وقف التقادم


وقف التقادم

 ( Suspension de la prescription )

620 – التمييز بين وقف سريان التقادم وتأخير سريان التقادم : قد يعرض من الأسباب ما يقف سريان التقادم بعد أن يكون قد بدأ ، وعند ذلك لا تحسب المدة التى وقف فيها سريان التقادم ، وتحسب المدة التى سبقت والمدة التى تلت . فوقف سريان التقادم يفترض إذن أن التقادم قد بدأ سريانه ، ثم وقف لسبب معين . أما تأخير سريان التقادم فيفترض أن التقادم لم يبدأ سريانه لعدم استحقاق الدين ، وسيبدأ السريان بمجرد الاستحقاق ، وهذا ما عرضنا له عند الكلام فى بدء سريان التقادم .

ولكن من الجائز أن يقوم سبب يقف سريان التقادم منذ البداية ، أى قبل أن يبدأ السريان ، فعند ذلك يختلط وقف سريان التقادم بتأخير سريانه .

  1069  على أنه لا يزال هناك فرق بين الأمرين حتى فى هذه الحالة . ففى صورة وقف سريان التقادم تنتهى المدة التى وقف فيها السريان بزوال سبب الوقف ، أما فى صورة تأخير سريان التقادم فلا تنتهى المدة إلا بحلول الميعاد الذي يستحق فيه الدين ( [1] ) .

ومهما يكن من أمر ، فإن وقف التقادم إذا صح أن يعترض التقادم بعد بدء سريانه أو يقع منذ البداية ، فإن تأخير سريان التقادم لا يقع إلا منذ البداية ولا يتصور وقوعه معترضاً سريان التقادم بعد أن بدأ .

621 – النصوص القانونية : تنص المادة 382 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” 1 – لا يسرى التقادم كلما وجد مانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه ولو كان المانع أدبياً . وكذلك لا يسرى التقادم فيما بين الأصيل والنائب ” .

 ” 2 – ولا يسرى التقادم الذي تزيد مدته على خمس سنوات فى حق من لا تتوافر فيه الأهلية أو فى حق الغائب أو فى حق المحكوم عليه بعقوبة جنائية إذا لم يكن له نائب يمثله قانوناً ( [2] ) ” .

  1070  ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المواد 83 / 112 و85 / 114 و205 / 269 ( [3] ) .

ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 379 – وفى التقنين المدنى الليبى المادة 369 – وفى التقنين المدنى العراقى المادتين 435 – 436 – وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المواد 354 – 356 ( [4] ) .

  1071  ويخلص من هذا النص أن التقنين المدنى الجديد قد استحدث تعديلاً هاماً فى أسباب وقف التقادم ، فبعد أن كانت هذه الأسباب مذكورة على سبيل الحصر فى التقنين المدنى السابق أسوة بالتقنين المدنى الفرنسى ، أصبحت فى التقنين الجديد سببا عاماً يندرج تحته كثير من الأسباب ، فكلما وجد مانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه ، يقف سريان التقادم ، ولو كان هذا المانع أدبياً .

وحتى ندرك مدى العموم الذي استحدثه التقنين الجديد ، يحسن أن نستعرض أولا أسباب وقف سريان التقادم فى التقنين المدنى الفرنسى ، ثم ننتقل بعد ذلك إلى أسباب الوقف فى التقنين المدنى المصرى .

622 – أسباب وقف التقادم فى التقنين المدنى الفرنسى : عدد التقنين المدنى الفرنسى أسباب وقف التقادم على سبيل الحصر ( [5] ) ، وهى طائفتان من الأسباب :

  1072  ( الطائفة الأولى ) هم القصر والمحجورون ( [6] ) ( م 2252 مدنى فرنسى ) ، فهؤلاء لا يسرى فى حقهم التقادم إذا كانت مدته تزيد على خمس سنوات ، ما دام نقص الأهلية قائما . ويستوى أن يكون للقصر والمحجورين من يمثلهم قانوناً كولى أو وصى أو قيم أو لم يكن لهم ممثلون ، ففى الحالتين يقف سريان التقادم فى حقهم . وينتقد الفقه الفرنسى هذا الحكم ، ويؤثر ألا يقف سريان التقادم فى حق القصر والمحجورين ، أو فى القليل لا يقف سريانه إذا كان لهم من يمثلهم قانوناً إذ وجد من يستطيع المطالبة بحقوقهم ، فإن أهمل من يمثلهم فى المطالبة بحقوقهم استطاعوا الرجوع عليه بالتعويض . هذا إلى أن الأساس الذي يقوم عليه التقادم إنما هو تثبيت الأوضاع التى بقيت قائمة زمنا طويلا حتى يستقر التعامل ، وليس غرضه الجوهرى عقاب الدائن المهمل ، فتحقق حكمته سواء كان الدائن كامل الأهلية أو ناقصها ( [7] ) .

 ( الطائفة الثانية ) هم الطائفة الذين تستوجب علاقتهم بالمدينين وقف سريان التقادم فى حقهم ، وهؤلاء هم : 1 – الزوجان ( م 2253 مدنى فرنسى ) ، ولا يسرى التقادم فيما بينهما ، وإلا لاضطر كل منهما أن يقاضى الآخر حتى يقطع التقادم ، فيتعكر صفو السلام فى الأسرة ( [8] ) . 2 – الوارث الذي قبل الميراث مع الاحتفاظ بحقه فى الجرد sous benefice d’inventaire ( م 2258 مدنى فرنسى ) . فهذا الوارث إنما قبل الميراث على أن تفصل أموال التركة عن أموال الشخصية ، وعلى ألا يكون مسئولا عن ديون التركة إلا بقدر ما لها من حقوق . فإذا كان دائناً للتركة ، فإن حقه لا يزول باتحاد الذمة ، لأنه لم يرث ديون التركة بعد أن انفصلت عن أمواله . ومادام حقه لا يزول ، فقد أصبح هذا الحق عرضة للتقادم ، إلا إذا قاضى الوارث التركة مطالباً به . وقد رأى المشرع الفرنسى ، فى سبيل منع الوارث من مقاضاة التركة وما فى ذلك من تعارض مع واجباته باعتبار أنه هو المدير للتركة والممثل لها ، وتوقياً لمصروفات المقاضاة  1073  مما يضر بمصلحة الدائنين الآخرين ومصلحة الوارث نفسه ، أن يقف سريان التقادم فى حق هذا الوارث حتى لا يضطر إلى مقاضاة التركة ( [9] ) .

هذه هى أسباب وقف التقادم فى التقنين المدنى الفرنسى ذكرت على سبيل الحصر ، فلا يجوز التوسع فيها ولا القياس عليها . وبخاصة لا يجوز ، فى نظر الفقه الفرنسى ، الرجوع إلى قاعدة تقليدية كانت معروفة فى القانون الفرنسى القديم ، وكانت تقضى بأن يوقف التقادم حيث يتعذر على الدائن أن يقطع سريانه ( contra non valentem agere non currit praescriptio ) ، فأي مانع يتعذر معه على الدائن أن يقطع التقادم يكون سببا لوقف سريانه . ولم ينقل التقنين المدنى الفرنسى هذه القاعدة ، بل هو على العكس من ذلك انكرها فى وضوح عندما قرر فى المادة 2251 أن التقادم يسرى فى حق كل شخص إلا إذا كان الشخص مستثنى بمقتضى نص فى القانون ( [10] ) . ولكن القضاء الفرنسى لم يساير  1074  الفقه فيما ذهب إليه ، بل قصر نص المادة 2251 على أسباب وقف التقادم التى ترجع إلى حالة الشخص كما هو ظاهر النص ، فهذه الأسباب مذكورة على سبيل الحصر فى نصوص القانون . أما الأسباب التى لا ترجع إلى حالة الشخص ، بل ترجع إلى ظروف خارجية ، فهى غير مذكورة على سبيل الحصر ، بل كان القضاء الفرنسى فى شأنها أميل إلى تطبيق القاعدة التقليدية المشار إليها ، فأى مانع خارجى يتعذر معه على الدائن أن يقطع التقادم يكون سببا لوقف سريانه ( [11] ) .

