السبب في عقد الهبة


السبب في عقد الهبة

92 – تطبيق القواعد العامة في السبب : نظرية السبب تسرى في عقد الهبة كما تسرى في غيرها من العقود . ويجب أن يفهم السبب هنا بمعناه الحديث : الباعث الدافع للواهب على الهبة . أما نية التبرع – وهي التي تقول النظرية التقليدية إنها السبب في الهبة – فهي تختلط اختلاطاً تاماً بالرضاء ، فالواهب عندما رضى بالهبة كان رضاؤه هذا متضمناً لنية التبرع . وأكثر ما يظهر عقم النظرية التقليدية في السبب عندما تخلط هذه النظرية نية التبرع بالسبب في الهبات ، فإن نية التبرع موجودة حتما في كل هبة ، ووصف هذه النية بأنها السبب لا يقدم شيئاً ( [1] ) . وهذا ما دفع الأستاذ كابيتان ، وهو من اكبر المدافعين عن نظرية السبب التقليدية ، ألا يقف عند نية التبرع ، بل يجاوزها إلى الباعث الدافع ، فيجعله هو السبب  133  في الهبة إذا اقترنت بشرط يكون هو الذي دفع المتبرع إلى تبرعه ( [2] ) .

فيجب إذن الأخذ بالنظرية الحديثة في السبب ، وبخاصة في عقد الهبة ، فيكون السبب كما قدمنا هو الباعث الدافع للواهب على التبرع .

ويجب أن يكون هذا الباعث مشروعاً ، فإذا كان غير مشروع كانت الهبة باطلة بطلاناً مطلقاً . ولكن يجب ، حتى تكون الهبة باطلة لعدم مشروعية الباعث الذي دفع الواهب إلى التبرع ، أن يكون الموهوب له يعلم أو يستطيع أن يعلم بهذا الباعث . وقد ذهب بعض الفقهاء( [3] ) إلى أنه لا حاجة في الهبة حتى تبطل إلى أن يكون عدم مشروعية الباعث معلوماً من الموهوب له ، فإن الإرادة التي نقف عندها هي إرادة المتبرع وحده ، فهي الإرادة التي تسيطر على التصرف ، فيعتد إذن بالباعث الذي دفع الواهب إلى تبرعه سواء كان معلوماً من الموهوب له أو كان مجهولا منه . ولكن الرأي الذي ساد هو الرأي الأول ، فيجب ، حتى في الهبة لتكون باطلة ، أن يكون عدم مشروعية الباعث الذي دفع الواهب إلى التبرع معلوماً من الموهوب له ( [4] ) .

ومن أظهر تطبيقات عدم مشروعية السبب في الهبة ما استقر عليه القضاء في مصر من أنه إذا كان الباعث لتبرع الخيل لخليلته هو إيجاد العلاقة غير الشريفة بينهما أو استدامتها أو تجديدها ، كانت الهبة باطلة لعدم مشروعية السبب . أما إذا كان الباعث هو تعويض الخليلة عما أصابها من  134  الضرر بسبب المعاشرة غير الشرعية بعد أن انقطعت ، فالباعث يكون مشروعاً والهبة تكون صحيحة ( [5] ) .

والقواعد التي قررناها في السبب عند الكلام في نظرية العقد بوجه عام تسري على الهبة بالقدر الذي يتلاءم مع طبيعتها ، فنحيل إلى ما قدمناه في هذا الصدد ( [6] ) . وإنما نقف عند تطبيقات ثلاثة للسبب كان المشروع التمهيدي يشتمل على نصوص فيها ( [7] ) ، وحذفت هذه النصوص اكتفاء بالقواعد العامة .

93 – الهبة المقترنة بشرط مستحيل أو بشرط غير مشروع : كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد يشتمل على نص هو المادة 669 من هذا المشروع ، وكان يجري على الوجه الآتي : ” إذا اقترنت الهبة بشرط  135  مستحيل أو بشرط غير مشروع ، وقعت صحيحة وألغى الشرط ، إلا إذا كان هذا الشرط هو السبب الدافع للهبة ، فتقع الهبة كلها باطلة ” ( [8] ) . وقد حذف هذا النص في لجنة المراجعة ، اكتفاء بالقواعد العامة ( [9] ) .

ومثل الهبة المقترنة بشرط مستحيل أن يهب شخص داراً لآخر ، ويقرن الهبة بشرط هو أن يرتب الموهوب له ايراداً لشخص آخر مدى حياة هذا الشخص ، ثم يتبين أن هذا الشخص قد توفى قبل صدور الهبة . فهنا الشرط الذي اقترنت به الهبة هو شرط مستحيل ، ومن ثم ننظر هل كان هذا الشرط هو الباعث الدافع ( cause impulsive et determinate ) للواهب على أن يتبرع بالدار للموهوب له ، وفي هذه الحالة يكون الشرط هو السبب وقد انعدم ، فتبطل الهبة كلها ويسترد الواهب الدار من الموهوب له . أما إذا كان الشرط ليس هو الباعث الدافع على التبرع ، وثبت أن الواهب كان يهب الدار حتى لو تبين أن الشرط مستحيل ، فإن الهبة تبقى صحيحة ويلغو الشرط وحده .

ومثل الهبة المقترنة بشرط غير مشروع أن يهب شخص مالا لمطلقته ويشترط عليها عدم الزواج . فشرط عدم الزواج عادة شرط غير مشروع ( [10] ) ، فإن كان هو الباعث الدافع للواهب على التبرع ، ألغى  136  الشرط وبطلت الهبة معه . وإن لم يكن هو الباعث الدافع إلى التبرع ، إلى الشرط وبقيت الهبة ( [11] ) .

94 – الهبات والهدايا في الخطبة : وكان المشروع التمهيدي يشتمل أيضاً على نص هو المادة 670 من هذا المشروع ، وكان يجري على الوجه الآتي : ” الهبات والهدايا التي تقدم في الخطبة من أحد الخطيبين للأخر ، أو من أجنبي عنهما لأحدهما أولهما معاً ، يجب أن يردها الموهوب له للواهب إذا فسخت الخطبة وطلب الواهب الرد ، ما دام الشيء الموهوب قائماً ويمكن رده بالذات ” ( [12] ) . وقد حذف هذا النص في لجنة مجلس الشيوخ ، اكتفاء بالقواعد العامة وبأحكام العرف في هذا الشأن ( [13] ) .

والمفروض أن الهبات والهدايا التي يقدمها أحد الخطيبين للأخر ، أو يقدمها ذوو الخطيبين لأحدهما أولهما معاً ، إنما الباعث الدافع لها هو إتمام الزواج . فإذا لم يتم وفسخت الخطبة ، فقد انعدم السبب ، فبطلت الهبة . ومن ثم يستطيع الواهب أن يطلب استرداد هبته من الموهوب له بعد فسخ الخطبة ( [14] ) . ولكن يشترط في ذلك أن يكون الشيء الموهوب قائماً ، كالمجوهرات  137  والمصوغات ، حتى يمكن رده بالذات . أما إذا استهلك ، كالحلوى والروائح ، فالمفروض أن الواهب قد وهب الشيء على أن يستهلك وعلى إلا يسترده مهما كان مآل الخطبة ، فلا يكون إتمام الزواج سبباً في مثل هذه الهبات ( [15] ) .

95 – شرط عدم التصرف في الشيء الموهوب : وكان المشروع التمهيدي يشتمل أخيراً على نص هو المادة 671 من هذا المشروع ، وكان يجري على الوجه الآتي : ” إذا اشترط الواهب عدم التصرف في الشيء الموهوب ، فيسري على الهبة أحكام المادتين 1191 و 1192 ” . وقد  138  حذف هذا النص في لجنة المراجعة ، لورود حكمه في المادتين 823 و 824 مدني ( [16] ) .

والواقع من الأمر أن شرط عدم التصرف في الشيء الموهوب قد ورد حكمه في نص عام هو نص المادة 823 مدني ، ويجري على الوجه الآتي : ” ( 1 ) إذا تضمن العقد أو الوصية شرطا يقضى بمنع التصرف فى مال ، فلا يصح هذا الشرط ما لم يكن مبينا على باعث مشروع ، ومقصورا على مدة معقولة . ( 2 ) ويكون الباعث مشروعا متى كان المراد بالمنع من التصرف حماية مصلحة مشروعة للمتصرف أو للمتصرف إليه أو الغير . ( 3 ) والمدة المعقولة يجوز أن تستغرق مدى حياة المتصرف أو المتصرف إليه أو الغير ” . ويخلص من هذا النص أنه إذا اشترط الواهب على الموهوب له إلا يتصرف في الشيء الموهوب ، فشرط عدم التصرف لا يكون صحيحاً إلا إذا كان مبنياً على باعث مشروع ومقصوراً على مدة معقولة . أما إذا كان الشرط مبنياً على باعث غير مشروع ، بأن كان الغرض منه تعطيل التصرف في الموهوب دون مبرر لذلك ، وجب النظر فيما إذا كان هذا الشرط هو الباعث الدافع إلى التبرع ، فيكون السبب غير مشروع ، ويبطل وتبطل معه الهبة . أما إذا كان الشرط ليس هو الباعث الدافع إلى التبرع ، فإنه يلغو وحده ، وتبقى الهبة صحيحة ، ويجوز للموهوب له عندئذ أن يتصرف في الشيء الموهوب بالرغم من شرط عدم التصرف . ومن المبررات لشرط عدم التصرف ، فيكون شرطاً مشروعاً يجب العمل به ، أن يكون قد وضع لحماية الواهب أو الغير ، كما إذا كان الواهب قد اشترط على الموهوب له ترتيب إيراد مرتب له طول حياته ، أو إيراد مرتب لأجنبي طول حياة هذا الأجنبي ، فيكون هذا مبرراً لأن يشترط الواهب أيضاً إلا يتصرف الموهوب له في الشيء طول حياة الواهب أو طول حياة الأجنبي .  139  ليكون ذلك ضامنا للوفاء بالإيراد المرتب . كذلك من مبررات شرط عدم التصرف أن يكون قد وضع لحماية الموهوب له نفسه ، بأن كان محدود التجربة أو كان فيه نزقه وطيش ، فيشترط عليه الواهب إلا يتصرف في الشيء الموهوب حماية له من عدم تجربته أو من نزقه وطيشه ، ويصح في هذه الحالة أن يكون شرط عدم التصرف لمدة حياة الموهوب له .

فإذا صح شرط عدم التصرف على الوجه الذي أسلفناه ، صحت الهبة معه ووجب العمل بالشرط . ومن ثم لا يجوز للموهوب له أن يتصرف في الشيء الموهوب طول المدة التي حددت للشرط ، وإذا تصرف وقع تصرفه باطلا . واستطاع كل ذي شأن – وبخاصة الموهوب له والواهب نفسه – أن يسترد الشيء الموهوب من المتصرف له ، ولكن تبقى الهبة قائمة فيرد الشيء إلى الموهوب له لا إلى الواهب . وتنص المادة 824 مدني في هذا الصدد على أنه : ” إذا كان شرط المنع من التصرف الوارد فى العقد أو الوصية صحيحا طبقا لأحكام المادة السابقة ، فكل تصرف مخالف له يقع باطلا ” .

  140  

الفصل الثاني

 أحكام الهبة

96 – آثار الهبة والرجوع فيها : تشمل أحكام الهبة الآثار التي تترتب عليها وجواز الرجوع فيها .

