علاقة الدائن بالمدين الأصلى


علاقة الدائن بالمدين الأصلى

ــ

338- النصوص القانونية : تنص المادة 319 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” يضمن المدين الأصلى أن يكون المحال عليه موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة ، ما لم يتفق على غير ذلك ” ( [1] ) .

ولا مقابل لهذا النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 319 – وفى التقنين المدنى الليبى المادة 306 – وفى التقنين المدنى العراقى  606  المادتين 357 – 358 – ولا مقابل له فى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى ( [2] ) . ويمكن تلخيص العلاقة ما بين الدائن والمدين الأصلى فى مسألتين : ( 1 ) براءة  607  ذمة المدين الأصلى نحو الدائن ( 2 ) وضمان المدين الأصلى للدائن يسار المحال عليه وقت إقرار الدائن للحوالة فى الصورة التى تنعقد بها الحوالة باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه .

339 – براءة ذمة المدين الأصلى نحو الدائن : إذا انعقدت الحوالة باتفاق بني المحال عليه والدائن مباشرة دون تدخل المدين الأصلى ، فإن ذمة هذا المدين تبرأ من الدين بمجرد انعقاد الحوالة كما قدمنا دون حاجة إلى رضائه بذلك . فإن الأجنبى يستطيع وفاء الدين عن المدين دون علمه ودون قبوله ، فيستطيع كذلك أن يلتزم عنه بالدين ، ومن ثم تبرأ ذمة المدين ، وقد تقدم بيان ذلك .

أما إذا انعقدت الحوالة باتفاق بني المدين الأصلى والمحال عليه ، فلا تبرأ ذمة المدين الأصلي نحو الدائن إلا إذا أقر الدائن الحوالة ، فإن الحوالة لا تسري فى حقه إلا بإقراره ، فإذا لم يقرها بقى المدين الأصلي بالنسبة إليه ، دون المحال عليه ، هو المدين . أما بعد الإقرار فتبرأ ذمة المدين الأصلي من الدين نحو الدائن ، ويصبح المحال عليه هو المدين ( [3] ) .

ويترتب على ذلك أنه من وقت صيرورة الحوالة نافذة فى حق الدائن – سواء بعقدها معه مباشرة أو بإقراره لها – تبرأ ذمة المدين الأصلى ، فلا يستطيع الدائن أن يطالبه بالدين المحال به ، ولا يطالب بهذا الدين إلا المحال عليه الذي انتقل الدين إلى ذمته .

340 – ضمان المدين الأصلى ليسار المحال عليه : هنا يجب التمييز بين صورتى الحوالة .

فإن انعقدت الحوالة باتفاق بين الدائن والمحال عليه مباشرة دون تدخل المدين الأصلى ، فإن المدين الأصلى لا يضمن للدائن شيئا ، إذ هو لم يتدخل  608  فى الحوالة ، بل انعقدت دون رضائه ، والذى عقدها هو الدائن ، وعقدها مباشرة مع المحال عليه ، فعلى الدائن فى هذه الحالة أن يتحمل إعسار المحال عليه ما دام هو الذي اختار الاتفاق معه ( [4] ) . وإنما تبرأ ذمة المدين الأصلى من الدين ، كما تقدم القول ، بالرغم من عدم ضمانه ليسار المحال عليه .

أما إذا انعقدت الحوالة باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه وأقرها الدائن ، ففى هذه الصورة يكون المدين الأصلى هو الذي عقد الحوالة ، وهو الذي اختار المدين الجديد ، ودعا الدائن إلى إقرار الحوالة . فافترض القانون أن المدين الأصلى قد أخذ على نفسه فى هذه الحالة أن يضمن للدائن يسار المحال عليه وقت إقرار الدائن للحوالة ، كما تقرر ذلك صراحة المادة 319 مدنى التى تقدم ذكرها .

ولا شك فى أن هذا النص يقتصر على تفسير نية المتعاقدين ، فيجوز الاتفاق على غير هذا الحكم ، كما ورد ذلك فى النص ذاته . ومن ثم يجوز للمدين الأصلي أن يخلى نفسه من هذا الضمان فى هذا الاتفاق الذي يتم بينه وبين المحال عليه ويدعو الدائن إلى إقراره ، أو فى اتفاق خاص بعد ذلك ولكن قبل إقرار الدائن للحوالة . فإذا اشترط المدين الأصلى عدم ضمانه ليسار المحال عليه ، ورضى الدائن بهذا الشرط ، فلا ضمان على المدين الأصلي .

كذلك يجوز – على النقيض مما تقدم – أن يشدد المدين الأصلي على نفسه الضمان ، فيضمن يسار المحال عليه ، لا وقت إقرار الدائن للحوالة فحسب ، بل وقت حلول الدين المحال به ، فيكون فى هذه الحالة بالنسبة إلى المحال عليه فى موقف يشبه موقف الكفيل .

لكن إذا لم يذكر المدين الأصلى فى الحوالة شيئا عن الضمان ، فالمفروض أنه يضمن دون شرط يسار المحال عليه وقت إقرار الدائن للحوالة كما تقدم القول . فإذا كان الدين المحال به وقت إقرار الدائن للحوالة حالا ، فعلى الدائن أن يبادر إلى استيفائه . فإن وجد المحال عليه معسراً ، رجع بالضمان على المدين الأصلى .

  609  وهو فى رجوعه على المدين الأصلى لا يرجع بالدين المحال به نفسه ( [5] ) ، فإن هذا الدين قد انتقل نهائياً بالحوالة إلى ذمة المحال عليه ، وإنما يرجع بدين جديد نشأ من عقد الحوالة ، وهو عقد يرتب فى ذمة الدين الأصلي التزاماً بضمان يسار المحال عليه . ولا يرجع الدائن على المدين الأصلي بالضمان إلا بعد أن يرجع أولا على المحال عليه فيجده معسراً ، فإن رجع مباشرة على المدين الأصلى ، كان لهذا أن يطلب منه البدء بتجريد المحال عليه . ولا يكلف بأن يدل الدائن على مال للمحال عليه يستوفى منه الدائن حقه ، كما يكلف الكفيل بذلك ، فإن المدين الأصلي لا يكون مسئولا إلا إذا أثبت الدائن أنه رجع على المحال عليه أولا فوجده معسراً .

أما إذا تراخى الدائن فى مطالبة المحال عليه حتى أعسر ، وذلك بالرغم من حلول الدين ، فإن المدين الأصلى لا يكون مسئولا ما دام المحال عليه كان موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة . والدائن هو المقصر ، فقد كان الدين حالا وقت إقراره للحوالة وكان المحال عليه موسراً ، فبتراخيه وإهماله ترك المحال عليه حتى أعسر ، فيرجع باللائمة على نفسه ، ولا يرجع على المدين الأصلى بشىء .

بقيت حالة ما إذا كان الدين المحال به لم يحل وقت إقرار الدائن للحوالة ، وكان المحال عليه فى هذا الوقت موسراً ثم أعسر عند حلول الدين . فى هذه الحالة أيضاً لا يكون المدين الأصلى مسئولا ، فإن الضمان بحكم القانون يقتصر كما قدمنا على ضمان اليسار وقت إقرار الدائن للحوالة ، وقد كان المحال عليه موسراً فعلا فى هذا الوقت ، فتبرأ ذمة المدين الأصلى من التزامه بالضمان حتى لو أعسر المحال عليه بعد ذلك عند حلول الدين . وإذا أراد الدائن أن يجعل المدين الأصلي ضامناً ليسار المحال عليه وقت حلول الدين ، فعليه أن يشترط ذلك صراحة قبل إقراره للحواله .

وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” تقضى الفقرة الأولى من المادة 450 بأن إقرار الدائن للحوالة يستتبع براءة ذمة المدين الأصلى وإحلال المحال عليه محله . بيد أن حكم هذه البراءة لا يجرى على إطلاقه ، فإذا أقيم الدليل على أن المحال عليه كان معسراً عند انعقاد الحوالة  610  ( الصحيح عند إقرار الدائن للحوالة ) ، وأن الدائن كان يجهل هذا الإعسار ، فلا تبرأ ذمة المدين الأصلي فى هذه الحالة . وتسرى هذه القاعدة من باب أولى متى كان الجهل راجعاً إلى تدليس أو إلى عيب من عيوب الرضاء ” ( [6] ) . ويؤخذ على ما جاء فى هذه المذكرة ما يأتى : ( 1 ) أنها ، على ما يبدو ، تجعل ذمة المدين الأصلى فى حالة الضمان مشغولة بالدين المحال به ذاته . والصحيح أن الدين المحال به قد انتقل إلى ذمة المحال عليه ، أما المدين الأصلى فمسئوليته قائمة على التزامه بالضمان . وهو التزام مستقل عن المدين المحال به ، ولكل منهما مصدر يختلف عن مصدر الآخر . فمصدر الالتزام بالضمان عقد الحوالة ، أما الدين المحال به فمصدره سبب آخر ، قد يكون عقداً وقد يكون غير عقد ، وفى جميع الأحوال ليس هو عقد الحوالة . ( 2 ) يبدو أن المذكرة الإيضاحية تشترط ، فى ضمان المدين الأصلى ليسار المحال عليه ، أن يكون الدائن جاهلا أن المحال عليه معسر . والصحيح أن علم الدائن بهذا الإعسار أو جهله إياه لا شأن له بضمان المدين الأصلى ليسار المحال عليه وقت إقرار الحوالة ، فهذا الضمان مقرر بصريح النص . أما علم الدائن بإعسار المحال عليه ، فغايته أنه قد يؤخذ قرينة على أن الدائن قد نزل عن هذا الضمان ، والنزول عن الضمان لا يستخلص إلا إذا كانت نية الدائن واضحة فى ذلك ( [7] ) . ( 3 ) فى حالة ا إذا كان جهل الدائن لإعسار المحال عليه راجعاً إلى تدليس أو إلى عيب آخر من عيوب الرضاء ، يكون المدين الأصلي ضامناً ليسار المحال عليه ، ولكن لا يرجع هذا الضمان إلى ما شاب الرضاء من عيب ، وإنما يرجع إلى حكم القانون نفسه ، فقد أوجب على المدين الأصلي بمقتضى عقد الحوالة ضمان يسار المحال عليه . فإذا كان الدائن قد أوقع فى تدليس جعله يظن أن المحال عليه موسر بينما هو معسر ، فإنه يستطيع فى هذه الحالة أن يرجع بتعويض للتدليس فوق رجوعه بالضمان ( [8] ) .

  611  

الفرع الثالث

علاقة المدين الأصلى بالمحال عليه

341 – التمييز بين حالتين : تميز هنا بين حالتين :

 ( الحالة الأولى ) حالة الحوالة غير النافذة فى حق الدائن ، بأن تكون قد انعقدت باتفاق بين المدين الأصلي والمحال عليه ، ولم يصدر إقرار لها من الدائن ، أو صدر رفض منه لها .

 ( الحالة الثانية ) حالة الحوالة النافذة فى حق الدائن ، ويتحقق ذلك إما بأن تنفذ الحوالة باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه ويقرها الدائن ، وإما بأن تنعقد رأسا بين الدائن والمحال عليه فإن الحوالة تنعقد فى هذه الحالة نافذة فوراً فى حق الدائن .

المبحث الأول

الحوالة لم تنفذ فى حق الدائن

342 – النصوص القانونية : تنص المادة 317 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” 1 – ما دام الدائن لم يحدد موقفه من الحوالة إقراراً أو رفضا ، كان المحال عليه ملزماً قبل المدين الأصلى بالوفاء للدائن فى الوقت المناسب ، ما لم يوجد اتفاق يقضى بغير ذلك ، ويسرى هذا الحكم ولو رفض الدائن الحوالة ” .

 ” 2 – على أنه لا يجوز للمدين الأصلى أن يطالب المحال عليه بالوفاء للدائن ،  612  ما دام هو لم يقم بما التزم به نحو المحال عليه بمقتضى عقد الحوالة ” ( [9] ) . ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، لأن هذا التقنين كما قدمنا لم ينظم حوالة الدين .

ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 317 – وفى التقنين المدنى الليبى المادة 304 – ولا مقابل له لا فى التقنين المدنى العراقى ولا فى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى ( [10] ) .

ويتبين من النص المتقدم الذكر :

 ( 1 ) إن الاتفاق ما بين المحال عليه والمدين الأصلى على حوالة الدين يلزم الأول نحو الثانى أن يفى بالدين المحال به للدائن فى الوقت المناسب ، سواء أقر الدائن الحوالة أو رفضها ، وذلك ما لم يوجد اتفاق يقضى بغيرة .

 ( 2 ) ولكن هناك فرقاً بين هذا الاتفاق وبين الاشتراط لمصلحة الغير ،  613  فإن المدين الأصلى لم يشترط لمصلحة الدائن أن يفى له المحال عليه بالدين ، بل ذهب إلى مدى أبعد من ذلك واشترط تخليص ذمته هو من الدين ، بأن اتفق مع المحال عليه على نقل الدين إلى ذمته وذلك فيما بينهما .

 ( 3 ) وهذا الاتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه على الحوالة هو كل لا يقبل التجزئة ، فإذا كان المدين الأصلى قد التزم بشىء نحو المحال عليه فى نظير التزام المحال عليه نحوه ولم يقم بالتزامه ، لم يكن له أن يطالب المحال عليه أن يقوم هو بالتزامه .

 ( 4 ) والاتفاق على النحو الذي فصلناه هو على كل حال قابل للتعديل فيه أو للعدول عنه باتفاق آخر بين الطرفين ، وذلك إلى أن يصدر إقرار الدائن للحوالة .

ونعالج هذه المسائل متعاقبة .

343 – الاتفاق على الحوالة يلزم المحال عليه نحو المدين الأصلى :

قدمنا أن المفروض فى الحالة التى نحن بصددها أن الحوالة انعقدت باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه . فقبل أن يصدر الدائن إقراره ، يكون هذا الاتفاق ملزما للمحال عليه نحو المدين الأصلى . والذى يلتزم به المحال عليه هو التزام بعمل ( obligation de faire ) ، إذ يلتزم بتخليص ذمة المدين الأصلى من الدين فى الوقت المناسب . والوقت المناسب هو عادة وقت حلول الدين المحال به . ولا يوجد ما يمنع من الاتفاق على أن يكون الوقت المناسب غير ذلك ، كأن يكون وقت مطالبة الدائن للمدين الأصلى بالدين . وإذا لم يذكر الطرفان شيئا فى هذا الخصوص ، فالمهم هو أن يدرأ المحال عليه عن المدين الأصلى كل مطالبة من الدائن ( [11] ) .

وقيام المحال عليه بالتزامه هذا يكون عادة بوفائه الدين المحال به للدائن . ويجوز أن يسلم المحال عليه مقدار الدين للمدين الأصلى ليقوم هذا بنفسه بالوفاء  614  لدائنه ، فإن ذلك يكفى لتخليص المدين الأصلى من مطالبة الدائن ( [12] ) .