  1075  623 – أسباب وقف التقادم فى التقنين المدنى المصرى : وإذا كان التقنين المدنى المصرى : وإذا كان التقنين المدنى المصرى السابق قد حذا حذو التقنين المدنى الفرنسى فى حصر أسباب وقف التقادم كما قدمنا ، فإن التقنين المدنى المصرى الجديد قد عدل عن هذه المحاذاة ، وجعل التقادم يقف لا بالنسبة إلى ناقصى الأهلية والمحجورين فحسب ، ولا فيما بين الأصيل والنائب فحسبن بل بوجه عام يقف سريان التقادم ” كلما وجد مانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه ، ولو كان المانع أدبيا ” .

فجاءت هذه العبارة من حيث العموم والشمول بحيث تذكر بالقاعدة التقليدية فى القانون الفرنسى القديم التى سبقت الإشارة إليها ، والتى تقضى بان يوقف التقادم حيث يتعذر على الدائن أن يقطع سريانه ، وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” بيد أن أهم جديد أتى به المشروع فى هذا الصدد هو النص بصفة عامة على وقف سريان التقادم إذا كان ثمة مانع يستحيل معه على المدين أن يطالب بحقه فى الوقت المناسب ، ولو كان هذا المانع أدبيا . ولم ير إيراد الموانع على سبيل الحصر – كالحرب وحالة الأحكام العرفية والأسر وصلة الزوجية والخدمة – على غرار ما فعلت بعض تقنينات أجنبية .

بل عمم الحكم لتمشيه مع ما يقضى به العقل ، ولا سيما أن ضبط حدوده من طريق التطبيق غير عسير . وتطبيقا لهذا الحكم يقف سريان التقادم بين الزوج وزوجه ما بقيت الزوجية قائمة ، وبين المحجور ومن ينوب عنه قانوناً ما بقى قائما على الإدارة ، وبين الشخص المعنوى ونائبه ما بقيت النيابة قائمة ، وبين الموكل والوكيل فيما يدخل فى حدود التوكيل ، وبين السيد والخادم طوال مدة التعاقد ، لأن بين كل من أولئك وكل من هؤلاء على التوالى صلة تبعث على الاحترام والثقة أو الرهبة يستحيل معها على الدائن أدبيا أن يطالب بحقه . وتجدر الإشارة إلى أن اتحاد الذمة مانع طبيعى من موانع سريان المدة ، فإذا زال السبب الذي أفضى إلى اجتماع صفتى الدائن والمدين زوالا مستنداً ، وعاد الدين إلى الوجود ، أعتبر التقادم قد وقف طوال الفترة التى تحقق الاتحاد فى خلالها ( [12] ) ” .

  1076  يضاف إلى الاعتبارات التى تقدم ذكرها فى المذكرة الإيضاحية أن التقنين المصرى ، وقد أخذ مدة التقادم عن الشريعة الإسلامية وجعلها خمس عشرة سنة ،وهى مدة لا تبلغ إلا نصف المدة المقررة فى التقنين المدنى الفرنسى ، لم ير بأساً من أن تطول هذه المدة بالعذر الشرعى ، وهو ما أخذت به الشريعة الإسلامية أيضا عندما قررت عدم جواز سماع الدعوى على المنكر بعد تركها من غير عذر شرعى ( [13] ) . ذلك أن مدة التقادم والعذر الشرعى أمران متلازمان ، وقد أخذ التقنين الجديد فيهما معا بأحكام الشريعة الإسلامية . وما العذر الشرعى إلا قيام المانع الذي يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه ، والعذر الشرعى والمانع كلاهما يمكن تقريبه من القاعدة الفرنسية القديمة التى كانت تقضى بوقف التقادم حيث يتعذر على الدائن أن يقطع سريانه .

على أنه من المصلحة أن تضبط ، من ناحية التطبيق ، حدود المانع الذي تعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه . ويجب أن يكون هذا الضبط محكما ، حتى لا تنفذ ثغرات إلى أحكام التقادم تخل بالأساس الذي قام عليه . فالتقادم إنما شرع لصيانة الأوضاع القائمة المستقرة ، فلا يجوز إهدار هذه الصيانة فى سبيل صيانة مصلحة الدائن عن طريق وقف التقادم . فالأولى مصلحة عامة والأخرى مصلحة خاصة ، والمصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة . ومن ثم يجب التشدد فى ضبط أسباب وقف التقادم ، ” ولا سيما – كما تقول المذكرة الإيضاحية ( [14] ) – أن ضبط حدوده من طريق التطبيق غير عسير ” .

وقد ورد من أسباب وقف التقادم – فى نص التقنين المصرى وفى المذكرة الإيضاحية وفى التقنينات الأجنبية – نقص الأهلية والحجر ، والعلاقة ما بين الأصيل والنائب ، والعلاقة ما بين الزوجين ، والعلاقة ما بين الأصول والفروع ، والعلاقة ما بين الشخص المعنوى ومديره ، والعلاقة ما بين المخدوم والخادم ، وحالة ما إذا كان الدائن غائبا غيبة اضطرارية فى سفر أو أسر أو نحو ذلك ،  1077  وحالة اتحاد الذمة . وهذه كلها أسباب تتعلق بالشخص : شخص الدائن كما فى القصر والحجر والغيبة والأسر واتحاد الذمة ، أو العلاقة بينه وبين المدين كما فى العلاقة بين الزوجين وبين الأقارب وبين المخدوم والخادم . وبعض هذه الموانع مادية ، وبعضها موانع أدبية .

وقد تقوم موانع يتعذر معها أن يطالب الدائن بحقه وترجع ، لا لأسباب تتعلق بالشخص ، بل لظروف مادية أقرب ما تكون إلى القوة القاهرة ، كقيام حرب أو نشوب فتنة أو إعلان الأحكام العرفية أو انقطاع المواصلات أو ارتباط الدعوى المدنية بالدعوى الجنائية .

ونستعرض الآن كلا من هذين النوعين من أسباب وقف التقادم فى التقنين المدنى المصرى ( [15] ) : ( 1 ) أسباب وقف التقادم التى تتعلق بالشخص ( 2 ) وأسباب وقف التقادم التى ترجع إلى ظروف مادية اضطرارية .