 الفرع الأول

 الآثار التي تترتب علي الهبة

97 – التزامات الواهب والتزامات الموهوب له : الأصل في عقد الهبة كما قدمنا أنه عقد ملزم لجانب واحد ، هو جانب الواهب . ولكن إذا اشترط الواهب عوضاً لهبته على الوجه الذي بيناه فيما تقدم ، كانت الهبة ملزمة للجانبين ووجدت التزامات مقابلة في جانب الموهوب له .

فتتكلم في التزامات الواهب ، ثم في التزامات الموهوب له .

 المبحث الأول

 التزامات الواهب

98 – التزامات أربعة : التزامات الواهب ، كالتزامات البائع ، أربعة : ( 1 ) نقل ملكية الشيء الموهوب إلى الموهوب له . ( 2 ) تسليم الشيء الموهوب للموهوب له . ( 3 ) ضمان التعرض والاستحقاق . ( 4 ) ضمان العيوب الخفية .

  141  

 المطلب الأول

 نقل ملكية الشيء الموهوب

99 – تطبيق القواعد العامة : التزام الواهب بنقل ملكية الشيء الموهوب تسرى فيه القواعد العامة ، على النحو الذي رأيناه في التزام البائع بنقل ملكية المبيع .

فعقد الهبة ينشئ التزاماً في ذمة الواهب بنقل ملكية الموهوب إلى الموهوب له ، وهذا الالتزام ينفذ فوراً بحكم القانون في الشيء المعين بالذات الذي يملكه الواهب ، مع مراعاة قواعد التسجيل في العقار ( م 204 وم 932 مدني ) . ويلتزم الواهب بأن يقوم بالأعمال التمهيدية الضرورية لنقل الملكية ، كتقديم الشهادات اللازمة للتسجيل والكف عن أي عمل يعوق نقل الملكية فلا يجوز للواهب أن يتصرف بعد الهبة في الشيء الموهوب إلا إذا جاز الرجوع في الهبة . ويتضمن الالتزام بنقل ملكية الموهوب الالتزام بالمحافظة عليه والالتزام بتسليمه إلى الموهوب له ( م 206 مدني ) . ويترتب على نقل ملكية إلى الموهوب له أن يكون لهذا الأخير حق التصرف في الموهوب حتى قبل قبضه ، ويستوي في ذلك العقار والمنقول ( إذا لم تكن الهبة يدوية في المنقول ) ، وأن يكون له ثمر الموهوب ونماؤه من وقت تمام الهبة ، وإذا أفلس الواهب بعد الهبة جاز للموهوب له أن يأخذ عين الموهوب فلا يزاحمه دائنو الواهب . وتنتقل الملكية ، لا في حق المتعاقدين وحدهما ، بل أيضاً في حق الورثة والدائنين . إلا أن الهبة إذا كانت قد صدرت من الواهب المعسر إضراراً بدائنيه ، فإن هؤلاء لهم الحق في الطعن في الهبة بالدعوى البولصية ، ولو لم يكن الموهوب له عالماً بإعسار المدين ، فتصبح الهبة غير نافذة في حقهم ، ويستطيعون أن ينفذوا على  142  الشيء الموهوب بحقوقهم وفقاً للقواعد المقررة في الدعوى البولصية ( [17] ) .

وكل ما أسلفناه من الأحكام المتقدمة يراعي في تفصيلاته ما سبق أن قدمناه في خصوص التزام البائع بنقل ملكية المبيع ( [18] ) .

والتزام الواهب بنقل ملكية الموهوب كان منصوصاً عليه صراحة في المشروع التمهيدي ، فكانت المادة 673 من هذا المشروع تنص على ما يأتي :

 ” ( 1 ) يلتزم الواهب بنقل ملكية الشيء الموهوب للموهوب له .

( 2 ) فإذا كان الموهوب عقاراً ، سرت عليه الأحكام المتعلقة بالتسجيل .

( 3 ) أما إذا كان منقولاً ، فلا تنتقل الملكية إلا بالقبض الحقيقي الكامل ، فإن كان  143  المنقول موجوداً في حيازة الموهوب له وقت الهبة ، فتنتقل الملكية بمجرد الاتفاق على الهبة دون حاجة لقبض جديد ” . وقد حذف هذا النص في لجنة المراجعة ، لأن حكمه مستفاد من القواعد العامة ( [19] ) . ويلاحظ أن المشروع التمهيدي كان يشترط القبض الحقيقي في المنقول لتمام الهبة ولنقل الملكية ، ولكن عدل المشروع في هذه المسألة كما رأينا ( [20] ) ، وأصبحت الرسمية شاملة للعقار والمنقول ، وإن كان القبض في المنقول يغني عن الرسمية . ونستعرض الآن نقل الملكية في المنقول ، ثم في هبة العقار .

100 – نقل الملكية في هبة المنقول : نميز هنا ، كما ميزنا في البيع ، بين المنقول المعين بالذات والمنقول غير المعين إلا بالنوع .

ففي المنقول المعين بالذات المملوك للواهب ، تنتقل الملكية إلى الموهوب له فوراً بمجرد تمام الهبة وقبل القبض ، هذا إذا كانت الهبة قد وثقت في ورقة رسمية أو كانت هبة مستترة . أما إذا كانت هبة يدوية ، فتتم الهبة وتنتقل الملكية في الوقت ذاته إلى الموهوب له ، بالقبض ، على النحو الذي بسطناه فيما تقدم ( [21] ) . ونرى من ذلك أن الملكية تنتقل بمجرد تمام الهبة ، سواء تمت الهبة بورقة رسمية أو بالقبض أو كانت هبة مستترة وتنتقل ملكية المنقول إلى الموهوب له على هذا النحو ، سواء كان ذلك فيما بين المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير . وتسري في كل ذلك أحكام انتقال  144 ملكية المبيع المنقول المعين بالذات فيما قدمنا ( [22] ) . وهبة الجزاف ، كبيع الجزاف ، حكمها في انتقال ملكية الموهوب حكم هبة المنقول المعين بالذات على النحو الذي قدمناه ، سواء كان ذلك فيما بين المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير ( [23] ) . وفي المنقول غير المعين إلا بالنوع ، كهبة عشرة أرادب من القمح أو عشرين قتطاراً من القطن ، إذا كانت الهبة يدوية كما يقع ذلك عادة ، تمت الهبة بالقبض وتنتقل الملكية بمجرد تمام الهبة . أما إذا وثقت الهبة في ورقة رسمية ، فتنتقل ملكية الموهوب بالإفراز ولو قبل القبض . وتسري في كل ذلك أحكام انتقال ملكية المبيع المنقول غير المعين إلا بالنوع قيما قدمناه ( [24] ) .

101 – نقل الملكية في هبة العقار : أما إذا كان الموهوب عقاراً وتمت الهبة سواء وثقت بورقة رسمية أو كانت هبة مستترة ، فإن ملكية العقار الموهوب ، سواء في حق الغير أو فيما بين المتعاقدين ، لا تنتقل إلا بتسجيل عقد الهبة . وقد نصت المادة 934 مدني على هذا الحكم إذ تقول : ” ( 1 ) في المواد العقارية لا تنتقل الملكية ولا الحقوق العينية الأخرى ، سواء أكان ذلك فيما بين المتعاقدين أم كان في حق الغير ، إلا إذا روعيت الأحكام المبينة في قانون تنظيم الشهر العقاري . ( 2 ) ويبين قانون الشهر المتقدم الذكر التصرفات والأحكام والسندات التي يجب شهرها سواء أكانت ناقلة للملكية أم غير ناقلة ، ويقرر الأحكام المتعلقة بهذا الشهر ” .

  145  

وقد استعرضنا عند الكلام في البيع تطور الشهر العقاري في مصر ، وتتبعنا العهود الأربعة التي مر بها هذا النظام : العهد السابق على التقنين المدني القديم ، ثم نظام الشهر في التقنين المدني القديم ، ثم نظامه في قانون تنظيم الشهر العقاري الصادر في سنة 1946 وهو النظام القائم في الوقت الحاضر ، فنحيل هنا إلى ما قدمناه هناك ( [25] ) وفي عهد التقنين المدني القديم كانت ملكية العقار الموهوب تنتقل فيما بين المتعاقدين بعقد الهبة ولو لم يسجل ( [26] ) ، أما بالنسبة إلى الغير فلا تنتقل الملكية إلا بتسجيل عقد الهبة . وتسري في ذلك الأحكام التي قدمناها في عقد البيع ( [27] ) .

أما في عهد قانون التسجيل وعهد قانون تنظيم الشهر العقاري ، فملكية العقار الموهوب لا تنتقل كما قدمنا ، لا فيما بين المتعاقدين ولا بالنسبة إلى الغير ، إلا بتسجيل عقد الهبة .

فالهبة غير المسجلة لا تنتقل ملكية العقار الموهوب حتى فيما بين المتعاقدين ، ويترتب على ذلك أن الموهوب له لا يصبح مالكاً للعقار الموهوب ما دامت الهبة لم تسجل . فإذا مات الواهب وانتقلت ملكية العقار إلى وارثه ، وباع الوارث العقار إلى أجنبي أو وهبه منه بعد أن سجل شهادة إرثه ، فضل المشتري أو الموهوب له من الوارث على الموهوب له من الموروث إذا سبق الأول الثاني إلى التسجيل ، كل هذا على التفصيل الذي بسطناه عند الكلام  146  في البيع ( [28] ) ولكن الهبة غير المسجلة لا تزال هبة ، فتنتج جميع آثارها عدا نقل الملكية بالفعل ( [29] ) . ويترتب على ذلك أن الهبة غير المسجلة تنشئ التزاماً في جانب الواهب بنقل ملكية الموهوب ، ويسري هنا ما سبق أن قررناه في البيع في شأن دعوى صحة التعاقد ودعوى صحة التوقيع ( [30] ) . وتنشئ الهبة غير المسجلة ، إلى جانب الالتزام بنقل الملكية ، جميع الالتزامات الأخرى التي ينشئها عقد الهبة في جانب كل من الواهب والموهوب له . فيلتزم الواهب ، بموجب عقد الهبة غير المسجل ، بتسليم العقار الموهوب إلى الموهوب له ، ويضمن به كل ذلك في الهبة بعد تسجيلها . وتنشئ الهبة غير المسجلة في جانب الموهوب له التزاماً بالوفاء بالعوض إذا كان مشترطاً في الهبة ، والتزاماً بدفع مصروفات الهبة ، والتزاماً بتسلم العقار الموهوب ، على نحو ما يلتزم بكل ذلك في الهبة المسجلة . والهبة غير المسجلة ، قبل التقنين المدني الجديد ، تصلح سبباً صحيحاً في التقادم الخمسي ، ولكنها في التقنين المدني الجديد لا تصلح سبباً صحيحاً إلا إذا سجلت إذ نصت الفقرة الثالثة من المادة 969 مدني على ما يأتي : ” والسبب الصحيح سند يصدر من شخص لا يكون مالكاً للشيء أو صاحباً للحق الذي يراد كسبه  147  بالتقادم ، ويجب أن يكون مسجلاً طبقاً للقانون ” . وكذلك الهبة غير المسجلة لا يؤثر عدم تسجيلها في قابليته هبة ملك الغير للإبطال ، فهبة عقار الغير تكون قابلة للإبطال قبل التسجيل وبعده كما سبق القول ( [31] ) .