فإذا لم يقم المحال عليه بالتزامه هذا ، كان للمدين الأصلى أن يرجع عليه بالتعويض وفقا للقواعد العامة ( [13] ) . فهو لا يرجع عليه بالدين المحال به ذاته ، بل يرجع عليه بتعويض من جراء إخلاله بالتزامه من درء مطالبة الدائن . ويجوز للمدين الأصلى أن يتفق مع المحال عليه أن يقدم له تأمينات خاصة ، كرهن أو كفيل ، لضمان الوفاء بهذا الالتزام ، أما التأمينات التى تكفل الدين المحال به فهى لا تكفل رجوع المدين الأصلى بالتعويض على المحال عليه ( [14] ) .

وهذا الالتزام فى ذمة المحال عليه نحو المدين الأصلى يبقى قائماً حتى لو رفض الدائن إقرار الحوالة ، فإن عدم إقرار الدائن للحوالة لا يستتبع سقوط الاتفاق على حوالة الدين بين المدين الأصلى والمحال عليه . بل يبقى المحال عليه ملتزماً نحو المدين الأصلى ، بعد رفض الدائن إقرار الحوالة ، بأن يخلصه من مطالبة الدائن وله ، فى الوفاء بالتزامه هذا ، إما أن يفى بالدين فعلا للدائن – وليس للدائن  615  أن يرفض قبول الوفاء فهو مجبر على قبوله ولو من أجنبى – وإما أن يعطى للمدين الأصلى مقدار الدين لدفعه للدائن ( [15] ) .

هذا هو الأثر الذي يترتب على الاتفاق بين المحال عليه والمدين الأصلى على حوالة الدين ، من حيث إلزام المحال عليه نحو المدين الأصلى . وغنى عن البيان أن الطرفين يستطيعان فى عقد الحوالة الاتفاق على غير ذلك ، إذ أن لهما الحرية الكاملة فى تحديد العلاقة التى تقوم بينهما بموجب هذا العقد . فلهما مثلا أن يتفقا على أنه إذا لم يقر الدائن الحوالة ، فإن الاتفاق الذي كان قائماً بينهما يسقط تبعاً لذلك ، ولا يعود المحال عليه ملزماً لا نحو الدائن ولا نحو المدين الأصلى نفسه بأداء الدين المحال به ولا بتخليص المدين الأصلى من مطالبة الدائن . ولهما كذلك أن يتفقا على أن عقد الحوالة لا ينتج أثره منذ البداية إلا إذا أقره الدائن ، بحيث لا يرتب هذا العقد فى ذمة المحال عليه ، قبل إقرار الدائن له ، أى التزام نحو المدين الأصلى ، فإذا ما صدر إقرار الدائن أصبح المحال عليه ، ليس ملزماً فحسب بتخليص المدين الأصلى من مطالبة الدائن ، بل ملزماً أيضا نحو الدائن مباشرة بوفاء الدين له ( [16] ) . ونفرض فيما قدمناه أن الاتفاق المخالف قد ورد فى عقد الحوالة ذاته . وسنرى فيا يلى أن للطرفين فوق ذلك ،  616  بعد إبرام عقد الحوالة وفى اتفاق مستقل ، أن يعدلا فى هذا العقد أو أن يعدلا عنه .

344 – الفرق بين الاتفاق على الحوالة والاشتراط لمصلحة الغير :

وقد يقال ، بعد تحليلنا للاتفاق الذي يتم على الحوالة بين المدين الأصلى والمحال عليه على النحو الذي قدمناه ، أن هذا الاتفاق فيه اشتراط لمصلحة الغير ، فقد اشترط المدين الأصلى على المحال عليه لمصلحة الدائن أن يفى له بالدين المحال به ، ومن ثم يتولد من هذا الاتفاق حق مباشر للدائن يصبح بإقراره غير قابل للنقض ، وذلك وفقاً للقواعد المعروفة فى الاشتراط لمصلحة الغير .

ولكن هذا التأصيل لا يتفق مع التأصيل الصحيح للاتفاق على الحوالة ما بين المدين الأصلى والمحال عليه ، وذلك من وجهين :

 ( الوجه الأول ) ليس الغرض من هذا الاتفاق أن يشترط المدين الأصلى على المحال عليه لمصلحة الدائن أن يفى له بالدين المحال به . بل الغرض أن يشترط المدين الأصلى لمصلحة نفسه هو ، لا لمصلحة الدائن ، أن يخلصه المحال عليه من الدين الذي من ذمته للدائن بأن يدرأ عنه أية مطالبة من هذا الدائن .

 ( الوجه الثانى ) وعندما يقر الدائن هذا الاتفاق الذي تم بين المدين الأصلى والمحال عليه ، فليس يفعل ذلك كما يفعل المنتفع فى إقراره الاشتراط لمصلحته ليصبح نافذاً فى حقه . ذلك أن الاتفاق ما بين المدين الأصلى والمحال عليه ليس اشتراطا لمصلحة الغير كما قدمنا ، بل هو أبعد مدى من ذلك . هو اتفاق ينقل الدين المحال به فعلا من ذمة المدين الأصلى إلى ذمة المحل عليه فى العلاقة فيما بينهما ، فهو اتفاق ناقل للدين منذ البداية . فإذا أقره الدائن ، أصبح انتقال الدين سارياً فى حقه هو أيضاً ، وأصبح المحال عليه ، ليس فحسب فى علاقته بالمدين الأصلى بل أيضاً فى علاقته بالدائن ، هو الملتزم وحده بالدين .

وهذا التصوير هو تصوير التقنين المدنى الألمانى ، نقله عنه التقنين المدنى المصرى الجديد ( [17] ) .

  618  

345 – الاتفاق على الحوالة كل لا يقبل التجزئة – عدم الوفاء بالتزام يستتبع عدم الوفاء بالالتزام المقابل : وقد رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 317 مدنى تنص على ما يأتى : ” على أنه لا يجوز للمدين الأصلى أن يطالب المحال عليه بالوفاء للدائن ، ما دام هو لم يقم بما التزم به نحو المحال عليه بمقتضى عقد الحوالة ” . فالاتفاق على الحوالة بين المدين الأصلى والمحال عليه قد يكون اتفاقاً ملزماً للجانبين . مثل ذلك أن يبيع المدين الأصلى للمحال عليه داراً ، وفى مقابل ثمنها يتحمل المحال عليه بدين فى ذمة البائع . فى مثل هذه الحالة يكون التزام المحال عليه بتحمل الدين هو فى مقابل الدار التى اشتراها ، فإذا لم يقم البائع بتسليم الدار إلى المحال عليه أو بنقل ملكيتها إليه وفقاً للقواعد المقررة ، لم يكن له أن يطالب المحال عليه بوفاء الدين المحال به للدائن ، ما دام هو – البائع – لم يقم بما التزم به نحول المحال عليه ( [18] ) .

ويلاحظ أن ما قدمناه لا يسرى فحسب فى علاقة المحال عليه بالمدين الأصلى ، بل هو يسرى أيضا فى علاقة المحال عليه بالدائن فيما إذا أقر الدائن الحوالة . فقد رأينا أنه يجوز للمحال عليه أن يحتج على الدائن بالدفوع المستمدة من العلاقة بينه وبين المدين الأصلى ، إذا كان الدائن عالماً بهذه العلاقة وبما يترتب عليها من الدفوع ، وفقاً للقواعد العامة فى نظرية السبب ( [19] ) . ففى المثل  619  المتقدم إذا طالب الدائن المحال عليه بالدين المحال به بعد إقراره للحوالة ، وكان يعلم أن المحال عليه إنما التزم بالحوالة فى مقابل الدار التى اشتراها من المدين الأصلى ، جاز للمحال عليه أن يمتنع عن الوفاء ما دام المدين الأصلى لم يسلم له الدار التى باعها إياه والتى كان ثمنها هو السبب فى الحوالة .