  1078  624 – أسباب وقف التقادم التى تتعلق بالشخص : أهم هذه الأسباب هو السبب المتعلق بناقصى الأهلية والمحجورين . وقد رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 382 مدنى تنص على أنه ” لا يسرى التقادم الذي تزيد مدته على خمس سنوات فى حق من لا تتوافر فيه الأهلية أو فى حق الغائب أو فى حق المحكوم عليه بعقوبة جنائية ، إذا لم يكن له نائب يمثله قانوناً ” . فمدد التقادم التى لا تزيد على خمس سنوات لا يقف سريانها إذن فى حق القصر والمحجورين ، ولو لم يكن لهم من يمثلهم قانونا من ولى أو وصى أو قيم . والحكمة فى ذلك أن مدد التقادم التى لا تزيد على خمس سنوات يقوم التقادم فيها على اعتبارات يستوى عندها القاصر والمحجور بالبالغ الرشيد . فالديون الدورية المتجددة تتقادم بخمس سنوات حتى لا تتراكم على المدين فترهقه ، وهذا الاعتبار قائم بالنسبة إلى المدين سواء كان دائنه بالغاً رشيداً أو كان قاصراً أو كان محجوراً ، وسواء كان للقاصر والمحجور من يمثله قانوناً أو لم يكن ، فلا يكون القصر أو الحجر فى هذه الحالة سببا لوقف التقادم . وحقوق أصحاب المهن الحرة تتقادم بخمس سنوات ، والتقادم يقوم على قرينة الوفاء وعدم إرهاق المدين فى وقت  1079  واحد وهذه الاعتبارات متوافرة ولو كان الدائن قاصراً أو محجوراً ، على أنه قل أن يكون أحد من أصحاب هذه المهن الحرة قاصراً أو محجوراً . وحقوق التجار والصناع وأصحاب الفنادق والمطاعم والعمال والخدم والأجراء تتقادم بسنة واحدة ، والتقادم يقوم على قرينة الوفاء ، وهذا الاعتبار قائم ولو كان الدائن قاصراً أو محجوراً ، على أنه قل – فى غير العمال والخدم والأجراء – أن يكون الدائن قاصراً أو محجوراً . والضرائب والرسوم تتقادم بثلاث سنوات ، والدائن هنا هو الدولة لا يلحقها قصر ولا حجر ، فلا محل فى هذه الحالة لوقف التقادم . وهناك مدد تقادم أخرى وردت فى نصوص متفرقة ، كتقادم دعاوى الإبطال ودعاوى العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والدعوى البولصية بثلاث سنوات ، وإذا وقف سريان التقادم للقصر أو للحجر فى هذه الأحوال لم يتحقق الغرض الذي أراده المشرع من تقصير مدد التقادم ، وهو استقرار الأوضاع بعد انقضاء مدة معقولة ( [16] ) . فإذا زادت مدة التقادم على خمس سنوات – وهى لا تكون حينئذ إلا خمس عشرة سنة – وجب التمييز بين ما إذا كان القاصر أو المحجور له نائب يمثله أو ليس له نائب . ففى حالة ما إذا كان له نائب ، لا يقف سريان التقادم ، وعلى النائب أن يقطع التقادم وأن يطالب بحق محجوره ، وإلا كان هو المسئول نحو المحجور . وهذا حكم استحدثه التقنين المدنى الجديد ، أخذاً عن بعض التقنينات الأجنبية ، وتضييقاً من أسباب وقف التقادم بإغفال ما لا تقوم الضرورة لتبريره ( [17] ) . أما التقنين المدنى السابق فكان يقف سريان  1080  التقادم ، ولو كان للقاصر أو المحجور نائب يمثله ( [18] ) .

وقد يقوم مانع ، غير القصر والحجر ، يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه . من ذلك الغيبة الاضطرارية لسجن أو أسر أو نحو ذلك ( [19] ) ، وهذه غير الغيبة المنقطعة التى يقام من أجلها وكيل للغائب والتى تدخل فى أسباب الحجر السالفة الذكر . فيقف سريان التقادم ، إلى أن تتهيأ للدائن أسباب العودة إلى مباشرة أعماله . وتقرير ما إذا كان هذا المانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه مسألة واقع ، تترك لتقدير قاضى الموضوع دون معقب عليه من محكمة النقض ( [20] ) .

وحالة اتحاد الذمة مانع طبيعى من أن يطالب الدائن بحقه ، كما تقول المذكرة الإيضاحيــة ( [21] ) . فإذا مازال سبب اتحاد الذمة وانفصلت صفة الدائن عن صفة المدين بأثر رجعى ، فهذا الأثر الرجعى لا شأن له بما وقف  1081  من سريان التقادم ، ولا تحسب المدة التى قام فى خلالها اتحاد الذمة ضمن مدة التقادم ( [22] ) .

وقد يكون المانع من أن يطالب الدائن بحقه هى العلاقة القائمة بينه وبني المدين . فالعلاقة ما بين الزوجين مانع أدبى لأى منهما أن يطالب الآخر بحقه ، وإلا تعكر صفو السلام فى الأسرة . فوجب وقف سريان التقادم ما دامت علاقة الزوجية قائمة ، ويعود التقادم إلى السريان بمجرد أن تنفصم عرى الزوجية لموت أو طلاق أو عير ذلك . وقد قدمنا أن التقنين المدنى الفرنسى ( م 2253 ) يشتمل على نص صريح فى هذا الحكم ( [23] ) .

  والعلاقة ما بين الأصول والفروع هى أيضاً مانع أدبى ، وقد يكون مانعاً أدبيا علاقة القرابة أيا كانت ، ما دامت علاقة وثيقة واقترنت بملابسات تؤكد  1082  معنى المنع ، كالعلاقة ما بين الأشقاء ، وعلاقة الأعمام والأخوال بأولاد الأخ أو أولاد الأخت . وهذه مسألة واقع يقدرها قاضى الموضوع .

والعلاقة ما بين المخدوم والخادم مانع أدبى ، ما دامت علاقة الخدمة قائمة .

والعلاقة ما بين الأصيل والنائب مانع يقف سريان التقادم ، وقد ورد نص صريح فى ذلك فى الفقرة الأولى من المادة 382 مدنى ، كما رأينا ويدخل فى ذلك العلاقة ما بين الموكل والوكيل ما دامت الوكالة قائمة ، وذلك فى حدود أعمال الوكالة ( [24] ) . كما تدخل العلاقة ما بين الولى أو الوصى أو القيم بالمحجور ، ما دام الحجر قائما ( [25] ) . وكذلك تدخل العلاقة ما بين الشخص المعنوى والمدير ، مادامت صفة الإدارة قائمة . ففى كل هذه الأحوال يقف سريان التقادم فى الحقوق التى لأى طرف على الآخر انتظاراً لتصفية العلاقة القائمة إذا لا يحسن  1083  أن يقاضى أحد الطرفين الآخر مع وجود بينهما تقوم على الثقة والائتمان ( [26] ) .

ويقف سريان التقادم فى جميع الموانع التى قدمناها ، أيا كانت مدة التقادم خمس سنوات أو أكثر أو أقل ، وذلك فيما عدا القصر والحجر فقد رأينا أن التقادم لا يقف فيهما إلا إذا كانت مدته أكثر من خمس سنوات .

625 – أسباب وقف التقادم التى ترجع إلى ظروف مادية

  اضطرارية : وقد يرجع المانع ، لا إلى اعتبار يتعلق بالشخص ، بل إلى ظرف مادى اضطرارى ، أقرب ما يكون إلى القوة القاهرة ( [27] ) ، يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه . فيقف سريان التقادم ، أيا كانت مدته ، خمس سنوات أو أكثر أو أقل ( [28] ) . من ذلك قيام حرب مفاجئة أو نشوب فتنه أو  1084  إعلان الأحكام العرفية ، إذا كان شىء من هذا قد منع المحاكم من مباشرة أعمالها ، فلا يتمكن الدائن من المطالبة القضائية بحقه ( [29] ) .

ومن ذلك أيضا انقطاع المواصلات بحيث لا يتمكن الدائن من اتخاذ الإجراءات اللازمة للمطالبة بحقه ، فيقف سريان التقادم لهذا المانع ( [30] ) . والمسألة موكولة إلى تقدير قاضى الموضوع ، ولا معقب على هذا التقدير من محكمة النقض .