فإذا سجلت هبة العقار بقيت منتجة للآثار التي تقدم ذكرها ، وزادت بالتسجيل أن تنقل بالفعل ملكية العقار الموهوب إلى الموهوب له متى كان العقار مملوكاً للواهب . وتنتقل الملكية بالتسجيل فيما بين المتعاقدين وبالنسبة إلى الغير كما سبق القول . فإذا تصرف مالك العقار في عقاره مرتين متواليتين ، بالهبة أو بالبيع أو بأحدهما في المرة الأولي وبالثاني في المرة الأخرى ، فمن سبق من المتصرف إليهما إلى تسجيل عقده يفضل على الآخر ، ومن ثم يفضل الموهوب له حتى على المشتري إذا سبق إلى التسجيل . ونرى أن للتسجيل في الهبة أثراً رجعياً فيما بين المتعاقدين ، على النحو الذي بسطناه في البيع ( [32] ) .

ونرى أيضاً أنه يشترط لصحة التسجيل في الهبة حسن النية ، فإذا سبق الموهوب له إلى تسجيل عقد الهبة وهو يعلم أن الواهب قد سبق له التصرف في العقار الموهوب ، جاز للمتصرف له الأول أن يطعن بالدعوى البولصية في الهبة المسجلة ليجعلها غير نافذة في حقه . وذلك بخلاف البيع ، وقد قررنا في خصوصه أنه لا يشترط حسن النية وإنما يشترط عد التواطؤ ( [33] ) ، ذلك أنه لا يشترط تواطؤ الموهوب له مع الواهب للطعن في الهبة بالدعوى البولصية . بل إن الموهوب له قد يكون حسن النية ، ومع ذلك يجوز الطعن في الهبة ولو سجلت بالدعوى البولصية متى ثبت أن الواهب كان سيئ النية وقت أن صدرت منه الهبة ، وذلك وقتاً للقواعد المقررة في الدعوى البولصية .

  148  

 المطلب الثاني

 تسليم الشيء الموهوب

102 – النصوص القانونية : تنص المادة 493 من التقنين المدني على ما يأتي :

 ” إذا لم يكن الموهوب له قد تسلم الشيء الموهوب ، فإن الواهب يلتزم بتسليمه ، وتسري في ذلك الأحكام المتعلقة بتسليم المبيع ” ( [34] ) .

ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، ولكن الحكم كان معمولاً به دون نص .

ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادة 461 – وفي التقنين المدني الليبي المادة 482 – ولا مقابل له لا في التقنين المدني العراقي ولا في تقنين الموجبات والعقود اللبناني ( [35] ) .

  149  

103 – تسليم الموهوب والمحافظة عليه حتى التسليم فرع عن التزام الواهب بنقل ملكية الموهوب : إذا لم يكن الواهب قد سلم الموهوب فعلاً لتتم الهبة إذا كانت يدوية ، فإنه ، في حالة ما إذا كانت الهبة بورقة رسمية في عقار أو منقول أو كان هبة مستترة ، يلتزم بتسليم الموهوب إلى الموهوب له . وهذا الالتزام بالتسليم فرع عن التزامه بنقل الملكية ، ويتفرع أيضاً عن الالتزام بنقل الملكية التزام الواهب بالمحافظة على الموهوب إلى أن يسلمه إلى الموهوب له .وتنص المادة 206 مدني في هذا الصدد على أن ” الالتزام بنقل حق عيني يتضمن الالتزام بتسليم الشيء والمحافظة عليه حتى التسليم ” . وإذا هلك الموهوب قبل التسليم دون أن يكون الواهب قد تسبب في هلاكه بفعله العمد أو بخطأه الجسيم ، فإن تبعة الهلاك كما سنرى يتحملها الموهوب له ، ويتخلص الواهب من كلا الالتزامين التزامه بالمحافظة على الشيء والتزامه بالتسليم .

وتقول العبارة الأخيرة من المادة 493 مدني السالفة الذكر : ” وتسري في ذلك ( التسليم ) الأحكام المتعلقة بتسليم المبيع ” . فتسرى إذن هذه الأحكام في المحل الذي يقع عليه التسليم ، وفي الطرق التي يتم بها التسليم ، وفي الجزاء الذي يترتب على إخلال الواهب بالتزام التسليم .

104 – المحل الذي يقع عليه التسليم : محل التسليم هو الشيء الموهوب ، ويلتزم الواهب بتسليمه إلى الموهوب له بالحالة التي كان عليها وقت صدور الهبة ، وبالمقدار الذي عين له في العقد ، وبالملحقات التي تتبعه .

 فيلتزم الواهب بتسليم الموهوب بالحالة التي كان عليها وقت صدور الهبة ، وتتعين هذه الحالة على النحو الذي تتعين به حالة المبيع فيما قدمناه ( [36] ) . وإذا تغيرت هذه الحالة ، لم يكن البائع مسئولاً إلا عن فعله  150  العمد أو خطأه الجسيم ( [37] ) ، وفقاً للمادة 496 مدني وسيأتي ذكرها . ويجوز للواهب أن يشترط في الهبة تسليم الموهوب في الحالة التي يكون عليها وقت التسليم ، أو في أية حالة أخرى ، فإن الالتزام بتسليم الموهوب في الحالة التي كان عليها وقت صدور الهبة ليس من النظام العام .

ويلتزم الواهب بتسليم الموهوب بالمقدار الذي عين له في العقد . فإذا نقص عن هذا المقدار ، لم يكن الواهب مسئولاً في هذا النقص إلا عن فعله العمد أو خطأه الجسيم ( م 496 مدني ) . وإذا زاد على هذا المقدار ، وكان قابلاً للتبعيض ، فالزيادة للواهب ، لأنها لم تدخل في الهبة والموهوب لا يضره التبعيض . أما إذا كان الموهوب غير قابل للتبعيض ، فالظاهر أن قدر الموهوب في هذه الحالة يعتبر وصفاً لا أصلاً ، ولا مقابل للوصف ، فتكون الزيادة للموهوب له دون مقابل ( [38] ) . ويبدو أن الدعاوى الخاصة بمقدار الموهوب شأنها شأن سائر الدعاوى في مدة التقادم ، ولا تسرى عليها مدة السنة من وقت تسليم الموهوب تسليماً فعلياً وهي المدة الواردة في المادة 434 مدني ، لأن هذا النص جاء على سبيل الاستثناء في خصوص عجز المبيع أو زيادته فلا يتوسع فيه .

ويلتزم الواهب بتسليم الموهوب بالملحقات التي تتبعه ، وتحدد ملحقات الموهوب على النحو الذي حددت به ملحقات المبيع ( [39] ) . فتلحق بالموهوب الأوراق والمستندات المتعلقة به ، كمستندات الملكية وعقود الإيجار التي يكون من شأنها أن تسري على الموهوب له وصورة من المستندات التي يستبقيها الواهب لتضمنها حقوقاً أخرى غير حقوق الموهوب له . ويلحق بالموهوب أيضاً حقوق الارتفاق التي قد تكون له ، وكذلك ” بوالص ”  151  التأمين التي قد تكون معقودة لتأمينه ويكون الموهوب له بالنسبة إلى هذه ” البوالص ” خلفاً خاصاً . وإذا كان الموهوب منزلاً ، ألحق به الأشياء المثبتة فيه ، ولا تدخل في الملحقات المنقولات التي يمكن فصلها دون تلف . وإذا كان المبيع أرضاً زراعية ، دخل في الملحقات الطرق الخاصة المتصلة بالطريق العام والمواشي والآلات الزراعية مما يعد عقاراً بالتخصيص والمخازن وزرابى المواشي وبيوت الفلاحين والمزروعات غير الناضجة بخلاف الناضجة فإنها لا تدخل . وتتحدد ملحقات البستان والمصنع والحيوان والسيارة والأسهم والسندات والأعمال الأدبية والفنية على النحو الذي تتحدد به في البيع وفقاً لما قدمناه في ذلك ( [40] ) .

105 – كيف يتم التسليم : يتم التسليم بوضع الموهوب تحت تصرف الموهوب له في الزمان والمكان المعينين .

وطريقة التسليم تكون كما قدمناه بوضع الموهوب تحت تصرف الموهوب له بحيث يتمكن هذا من حيازته ولو لم يستول عليه استيلاء مادياً , ما دام الواهب قد أعلمه بذلك ، ويحصل التسليم على النحو الذي يتفق مع طبيعة الشيء الموهوب . وهذا هو التسليم الفعلي الذي تقرره المادة 435 مدني بالنسبة إلى البيع ، فيسري أيضاً على الهبة . فإذا كان الموهوب عقاراً ، فإن وضعه تحت تصرف الموهوب له يكون أولا بتخلية الواهب إياه . فإن كان داراً يسكنها الواهب ، وجب عليه أن يخليها وان يخرج ما له من أثاث وأمتعة فيها . وإن كانت أرضاً زراعية ، وجب عليه أن يتركها وأن يأخذ ما له من مواش وآلات ونحو ذلك . ثم يأتي بعد ذلك تمكين الموهوب له من الاستيلاء على الموهوب ، ويقع كثيرا ً أن يكون مجرد إخلاء العقار منطوياً في الوقت ذاته على تمكين الموهوب له من الاستيلاء على الموهوب ، ولكن قد يقتضي الأمر أن يسلم الواهب الموهوب له مفاتيح الدار حتى يتمكن من  152  دخولها ، أو مستندات ملكية الموهوب ، أو نحو ذلك . وإذا كان الموهوب منقولاً ، فإن وضعه تحت تصرف الموهوب له يكون عادة بمناولته إياه بداً بيد إذا تيسر ذلك . وقد يحصل التسليم أيضاً بتسليم الموهوب له مفاتيح منزل أو مخزن يحتوي المنقول ، أو بتحويل سند الشحن أو الإيداع أو التخزين للموهوب له إن كان الموهوب مشحوناً أو مودعاً أو مخزوناً في جهة ما ، أو بتسليم هذا السند للموهوب له إذا كان السند لحامله . ويحصل تسليم المنقول غير المعين إلا بالنوع بإفزازه في حضور الموهوب له ودعوته لتسلمه ( [41] ) . ويقوم مقام التسليم الفعلي في الهبة ، كما في البيع ، التسليم الحكمي . فإذا كان الموهوب في حيازة الموهوب له قبل الهبة ، بإجازة أو إعارة

أو وديعة أو رهن حيازة أو نحو ذلك ، ثم صدرت الهبة ، كان الموهوب له حائزاً فعلا للموهوب وقت تمام الهبة ، ولا يحتاج إلى استيلاء مادي جديد ليتم التسليم . وإنما يحتاج إلى اتفاق مع الواهب على أن يبقي الموهوب في حيازته ، ولكن لا كمستأجر أو مستعير أو مودع +عنده أو مرتهن ، بل كمالك له عن طريق الهبة . فتتغير نية الموهوب له في حيازته للموهوب ، وإن كانت الحيازة المادية تبقى كما كانت . ويجوز أن يبقى الموهوب في حيازة الواهب بعد الهبة ، ولكن لا كمالك فقد خرج عن الملكية بالهبة ، بل كمستأجر أو مستعير أو مودع عنده أو مرتهن رهن حيازة أو نحو ذلك . وهذه الصورة الثانية من التسليم الحكمى تصح في التسليم باعتباره التزاماً في الهبة لا ركناً فيها ، فتصح في العقار ، وتصح في المنقول إذا لم تكن الهبة يدوية بل تمت بورقة رسمية أو كانت هبة مستترة . أما إذا كانت الهبة يدوية في المنقول فلا تتم إلا بالقبض ، ولا تعتبر هذه الصورة قبضاً كما سبق القول ( [42] ) . وقد تقدم الكلام في التسليم الحكمي في البيع ، وما قلناه هناك يسري هنا ( [43] ) .