346 – الاتفاق على الحوالة قابل للتعديل فيه وللعدول عنه باتفاق آخر : هذا وإذا كان الاتفاق على الحوالة بين المدين الأصلى والمحال عليه ملزماً للمحال عليه على النحو إلى قدمناه ، فإنه من جهة أخرى قابل للتعديل فيه أو للعدول عنه . ولكن ذلك لا يكون بإرادة المحال عليه وحدها ، لأنه قد التزم نهائيا بموجب الاتفاق فلا يستطيع أن يتنصل من التزامه . وإنما يجوز ، باتفاق جديد بينه وبين المدين الأصلى ، أن يعدل فى الاتفاق الأول أو أن يلغيه أصلا فتزول الحوالة ( [20] ) .

وكل هذا جائز إلى أن يقر الدائن الحوالة . فإذا ما أقرها تعلق حقه بها ، ولم يعد يجوز ، حتى باتفاق كل من المدين الأصلى والمحال عليه ، تعديل الاتفاق أو العدول عنه . بل يصبح انتقال الدين المحال به من ذمة الدين الأصلى إلى ذمة المحال عليه بالنسبة إلى الدائن انتقالا نهائيا ، ويستند بأثر رجعى إلى وقت الاتفاق على الحوالة بين المدين الأصلى والمحال عليه . وللدائن مطالبة المحال عليه بالدين المحال به ، بل ليس له أن يطالب به غيره إذ قد برئت ذمة المدين الأصلى منه بموجب الحوالة ، وذلك حتى لو اتفق المدين الأصلى والمحال عليه بعد إقرار الدائن للحوالة على إلغائها ( [21] ) .

  620  المبحث الثانى

الحوالة نافذة فى حق الدائن

347 – الحالتان اللتان التى تكون الحوالة فيهما نافذة فى حق الدائن : قدمنا أن هناك حالتين تكون الحوالة فيهما نافذة فى حق الدائن : ( أولهما ) حالة ما إذا تمت الحوالة باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه وأقرها الدائن . و ( الحالة الثانية ) حالة ما إذا تمت الحوالة رأساً باتفاق بين الدائن والمحال عليه دون تدخل من المدين الأصلى ، ففى هذه الحالة تنعقد الحوالة نافذة فوراً فى حق الدائن ، كما قدمنا ، إذ هو نفسه كان طرفاً فيها .

348 – يعتبر المحال عليه قد أدى للمدين الأصلى التزاما بقيمة الحوالة : ومنذ أصبحت الحوالة نافذة فى حق الدائن ، فإن المحال عليه يكون ملتزماً نحوه بالدين المحال به ، وتبرأ ذمة المدين الأصلى من هذا الدين . ويترتب على ذلك أن المدين الأصلى يكون قد أفاد من الحوالة بمقدار الدين المحال به ، وقد حصل على هذه الفائدة منذ برئت ذمته من الدين ، أى منذ أصبحت الحوالة نافذة فى حق الدائن فالتزم المحال عليه بالدين نحوه . فكأن المحال عليه قد أدى للمدين الأصلى التزاماً بقيمة الدين المحال به ، وأداه منذ أن أصبحت الحوالة نافذة فى حق الدائن ، أى منذ أن أصبح هو ملزماً نحو الدائن بالدين المحال به ، دون حاجة إلى أن يفى فعلا بهذا الدين ( [22] ) .

  621  وقد يكون المحال عليه ، فى تأديته للمدين الأصلى التزاماً بقيمة الدين المحال به ، قد قصد أن يؤدى هذه القيمة على سبيل القرض ، ففى هذه الحالة يرجع على المدين الأصلى بما أقرضه إياه طبقاً لشروط القرض الذي تم بينهما . وقد يكون قاصداً أن يفى للمدين الأصلى بدين ترتب فى ذمته قبله ( [23] ) كثمن لم يتم أداؤه ، ففى هذه الحالة تبرأ ذمة المحال عليه من الثمن بمجرد قيام الدين المحال به فى ذمته للدائن وقبل الوفاء بهذا الدين . وقد يكون قاصداً أن يتبرع للمدين الأصلى بقيمة الدين الذي تحمل عنه به ، ففى هذه الحالة تكون العلاقة بينهما علاقة تبرع تطبق فى خصوصها القواعد العامة فى التبرع . والأمر بعد متعلق بنية الطرفين ، فقد تنصرف إلى خلاف ما قدمناه ، وقد يشترط المحال عليه الرجوع على المدين الأصلى بما التزم به نحو الدائن ، ولو قبل الوفاء للدائن ، بل ولو كان فى ذمته للمدين الأصلى دين يصلح للمقاصة ( [24] ) .

  622  فرجوع المحال عليه على المدين الأصلى ، بعد أن يلتزم بالدين المحال به نحو الدائن ، يتوقف على العلاقة التى قامت بينه وبين المدين الأصلى . وهذه العلاقة هى التى تحدد متى يكون هناك رجوع ، وكيف يكون .

349 – الحوالة المقيدة : ونفرض أن المحال عليه كان فى ذمته دين للمدين الأصلى ، وأن الحوالة حين تمت بينهما تمت على أساس أن يؤدى المحال عليه الدين المحال به من الدين الذي فى ذمته للمدين الأصلى . وهذا ما يعرف فى الفقه الإسلامي بالحوالة المقيدة ، فهي حوالة قيدت بوفاء الدين المحال به من الدين الذي فى ذمة المدين الأصلي .

وحكم الفقه الحنفي فى هذه الحوالة المقيدة أن الدين الذي فى ذمة المحال عليه للمدين الأصلي يكون مخصصاً لأداء الدين المحال به . وينقطع حق المدين الأصلي فى مطالبة المحال عليه بهذا الدين ، ويكن هذا الدين بمنزلة الرهن عند الدائن ، وإن لم يكن رهناً لسببين : ( 1 ) إذا أفلس المدين الأصلي قبل أن يؤدي المحال عليه الدين المحال به للدائن ، فليس الدائن أحق من سائر الغرماء بالدين الذي تقيدت به الحوالة . ( 2 ) ولو ترى هذا الدين عند المحال عليه ، لا يسقط الدين المحال به فى مقابلة هلاك الرهن ، خلافا لقواعد الرهن المقررة فى الفقه  623  الإسلامي ( [25] ) . ويستخلص من ذلك أن ملكية الدين الذي تقيدت به الحوالة لم تنتقل إلى الدائن ، بل أن هذا الدين ليس رهناً عنده ( [26] ) .