ومن ذلك أخيراً ارتباط الدعوى المدنية بالدعوى الجنائية . فقد نصت المادة 172 مدنى على أن ” 1 – تسقط بالتقادم دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذى علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسئول عنه . وتسقط مدة الدعوى ، فى كل حال ،  1085  بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع . 2 – على أنه إذا كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة ، وكانت الدعوى الجنائية لم تسقط بعد انقضاء المواعيد المذكورة فى الفقرة السابقة ، فان دعوى التعويض لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية ” . فلو فرضنا أن جناية وقعت وعلم المجنى عليه بها وبالشخص المسئول عنها وقت وقوعها ، فان الدعوى المدنية بالتعويض تتقادم بثلاث سنوات من وقت وقوع الجناية . ولكن لما كانت الدعوى الجنائية لا تسقط فى الجنايات إلا بعشر سنوات من وقت وقوع الجناية ( م 15 من قانون الإجراءات الجنائية ) ، فلو فصلنا ما بين مدتي التقادم ، لنتج عن ذلك موقف شاذ هو سقوط الدعوي المدنية بثلاث سنوات قبل سقوط الدعوي الجنائية بعشر سنوات . فيكون من الممكن إيقاع عقوبة علي الجاني بعد انقضاء ثلاث سنوات إذ تكون الدعوي الجنائية لم تتقادم ،دون التمكن من إلزامه بالتعويض إذ تكون الدعوي المدنية قد تقادمت ، مع أن التعويض أقل خطراً من العقوبة الجنائية . هذا المحظور أراد المشرع أن يتفاداه ،فنص علي أن الدعوي المدنية لا تتقادم فى هذه الحالة بثلاث سنوات ، بل تبقي قائمة مع الدعوي الجنائية ولا تسقط إلا بسقوطها ، حتي يستطيع المضرور في الوقت الذي يعاقب فيه الجاني أن يتقاضي منه التعويض المدني ( [31] ) . والمفروض في كل ذلك أن الدعوي الجنائية لا تزال قائمة ، فتقوم معها الدعوي المدنية ، وتسقط بسقوطها . أما إذا انفصلت الدعوي المدنية عن الدعوي عن الدعوي الجنائية ، وانقضت الدعوي الجنائية بصدور حكم فيها ، فقد فصمت عري الارتباط ما بين مدتي التقادم ، فتستقل الدعوي المدنية بمدة تقادمها الأصلى وهى ثلاث سنوات . فإذا فرضنا أن المجني عليه لم يرفع دعوي التعويض أمام محكمة الجنايات ، تربص بالجانى حتي يحكم عليه جنائيا ، ودامت المحاكمة الجنائية أكثر من ثلاث سنوات ثم انتهت بإدانة الجاني ، فإنه يكون قد مضي على الدعوي المدنية بالتعويض أكثر من ثلاث سنوات ، فهل تكون قد تقادمت بانقضاء هذه المدة ؟ لا نتردد في القول بأن سريان التقادم بالنسبة إلى الدعوي المدنية يقف طوال المدة التي دامت فيها  1086  المحاكمة الجنائية ، ولا يعود التقادم إلى السريان إلا عند صدور الحكم النهائي بإدانة الجانى أو عند انتهاء هذه المحاكمة بسبب آخر . ذلك أن من حق المجني عليه أن يختار الطريق المدني دون الطريق الجنائي فى دعواه المدنية بالتعويض . فإذا اختار هذا الطريق ، وقف النظر فى دعواه المدنية أثناء نظر الدعوي الجنائية ، لأن الطريق الجنائي يقف الطريق المدني ( le criminal tient le civil en etat ) . فهناك إذن سبب لوقف سريان التقادم فى حق الدعوي المدنية ، وهو سبب قانوني ، إذ القانون يمنع نظر الدعوي المدنية أمام المحاكم المدنية أثناء نظر الدعوي الجنائية . ويترتب على ذلك أن المجني عليه يستطيع أن يرفع دعواه المدنية بالتعويض أمام المحاكم المدنية بعد انتهاء المحاكمة الجنائية ، ولا تكون هذه الدعوي المدنية قد تقادمت ، لأن التقادم فى حقها يكون قد وقف سريانه طوال المدة التي دامت فيها المحاكمة الجنائية ( [32] ) .

626 – الأثر الذي يترتب علي وقف التقادم : متى وقف سريان التقادم لسبب أو لآخر من الأسباب التي تقدم ذكرها ، فإن الأثر الذي يترتب علي وقف التقادم واضح . ذلك أن المدة التي وقف سريان التقادم في خلالها لا تحسب ضمن مدة التقادم ، وتحسب المدة السابقة والمدة التالية ( [33] ) . فلو أن الدائن ترك حقه الذي يتقادم بخمس عشرة سنة دون أن يطالب به المدين  1087  اثنتي عشرة سنة ، ثم مات وورثه قاصر لم يعين له نائب يمثله قانوناً ، فوقف سريان التقادم سنتين إلي أن عين للقاصر وصي وعاد التقادم إلي السريان ، فإن مدة السنتين التي وقف فى خلالها سريان التقادم لا تحسب ، وتحسب الاثنتا عشرة سنة التي تقدمتها . فيبقي للقاصر من وقت تعيين وصي له ثلاث سنوات أخري – لا سنة واحدة – قبل أن يتقادم حقه ( [34] ) .


 ( [1] ) بودرى وتيسييه فقرة 385 وفقرة 416 – ويميز بودرى وتيسييه بين الأمرين ، فى التقادم المكسب ، ويوضحان ذلك بمثل خاص بالقانون الفرنسى . فيفرضان أن شخصاً وضع يده على عقار مملوك لبنت قاصر ، تزوجت بعد ذلك تحت نظام ” الدوطة ” . فلو قيل إن التقادم بدأ سريانه ثم وقف ، فإنه يستأنف السريان بمجرد بلوغ الزوجة سن الرشد ، لأن التقادم يسرى على ” الدوطة ” متى كان قد بدأ قبل الزواج ( م 1561 فرنسى ) . أما إذا قيل إن التقادم تأخر سريانه ولم يبدأ قبل الزواج ، فإنه لا يسرى ببلوغ الزوجة سن الرشد ، ولا يسرى إلا عند انقضاء الزواج ( بودرى وتيسييه فقرة 416 ) .     

 ( [2] ) تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 519 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : ” 1 – لا يسرى التقادم فى حق من لا تتوافر فيه الأهلية إذا لم يكن له نائب يمثله قانونا . ومع ذلك يسرى التقادم فى حقه إذا كانت المدة خم سنوات أو أقل . 2 – ولا يسرى التقادم كذلك فيما بين الأصيل والنائب ، ولا فيما بين السيد والخادم . وبوجه عام لا يسرى التقادم كلما وجد مانع يستحيل معه على الدائن أن يطالب بحقه فى الوقت المناسب ، ولو كان المانع أدبيا ” . وفى لجنة المراجعة عدل النص على نحو جعله مطابقا لما استقر عليه فى التقنين المدنى الجديد ، فيما عدا أن الفقرة الثانية من المشروع كانت تتضمن فى آخرها العبارة الآتية : ” ومع ذلك يسرى التقادم فى حقه إذا كانت المدة خمس سنوات أو أقل ” ، وأصبحت المادة رقمها 395 فى المشروع النهائى ووافق عليها مجلس النواب . وفى لجنة مجلس الشيوخ حذفت العبارة الأخيرة من الفقرة الثانية ، لأن حكمها مستفاد بطريق القياس العكسى من سائر أجزاء النص ، وأصبح رقم المادة 382 ، ووافق عليها مجلس الشيوخ كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 327 – ص 331 ) .

 ( [3] )   التقنين المدنى السابق م 83 / 112 : لا تثبت الملكية مطلقا بمضى المدة الطويلة ولا يعتبر حكمها بين الموكل والوكيل فى جميع ما هو داخل ضمن التوكيل .

م 85 / 114 : وكذلك لا تسرى على مفقود الأهلية المذكورة أحكام ما عدا ذلك من أنواع التملك بمضى المدة الطويلة ، متى كان المعتبر فيها أزيد من خمس سنوات .

م 205 / 269 : القواعد المقررة للتملك بمضى المدة ، من حيثية أسباب أتقاطعها أو إيقاف سريانها ، تتبع أيضا فى التخلص من الدين بمضى المدة .