  153  

أما وقت تسليم الموهوب ، فالأصل أن يتم التسليم فوراً بمجرد تمام الهبة ، وهذا إذا لم يتفق المتعاقدان على وقت معين يتم فيه التسليم ، أو كان هناك عرف يقضي بالتسليم في وقت معين ، أو اقتضت طبيعة الموهوب شيئاً من الوقت في تسليمه . وتسري على الهبة الأحكام المتعلقة بالبيع في هذا الصدد ( [44] ) .

ومكان تسليم الموهوب هو المكان الذي يكون موجوداً فيها وقت تمام الهبة . فإن كان منقولاً غير معين بالذات ، أو كان منقولاً معيناً بالذات ولكن لم يعين محل وجوده ، فالتسليم يكون في موطن الواهب لأنه هو المدين بالتسليم . وهذا كله ما لم يتفق المتعاقدان على مكان آخر يسلم فيه الموهوب ( [45] ) .

ونفقات التسليم تكون في الأصل على الواهب ، لأنه هو المدين بالتسليم ، وتقضي المادة 348 مدني بأن تكون نفقات الوفاء على المدين ( [46] ) . ولكن يجوز الاتفاق على أن تكون النفقات على الموهوب له ، ويسهل استخلاص هذا الاتفاق ضمناً من ظروف الهبة ، وبخاصة إذا لوحظ أن الواهب يتجرد عن الموهوب بلا مقابل ، فمن اليسير استخلاص أنه لم يرد أيضاً تحمل نفقات التسليم ( [47] ) .

  154  

106 – الجزاء الذي يترتب على إخلال الواهب بالتزام التسليم :

وإذا أخل الواهب بالتزام التسليم على النحو الذي قدمناهم ، فإن الموهوب له يستطيع أن يطالبه بالتنفيذ العيني إذا كان ذلك ممكناً ، فيجبره على التسليم ، وذلك ما لم يكن للواهب حق الرجوع في الهبة واستعمل هذا الحق . أما فسخ الهبة لعدم التسليم ، فلا مصلحة للموهوب له في المطالبة به ، إلا إذا أراد التخلص من التزام فرضته الهبة عليه كعوض أو شرط .

107 – تبعة هلال الموهوب قبل التسليم – نص قانوني : وإذا هلك الموهوب قبل التسليم بسبب أجنبي ، فإنه يهلك على الموهوب له لا على الواهب ، بخلاف البيع . ذك أن الهبة تكون عادة عقداً ملزماً لجانب وأحد هو الواهب ، فإذا انفسخت لاستحالة التنفيذ لم يكن هناك التزام على الموهوب له يتحلل منه ، فيكون هو الذي تحمل تبعة الهلاك كما هو الأمر في سائر العقود الملزمة لجانب وأحد . ولكن إذا كانت الهبة بعوض ، أو فرض على الموهوب له التزام أو شرط ، فإنه يتحلل منه بانفساخ الهبة لاستحالة تنفيذها ، وفقاً للقواعد العامة .

على أنه إذا هلك الموهوب قبل تسليم وكان ذلك بخطأ الواهب ، فإن كان الخطأ يسير بقيت تبعة الهلاك على الموهوب له ، ولم يكن الواهب مسئولاً عن التقصير اليسير . أما إذا تسبب الواهب في هلاك الموهوب بفعله العمد أو بخطأه الجسيم ، فإنه يصبح مسئولاً نحو الموهوب له عن تعويض عادل ( [48] ) . ذلك أن الواهب ، إذا كان لا يسأل عن خطأه اليسير ، فإنه مسئول عن فعله العمد أو خطأه الجسيم ، وذلك وفقاً لما قررته المادة 496 مدني فهي تنص على أنه ” لا يكون الواهب مسئولاً إلا عن فعله العمد  155  أو خطأه الجسيم ” ( [49] ) . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد : ” وإذا هلك الموهوب قبل التسليم لسبب أجنبي ، فالهلاك على الموهوب له ، لأنه لم يدفع مقابلاً حتى يسترده كما في البيع . وإذا كان الهلاك بخطأ الواهب ، كان مسئولاً عن تعويض الموهوب له تعويضاً عادلاً . والخطأ الذي يسأل عنه الواهب لا يكون إلا العمد أو الخطأ الجسيم … لأنه متبرع ” ( [50] ) . فإذا أتلف الواهب الموهوب كله أو بعضه ، وكان معتمداً إتلافه أو ارتكب في إتلافه خطأ جسيماً ، ولم يكن له حق الرجوع في الهية ، فإنه يلتزم بتعويض الموهوب له عما أتلفه من الموهوب تعويضاً عادلاً يلاحظ فيه أنه متبرع لم يأخذ مقابلاً لما أعطى ( [51] ) .

  156  

المطلب الثالث

ضمان التعرض والاستحقاق

108 – النصوص القانونية : تنص المادة 494 من التقنين المدني على ما يأتي :

 ” 1 – لا يضمن الواهب استحقاق الشيء الموهوب ، إلا إذا تعمد إخفاء سبب الاستحقاق أو كانت الهبة بعوض . وفي الحالة الأولي يقدر القاضي للموهوب له تعويضاً عادلاً عما أصابه من الضرر . وفي الحالة الثانية لا يضمن الواهب الاستحقاق إلا بقدر ما أداه الموهوب له من عوض . كل هذا ما لم يتفق على غيره ” .

 ” 2 – وإذا استحق الشيء الموهوب ، حل الموهوب له محل الواهب فيما له من حقوق ودعاوى ” ( [52] )

ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، ولما كان حكماً موضوعياً في الهبة فقد كانت أحكام الفقه الإسلامي هي التي تسري ( [53] ) .

  157  

ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادة 462 – وفي التقنين المدني الليبي المادة 483 – وفي التقنين العراقي المادتين 614 – 615 – وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المادة 522 ( [54] ) .

  158  

109 – ضمان الواهب المتعرض الصادر منه : لم يذكر النص المتقدم ضمان الواهب للتعرض الصادر منه ، واقتصر على ذكر ضمانه للتعرض الصادر من الغير ولاستحقاق العين الموهوبة . ومع ذلك فلا شك في أن الواهب يضمن التعرض الصادر منه ، فلا يجوز له أن يأتي أعمالاً مادية يتعدى بها على حقوق الموهوب له ، كما لا يجوز له أن يقوم بتصرفات قانونية يكون من شأنها أن تسلب الموهوب له حقوقه ، ما لم يكن ذلك رجوعاً في الهبة في الأحوال التي يجوز فيها ذلك . ولا يجوز له أخيراً أن يتعرض للموهوب له تعرضاً مبنياً على سبب قانوني . وقد فصلنا القول في هذه المسائل عند الكلام في البيع ، فنحيل هنا إلى ما قدمناه هناك ( [55] ) .

110 – ضمان الواهب المتعرض الصادر من الغير : وضمن الواهب التعرض الصادر من الغير ، وذلك إذا ادعى الغير حقاً على الموهوب سابقاً على الهبة ، أو تالياً لها وكان مستمداً من الواهب ، وذلك كله على النحو الذي قدمناه في ضمان البائع للتعرض الصادر من الغير ( [56] ) .

فإذا رفعت على الموهوب له دعوى باستحقاق الموهوب ، فأخطر بها الواهب ، ولم يتدخل هذا في الدعوى ، وجب عليه ضمان الاستحقاق وفقاً للقواعد التي سنقررها فيما يلي ، إلا إذا ثبت أن الحكم الصادر في دعوى الاستحقاق كان نتيجة لتدليس من الموهوب له أو لخطأ جسيم منه . وإذا لم يخطر الموهوب بدعوى الاستحقاق في الوقت الملائم وصدر عليه حكم حاز قوة الأمر المقضي ، فقد حقه في الرجوع بالضمان على الوجه الذي سنقرره إذا أثبت الواهب أن تدخله في الدعوى كان يؤدي إلى رفضها ويثبت حق الموهوب له في الضمان على الوجه الذي سنبينه ولو اعترف وهو  159  حسن النية للأجنبي بحقه أو تصالح معه على هذا الحق ، دون أن ينتظر في ذلك صدور حكم قضائي ، متى كان قد أخطر الواهب بالدعوى في الوقت الملائم ودعاه أن يحل محله فيها فلم يفعل ، كل ذلك ما لم يثبت الواهب أن الأجنبي لم يكن على حق في دعواه . وقد فصلنا القول في ذلك عند الكلام في ضمان البائع للتعرض الصادر من الغير ( [57] ) .

111 – ضمان الواهب لاستحقاق الموهوب : فإذا نجح الأجنبي المتعرض في دعوى الاستحقاق وقضى له به ، فإن الموهوب له لا يرجع على الواهب بضمان الاستحقاق في جميع الأحوال كما يرجع المشتري على البائع . ذلك أن الموهوب له بخلاف المشتري يتلقى الهبة تبرعاً ، فلا يرجع على الواهب إلا في حالتين :

( الحالة الأولي ) إذا كان الواهب قد تعمد إخفاء سبب الاستحقاق . وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي : ” ولا يكفي في ذلك أن يقرر للموهوب له أنه يملك الموهوب ، بل يجب أن يتعمد إخفاء سبب الاستحقاق ، كأن يخفي مستنداً يثبت حق الغير في الموهوب ، أو يطمس علامات ظاهرة لحق ارتفاق على العقار الموهوب ” ( [58] ) . وحتى في هذه الحالة لا يزال يدخل في الاعتبار أن الواهب متبرع ، فلا يعامل طبقاً للقواعد العامة بحيث يكون مسئولاً عن تعويض الضرر المتوقع وغير المتوقع بناء على تعمده إخفاء سبب الاستحقاق ، بل يقتصر القاضي على أن يقدر للموهوب له تعويضاً عادلاً يحدده بحسب الظروف ( [59] ) ، ويعوضه بوجه خاص عما تحمل  160  من خسارة بسبب الاستحقاق . وإذا كان الموهوب له قد توقي استحقاق الموهوب بدفع مبلغ من النقود أو بأداء شيء آخر ، كان للواهب إذا كانت له مصلحة في ذلك أن يتخلص من نتائج الضمان بأن يرد للموهوب له المبلغ الذي دفعه أو قيمة ما أداه مع الفوائد القانونية وجميع المصروفات ( [60] ) .

( الحالة الثانية ) إذا كانت الهبة بعوض ، أو كان الواهب قد فرض على الموهوب له التزامات أو شروطاً في مقابل الهبة . وفي هذه الحالة يضمن الواهب الاستحقاق ولو كان يجهل سببه ، ولكنه لا يكون مسئولاً إلا بقدر ما أداه الموهوب له من عوض ، وإن كانت الهبة قد فرضت التزامات وشروطاً على الموهوب له تحلل هذا منها وبرئت ذمته ، وتقف عند ذلك مسئولية الواهب ( [61] ) . هذا إذا كان يعلم سبب الاستحقاق أو بعلمه ولم يتعمد إخفاءه . أما إذا كان يعلم سبب الاستحقاق وتعمد إخفاءه ، فإننا نعود إلى الحالة الأولي ، ولا يقتصر التعويض على استرداد العوض أو التحلل من الالتزامات والشروط ، بل يجب أيضاً أن يعوض الموهوب له تعويضاً عادلاً على الوجه الذي بيناه فيما تقدم ، ولو جاوز ذلك مقدار العوض أو التحلل من الالتزامات والشروط ( [62] ) . ويجوز للواهب هنا أيضاً ، إذ كان الموهوب له قد توفي استحقاق الموهوب بدفع مبلغ من النقود  161  أو بأداء شيء آخر ، أن يتخلص من نتائج الضمان بأن يرد للموهوب له المبلغ الذي دفعه أو قيمة ما أداه مع الفوائد القانونية وجميع المصروفات ، وهذا إذا رأي له مصلحة في ذلك ( [63] ) .