وهذه الأحكام المقررة فى الفقه الحنفى تخالف القواعد العامة عندنا ، فإن المدين الأصلي إذا قيد الحوالة بدين له فى ذمة المحال عليه ، فالمفروض أنه قد انصرفت نيته فى ذلك إلى جعل المحال عليه يفي بالدين المحال به من الدين الذي تقيدت به الحوالة فبمجرد أن تصبح الحوالة نافذة فى حق الدائن ، ويصبح المحال عليه ملتزماً نحوه بالدين المحال به ، فإن المحال عليه يكون قد أدى للمدين الأصلى التزاماً بقيمة هذا الدين ، أي يكون قد أدي إلى الدين الذي تقيدت به الحوالة . فتبرأ ذمته منه نحو المدين الأصلي ، كما تبرأ ذمة المدين الأصلي من الدين المحال به نحو الدائن . ولو أعسر المدين الأصلي قبل أداء المحال عليه الدين المحال به للدائن ، فليس لدائني المدين الأصلي أن يشاركوا الدائن فى الدين الذي تقيدت به الحوالة . ونظير ذلك مقابل الوفاء ( provision ) فى الكمبيالة ، فإن قواعد القانون التجاري تقضى بجعل مقابل الوفاء هذا بمثابة الدين الذي تقيدت به الكمبيالة والكمبيالة نفسها بمثابة حوالة . ويعتبر ساحب الكمبيالة هو المدين الأصلي ، والمسحوب عليه هو المحال عليه ، وحامل الكمبيالة هو الدائن . ونصوص التقنين التجاري صريحة فى أن مقابل الوفاء يكون ملكاً لحامل الكمبيالة ، فقد نصت المادة 114 من هذا التقنين على أن ” مقابل الموجود تحت يد المسحوب عليه ، سواء وجد عنده فى وقت تحرير الكمبيالة أوفى وقت انتقال ملكيتها لشخص آخر أو بعد ذلك ، يكون ملكاً لحاملها ، ولو لم يحصل تعيينه لدفع قيمة تلك الكمبيالة أو لم يحصل القبول من المسحوب عليه ” . فيكفي إذن أن يكون لساحب الكمبيالة ( المدين الأصلي ) دين فى ذمة المسحوب عليه ( المحال عليه ) ليتعلق حق حامل الكمبيالة ( الدائن ) بهذا الدين ، ويترتب على ذلك أن إفلاس الساحب قبل حلول ميعاد استحقاق الكمبيالة لا يؤثر فى حق حامل الكمبيالة ، فيكون لهذا وحده دون  624  سائر دائني الساحب الاستيلاء على مقابل الوفاء ( [27] ) . وقد نصت المادة 115 من التقنين التجاري على هذا الحكم صراحة إذ تقول : ” إذا أفلس الساحب ولو قبل حلول ميعاد دفع قيمة الكمبيالة ، يكون لحاملها دون غيره من مداينى الساحب المذكور الحق فى الاستيلاء على مقابل الوفاء المعطي للمسحوب عليه بالطرق المقررة ” .

وعلى هذا الوجه حورت أحكام الفقه الحنفي في الحوالة المقيدة فى التقنين المدنى العراقي ، حتى تتفق هذه الأحكام مع القواعد العامة المقررة فى كل من التقنينين المصري والعراقي . فنص المادة 361 من التقنين المدني العراقي على ما يأتي :

 ” 1 – إذا كانت الحوالة مقيدة بدين للمحيل على المحال عليه أو عين مودعة أو مغصوبة ، فلا يملك المحيل بعد الحوالة مطالبة المحال عليه ، ولا المحال عليه الدفع للمحيل ، فلو دفع له ضمن للمحال له ويكن له الرجوع على المحيل ” .

 ” 2 – ولو أعسر المحيل قبل أداء المحال عليه الدين ، فليس لسائر الغرماء أن يشاركوا المحال له ” .

ويلاحظ أن الأحكام المتقدمة التي نص عليها التقنين المدنى العراقي إنما هى نتيجة مستخلصة من تطبيق القواعد العامة ، فتسرى دون نص ، فيما يتعلق  625  بالحوالة المقيدة على الوجه الذي حددناه ، في البلاد العربية الأخرى : مصر وسورية وليبيا ولبنان ( [28] ) .

350 – حالة إبطال الحوالة : والأحكام التى قدمناها في تحديد العلاقة ما بين المدين الأصلي والمحال عليه إنما تسرى إذا بقيت الحوالة قائمة ، فإنها مبنية على التزام المحال عليه بموجب الحوالة بالدين المحال به نحو الدائن .

فإذا عرض للحوالة ما يبطلها – سواء كانت باتفاق بين المدين الأصلي والمحال عليه وأقرها الدائن أو كانت باتفاق بين الدائن والمحال عليه – فإن التزام المحال عليه بالدين المحال به نحو الدائن يزول بزوال الحوالة ، ويعود الدين إلى ذمة المدين الأصلي بجميع توابعه ، دون إخلال بحقوق الغير ( [29] ) . ويقتضي الدائن من المحال عليه أو من المدين الأصلي تعويضاً فى مقابل ما لحقه من الضر ، إما بسب فقد تأمينات سبق ترتيبها وإما لأى سبب آخر ، ما لم يثبت المحال عليه أو المدين الأصلي أنه لا بد له فى إبطال الحوالة ( م180 من تقنين الالتزامات السويسرى ) . ومتى أبطلت الحوالة ، وعاد الدين المحال به إلى ذمة المدين الأصلي كما قدمنا ، لم يعد للمحال عليه رجوع على المدين الأصلي ، فقد كان حقه فى الرجوع قائماً على أساس التزامه بالدين المحال به نحو الدائن ، وقد زال هذا الالتزام بإبطال الحوالة ، فزال تبعاً لذلك حقه فى الرجوع ( [30] ) .


 ( [1] )          تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 454 من المشروع التمهيدى على وجه مطابق لما استقر عليه فى التقنين المدنى الجديد . ووافقت عليه لجنة المراجعة تحت رقم 331 من المشروع النهائى . ثم وافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 319 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 147 – ص 148 ) .

 ( [2] )          التقنينات المدنية العربية الأخرى :

التقنين المدنى السورى : م 319 ( مطابقة للمادة 319 من التقنين المدنى المصرى ) .

التقنين المدنى الليبى : م 306 ( مطابقة للمادة 319 من التقنين المدنى المصرى ) .

التقنين المدنى العراقى : م 357 : 1 – لا يرجع المحال له بدينه على المحيل ، إلا إذا اشترط فى الحوالة خيار الرجوع أو بطلب الحوالة المقيدة بسقوط الدين أو هلاك العين أو استحقاقها وفقا للأحكام السابقة . 2 – أما مجرد تعذر استيفاء الدين من المحال عليه وتفليسه ولو بأمر المحكمة ، فلا يوجبان بطلان الحوالة وعود الدين على المحيل .

م 358 : الحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة عارية من حق التجريد ، وللمحال له فى هذه الحالة أن يطالب أياً شاء من المحيل والمحال عليه .

ويلاحظ أن حوالة الدين فى التقنين المدنى العراقى تسير فى نصوصها على غرار الفقه الحنفى ولما كانت حوالة الدين فى هذا الفقه أقرب إلى أن تكون كفالة كما قدمنا ، إذ يجوز للدائن إذا وجد المحال عليه معسراً أن يرجع بالدين نفسه على المدين الأصلى ، فكأن هذا الدين لم ينتقل من ذمة المدين الأصلى إلى ذمة المحال عليه وإنما انتقل حق المطالبة ، فقد أراد التقنين المدنى العراقى فى هذا الموضع أن ينحرف على الفقه الحنفى ، ليماشى الفقه الغربى ويميز بين الحوالة والكفالة . فنص على أن مجرد تعذر استيفاء الدين من المحال عليه وتفليسه ولو بأمر المحكمة لا يوجبان بطلان الحوالة وعود الدين على المحيل . ولكنه أجاز للدائن أن يشترط فى الحوالة خيار الرجوع على المدين الأصلى ، والرجوع هنا يكون لا بالدين نفسه كما يوهم النص ، بل بالضمان ، وهذا يضاهى فى التقنين المدنى المصرى ضمان المدين الأصلي ليسار المحال عليه . كذلك أجاز رجوع الدائن بالضمان على المدين الأصلى ، إذا كان هذا قد قيد الحوالة بحق له فى ذمة المحال عليه أو بعين فسقط هذا الحق أو هلكت العين أو استحقت ، فإن المفروض فى هذه الحالة أن الدائن عندما أجاز هذه الحوالة المقيدة قد احتفظ لنفسه بحق الرجوع بالضمان على المدين الأصلى . أما إذا أصر الدائن على استبقاء الدين فى ذمة المدين الأصلي واشترط عدم براءته من هذا الدين – وهذا غير أشترطه الرجوع بالضمان الذى رأيناه فى الفرض المتقدم فإنه هنا يشترط الرجوع بنفس الدين – فإن الحوالة تكون فى هذه الحالة كفالة يستطيع الدائن فيها أن يطالب أياً شاء المدين الأصلى أو الكفيل ( المحال عليه ) ، فهى كفالة عارية من حق التجريد ، وهذا ما حرص التقنين المدنى العراقى على أن يذكره صراحة فى المادة 358 ( انظر الأستاذ حسن الذنون في أحكام الالتزام فى القانون المدني العراقي فقرة 238 – فقرة 239 9 .