 ( وتختلف أحكام التقنين المدنى السابق عن أحكام التقنين المدنى الجديد فيما يأتى : 1 – كان التقادم يقف فى التقنين المدنى السابق حتى لو كان لناقص الأهلية نائب يمثله قانونا . 2 – كانت أسباب وقف التقادم فى التقنين المدنى السابق محصورة فى نقص الأهلية وعلاقة الوكالة بحسب النص ، فأتى التقنين المدنى الجديد بنص عام بموجبه يقف التقادم كلما وجد مانع ، ولو أدبى ، يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه ) .

 ( [4] )   التقنيات المدنية العربية الأخرى :

التقنينات المدنى السورى م 379 ( مطابقة للمادة 382 من التقنين المدنى المصرى ) .

التقنين المدنى الليبى م 369 ( مطابقة للمادة 382 من التقنين المدنى المصرى ) .

التقنين المدنى العراقى م 435 : 1 – تقف المدة المقررة لعدم سماع الدعوى بالعذر الشرعى ، كأن يكون المدعى صغيرا أو محجورا وليس له ولى ، أو غائباً فى بلاد أجنبية نائية ، أو أن تكون الدعوى بين الزوجين ، أو بين الأصل والفروع ، أو أن يكون هناك مانع آخر يستحيل معه على المدعى أن يطالب بحقه . 2 – والمدة التى تمضى مع قيام العذر لا تعتبر .

م 436 : إذا ترك بعض الورثة الدعوى بدين مورثهم من غير عذر المدة المقررة ، وكان لباقى الورثة عذر شرعى ، تسمع دعوى هؤلاء بقدر حصتهم من الدين .

 ( وأحكام التقنين العراقى متفقة مع أحكام التقنين المصرى ، فيما عدا أن التقنين العراقى يقف التقادم النسبة إلى ناقص الأهلية إذا لم يكن له نائب يمثله قانونا فى جميع مدد التقادم ، لا فى المدة التى تزيد على خمس سنوات فحسب . أنظر الأستاذ حسن الذنون فى أحكام الالتزام فى القانون المدنى العراقى فقرة 392 – فقرة 393 ) .

تقنين الموجبات والعقود اللبنانى م 354 : لا يسرى حكم مرور الزمن ، وإذا كان ساريا وقف : 1 – بين الزوجين فى مدة الزواج . 2 – بين الأب والأم وأولادهما . 3 – بين فاقد الأهلية أو الشخص المعنوى من جهة ، والوصى أو القيم أو ولى الإدارة من جهة أخرى ما دامت لم تنقطع مهمتهم ولم يؤدوا حساب إدارتهم على وجه نهائى . 4 – بين السيد والخادم ما دام عقد الاستخدام قائما .

م 355 : إن حكم مرور الزمن ، فى حق القاصرين غير المحررين وسائر فاقدى الأهلية الذين ليس لهم وصى أو مشرف قضائى أو ولى ، يقف إلى ما بعد بلوغهم سن الرشد أو تحريرهم أو إقامة وكيل شرعى عنهم .

م 356 : ويقف أيضا حكم مرور الزمن بوجه عام لمصلحة الدائن الذى استحال عليه قطعة لسبب لم يكن فيه مختاراً .

 ( وأحكام التقنين اللبنانى تتفق مع أحكام التقنين المصرى ، فيما عدا أن التقادم يقف لصالح ناقصى الأهلية الذين ليس لهم نائب يمثلهم قانوناً فى جميع مدد التقادم ، وليس فحسب فى المدد التى تزيد على خمس سنوات كما هو الأمر فى التقنين المصرى ) .

 ( [5] )   والمادة 2251 من التقنين المدنى الفرنسى هى التى تبين أن أسباب وقف التقادم مذكورة فى نصوص القانون على سبيل الحصر ( بودرى وتيسييه فقرة 366 ) ، إن اختلف القضاء مع الفقه ، فى فرنسا ، على تحديد معنى الحصر ، كما سنرى .

 ( [6] )   ويسرى التقادم فى حق المرأة المتزوجة ، إلا فىحالات محصورة حددها القانون ( أنظر المواد 2254 – 2256 من التقنين المدنى الفرنسى ) .

 ( [7] )   بودرى وتيسييه فقرة 368 .

 ( [8] )   بودرى وتيسييه فقرة 444 – فقرة 446 مكررة .

 ( [9] ) بودرى وتيسييه فقرة 447 – ولكن سريان التقادم لا يقف فيما للتركة من حقوق فى ذمة الوارث ، على أن الوارث – وهو المكلف بادارة التركة ومن ذلك قطع التقادم – لا يستطيع أن يتمسك باكتمال تقادم كان من واجبه أن يقطعه ، ولا يجوز له أن يفيد من خطأ هو المسئول عنه ( بودرى وتيسييه فقرة 453 ) .     

 ( [10] ) وهذا هو النص فى أصله الفرنسى Art .2251 : La prescription court contre toutes personnes, a moins quelles ne soient dans quelque exception etablie par une loi .

ويأتى الفقه الفرنسى الأخذ بالقاعدة التقليدية القديمة فلا يسلم بوقف التقادم حيث يتعذر على الدائن أن يقطع سريانه . فإن هذه القاعدة قامت فى القانون الفرنسى القديم على أساس أن التقادم إنما وجد لعقاب الدائن المهمل ، وقد ثبت أنه لم يهمل ، بل كان من المتعذر عليه أن يطالب بحقه ، فلم يعد هناك محل لسقوط حقه بالتقادم . وكان الفقهاء الأولون الذين قالوا بهذه القاعدة فى القانون الفرنسى القديم يقصرونها على الموانع القانونية التى تحول دون أن يطالب الدائن بحقه ، ولكن ما لبثت القاعدة أن اتسعت حتى شملت الموانع القانونية والموانع المادية جميعا ، فانطوى فى القاعدة جميع الأحوال التى يتعذر فيها على الدائن أن يطالب المدين بحقه ، من قصر وجنون وحجر وشرط وأجل وقيام حرب وانقطاع مواصلات وغيبة منقطعة وجهل بالحق وقوة قاهرة وحادث فجائى وغير ذلك ، وكان للقانون الكنسى ، وقد قدمنا أنه كان ينزع إلى التضييق من نطاق التقادم ، أثر كبير فى توسيع القاعدة ، ويذهب الفقه الفرنسى إلى أن التقنين المدنى الفرنسى أراد القضاء على هذه القاعدة القديمة بما تجريه من اضطراب ومنازعات ، فنص فى المادة 2251 على أن التقادم يسرى فى حق كل شخص إلا إذا كان الشخص مستثنى بمقتضى نص فى القانون ، فأسباب وقف التقادم إذن مذكورة فى نصوص القانون على سبيل الحصر ،      وليست متفرعة عن قاعدة عامة كالقاعدة السالفة الذكر ، وأيا كان المانع الذى يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه ، فإن هذا المانع لا يكون سببا لوقف التقادم إلا إذا ورد به نص صريح فى القانون . ويدعم الفقه الفرنسى منطقه فى هذه المسألة بأن التقادم لم يعد يقوم على فكرة عقاب الدائن المهمل ، وهى الفكرة التى تعتبر من أقوى المبررات للقاعدة التقليدية القديمة ، بل يقوم التقادم على فكرة تثبيت الأوضاع القائمة ودعم الثقة المشروعة حتى يستقر التعامل ، وهى فكرة يستوى عندها أن يقوم مانع يحول دون أن يطالب الدائن بحقه أو لا يقوم ، ففى الحالتين ينبغى أن يسقط الحق بالقادم حتى تتوطد الثقة المشروعة وتستقر الأوضاع القائمة – انظر فى هذا المعنى تيسييه فقرة 367 – فقرة 368 – لوران 32 فقرة 37 – هيك 14 فقرة 415 – وقارن بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 1379 ) . ويذهب أوبرى ورو مع ذلك إلى الأخذ بالقاعدة التقليدية القديمة ، بشرط أن تكون مقصورة على الموانع القانونية وحدها ، فلا يعتد بالموانع المادية أسباباً لوقف التقادم إلا إذا ورد بها نص صريح فى القانون ( أوبرى ورو 2 فقرة 214 وهوامش 29 إلـى 33 ) .