وفي جميع الأحوال – أي في الحالتين السابقتين وفي حالة ما لو كانت الهبة بغير عوض وكان الواهب لم يتعمد إخفاء سبب الاستحقاق – يحل الموهوب له محل الواهب فيما له من حقوق ودعاوى ( م 494 / 2 مدني السالفة الذكر ) . فإذا فرض أن الواهب كان قد اشتري العين الموهوبة ، ثم استحقت العين في يد الموهوب له ، فإن للواهب أن يرجع بضمان الاستحقاق على البائع له ، ويحل الموهوب له في هذا الحق محل الواهب . كذلك إذا كان سبب الاستحقاق أن الواهب قد باع العين الموهوبة قبل الهبة ولم يقبض ثمنها ، فرجع المشتري من الواهب على الموهوب له باستحقاق العين ، فإن الموهوب له يحل محل الواهب في الرجوع بالثمن على المشتري ( [64] ) .

112 – الاتفاق على تعديل الضمان : ويجوز للمتعاقدين باتفاق خاص أن يزيدا ضمان الاستحقاق ، فيتفقا مثلاً على أن الموهوب له يرجع  162  على الواهب بضمان الاستحقاق كما يرجع المشتري على البائع حتى لو كان الواهب يجهل سبب الاستحقاق . كما يجوز أن يتفق المتعاقدان على أن الموهوب له يرجع بضمان الاستحقاق كاملاً ولا يقتصر على استرداد العوض ، إذا كانت الهبة بعوض .

كذلك يجوز للمتعاقدين باتفاق خاص أن ينقصا من ضمان الاستحقاق ، فيتفقا مثلا على أن الواهب لا يضمن ما عسى أن يظهر على العقار الموهوب من حقوق ارتفاق خفية لا يعلم بها الواهب ولو كانت الهبة بعوض ، فإذا ظهرت حقوق ارتفاق على العقار الموهوب لم يضمنها الواهب ، ولم يجز للموهوب له أن يسترد العوض أو شيئاً منه في هذه الحالة . ويبدو أن الفقرة الثانية من المادة 445 مدني الواردة في البيع تسرى على الهبة من باب أولي ، فقد نصت هذه الفقرة على ما يأتي : ” ويفترض في حق الارتفاق أن البائع قد اشترط عدم الضمان ، إذا كان هذا الحق ظاهراً ، أو كان البائع قد أبان عنه المشتري ” . فيفترض إذن أن الواهب قد اشترط عدم ضمان حق الارتفاق إذا كان الموهوب له يعلم بهذا الحق من كونه ظاهراً أو من إخطار الواهب له به ، على النحو الذي بسطناه في البيع ( [65] ) .

ويجوز أخيراً للمتعاقدين باتفاق خاص أن يسقطا ضمان الاستحقاق ، فيتفقا مثلاً على أن الموهوب له لا يرجع على الواهب بضمان الاستحقاق أصلا حتى لو كانت الهبة بعوض ، ولكن لا يجوز الاتفاق على إسقاط ضمان الاستحقاق أو إنقاصه في حالة ما إذا تعمد الواهب إخفاء سبب الاستحقاق ، وذلك قياساً على ما ورد في البيع فقد نصت الفقرة الثالثة من المادة 445 مدني على ما يأتي : ” ويقع باطلاً كل شرط يسقط الضمان أو ينقصه إذا كان البائع قد تعمد إخفاء حق لأجنبي ” ( [66] ) .

  163  

المطلب الرابع

ضمان العيوب الخفية

113 – النصوص القانونية : تنص المادة 495 من التقنين المدني على ما يأتي :

 ” 1 – لا يضمن الواهب خلو الشيء الموهوب من العيب ” .

 ” 2 – على أنه إذا تعتد الواهب إخفاء العيب ، أو ضمن خلو الشيء الموهوب من العيوب ، كان ملزماً بتعويض الموهوب له عن الضررالذي يسببه العيب . ويكون كذلك ملزماً بالتعويض إذا كانت الهبة بعوض ، على ألا يجاوز التعويض هذه الحالة قدر ما أداه الموهوب له من هذا العوض ” ( [67] ) .

ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، ولما كان حكماً موضوعياً في الهبة فقد كانت أحكام الفقه الإسلامي هي التي تسري ( [68] ) .

  164  

ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادة 463 – وفي التقنين المدني الليبي المادة 484 – ولا مقابل له لا في التقنين المدني العراقي ولا في تقنين الموجبات والعقود اللبناني ( [69] ) .

114 – متى يضمن الواهب العيوب الخفية في الموهوب : يخلص من النص المتقدم الذكر أن الأصل في الهبة أن الواهب لا يضمن العيوب الخفية لأنه متبرع ، والمفروض أنه لا يريد الجمع بين تجرده من ماله دون مقابل والضمان .

ومع ذلك يضمن الواهب العيوب الخفية في العين الموهوبة في الأحوال التي يضمن فيها الاستحقاق ، وهي :

أولاً – إذا تعمد الواهب إخفاء العيب ، فلا يكفي إذن أن يكون الواهب عالماً بالعيب ، بل يجب أيضاً أن يتعمد إخفاءه . فإذا كان عالماً بالعيب ولكنه لم يعتد إخفاءه ، لم يجب عليه الضمان .

ثانياً – إذا كانت الهبة بعوض أو في مقابل التزامات وشروط فرضت على الموهوب له ، ففي هذه الحالة يجب على الواهب ضمان العيوب الخفية حتى لو لم يكن يعلم بها ، ولكن على إلا يجاوز التعويض قد العوض أو المقابل كما سيأتي .

  165  

ثالثاً – إذا ضمن الواهب باتفاق خاص خلو العين الموهوبة من العيوب ثن ظهر عيب . ففي هذه الحالة يجب على الواهب ضمان العيب ، حتى لو لم يكن يعلم به وحتى لو كانت الهبة بغير عوض أو أي مقابل آخر .

وتحديد ما هو المقصود بالعيب الخفي ، وأنه يجب أن يكون مؤثراً قديماً خفياً غير معلوم للموهوب له ، يرجع فيه إلى ما سبق أن قدمناه في العيوب الموجبة للضمان في عقد البيع ( [70] ) .

115 – ما يرجع به الموهوب له في ضمان العيب : فإذا على الواهب ضمان العيب في أية حالة من الحالات المتقدمة الذكر ، فإن التعويض الواجب عليه دفعه للموهوب له يراعي فيه هنا أيضاً كما روعي في ضمان الاستحقاق أن الواهب متبرع ، فيكون أقل من التعويض الواجب على البائع دفعه للمشتري في ضمان العيب الخفي .

ففي حالتي تعمد الواهب إخفاء العيب وضمانه خلو العين الموهوبة من العيوب ، لا يلزم بتعويض الموهوب له إلا عن الضرر الذي يسببه العيب . فلا يعوض إذن الموهوب له عن العيب ذاته ، أي عن نقص قيمة العين الموهوبة بسبب العيب ( [71] ) وإنما يعوضه عما سببه العيب من الأضرار ، كأن الموهوب حيواناً مصاباً بمرض معد خفي فأعدى حيوانات الموهوب له ، أو كان الموهوب آلة ميكانيكية بها عيب خفي فأتلفت مالا للموهوب له بسبب هذا العيب ، أو كان الموهوب داراً انهدمت بسبب عيب خفي فيها فألحق انهدامها ضرراً بمال للموهوب له وضعه في هذا الدار . وقد كان  166  المشروع التمهيدي لنص المادة 495 مدني يلزم الواهب ” بتعويض الموهوب له عن الضرر الذي يلحقه بسبب العيب ” ، فكان يدخل في التعويض نقص قيمة العين الموهوبة بسبب العيب . ولكن لجنة الشؤون التشريعية لمجلس النواب أدخلت تعديلاً في هذه العبارة ، فصار الواهب ” ملزماً بتعويض الموهوب له عن الضرر الذي يسببه العيب ” ، وذلك ” حتى لا يكون العيب نفسه محلاً للتعويض ، بل يكون التعويض عن الضرر الذي يسببه العيب ” ( [72] )

وفي حالة ما إذا كانت الهبة بعوض أو بمقابل ، وظهر بالعين عيب خفي يضمنه الواهب ، فإنه يعوض الموهوب له عن الأضرار التي لحقت به بسبب العيب ، وكذلك عن نقص قيمة العين الموهوبة ، على ألا يجاوز التعويض في كل ذلك مقدار العوض أو المقابل المشترط على الموهوب له فإذا كان الواهب قد تعمد إخفاء العيب في الهبة بعوض أو بمقابل ، أو ضمن خلو العين من العيوب ، وجب عليه تعويض الموهوب له عن كل الخسارة التي تسبب فيها العيب على الوجه الذي سبق بيانه ، ولو جاوزت الخسارة مقدار العوض أو المقابل ( [73] ) .

116 – الاتفاق على تعديل : ويجوز باتفاق خاص بين المتعاقدين تعديل أحكام ضمان العيب المتقدمة الذكر . وقد رأينا أن الواهب يجب عليه  167  ضمان العيب إذا هو ضمن خلو العين الموهوبة من العيوب ، فهذا اتفاق خاص من شأنه إيجاد ضمان لم يكن واجباً عليه . ويجوز كذلك الاتفاق على تشديد هذا الضمان ، بأن يتفق المتعاقدان مثلاً على أن يضمن الواهب ، ليس فحسب الخسارة التي سببها العيب ، بل أيضاً نقص قيمة العين الموهوبة بسبب العيب .

ويجوز الاتفاق على إنقاص الضمان ، كأن يتفق المتعاقدان على ألا يضمن الواهب عيباً معيناً بالذات في الهبة بعوض ، فإذا ظهر هذا العيب لم يكن الواهب ملزماً بتعويض الموهوب له عنه حتى في حدود العوض .

ويجوز الاتفاق أخيراً على إسقاط الضمان ، كان يتفق المتعاقدان على ألا يضمن الواهب أي عيب يظهر في العين الموهوبة في الهبة بعوض حتى في حدود هذا العوض . ولكن لا يجوز الاتفاق على إسقاط الضمان ولا على إنقاصه في حالة تعمد الواهب إخفاء العيب .

 المبحث الثاني

 التزامات الموهوب له

117 – التزامات محتملة : الأصل أن الموهوب له لا يلتزم بشيء ، إذ يغلب أن تكون الهبة تبرعاً محضاً فتكون عقداً ملزماً لجانب وأحد هو جانب الواهب دون جانب الموهوب له . ولكن حتى في هذه الحالة يفرض في كثير من الأحوال أن المتعاقدين قد أراد أن يتحمل الموهوب له نفقات عقد الهبة ونفقات التسلم على نحو ما يلتزم به المشتري .

وقد تكون الهبة بعوض أو بمقابل من التزامات أو شروط تفرض على الموهوب له ، ففي هذه الحالة يلتزم الموهوب له بأداء هذا العوض أو المقابل .

  168  

ومن ثم تكون التزامات الموهوب له المحتملة التزامين : ( 1 ) الالتزام بأداء العوض أو المقابل . ( 2 ) الالتزام بنفقات الهبة .

المطلب الأول

الالتزام بأداء العوض أو المقابل

118 – النصوص القانونية : تنص المادة 497 من التقنين المدني على ما يأتي :

 ” يلتزم الموهوب له بأداء ما اشترط عليه من عوض ، سواء اشترط هذا العوض لمصلحة الواهب أم لمصلحة أجنبي أم للمصلحة العامة ” .