تقنين الموجبات والعقود اللبنانى : لا يوجد نص فى هذا التقنين يقابل النص الذى نحن بصدده . ويبدو أن المدين الأصلى ، فى التقنين اللبنانى ، لا يضمن يسار المحال عليه إلا باتفاق خاص . وإذا كان فى الحوالة تدليس أو غلط ، فإن الحوالة تكون فى هذه الحالة قابلة للإبطال لمصلحة الدائن ( أنظر الأستاذ صبحى محمصانى فى انتقال الالتزام فى القانون المدنى اللبنانى ص 57 ) .

 ( [3] )          وقد سبق القول أن الفقرة الأولى من المادة 450 من المشروع التمهيدى كانت تنص على أنه ” إذا أقر الدائن الحوالة ، برئت ذمة المدين الأصلى وحل محله المحال عليه ” . وقد حذف هذا النص فى لجنة المراجعة ، لأنه مجرد تطبيق للقواعد العامة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 144 فى الهامش – وأنظر آنفا فقرة 329 فى الهامش ) .

 ( [4] ) على أنه لا يوجد ما يمنع ، بالرغم من أن الحوالة تكون قد انعقد باتفاق بين الدائن والمحال عليه دون تدخل المدين الأصلى ، من أن يتفق الدائن مع المدين الأصلى اتفاقاً مستقلا عن عقد الحوالة ، يلتزم به المدين الأصلى بضمان يسار المحال عليه . 

 ( [5] )          أما فى المذهب الحنفى ، فقد قدمنا أن الدائن يرجع بالدين نفسه على المدين الأصلى .

 ( [6] )          مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 155 .

 ( [7] )          قارن الأستاذ عبد الحى حجازى 3 ص 281 – ص 282 – والأستاذ إسماعيل غانم فى أحكام الإلتزام فقرة 238 .

 ( [8] )          ولا يوجب التقنين المدنى الألمانى ، ولا تقنين الالتزامات السويسرى ، ضمانا ليسار المحال عليه فى جانب المدين الأصلى ( انظر بودرى وبارد 3 فقرة 1764 ص 88 – ومقال الأستاذين شيرون ومحمد صادق فهمى فى مجلة مصر المعاصرة سنة 1931 ص 55 ) .

 ( [9] )   تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 448 من المشروع التمهيدى على وجه مطابق لما استقر عليه فى التقنين المدنى الجديد . وفى لجنة المراجعة سئل عن تحديد معنى عبارة ” فى الوقت المناسب ” ، فأجيب بأن المفروض على المحال عليه أن يدرأ عن المدين الأصلى كل مطالبة ، ووافقت اللجنة على النص تحت رقم 329 من المشروع النهائى . ووافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 317 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 144 – ص145 ) .

 ( [10] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى : التقنين المدنى السورى م 317 ( مطابقة للمادة 317 من التقنين المدنى المصرى ) .

التقنين المدنى الليبى م 304 ( مطابقة للمادة 317 من التقنين المدنى المصرى ) .

التقنين المدنى العراقى : لم يرد نص مقابل ، ولكن الحكم الذى يستخلص من نص التقنين المدنى المصرى متفق مع القواعد العامة ، فلا مانع من تطبيقه فى العراق . أما ما ورد فى التقنين المدنى العراقى من نصوص فى علاقة المدين الأصلى بالمحال عليه ، فكلها تفترض أن الحوالة نافذة فى حق الدائن ، وسنذكرها فى موضعها .

تقنين الموجبات والعقود اللبنانى : لم يرد نص مقابل . على أنه قد ورد فى صدر الفقرة الثالثة من المادة 287 من تقنين الموجبات والعقود اللبنانى العبارة الآتية ” وإذا لم يجز الدائن الانتقال بطل ” . ويفهم من هذا النص أن التقنين اللبنانى ، خلافاً للتقنين المصرى ، يفرض أن نية المدين الأصلى المحال عليه ، فى اتفاقهما على الحوالة ، قد انصرفت إلى عدم ترتيب أى أثر على هذا الاتفاق إذا لم يقره الدائن .

 ( [11] ) أنظر ما دار فى لجنة المراجعة هذا الصدد ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 145 – وانظر تاريخ نص المادة 317 مدنى آنفاً فقرة 342 فى الهامش ) .

 ( [12] ) وليس من الضرورى ان يخلص المحال عليه ذمة المدين الأصلى من الدين نحو الدائن فوراً عقب الاتفاق . كما أنه لا يكفى أن يرد المحال عليه إلى المدين الأصلى ما دفعه للدائن عقب مطالبة هذا إياه ، فإن المدين الأصلى باتفاقه على الحوالة مع المحال عليه أراد أن يدرأ عن نفسه هذه المطالبة . بل الواجب أن يقوم المحال عليه بوفاء الدين عندما يطالب الدائن به المدين الأصلى ، أو أن يسلم للمدين الأصلى مقدار الدين ليدفعه للدائن فيدرأ مطالبته ( أنظر فى هذا المعنى مقال الأستاذين شيرون ومحمد صادق فهمى فى مجلة مصر المعاصرة 3 ص 150 ) .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد : ” ولا يستتبع التزام المحال عليه بقضاء حق الدائن عن الاستحقاق تخويل المدين حق مطالبة المحال عليه بأن يعمل على إبراء ذمته قبل الدائن فور الوقت . بل كل ما هناك أن هذا الالتزام يخول للمدين ، إذا طالبه الدائن قضائياً ، حق الرجوع على المحال عليه باعتبار أنه قد تعهد بالوفاء عنه ليجنبه هذه المطالبة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 150 )

 ( [13] ) الأستاذ عبد الحى حجازى 3 2 280 .

 ( [14] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد : ” وإذا تخلف المحال عليه عن الوفاء بالتزامه ، فللمدين الأصلى متى طولب بالدين أن يرجع عليه بالتعويضات . وينص تقنين الالتزامات السويسرى ( م 175 / 3 ) على أن للمدين المحيل أن يطلب إلى المحال عليه تقديم تأمينات خاصة لضمان الوفاء بالتزامه . وبديهى أن للمتعاقدين أن يشترطا ذلك فى عقد الحوالة دون حاجة إلى نص فى القانون ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3ص 150 ) .

 ( [15] ) وقد ورد فى التعليقات على التقنين المدنى الألمانى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ويجب أن يلاحظ أخيراً أن رفض الدائن إقرار الحوالة ، إذا لم يوجد اتفاق مخالف ، يبطل العقد العينى الذى ينقل الدين ، ولكنه يبقى قائما العقد المنشئ لالتزامات شخصية الذى تنطوى عليه الحوالة ، ومن ثم تبقى التزامات المحال عليه نحو المحيل ” ( التعليقات على التقنين المدنى الألمانى جزء أول م 415 ص 608 ) .

 ( [16] ) وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” من المسلم أن للمتعاقدين كامل الخيار فى تحديد ما يترتب بينهما من الآثار بمقتضى تعاقد صريح . فلهما أن يشترط اعتبار الحوالة غير قائمة إلى أن يتم إقرارها ، كما أن لهما أن يشترطا اقتصار الحوالة على إنشاء مجرد التزام على عائق المحال عليه بقضاء حق الدائن . ويختلف الحكم باختلاف التشريعات عند سكوت المتعاقدين عن اشتراط أمر معين . فالتقنين اللبنانى ( م 287 / 3 ) والتقنين الصينى ( م 302 ) يفترضان أن نية المحيل والمحال عليه تنصرف ، فى هذه الحالة ، إلى عدم ترتيب أى أثر لتعاقدهما إذا لم يقره الدائن . أما المشروع ( م 448 / 1 ) ، فقد اقتفى ، على نقيض ذلك ، أثر التقنين الألمانى ( م 415 / 3 ) ، واختار الحكم الوارد فى النص طبقا لمبدأ إعمال التصرفات القانونية ما وجد سبيل إلى ذلك ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 149 ) .