 ( [11] ) وقد ذهب القضاء الفرنسى إلى أن المقصود بالمادة 2251 مدنى فرنسى هو القضاء على الامتيازات التى كان يتمتع بها بعض الأشخاص فى القانون الفرنسى القديم ، كالكنيسة والهيئات العامة وأملاك التاج ، فكان لا يجرى التقادم فى حقها أو يجرى تقادم أطول ( انظر آنفا فقرة 593 ) . فقضى النص بأن التقادم يجرى فى حق كل شخص ، دون تمييز بين شخص وآخر ، ما لم يرد نص خاص يقف سريان التقادم بالنسبة إلى طائفة معينة من الأشخاص نظراً لحالة شخصية قائمة بها ، كما وردت المادة 2252 . ويطبق القضاء الفرنسى القاعدة القديمة فى هذا النطاق ، بعد أن يخرج الموانع التى ترجع إلى حالة شخصية فيجعلها خاضعة للمادة 2251 . فعنده إذا تعذر على الدائن أن يطالب بحقه ، بسبب حرب أو غزو أو ثورة أو انقطاع المواصلات أو إقفال المحاكم أو غيبة منقطعة أو جهل الدائن بحقه جهلا مغتفراً أو غير ذلك ، كان هذا كافيا لوقف سريان التقادم ( انظر فى القضاء الفنرسى بودرى وتيسييه فقرة 369 – فقرة 377 – بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 1379 ) . وهذا الاتجاه الذى سار فيه القضاء الفرنسى ، ومن شأنه أن يخفف من حدة ما قد ينطوى عليه التقادم من انكار لحقوق ثابتة ، هو الذى أخذ به التقنين المدنى المصرى الجديد كما سنرى .

 ( [12] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 329 – وانظر الأستاذ عبد الحى حجازى 3 ص 332 – ص 336 .

 ( [13] ) انظر فى التقادم المسقط فى الفقه الإسلامي فى مذاهبه المختلفة وفى مجلة الأحكام العدلية مقال الأستاذ ضياء شيت خطاب المنشور فى مجلة القضاء ببغداد السنة الخامسة عشرة ص 45 – ص 47 .  

 ( [14] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 329 .

 ( [15] ) وما استحدثه التقنين الجديد من أسباب وقف التقادم يسرى من وقت العمل بهذا التقنين .

فإذا كان التقادم سارياً فى ظل التقنين السابق ، ثم جد سبب لوقفه فى يوم 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 أو بعد ذلك ، طبقا لأحكام التقنين الجديد ، فإن التقادم يقف سريانه ، حتى لو لم يكن هذا السبب فى عهد التقنين السابق يترتب عليه وقف التقادم ، وعلى العكس من ذلك إذا كان هذا السبب قد اعترض التقادم فى عهد التقنين السابق ، ولم يكن من شأنه أن يقف التقادم طبقا لأحكام هذا التقنين وإن كان يقفه طبقا لأحكام التقنين الجديد ، فإنه لا يعتبر واقفا للتقادم فى المدة التى سبقت العمل بالتقنين الجديد .

على أن القضاء والفقه فى عهد التقنين السابق كانا يتوسعان فى أسباب وقف التقادم إلى حد مشارفة القاعدة الفرنسية التى تقضى بوقف التقادم حيث يتعذر على الدائن قطع سريانه : استئناف مختلط 9 ديسمبر سنة 1896 م 9 ص 53 ( يقف التقادم بالنسبة إلى دائن مدرج فى قائمة التوزيع حتى لو بقيت هذه القائمة مدة طويلة بسبب معارضات فيها خاصة بدائنين آخرين ) – 13 مايو سنة 1909 م 21 ص 342 ( وصية تنفيذها يتوقف على الحكم قضية فيقف التقادم حتى يصدر الحكم ) – 27 أبريل سنة 1922 م 34 ص 373 ( دائن استوفى حقه عن طريق نزع ملكية مال لمدينه ، ثم أبطلت إجراءات نزع الملكية فيعتبر التقادم موقوفاً طوال مدة الإجراءات الباطلة ) – 20 فبراير سنة 1930 م 42 ص 306 – 20 أبريل سنة 1944 م 56 ص 216 – وانظر أيضا الموجز للمؤلف فقرة 605 ص 628 – الأستاذ أحمد حشمت أبو ستيت فقرة 846 ص 651 – ص 652 .

وأكثر ما يجرى القضاء الفرنسى القاعدة التى تقضى بوقف التقادم حيث يتعذر على الدائن قطع سريانه ، إنما يكون عندما يقوم المانع فى آخر مدة التقادم ، فتكتمل المدة والمانع لا يزال قائما . عند ذلك يعتبر هذا المانع قوة قاهرة ، حالت دون أن يتخذ الدائن الإجراءات القانونية للمطالبة . أماإذا قام المانع فى وسط مدة التقادم ، ثم زال وبقيت مدة طويلة بعد زواله وقبل أن يكتمل التقادم ، لم يعتد بهذا المانع ، ولم يعتبر التقادم موقوفا أثناء قيامه ، فقد كان عند الدائن مدة طويلة بعد زوال المانع يستطيع فى خلالها المطالبة بحقه ( انظر فى هذا المعنى بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 1379 ) . وهذا هو عين ما كان القضاء يجرى عليه فى مصر فى عهد التقنين السابق . فقد قضت محكمة استئناف مصر بأن المانع الوقتى لا يقف سريان التقادم ، ولكن للقاضى أن يعفى صاحب الحق من الحكم بالتقادم إذا باشر حقوقه بمجرد زوال المانع . أما إذا زال المانع الوقتي ولا يزال أمام الدائن مدة كافية لاستعمال حقه ، وأهمل استعماله حتى انتهت جميع المدة ، فإن الحق يسقط بالتقادم ( 8 ديسمبر سنة 1931 المحاماة 12 رقم 376 ص 762 ) . وقضت محكمة مصر الوطنية بأن الاستحالة التى تقف سريان التقادم هى الاستحالة المطلقة التى تكون مانعة منعا كليا من مباشرة الحقوق كالأسر فى حرب أو إعلان الأحكام العرفية فى البلد . أما إبعاد شخص من الديار المصرية ومنعه من العودة لأسباب سياسية ، فيعتبر مانعاً وقتياً ، ولا يترتب عليه وقف سريان المدة . ولكن للقاضى أن يعفى صاحب الحق من آثار مضى المدة التى سرت ضده ، إذا باشر حقه بمجرد زوال المانع ( 12 فبراير سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 74 ص 132 ) .

 ( [16] ) على أن المشرع قد لاحظ حالة القصر أو الحجر فى دعاوى الإبطال البنية على نقص الأهلية ، فأخر سريان التقادم إلى اليوم إلى يزول فيه نقص الأهلية ( انظر الفقرة الثانية من المادة 140 مدنى ) . وفعل مثل ذلك فى دعوى تكملة الثمن للغبن فى بيع عقار شخص لا تتوافر فيه الأهلية ، إذ نصت الفقرة الثانية من المادة 426 مدنى على أن ” تسقط بالتقادم دعوى تكملة الثمن بسبب الغبن إذا انقضت ثلاث سنوات من وقت توافر الأهلية أو من اليوم الذى يموت فيه صاحب العقار المبيع ” .