وتنص المادة 498 على ما يأتي :

 ” إذا تبين أن الشيء الموهوب أقل في القيمة من العوض المشترط ، فلا يكون الموهوب له ملزماً بأن يؤدي من هذا العوض إلا بقدر قيمة الشيء الموهوب ” ( [74] ) .

  169  

ولا مقابل لهذين النصين في التقنين المدني السابق ، ولكن الحكم متفق مع قواعد العامة .

ويقابلان في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادتين 465 – 466 – وفي التقنين المدني الليبي 486 – 487 – وفي التقنين المدني العراقي المادة 618 – ولا مقابل لهما في تقنين الموجبات والعقود اللبناني ( [75] ) .

119 – العوض المشترط : قدمنا أن الواهب قد يشترط على الموهوب له عوضاً يؤديه في مقابل الهبة ، فقد يهب داراً ويشترط على الموهوب له أن يرتب له إيراداً طول حياته يقرب من ربع الدار ، أو أن ينفق عليه ، ويكون العوض في هذه الحالة لمصلحة الواهب ، وقد يكون العوض لمصلحة أجنبي ، كأن يهب الدار ويشترط على الموهوب له أن يسكن معه فيها أحد أقاربه وقد يكون العوض للمصلحة العامة ، كأن يهب شخص مالا لجمعية خيرية ويشترط عليها أن تنشئ مستشفي أو مدرسة أو ملجأ أو نحو ذلك ( [76] ) .

وحتى تحتفظ الهبة بطابعها التبرعي ، يجب أن تكون قيمة العوض المشترط اقل من قيمة المال الموهوب ، حتى يكون الفرق بين القيمتين هبة  170  محضة . أما إذا كانت قيمة العوض تقرب من قيمة المال الموهوب أو تزيد عليها ، ويعلم الموهوب له ذلك ، فإن العقد يكون معاوضة لا هبة . ولكن قد يشترط الواهب على الموهوب له عوضاً تزيد قيمته على قيمة المال الموهوب ، جون أن يعلم الموهوب له ذلك بل يكون معتقداً وقت قبول الهبة أن العوض لا تزيد قيمته على المال الموهوب . ففي هذه الحالة قد يستطيع الموهوب له أن يطلب إبطال الهبة لغلط جوهري . وهو على كل حال ، ما دام قد قبل التعاقد على انه هبة ، لا يكون ملزماً بأن يؤدي من العوض إلا بمقدار قيمة المال الموهوب ، فيجب إنقاص العوض إلى هذا المقدار ( م 498 مدني ) .

120 – من له حق المطالبة بالعوض : وإذا قام الواهب بتنفيذ الالتزامات التي يفرضها عليه عقد الهبة ، كان له الحق في مطالبة الموهوب له بأداء العوض المشترط ، سواء كان العوض مشترطاً لمصلحة الواهب أو لمصلحة أجنبي أو للمصلحة العامة . وينتقل هذا الحق من الواهب إلى ورثته .

فإذا كان العوض مشترطاً لمصلحة أجنبي ، جاز لهذا الأجنبي أيضاً أن يطالب بأداء العوض ، طبقاً للقواعد العامة المقررة في الاشتراط لمصلحة الغير .

وإذا كان العوض مشترطاً للمصلحة العامة ، جاز لكل من الواهب ومن يمثل هذه المصلحة المطالبة بأداء العوض . فإذا مات الواهب ، كان لمن المصلحة العامة أو للسلطة المختصة هذه المطالبة .

وليس في كل ذلك إلا تطبيق للقواعد العامة ، وقد كان المشروع التمهيدي يشتمل على نص في هذا المعنى حذف في لجنة المراجعة ، لأن حكمه مستفاد من هذه القواعد ( [77] )

  171  

121 – جزاء الإخلال بالتزام الوفاء بالعوض : وقد كان المشروع التمهيدي يشتمل على نص هو المادة 680 من هذا المشروع ، وكانت تجري على الوجه الآتي : ” ( 1 ) إذا اشترط الواهب العوض لمصلحته ، وامتنع الموهوب له عن أدائه دون عذر مقبول كان للواهب أو لورثته من بعده أن يسترد الشيء الموهوب وفقاً لأحكام الإثراء دون سبب ، وبالقدر الذي كان ينبغي أن يستخدم الشيء لأداء العوض . ( 2 ) ويكون الرد بدفع هذا المقابل نقداً ،حتى لو لم ترد الهبة على نقود . على أنه يجوز للموهوب له أن يتخلص من الالتزامات بدفع هذه القيمة ، إذا هو رد الموهوب ذاته في الحالة التي يكون عليها وقت الرد . ( 3 ) ولا يكون هناك محل للرد إذا تمحض العوض لمصلحة أجنبي ، كما أنه لا يثبت هذا الحق لورثة الواهب إذا كان العوض مشترطاً لمصلحة عامة ” . وقد حذف هذا النص في لجنة المراجعة ، اكتفاء بتطبيق القواعد العامة ( [78] ) .

فلا يبقى إذن ، بعد حذف النص المتقدم الذكر ، إلا تطبيق القواعد العامة في التعرف على جزاء الإخلال بالتزام الوفاء بالعوض . وهذه تقتضي بأنه إذا امتنع الموهوب له عن أداء العوض دون عذر مقبول وكان العوض مشترطاً لمصلحة الواهب ، فللواهب أو لورثته من بعده المطالبة بالتنفيذ العيني وإجبار الموهوب له على أداء العوض عيناً إذا كان ذلك ممكناً ، فإذا لم يكن التنفيذ العيني ممكناً ، وجب على الموهوب له التعويض طبقاً للقواعد العامة المقررة في هذه الشأن . ويجوز أيضاً للواهب أو لورثته المطالبة بفسخ الهبة لعدم أداء العوض ( [79] ) ، لأن الهبة بعوض عقد ملزم للجانبين ، يرد عليه الفسخ طبقاً للقواعد المقررة في هذا الشأن . ولكن يستطيع  172  الموهوب له أن يتفادى الفسخ بأن يعرض الوفاء بالعوض عيناً إذا كان ذلك ممكناً .

وإذا كان العوض مشترطاً لمصلحة أجنبي ، جاز لكل من الواهب الأجنبي المطالبة بالتنفيذ العيني . وجاز أيضاً للواهب وحده أن يطلب فسخ الهبة ، ولا يضيع الفسخ على الأجنبي حقه إذا كان قد قبل الاشتراط لمصلحته ، فيرجع بما يعادل العوض على الواهب ، إلا إذا كان الاشتراط بالنسبة إلى الأجنبي تبرعاً يجوز للواهب الرجوع فيه . وليس في كل ذلك إلا تطبيق للقواعد العامة المقررة في الاشتراط لمصلحة الغير ( [80] ) .

وإذا كان العوض مشترطاً لمصلحة عامة ، جاز لكل من الواهب وممثل هذه المصلحة المطالبة بالتنفيذ العيني كما سبق القول . وجاز أيضاً للواهب وحده أن يطلب فسخ الهبة ، على أن يؤدي العوض المشترط للمصلحة العامة ما لم يكن تبرعاً يجوز الرجوع فيه .

وهذا هو مقتضى تطبيق القواعد العامة ، فلا يسري من أحكام النص المحذوف إلا ما يتفق مع هذه القواعد ، أما ما خرج عليها فلا يسري لأن النص قد حذف ( [81] ) .

  173  

122 – العوض هو الوفاء بديون الواهب – نص قانوني : ؛

قدمنا أن الواهب قد يشترط على الموهوب له مقابلاً لهبته ، وتكون لهذا المقابل صور مختلفة . فقد يفرض الواهب على الموهوب له شروطاً والتزامات لمصلحة الموهوب له نفسه ، وقد يفرض عليه مقابلاً لمصلحته هو أو لمصلحة أجنبي أو للمصلحة العامة كما رأينا في العوض ( [82] ) .

وقد يشترط الواهب مقابلاً هو أن يفي الموهوب له بديون الواهب . وفي هذا المعنى ورد نص صريح في التقنين المدني هو المادة 499 مدني ، وتجري على الوجه الآتي :1 – إذ اشترط الواهب عوضاً عن الهبة وفاء ديونه ، فلا يكون الموهوب له ملزماً إلا بوفاء الديون التي كانت موجودة وقت الهبة ، هذا ما لم يتفق على غيره .

2 – وإذا كان الشيء الموهوب مثقلاً بحق عيني ضماناً لدين في ذمة الواهب أو في ذمة شخص آخر ، فإن الموهوب له يلتزم بوفاء هذا الدين ، ما لم يوجد اتفاق على غير ذلك ، ، ( [83] ) .

  174  

فإذا اشترط الواهب على الموهوب له وفاء ديونه ، وأطلق دون أن يعين هذه الديون ، فالمفروض أنه أراد الديون الموجودة وقت تمام الهبة ، لا الديون التي تجد بعد ذلك ، وذلك تفسيراً للالتزام في أضيق حدوده لمصلحة المدين . فيجب في هذه الحالة أن يقوم الموهوب له بوفاء هذه الديون دون غيرها ، فإذا وفاها برئت ذمته من التزامه نحو الواهب ، وإذا لم يوفها واضطر الواهب إلى وفاتها يرجع هذا عليه بما وفي . والتزام الواهب بوفاء الديون هو التزام نحو الواهب لا نحو أصحاب هذه الديون ، فليس لهؤلاء – ما لم يكن الواهب قد اشترط لمصلحتهم – أن يجبروا الموهوب له أن يوفيهم هذه الديون ، وإنما يرجعون بديونهم على الواهب ، وهذا يرجع على الموهوب له كما قدمنا . ويجب إلا تزيد قيمة الديون التي تعهد الموهوب له بوفائها على قيمة المال الموهوب ، وألا يلتزم الموهوب له إلا بأداء قيمة ما يساوي قيمة المال الموهوب من الديون ( م 498 مدني ) .

وقد يشترط الواهب على الموهوب له الوفاء بديون جدت بعد الهبة ، ولا بد من اتفاق خاص على ذلك ، ويجب إلا يكون مجموع الديون التي يتعهد الموهوب له بوفائها تزيد قيمته على قيمة المال الموهوب كما سبق القول .

وإذا كانت العين الموهوبة مثقلة بحق عيني ضماناً لدين في ذمة الواهب أو في ذمة شخص آخر ، فالمفروض دون حاجة إلى اتفاق خاص أن الواهب قد أراد من الموهوب له أن يدفع هذا الدين كعوض في الهبة ، فيكون الموهوب له ملتزماً نحو الواهب بوفاء هذا الدين ، ما لم يشترط في عقد الهبة عدم التزامه به . والحق العيني الذي ينقل العين الموهوبة ضماناً  175  لدين قد يكون رهناً رسمياً أو حق اختصاص أو رهناً حيازياً أو حق امتياز . فإذا كان الدين المضمون بهذا الحق العيني ثابتاً في ذمة الواهب ، أداه الموهوب له ، ولم يرجع على الواهب ما دام الدين لا يزيد على قيمة المال الموهوب . أما إذا كان الدين ثابتاً في ذمة الغير ، وجب أيضاً على الموهوب له أن يؤديه ، ولكنه يرجع على المدين الأصلي بما وفاه عنه كما كان يرجع الواهب ( [84] ) .