 ( [17] ) وقد أوردت التعليقات على التقنين المدنى الألمانى التصويرات الفنية لحوالة الدين فى المراحل المختلفة التى مر عليها المشروعان الأول والثانى للتقنين المدنى الألمانى . ففى المشروع الأول صورت حوالة الدين التصوير الفنى الذى قال به وندشايد ( windcheid ) ( أنظر آنفاً فقرة 308 فى الهامش ) على النحو الآتى : كما أن الدائن فى حوالة الحق يتصرف فى الحق بإحالته إلى غيره ، كذلك المحال عليه فى حوالة الدين يتصرف فى الدين بإحالته إلى ذمته . ولكن الدائن فى حوالة الحق يتصرف فى حق مملوك له ، أما المحال عليه فى حوالة الدين فيتصرف فى دين مملوك لغيره وهو الدائن . ومن ثم وجب أن يقر الدائن هذا التصرف ، حتى يكون نافذاً فى حقه . على أن الاتفاق الذي تم بين المحال عليه والمدين الأصلى ، وهو تصرف ناقل للدين ، ينطوى فى الوقت ذاته على عقد منشئ لالتزامات شخصية ، منها التزام فى ذمة المحال عليه أن يحصل على إقرار الدائن للتصرف . وقد هوجم هذا التصوير أمام اللجنة الثانية للمشروع ، ووجه بتصوير آخر ، هو أن المحال عليه والمدين الأصلى باتفاقهما على الحوالة قد صدر منهما إيجاب مشترك موجه إلى الدائن . والاتفاق على الحوالة ، فى هذا التصوير الآخر ، ليس إلا عقداً منشئاً لالتزامات شخصية وليس بعقد ناقل للدين ، كما أنه لا يرتب فى ذمة المحال عليه التزاماً بالحصول على إقرار الدائن للحوالة . وما دام المحال عليه إنما يعرض على الدائن إيجاباً يشترك فيه مع المدين الأصلى ، فإنه يجوز له العدول عن هذا الإيجاب قبل صدور الإقرار من الدائن . وحتى إذا صدر الإقرار فإن الدين ينتقل من وقت صدوره ، ولا يستند بأثر رجعى إلى وقت الاتفاق على الحوالة الذي تم بين المحال عليه والمدين الأصلى . وقد رفضت اللجنة الثانية هذا التصوير الآخر بأغلبية كبيرة ، إذ هو لا يستجيب إلى مقتضيات التعامل فى أمرين جوهريين : فهو يجيز للمحال عليه أن يرجع فى الحوالة بعد اتفاقه عليها مع المدين الأصلى ، وهو يؤخر انتقال الدين إلى وقت إقرار الدائن للحوالة . فأدخلت تعديلات على هذا التصوير الثانى انتهت به إلى تصوير ثالث ، يكون فيه الاتفاق على الحوالة بين المحال عليه والمدين الأصلى اتفاقاً منشئا لالتزامات شخصية كما هو الأمر فى التصوير الثانى ، وليس بعقد ناقل للدين على خلاف التصوير الأول ، ولكن الإيجاب المشترك المعروض على الدائن مستخلصاً من هذا الاتفاق هو إيجاب ملزم لا يجوز الرجوع فيه . وبذلك زال أحد الاعتراضين الجوهريين الموجهين إلى التصوير الثانى ، وأصبح لا يجوز للمحال عليه أن يرجع فى الحوالة بعد اتفاقه عليها مع المدين الأصلى ولكن بقى الاعتراض الثانى ، وهو الوقت إلى ينتقل فيه الدين . ففى التصويرين الثانى والثالث ، ما دام الاتفاق على الحوالة بين المحال عليه والمدين الأصلى هو مجرد إيجاب مشترك معروض على الدائن ، فإن انتقال الدين لا يتم إلا من وقت إقرار الدائن ، ولا يستند بأثر رجعى إلى وقت الاتفاق . من أجل ذلك رجعت اللجنة إلى التصوير الأول بعد أن أعادت النظر فيه . ففى هذا التصوير الأول يعتبر الاتفاق على الحوالة بين المحال عليه والمدين الأصلى تصرفاً فى الدين صادراً من المحال عليه ، قرأت اللجنة أن هذا التصرف ليس صادراً من المحال عليه فحسب ، بل هو صادر أيضاً من المدين الأصلى ، ومن ثم لا محل لقيام التزام فى ذمة المحال عليه نحو المدين الأصلى للحصول على إقرار الدائن للحوالة ، وقد كان قيام هذا الالتزام هو الاعتراض الجوهرى على التصوير الأول . ومنذ عدل التصوير الأول على هذا الوجه قبلته اللجنة نهائيا كتصوير فنى لحوالة الدين على الأساس الآتى : يعد الاتفاق على الحوالة الذي تم بين المحال عليه والمدين الأصلى مشتملا على عقدين ، 1 – عقد منشئ لالتزامات شخصية ، فالمحال عليه قد التزم نحو المدين الأصلى أن يخلص ذمته من الدين المحال به ، دون أن يلتزم بالحصول على إقرار الدائن للحوالة ودون أن يلتزم بتخليص ذمة المدين الأصلى قبل حلول الدين المحال به ، 2 – وعقد ناقل للدين ، وهو عقد مجرد ( contrat abstrait ) ، قد نقل الدين من ذمة المدين الأصلى إلى ذمة المحال عليه فى حدود العلاقة فيما بينهما ، دون اعتداد بسبب هذا العقد إذ هو عقد مجرد كما سبق القول . فإذا ما أقر الدائن هذا العقد ، أصبح انتقال الدين نافذاً فى حقه لا من وقت الإقرار فحسب ، بل مستنداً بأثر رجعى إلى وقت قيام العقد ، أى إلى وقت الاتفاق بين المحال عليه والمدين الأصلى . وإذا لم يقر الدائن العقد الناقل للدين ، بطل هذا العقد وحده ، وبقى العقد الأول المنشئ لالتزامات شخصية قائما بين المحال عليه والمدين الأصلى ( أنظر التعليقات على التقنين المدنى الألمانى جزء أول م 415 ص 602 – ص608 ) .

 ( [18] ) أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 150 .

 ( [19] ) انظر آنفاً فقرة 337 .       

 ( [20] ) أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 150 .

 ( [21] ) انظر التعليقات على التقنين المدنى الألمانى جزء أول م 415ص 607 .