 ( [17] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : ” استحدث المشروع حكماً هاماً بشأن وقف التقادم بالنسبة لعديمى الأهلية وناقصيها ، فقضى بأن هذا الوقف لا يقع على وجه الإطلاق لمصلحة أولئك وهؤلاء متى كان لهم من ينوب عنهم قانوناً : انظر المادة 549 من التقنين البرتغالى . ذلك أن النائب يحل محل الأصيل المحجور ، فيتعين عليه أن يتولى أمر المطالبة عنه ، فإذا لم يفعل كان مسئولا عن ذلك . أما إذا لم يكن لعديم الأهلية أو ناقصها من ينوب عنه ، فعندئذ يقف سريان مدة التقادم بالنسبة له ، ما لم تكن المدة خمس سنوات أو أقل ، ويشمل هذا الحكم الغائب والمحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية ، فالواقع أن الغرض من التقادم الحسى هو درء خطر تراكم الديون الدورية المتجددة ، وليس يتأثر هذا الغرض بما يتصل بشخص الدائن من أوصاف ولو كان القصر من بينها . ثم إن ما يسقط من الحقوق بانقضاء خمس سنوات يتهافت تهافتاً يمتنع معه التسليم بوقف سريان المدة . . . أما التقادم الحولى فقد بنى على قرينة الوفاء ، وهى تظل سليمة الدلالة ولو كان الدائن قاصراً ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 328 – ص 329 ) .

 ( [18] ) فإذا كان للقاصر أو المحجور نائب يمثله ، ووقف سريان التقادم فى عهد التقنين المدنى السابق ، اعتبر التقادم موقوفاً إلى يوم نفاذ التقنين المدنى الجديد . ومنذ هذا اليوم تسرى أحكام هذا التقنين ، فيزول سبب الوقف ويعود التقادم إلى السريان فى حق القاصر أو المحجور مادام له نائب يمثله . أما إذا لم يكن للقاصر أو المحجور نائب يمثله ، ووقف سريان التقادم فى عهد التقنين المدنى السابق ، فإنه يبقى موقوفاً بعد نفاذ التقنين المدنى الجديد ، ويستمر موقوفاً إلى أن يعين للقاصر أو المحجور نائب يمثله ، فعندئذ يعود التقادم إلى السريان ولو لم يرتفع الحجر لبقاء نقص الأهلية . 

 ( [19] ) أنظر استئناف مختلط 13 ديسمبر سنة 1900 م 13 ص 53 ( جندى أسر فى السودان )

 ( [20] ) أما إفلاس الدائن فليس سبباً لوقف التقادم ، وعلى السنديك أن يقوم بمطالبة المدين ( استئناف مختلط 3 يناير سنة 1895 م 7 73 ) .

 ( [21] ) انظر آنفاً فقرة 623 – وانظر مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 329 .

 ( [22] ) بودري وتسييه فقرة 378 .  

 ( [23] ) وقد كان القضاء في عهد التقنين المدني السابق يتردد في جعل علاقة الزوجية سببا في وقف التقادم . فقد قضت محكمة استئناف مصر بأن مرور الزمن المسقط للحقوق يسري بين الزوجين ، بخلاف ما جاء بالقانون الفرنسي بالمادة 2253 التي أساسها أن للزوج حق إدارة أموال زوجته بقوة القانون ، فهو وكيل قانوني عنها ، وهذه الصفة غير مقررة في القانون المصري ( 7 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 19 برقم 286 ص 690 ) . ولكن محكمة النقض قضت بعد ذلك بأن اعتبار علاقة الزوجية مانعة من المطالبة بالحق أو غير مانعة من الأمور الموضوعية التي تختلف في الدعاوي بحسب ظروفها ، والقضاء فيها لا يخضع لرقابة محكمة النقض ( نقض مدني 11 يناير سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 21 ص 47 – وانظر : استئناف مصر 9 مايو سنة 1933 المحاماة 14 رقم 45 ص 88 – عابدين أول يوليه سنة 1918 المجموعة الرسمية 20 رقم 11 ص 12 ) – أما في التقنين الجديد ، حيث النص صريح في وقف سريان التقادم كلما وجد مانع يتعذر معه علي الدائن أن يطالب بحقه ولو كان المانع أدبيا ، فنري ان تكون علاقة الزوجية في الأصل مانعا أدبيا من سريان التقادم ، فإذا استأجر الزوج مثلا أرضا من زوجته ، لم يستطع أن يتمسك بالتقادم الخمسي لإسقاط الأجرة المستحقة في ذمته لها ما دامت علاقة الزوجية قائمة ، ولكن له أن يثبت أنه وفاها الأجرة بجميع طرق الإثبات ، دون حاجة إلي الكتابة ، بسبب هذه العلاقة نفسها . علي أنه قد يقع أن ينفصل الزوجان ، ويقوم الشقاق بينهما ، مع بقاء الزوجية قائمة ، فلا يعود هناك محل للخشية من تعكير صفو السلام في الأسرة بعد أن تعكر فعلا ، لاسيما إذا كانت هناك قضايا مرفوعة بين الزوجين ، ففي هذه الحالة يمكن القول بأن سبب وقف التقادم قد زال ، وهذه مسألة واقع لا معقب فيها علي تقدير قاضي الموضوع .

 ( [24] ) استئناف مختلط 21 يونيه سنة 1932 م 44 ص 387 – 27 يونيه سنة 1933 م 45ص 352 – وحيازة الوكيل لملك موكله تكون حيازة عارضة ، ولا يسري التقادم المسقط بالنسبة إلي حق الموكل الشخصي في الرجوع علي الوكيل إلا من وقت أن يغير الوكيل حيازته من حيازة عارضة إلي حيازة المالك ( استئناف مختلط 9 أبريل سنة 1940 م 52 ص 219 ) . علي أنه إذا قام نزاع بين الوكيل والموكل ، فقد تكدرت العلاقة بينهما ، ولم تعد مانعا أدبيا من سريان التقادم . ولا يقف التقادم في هذه الحالة قيام نزاع بينهما علي عنصر من عناصر الحساب ، إذا كان قد سبق للوكيل تقديم الحساب في قضية أخري . وقد قضت محكمة النقض في هذا المعني بأنه إذا قررت المحكمة أن قيام النـزاع بين الموكل والوكيل علي عنصر من الحساب بينهما لا يعتبر عائقا يمنع من المطالبة بتقديم الحساب ويقف مدة تقادم دعوي طلبه ، واستدلت علي ذلك بأن الوكيل سبق له تقديم الحساب في قضية أخري عن مدة سابقة قبل تصفية ذلك النزاع ، فلا يكون حكمها مخالف للقانون ( نقض مدني 21 أكتوبر سنة 1948 مجموعة عمره رقم 327 ص 645 ) .        

 ( [25] )          وإذا أستأجر المشرف علي الوصية أطيان القصر ، فليس له أن يتمسك قبل القصر بسقوط الحق في الأجرة بمضي خمس سنوات ، لأنه وإن كان بصفته مستأجراً يستفيد من التقادم الخمسي ، إلا أن من واجبه مراقبة الوصية في اتخاذ اللازم نحو الحصول علي حقوق القصر ومنه أي إهمال يؤدي إلي سقوط تلك الحقوق أو ضياعها ، وواجبه هذا يتعارض مع استفادته من إهمال الوصية في مطالبته والتمسك بسقوط حقوق القصر بمضي المدة ( استئناف مصر 15 ديسمبر سنة 1933 المحاماة 13 رقم 431 ص 878 ) .

 ( [26] ) ولا تعد علاقة الموظف بالحكومة مانعا أدبيا من شأنه وقف التقادم ( محكمة القضاء الإداري 20 مايو سنة 1953 المحاماة 35 رقم 915 ص 1739 ) . كذلك لا يكون شغار الوقف من الأسباب القانونية التي تقف سريان التقادم ( استئناف مصر 10 يونيه سنة 1929 المحاماة 9 رقم 591 ص 1087 – المادتان 594 و 619 من قانون العدل والأنصاف ) .       