وسواء افترض أن الموهوب له قد التزم نحو الواهب بأداء الدين المضمون بالحق العيني أو لم يفترض ذلك بأن اشترط الموهوب له في عقد الهبة عدم التزامه بالدين ، فإن الموهوب له باعتباره قد انتقلت إليه ملكية العين المثقلة بالحق العيني يكون مسئولاً عن الدين نحو الدائن مسئولية عينية ، وللدائن حق التتبع بفضل حقه العيني فيتقاضى الدين من العين الموهوبة . ويرجع الموهوب له عندئذ على المدين الأصلي إذا كان الدين في ذمة الغير ، كما سبق القول . أما إذا كان الدين في ذمة الواهب ، ولم يشترط الموهوب له عدم التزامه به ، فإنه يكون بالنسبة إلى الدائن في موقف المحال عليه ، ويبقي الواهب ملزماً هو أيضاً بالدين حتى يقر الدائن هذه الحوالة وفقاً لأحكام الفقرة الثانية من المادة 322 مدني . وإذا اشترط الموهوب له عدم التزامه بالدين ، ولكن اضطر إلى دفعه بموجب الحق العيني الذي يثقل العين الموهوبة ، فإنه يرجع في هذه الحالة على الواهب بما دفع .

وليس فيما قدمناه إلا تطبيق للقواعد العامة ، وقد ورد ذكر كل ذلك في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ( [85] ) .

  176  

 المطلب الثاني

 الالتزام بنفقات الهبة

123 – الأصل أن تكون نفقات الهبة على الموهوب له : الأصل قياساً على البيع – أن تكون نفقات الهبة ، من مصروفات العقد وأتعاب المحامي ورسوم الدمغة والتسجيل ومصروفات تسلم العين الموهوبة ونقلها ، على الموهوب له . وذلك تفسيراً للهبة في أضيق حدودها ، فلا يجمع الواهب بين التجرد عن ماله دون مقابل وبين تحمل هذه المصروفات .وقد كان المشروع التمهيدي يشتمل على نص في هذا المعنى ، هو نص المادة 678 ، وكان يجري على الوجه الآتي : ” نفقات الهبة على الموهوب له ، ويدخل في ذلك مصروفات العقد ورسوم الدمغة والتسجيل وما يصرف في تسليم الشيء الموهوب ( [86] ) وتسلمه ونقله ، وذلك ما لم يوجد اتفاق مخالف ” .

وقد حذف هذا النص في لجنة المراجعة لأن أحكامه مستفادة من القواعد العامة ( [87] ) .

124 – ولكن يجوز بالاتفاق أن تكون هذه النفقات على الواهب :

ولكن الغالب في الهبة المحضة أن يكون الواهب قد أراد أيضاً أن يتحمل هذه النفقات حتى يصل المال الموهوب إلى الموهوب له خالصاً من كل تكليف . فيجوز إذن الاتفاق على أن يتحمل الواهب مصروفات العقد ، بل ومصروفات تسلم العين الموهوبة ، ويجوز أن يستخلص وجود هذا الاتفاق ضمناً من ظروف الهبة ( [88] ) .

  177  

 الفرع الثاني

 الرجوع في الهبة

125 – حق الرجوع في الهبة في الفقه الإسلامي : سار التقنين المدني الجديد على تقاليد التقنين المدني السابق ، وهذه تقضي اتباعاً للمذهب الحنفي في الفقه الإسلامي بجواز الرجوع في الهبة إلا إذا قام مانع من الرجوع .

ولم تتفق مذاهب الفقه الإسلامي في جواز الرجوع في الهبة ، فالمذهب الحنفي هو الذي يجيز الرجوع إلا لمانع . ولما كان هو المذهب الذي يسري على الأحكام الموضوعية للهبة في عهد التقنين المدني السابق ، فقد استبقاه التقنين الجديد .

أما المالكية والشافعية والحنابلة فلا يجيزون الرجوع في الهبة إلا في حالة واحدة ، هي حالة هبة الوالد لولده ( [89] ) . وهي ما تسمي عند المالكية باعتصار الهبة ( [90] ) ، فيعتصر الأب – أي يأخذ قهراً – ما وهبه لولده . وتستند هذه المذاهب الثلاثة إلى ما روى عن النبي صلي الله عليه وسلم : ” لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها ، إلا الوالد فيما يعطي ولده ” . فإذا وهب الوالد ولده ، ذكراً أو أنثى ، مالاً ، فله أن يرجع في هبته إذا رأي وجوب التسوية بين أولاده في ماله ، فلا يؤثر أحدهم بهبة دون الآخرين . وفي مذهب مالك إذا وهبت الأم ولدها هبة ، فإن كان وقت الهبة كبيراً كان لها الاعتصار ، وإن كان صغيراً كان لها الاعتصار إن كان للصغير أب تجب  178  نفقته عليه . وفي مذهب الشافعي أن وهب الوالد للولد أو ولد الوالد وإن سفل جاز له أن يرجع ، لأن الأب لا يتهم في رجوعه فهو لا يرجع إلا للضرورة أو لإصلاح الولد . وكما يجوز الرجوع للأب والجد ، يجوز الرجوع للأم والجدة ، وقيل لا رجوع إلا للأب والأم فقط ، وقيل للأب فقط . وفي مذهب أحمد بن حنبل للأب الرجوع فيما وهب لولده ، وظاهر المذهب أن ليس للأم الرجوع .

أما عند الحنفية ، فالموهوب له يملك الموهوب ملكاً غير لازم ، فيجوز للواهب الرجوع في هبته كما سبق القول . ويستندون في ذلك إلى حديثين عن النبي عليه السلام ، أحدهما يقول ” الواهب أحق بهبته ما لم يثب عنها ” ، والآخر يقول ” إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع ” ويؤيدون جواز الرجوع في الهبة بأن الواهب إنما قصد من هبته غرضاً ، قد يكون صلة الرحم وقد يكون العوض المالي وقد يكون نيل الثواب وقد يكون التودد والمجاملة وقد يكون غير ذلك . فإذا ظهر أن غرضه قد تحقق ، كما في صلة الرحم والعوض المال ونيل الثواب ، لم يجز له الرجوع . ومن ثم لا يجوز الرجوع في الهبة ما بين الزوجين والهبة لذي رجم محرم والهبة بعوض الصدقة .وفيما عدا ذلك يترك الأمر إليه ، فهو الذي يكشف عن ذلك بالرجوع في الهبة إذا كان غرضه لم يتحقق ، وبعدم الرجوع إذا كان غرضه تحقق . وإنما ترك الأمر إليه وحده لأن الغرض الذي قصد إليه من الهبة أمر خفي لا نستطيع تبينه ، فكان له القول الفصل في ذلك . ومن ثم جاز له الرجوع في الهبة ، على إلا يتعارض مع حقه في الرجوع حق آخر ، أي على ألا يوجد مانع من الرجوع يبطل حقه ( [91] ) .

  179  

126 – حق الرجوع في الهبة في التقنين المدني : وقد سار التقنين  180  المدني الجديد على المذهب الحنفي كما قدمنا ، حتى لا يغير الأحكام التي استقرت في عهد التقنين المدني السابق ، ولكنه اشترط في حق الرجوع بغير التراضي وجود عذر مقبول . فقرر أن الأصل جواز الرجوع في الهبة بالتراضي ، شأن الهبة في ذلك شأن أي عقد آخر . ولكن الهبة تتميز عن العقود الأخرى بأن الواهب يجوز له أن يرجع في الهبة دون رضاء الموهوب له ، إذا استند في ذلك إلى عذر مقبول يقره القضاء ولم يوجد مانع من الرجوع . ويترتب على الرجوع في الهبة بالتراضي أو بالتقاضي أن تعتبر الهبة كأن لم تكن ، بما يستتبع ذلك من نتائج .

فنبحث إذن مسألتين : ( 1 ) متى يجوز الرجوع في الهبة ( 2 ) الآثار التي تترتب على الرجوع في الهبة .


( [1] )  أنظر في هذا المعنى الأستاذ محمود جمال الدين زكي فقرة 66 – الأستاذ أكثم الخولى فقرة 73 – وانظر مع ذلك دفاعاً مسهباً عن النظرية التقليدية في أن نية التبرع هي السبب في الهبات بودري وكولان 10 فقرة 50 – فقرة 51 .

( [2] )  الوسيط الجزء الأول فقرة 274 ص 450 .

( [3] )  جوسران في البواعث فقرة 159 ص 201 وفقرة 160 ص 203 – ريبير في القاعدة الخلقية فقرة 35 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 319 و 3 فقرة 3523 – الأستاذ محمود جمال الدين زكي ص 140 – الأستاذ أكثم الخولي فقرة 73 ص 109 .

( [4] )  أنظر الوسيط الجزء الأول فقرة 283 .

فإذا لم يكن عدم مشروعية السبب معلوماً من الموهوب له ، كانت الهبة صحيحة ، وإن كان يجوز للواهب الرجوع فيها وذلك في الأحوال التي يجوز فيها الرجوع في الهبة .

( [5] )  استئناف وطني 13 يونيه سنة 1909 المجموعة الرسمية 11 رقم 3 ص 6 – محكمة الإسكندرية التجارية المختلطة 8 يونيه سنة 1916 جازيت 6 رقم 536 ص 176 .

( [6] )  أنظر الوسيط الجزء الأول فقرة 288 وما بعدها .

( [7] )  وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذه النصوص : ” والسبب في الهبة هو نية التبرع طبقا للمذهب القديم ، وهو الدافع الرئيسي للتبرع طبقاً للمذهب الحديث . وقد طبق المشروع المذهب الحديث في فروض ثلاثة : ( ا ) اقتران الهبة بشرط مستحيل أو بشرط غير مشروع ، فإن كان الشرط ليس هو الدافع للتبرع ، فإنه يلغى وتصح الهبة : قارن مرشد الحيران م 255 فقرة ثانية . وإن كان هو الدافع ، بطلت الهبة لعدم مشروعية السبب . وعلى هذا جرى القضاء المصري والفرنسي ، وقنن المشروع ما جري عليه القضاء ( م 669 ) . ( ب ) الهبات والهدايات التي تقدم للخطيب من الخطيب الآخر أو من أجنبي ، فهي ترد إذا فسخت الخطبة وطلب الواهب الرد ما دام الشيء الموهوب قائماً ويمكن رده بالذات ( م 670 من المشروع وم 110 من قانون الأحوال الشخصية ) ، ويمكن تعليل ذلك بأن سبب الهبة قد زال لفسخ الخطة . ( ج ) شرط عدم التصرف ، ولا يكون صحيحاً ما لم يكن مبنيا على باعث مشروع ومقصوراً على مدة معقولة ( م 671 و 1191 من المشروع ) ، وإلا كان السبب غير مشروع ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 261 – ص 262 ) .

( [8] )  أنظر في أصل هذه القاعدة في القانون الروماني وفي قوانين الثورة الفرنسية وفي تفصيلات القاعدة في التقنين المدني الفرنسي ( م 900 مدني فرنسي ) بودري وكولان 10 فقرة 65 – فقرة 109 .

( [9] )  مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 258 – ص 259 في الهامش – وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 266 مدني على ما يأتي : ” ومع ذلك لا يقوم الالتزام المدني الذي علق على شرط فاسخ مخالف للآداب أو النظام العام ، إذا كان هذا الشرط هو السبب الدافع للالتزام ” .

( [10] )  والعبرة في عدم مشروعة الشرط بوقت صدور الهبة ، فإذا كانت مشروعية في هذا الوقت فالهبة صحيحة ولو أصبح الشرط غير مشروع بعد ذلك ( بودري وكولان 10 فقرة 117 – فقرة 118 ) .

( [11] )  وقد قضت محكمة الزقازيق الإستئنافية بأن الهبة المقرونة بشرط باطل تعتبر صحيحة مع بطلان الشرط ، فإذا اشترط الزوج في هبته لزوجته إلا تتزوج ، وقع الشرط باطلا لمخالفته القانون والنظام العام ، وتصح الهبة ( 16 أكتوبر سنة 1929 المجموعة الرسمية 31 رقم 56 ص 159 ) . وانظر أيضاً محكمة مصر الكلية الوطنية 24 مايو سنة 1922 المحاماة 14 رقم 635 ص 847 .