 ( [22] ) انظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 151 – وقارن مقال الأستاذين شيرون ومحمد صادق فهمى فى مجلة مصر المعاصرة سنة 1931 ص 54 . وهذا بخلاف التقنين المدنى العراقى فى الحوالة المطلقة ، فقد ورد فى شأن هذه الحوالة نصان فى هذا التقنين ، هما المادتان 359 و360 . فتنص المادة 359 على أنه ” إذا أحال المحيل حوالة مطلقة ، فإن لم يكن عند المحال عليه دين أو عين مودعة أو مغصوبة ، فله أن يطالب المحال عليه بعد الحوالة إلى أن يؤدى المحال عليه الدين للمحال له ، فإن أداة سقط ما عليه قصاصاً بقدر ما أدى ” . وواضح من ذلك أن التقنين المدنى العراقى يفرض فى الحوالة المطلقة أنه مادام المدين الأصلى لم يقيد الحوالة بالدين أو العين ، فقد احتفظ لنفسه بالحق فى المطالبة بهما حتى بعد الحوالة ، إلى أن يؤدى المحال عليه الدين المحال به للدائن ، فعندئذ تقع المقاصة بين ما على المدين الأصلى للمحال عليه وماله عنده ، ولو أراد هذان أن ينقطع بعد الحوالة حق المحال عليه فى مطالبة المدين الأصلى بالدين أو بالعين ، فأمامهما الحوالة المقيدة وقد وردت فيها نصوص كثيرة فى التقنين المدنى العراقى ، فما عليهما إلا أن يقيدا الحوالة بما للمدين الأصلى فى ذمة المحال عليه . وتنظيم الحوالة المقيدة إلى جانب الحوالة المطلقة فى التقنين المدنى العراقى هو الذى يبرر الحكم المتقدم . على أنه ليس هناك إطلاقا ما يمنع المشرع – من ناحية السياسة التشريعية التى يختطها – من أن يرجئ رجوع المحال عليه على المدين الأصلى إلى وقت وفاء المحال عليه بالدين للدائن فيفترض أن نية الطرفين قد انصرفت إلى هذا الحكم ما لم يوجد اتفاق مخالف ( انظر فى هذا المعنى مقال الأستاذين شيرون ومحمد صادق فهمى فى مجلة مصر المعاصرة سنة 1931 ص 54 – وقارن الأستاذ حسن الذنون فى أحكام الالتزام فى القانون المدنى العراقى فقرة 240 ص 222 ، وهو ينعى هنا أيضاً ، دون مبرر ، على المادتين 359 و360 من التقنين المدنى العراقى التعقيد والغموض! ) .

ويلاحظ أخيراً أن المحال عليه يرجع على المدين الأصلى ، فى التقنين العراقى ، بالدين المحال به لا بما أدى ، أن يرجع بدعوى الحلول ، والحلو هنا قانونى إلا إذا كان متفقاً عليه قبل وفاء الدين المحال به .

 ( [23] ) وهذا هو ما يعرف بالحوالة المقيدة فى الفقه الإسلامي وسيأتى ذكرها . وللتمييز بين الحوالة المقيدة والحوالة المطلقة فى الفقه الإسلامي أهمية بالغة سبقت الإشارة إليها ( انظر آنفاً فقرة 240 ) .  

 ( [24] ) وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد : ” يقصد المحال عليه تحمل الدين إلى النتيجة التى كان يصل إليها لو إنه ؟؟؟ المدين بأداء ؟؟؟؟؟؟؟ الدين . فلو فرض أن المحال عليه تحمل عن المدين ديناً مقداره 100 جنيه ، فهو يقصد من ذلك إما إلى إقراض المدين مثل هذا المبلغ ، وإما إلى التبرع له به ، وإما إلى الوفاء له بدين ترتب فى ذمته من قبل كباقى ثمن لم يتم أداؤه . ويراعى أن نية المحال عليه تنصرف ، فى هذه الحالة الأخيرة ، إلى الوفاء بباقى الثمن من طريق تحمل الدين عن المحيل ، وبهذا تبرأ ذمته على الفور من المطالبة بمقتضى عقد البيع . . . بيد أن إرادة المتعاقدين قد تنصرف إلى خلاف ذلك ، فالأمر لا يعدو والحال هذه مجرد التنويه بقاعدة مفسرة أو متممة ، للأفراد مطلق الخيار فى الخروج عليها ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 150 – ص 151 )

هذا وقد كان المشروع التمهيدى يتضمن نصاً هو المادة 452 من هذا المشروع ، وكان يجرى على الوجه الآتى : ” إذا أقر الدائن حوالة الدين ، اعتبر المحال عليه قد أدى للمدين الأصلي التزاماً بقيمتها ” . فحذفت هذه المادة فى لجنة المراجعة ” لأن حكمها مستفاد من القواعد العامة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 146 فى الهامش ) .

 ( [25] ) وقد سبق بحث هذه المسألة تفصيلا فى الفقه الإسلامي انظر آنفا فقرة 240 .

 ( [26] ) ولكن لو ظهرت براءة المحال عليه من الدين الذى قيدت به الحوالة – كما إذا كان الدين ثمن بيع فاستحق المبيع أو كان وديعة فهلكت – فإن الحوالة تبطل ، لأن الدين الذي قيدت به يعتبر سبباً لها ، وقد انعدم فانعدمت .

 ( [27] ) الأستاذ محمد صالح فى شرح القانون التجارى جزء 2 فقرة 53 – أما فى التقنين التجارى المختلط ، فقد كان حامل الكمبيالة لا يتملك مقابل الوفاء إلا فى حالتين : حالة تخصيص المقابل ( وهذا التخصيص هو الذى يضاهى فى الفقه الإسلامي تقييد الحوالة ) وحالة قبول المسحوب عليه للكمبيالة . وكانت المادة 120 من التقنين المدنى المختلط تجرى فى هذا المعنى على الوجه الآتى : ” ومع ذلك يكون مقابل الوفاء ملكا لحامل الكمبيالة فى يوم استحقاق دفع قيمتها إذا كان عين خصيصاً لوفائها ، وكان المسحوب عليه قد قبل مع علمه هذا التعيين أو أخبر به قبل إفلاس الساحب سواء كان بأخبار الساحب أو بعمل بروتستو عدم القبول أو عدم الدفع ولو كان عمله بعد الميعاد . أما إذا لم يحصل التعيين المذكور فيدخل مقابل الوفاء فى روكية غرماء الساحب إذا كان القبول لم يحصل قبل علم القابل بالإفلاس ” . ومن هذا يتبين أن مقابل الوفاء يكون مملوكاً لحامل الكمبيالة فى التقنين التجاري الوطني ، سواء كانت الحوالة مقيدة أو مطلقة . وكذلك كان الحكم فى التقنين التجاري المختلط ، فإن مقابل للوفاء فى هذا التقنين كان يعتبر مملوكاً لحامل الكمبيالة في حالة التخصيص وهذه هي الحوالة المقيدة ، وفى حالة قبول الكمبيالة من المسحوب عليه وهذا هو شأن كل حوالة ، مقيدة كانت أو مطلقة ، فإن قبول المحال عليه ضروري لانعقاد الحوالة في جميع الأحوال .

 ( [28] ) قارن الأستاذ حسن الذنون فى أحكام الالتزام في القانون المدني العراقى فقرة 241 .

 ( [29] ) وذلك ككفيل عيني لم يرض بالحوالة ، فزال الرهن المترتب على ماله ، ثم عاد الرهن بإبطال الحوالة ، وكان هذا الكفيل قد رتب للغير حقا على المال المرهون فى الفترة ما بين انعقاد الحوالة وإبطالها .

 ( [30] ) وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا المعنى ما يأتى : ” وتطبق القواعد العامة عند إبطال الحوالة ، فيراعى أولا أن الدين القديم يعود سيرته الأولى بجميع توابعه ، دون إخلال بحقوق الغير ، ويراعى من ناحية أخرى أن الدائن يكون له أن يقضى من المحال عليه تعويضاً فى مقابل ما لحقه من الضرر ، إما بسبب فقد تأمينات سبق ترتيبها وإما بأى سبب آخر ، ما لم يثبت المحال عليه أن بطلان الحوالة والضرر الحادث يرجعان إلى سبب لابد له فيه : انظر المادة 180 من تقنين الالتزامات السويسرى والمادة 453 / 2 من المشروع ، ويلاحظ أخيرا أنه لا يجوز للمدين الأصيل فى الشريعة الإسلامية أن يطالب المحال عليه بما له قبله إلا فى حدود ما يربو على الدين المحال به ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 151 ) .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s