 ( [27] ) ولم نقل القوة القاهرة ، إذ لا يشترط في المانع ما يشترط في القوة القاهرة . ويكفي في المانع أن يقوم دون أن يكون مصدره خطأ الدائن ، حتي يقف سريان التقادم . فيعتبر جهل الدائن بوجود حقه عن غير تقصير منه مانعا يقف التقادم ( استئناف مختلط 2 ديسمبر سنة 1943 م 56 ص 12 ) ، وقد لا يكون هذا الجهل قوة قاهرة بالمعني الدقيق . وقد قضت محكمة النقض بأن الجهل باغتصاب الحق قد يكون من الأسباب الموقفة للتقادم ، إذا لم يكن ناشئا عن إهمال صاحب الحق ولا تقصيره . فإذا كان الحكم قد نفي عن صاحب الحق كل إهمال أو تقصير من اجنبه في جهله باغتصاب ملكه ، فإنه لا يكون مخطئا إذا اعتبر مدة التقادم لا تحتسب في حقه إلا من تاريخ علمه بوقوع الغصب علي ملكه ( نقض مدني 22 أبريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 303 ص 602 ) . ويلاحظ هنا أن التقادم قد وقف قبل أن يبدأ سريانه ( انظر آنفا فمقرة 620 ) .

        ومن ثم يحسن فصل الفكرتين – المانع والقوة القاهرة – إحداهما عن الأخري . والأمر في تقدير المانع يترك لقاضي الموضوع ، ولا معقب عليه من محكمة النقض ( قارن استئناف مختلط 23 يناير سنة 1947 م 59 ص 80 – وانظر الأستاذ عبد الحي حجازي 3 ص 342 ) .      

 ( [28] )          ومن ذلك نري أن أسباب الوقف ترد علي التقادم أيا كانت مدته ، ولو كانت هذه المدة خمس سنوات أو أقل ، وذلك فيما عدا الأسباب التي تردع إلي عدم توافر الأهلية أو الغيبة المنقطعة أو الحكم بعقوبة جنائية فهذه كما رأينا لا تقف سريان التقادم إلا إذا كانت مدته أكثر من خمس سنوات .

 ( [29] ) انظر المادة 203 من التقنين المدني الألماني .

 ( [30] ) ومن الموانع التي رأت محكمة النقض أنها تقف سريان التقادم ، حتي في عهد التقنين المدني السابق ، ما قضت به من إنه إذا باع المدين الدائن عينا أداء لدينه ثم حكم ببطلان هذا البيع ، فإن تقادم الدين يقف إلي صدور الحكم بالبطلان ز وإذا أقر البائع ( المدين ) للمشتري ( الدائن ) بإجازة البيع بعد ذلك ثم قضي ببطلان هذه الإجازة ، فهذه الإجازة تقف التقادم إلي أن يقضي ببطلانها ( نقض مدني 3 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 19 ص 37 ) . ومن ذلك أيضا ما قضت به من أنه متي كانت المورثة قد أوصت بكل أملاكها العقارية والمنقولة لبناتها ومن بينهن المطعون عليها ، وأقرت في التوصية لهن بديون ، فإنه بحسب الحكم ، ليستقيم قضاؤه برفض الدفع بسقوط حق المطعون عليها في المطالبة بدينها لمضي خمس عشرة سنة من تاريخ استحقاقه حتي تاريخ المطالبة به ، تقريره أن قيام الوصية كان مانعاً يستحيل معه علي المطعون عليها المطالبة بالدين موضوع الإقرار حتي فصل نهائيا ببطلانها ، متي كان ثابتا في الحكم أن المقرة أوصت بما أوصت للمطعون عليها في مقابل دينها . وتقدير المانع في هذه الحالة موكول أمره إلي محكمة الموضوع دون معقب عليها متي اعتمدت علي أسباب سائغة ( نقض مدني 19 أبريل سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 113 ص 693 ) . ومن ذلك أخيرا ما قضت به من أن النزاع علي عقد أمام القضاء من شأنه وقف سريان التقادم في حق الالتزامات المترتبة علي هذا العقد ، لا انقطاعه ، متي كان لم يتوافر سبب من أسباب الانقطاع القانونية ( نقض مدني 22 يناير سنة 1956 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 55 ص 375 )    . أما الدعوي التى يرفعها الغير بطلب استرداد الشيء المبيع فلا يعتبر سبباً قانونيا لوقف التقادم الخاص بحق المشتري فى التضمينات مقابل ما فاته من ربح بسبب عدم تنفيذ عقد البيع ( نقض مدني 16 ديسمبر سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 6 رقم 37 ص 290 ) .

 ( [31] ) الوسيط جزء أول فقرة 625 ص 939 .       

 ( [32] )          انظر في أن وقف النظر في الدعوي المدنية أمام المحاكم المدنية أثناء نظر الدعوي الجنائية ، التقادم في حق الدعوي المدنية : بودرى وتيسييه فقرة 377 .

 ( [33] )          ويذهب بعض الفقهاء في فرنسا إلي أن قيام مانع من شأنه أن يقف التقادم إنما يقفه إذا قام في الوقت الذي يوشك فيه التقادم أن يكتمل ( أوبري ورو 2 فقرة 214 ص 468 – وانظر بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 1379 . وانظر آنفا فقرة 623 في الهامش فيما جرب عليه القضاء في مصر في عهد التقنين المدني السابق ) . ولكن هذا الرأي لا يمكن الأخذ به في مصر ، حيث النص صريح في أن المانع أيا كان يقف التقادم . ولم تذكر أسباب محدودة علي سبيل الحصر لوقف التقادم كما فعل التقنين المدني الفرنسي ، مما دعا القضاء والفقه في فرنسا ، في المواقع التي لم يرد بها نص ، إلي اعتبار هذه الموانع بمثابة القوة القاهرة ، فلا يكون لها أثر إلا إذا قامت في آخر مدة التقادم ، فمنعت الدائن من المطالبة بحقه قبل اكتمال هذه المدة ( بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة 1379 – وانظر الأستاذ عبد الحي حجازي 3 ص 343 – ص344 ) .

 ( [34] )          وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد : ” وقد رؤي أن أثر وقف التقادم أظهر من أن يحتاج إلي نص خاص ، فالفترة التى يقف التقادم فى خلالها لا تحتسب ضمن المدة المسقطة : المادة 205 من التقنين المدني الألماني ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 329 ) . هذا ولا يقف التقادم ، إذا كان سبب الوقف يتعلق بالشخص ، إلا بالنسبة إلى الشخص الذي قام به هذا السبب ، فلا يستفيد دائن متضامن من قصر دائن متضامن معه لوقف التقادم بالنسبة إلي الاثنين ، بل يقف التقادم بالنسبة إلي القاصر فقط إذا لم يكن له من يمثله قانوناً ( بودري وتيسييه فقرة 463 ) . وإذا وقف سريان التقادم بالنسبة إلي أحد المدينين المتضامنين ، لم يجز للدائن أن يتمسك به قبل باقي المدينين ( م292 / 2مدني ) .

وإذا وقف التقادم بالنسبة إلي أحد المدينين في التزام غير قابل للانقسام ، فإن طبيعة عدم تجزئة المحل تقتضي وقف سريان التقادم بالنسبة إلي باقي المدينين ( انظر آنفا فقرة 218 ) وكذلك إذا وقف التقادم لصالح أحد الدائنين في التزام غير قابل للانقسام ، انتفع بذلك سائر الدائنين نظراً لما تقتضيه طبيعة عدم التجزئة ( انظر آنفا فقرة 226 ) .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s