaut vente lorsqu’il y a consentement reciproque des deux parites sur la chose et sur le prix.

([65]) لوران 24 فقرة 21 – جيوار 1 فقرة 77 – لارومبيير 1 م 1138 فقرة 11 – كولميه دي سانتير 7 فقرة 10 مكررة ثانياً – أوبرى ورو 4 فقرة 349 هامش رقم 7 – بودري وسينيا فقرة 60 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 175 – كولان وكابيتان 2 فقرة 834 .

    أنظر بلانيول ( فقرة 1400 ) حيث يذهب إلى أن المادة 1589 فرنسي إنما تعني الوعد بالبيع الملزم لجانب واحد ، وأنه يتحول إلى بيع كامل إذا تم الاتفاق نهائياً على المبيع والثمن ورضي المشتري بالشراء فيتم الاتفاق عندئذ على جميع عناصر البيع .

([66]) ذلك أن البيع في القانون الفرنسي القديم كان لا ينقل الملكية بحكم العقد كما قدمنا ، والتسليم هو الذي كان ينقلها . ثم ألف الناس في التعامل أن يذكروا في عقود البيع أن التسليم قد تم (clause de dessaisne saisne) فتنتقل الملكية بهذا التسليم لا بالعقد . ثم صارت هذه العبارة من الشروط المألوفة في عقود البيع ، ولو لم يتم التسليم بالفعل ، فكانت الملكية تنتقل على أساس هذا التسليم الصوري . هذا كله كان يقع في عقد البيع . أما إذا استعمل المتبايعان عبارة الوعد ، فوعد البائع بالبيع ووعد المشتري بالشراء ، فلم يكن مألوفاً في التعامل أن يمتد شرط التسليم الصوري إلى هذا الوعد . فبقي الوعد بالبيع وبالشراء الملزم للجانبين لا ينقل الملكية ، لا بنفسه لأن العقد كان لا ينقل الملكية ، ولا بحكم شرط التسليم الصوري لأن هذا الشرط لم يكن مألوفاً إدراجه في هذه الصورة من البيع . فلما أصبح العقد ينقل الملكية بنفسه في التقنين المدني الفرنسي ، لم يعد هناك فرق بين البيع والوعد بالبيع وبالشراء الملزم للجانبين ، فالعقد في الحالتين ينقل الملكية دون حاجة إلى شرط التسليم . فأراد المشرع الفرنسي أن يبرز هذا المعنى ، فأورد نص المادة 1589 ليقرر فيه أن الوعد بالبيع يعدل البيع إذا تراضى الطرفان على المبيع والثمن ، ويقصد أن الوعد يعدل البيع من حيث إن كلا منهما ينقل الملك إلى المشتري ، خلافاً للقانون الفرنسي القديم حيث كان الوعد لا ينقل الملك ( أنظر في ذلك وفي الأعمال التحضيرية للتقنين المدني القرني بودري وسينيا فقرة 60 )

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s