وقضت محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية بان التكليف لا يكون ملزماً إذا لم يخرج عن مجرد الرغبة والارتياح إلى تحقيقه ، وبأن شرط تعيين وصى معين على القاصر الموهوب له مخالف للنظام العام لأنه لا يجوز أن يفرض على المجلس الحسبي شخص معين للوصاية ، ويكون هذا الشرط باطلا لاستحالته ، وتبقى الهبة ( 19 فبراير سنة 1938 المحاماة 19 رقم 232 ص 561 ) .

( [12] )  أنظر أيضاً المادة 612 من التقنين المدني العراقي وهو نص مطابق .

( [13] )  مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 4 ص 259 – ص 261 في الهامش .

( [14] )  استئناف مختلط 2 مارس سنة 1922 م 34 ص 214 .

( [15] )  ويذهب الأستاذ محمود جمال الدين زكي إلى أن الواهب هنا إنما يرجع في الهبة إذا فسخت الخطبة ، ويكون فسخ الخطبة عذراً مقبولا يجيز له الرجوع ، ولا دخل لنظرية السبب في هذه المسألة ( ص 139 هامش رقم 1 ) . وعندنا أن نظرية السبب يمكن أن تكون تعليلا مقبولا للرجوع في الهبة عند فسخ الخطبة ، ذلك أن الواهب وهو يقدم هدية للخطيبة إنما دفعه إلى ذلك أن الخطبة ستنتهي بالزواج . فإذا فسخت الخطبة فهو يرجع في الهدية استصحاباً لنيته الأولى وقت أن وهب ، لا ابتداء لنية جديدة في الرجوع في الهبة لعذر طرأ .

على إننا إذا قلنا بنظرية السبب في هذه المسألة ، فإننا نتوسع في الاثير الذي يترتب على السبب ، فهو يؤثر في صحة العقد لا وقت صدور العقد فحسب نب ل أيضاً عند تخلف السبب بعد صدور العقد .

وفي الفقه الإسلامي للخاطب أن يرجع في هديته ، لأن الهدية نوع من الهبة فيجوز الرجوع فيها . ولا مانع من الرجوع لأن الهبة هنا كانت قبل الزواج ، والمانع من الرجوع هو قيام الزوجية وقت الهبة ، وذها في مذهب أبي حنيفة . أما عند جمهوري الفقهاء فلا يجوز الرجوع في الهدية كما لا يجوز الرجوع في الهبة . لكن المختار في مذهب مالك أن لو تم الزواج بينهما فلا رجوع ، وإن حصل عدول عنه فلم يعقد عليها ، فإن كان العدول منه فكذلك ، أما إذا كان العدول من المخطوبة فإن الخاطب يرجع فيما أداه إن كانت الهبة باقية ، أو بمثلها أو قيمتها إن كانت هالكة ، إلا إذا كان هناك عرف أو شرط فيعمل به ( الأستاذ أحمد إبراهيم في التزام التبرعات مجلة القانون والاقتصاد 3 ص 60 – ص 61 ) .

وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا تم الزواج لم يجز الرجوع في الهدية ، حتى لو افترق الزوجان بعد الزواج ( 28 مايو سنة 1918 م 30 ص 449 ) .

( [16] )  مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 261 – ص 262 في الهامش .

( [17] ) وقد كان المشروع التمهيدي يتضمن نصاً في هذا المعنى ، هو المادة 672 من هذا المشروع ، وكان تقضى بأنه ” لا يجوز هبة الأموال أو وقفها إضراراً بالدائنين ” ، فحذف هذا النص في لجنة المراجعة اكتفاء بتطبيق القواعد العامة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 262 في الهامش ) . وانظر المادة 610 من التقنين المدني العراقي وتنص على أنه ” لا تجوز الهبة إضراراً بالدائنين ” : انظر الأستاذ حسن الذنون فقرة 18 .

وانظر في القضاء المصري في هذه المسألة في عهد التقنين المدني السابق :استئناف وطني 15 مايو سنة 1895 القضاء 2 ص 243 ( لا يجوز الوقف إضراراً بحق الشفيع ) – 5 يناير سنة 1899 المجموعة الرسمية 1 ص 190 – 4 فبراير سنة 1902 المجموعة الرسمية 3 رقم 94 ص 248 – 17 فبراير سنة 1915 الشرائع 2 رقم 201 ص 184 – 25 يوليه سنة 1922 المحاماة 2 رقم 162 / 2 ص 483 – استئناف مختلط 14 مارس سنة 1907 م 29 ص 178 – 10 نوفمبر سنة 1910 م 23 ص 7 –4 ديسمبر سنة 1913 م 26 ص 79 – 20 يناير سنة 1916 م 28 ص 122 – 25 فبراير سنة 1915 من 27 ص 182 – 9 مارس سنة 1916 م 28 ص 195 – 25 مايو سنة 1916 م 28 ص 370 – 2 نوفمبر سنة 1916 م 29 ص 29 – 5 مايو سنة 1925 م 37 – ص 397 – 12 يناير سنة 1926 م 38 ص 186 – 13 يناير سنة 1927 م 39 ص 158 – 3 مايو سنة 1927 م 39 ص 438 – 28 ديسمبر سنة 1927 م 40 ص 76 – 8 يناير سنة 1929 م 41 ص 154 – 16 يناير سنة 1929 م 41 ص 175 – 27 مارس سنة 1930 م 42 ص 388 – 13 مايو سنة 1930 م 42 ص 492 .

( [18] ) انظر الوسيط 4 فقرة 233 – فقرة 239 .

( [19] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 264 – ص 265 – وتنص المادة 613 من التقنين المدني العراقي على أن ” تنتقل بالهبة ملكية الموهوب إلى الموهوب له ” .وتنص المادة 507 من تقنين الموجبات والعقود اللبناني على أن ” تتم الهبة وتنتقل الملكية في الأموال الموهوبة ، سواء أكانت منقولة أو ثابتة ، عندما يقف الواهب على قبول الموهوب له ، مع الاحتفاظ بالأحكام الآتية ” :

( [20] ) تنظر آنفاً فقرة 27 في الهامش .

( [21] ) انظر آنفاً فقرة 37 .

( [22] ) انظر الوسيط 4 فقرة 214 – فقرة 243 .

( [23] ) انظر الوسيط 4 فقرة 244 .

( [24] ) انظر الوسيط 4 فقرة 245 – فقرة 248 .

( [25] ) انظر الوسيط 4 فقرة 250 – فقرة 265 .

( [26] ) وكانت المادة 48 / 70 من التقنين المدني القديم تنص على أن ” تنتقل الملكية في الأموال الموهوبة ، منقولة كانت أو ثابتة ، بمجرد الإيجاب من الواهب والقبول من الموهوب له ، إنما إذا كان العقد المشتمل على الهبة ليس موصوفاً بصفة عقد آخر فلا تصح الهبة ولا القبول إلا إذا كانا حاصلين بعقد رسمي وإلا كانت الهبة لاغية ” .

( [27] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 267 – فقرة 269 .

( [28] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 271 .

( [29] ) وقد نصت محكمة النقض بان الهبة تنعقد صحيحة بمجرد الإيجاب من الواهب والقبول من الموهوب له . أما نقل الملك فليس ركناً من أركان انعقادها ولا شرطاً من شرائط صحتها ، وإنما هو أثر من الآثار المترتبة على قيامها . وقانون التسجيل لم يغير من طبيعة الهبة كما لم يغير طبيعة البيع ، بل كل ما استحدثه هو أنه عدل من آثارها بجعله نقل الملكية متراخياً إلى ما بعد التسجيل . وكون الهبة عقد تمليك منجز ليس معناه أن نقل الملكية ركن من أركان انعقادها أو شرطاً من شروط صحتها ، بل معناه إنها عقد يراد به التمليك الفوري ، تمييزاً لها عن الوصية التي يراد بها إضافة التمليك إلى ما بعد الموت ” نقض مدني 13 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 169 ص 379 ) .

( [30] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 273 – فقرة 275 .

( [31] ) أنظر آنفاً فقرة 81 .

( [32] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 280 – فقرة 286 .

( [33] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 290 .

( [34] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 674 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق لما استقر عليه في التقنين المدني الجديد . وأقرته لجنة المراجعة ، وأصبح رقمه 521 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 493 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 264 – ص 266 ) .

( [35] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى :

التقنين المدني السوري م 461 ( مطابق ) .

التقنين المدني الليبي م 482 ( مطابق ) .

التقنين المدني العراقي : لا مقابل . وهبة المنقول في التقنين العراقي لا تتم إلا بالقبض ( م 603 عراقي ) ، فالتسليم إذن ركن في هذه الهبة لا التزام ، أما في العقار فتتم الهبة بالتسجيل في الدائرة المختصة ( م 602 عراقي ) . فيلزم الواهب بتسليم العقار الموهوب للموهوب له وفقاً للقواعد العامة . أنظر الأستاذ حسن الذنون فقرة 29 – فقرة 31 .

تقنين الموجبات والعقود اللبناني : لا مقابل . وهبة المنقول في التقنين اللبناني لا تتم إلا بالقبض ( م 509 لبناني ) ، فالتسليم هنا ركن لا التزام . أما في العقار فتتم بالقيد في السجل العقاري ( م 510 لبناني ) ، فيلتزم الواهب بتسليم العقار الموهوب للموهوب له وفقاً للقواعد العامة .

( [36] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 294 .

( [37] ) قارن في البيع الوسيط 4 فقرة 295 .

( [38] ) قارن في البيع الوسيط 4 فقرة 297 – فقرة 299 .

( [39] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 302 .

( [40] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 303 .

( [41] ) أنظر التفصيل في عقد البيع الوسيط 4 فقرة 305 – فقرة 307 .

( [42] ) أنظر آنفاً فقرة 37 .

( [43] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 208 .

( [44] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 309 .

( [45] ) أنظر فيما يتعلق بالبيع الوسيط 4 فقرة 310 .

( [46] ) وقد كان المشروع التمهيدي يتضمن نصاً ، هو المادة 678 من المشروع ، يجعل مصروفات تسليم الشيء على الموهوب له ، تفسيراً للهبة في أضيق حدودها ( أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 272 وص 279 ) . ولكن هذا النص قد حذف في لجنة المراجعة ، وقيل في سبب حذفه إن أحكامه مستفادة من القواعد العامة ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 271 في الهامش ) . والصحيح أن المستفاد من القواعد العامة أن نفقات التسليم تكون على الملتزم به ، والملتزم بالتسليم هو الواهب لا الموهوب له .

( [47] ) أنظر فيما يتعلق بالبيع الوسيط 4 فقرة 312 .

( [48] ) ويقع عبء الإثبات بطبيعة الحال على الموهوب له ، فلا يستطيع أن يرجع بتعويض عادل على الواهب إلا إذا اثبت فعلا عمداً أو خطأ جسيماً في جانبه .

( [49] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 677 من المشروع التمهيدي على الوجه الذي استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، وأقرته لجنة المراجعة تحت رقم 524 من المشروع النهائي . وفي لجنة الشؤون التشريعية لمجلس النواب ” استفسر في اللجنة عن كيف تتحقق مسئولية الواهب عن فعله العمد أو خطأه الجسيم ، فأجيبت بأن ذلك يقع فعلا في حالة ما إذا لم يسلمه الواهب الشيء وهلك قبل التسليم . فإن كان هلاكه قضاء وقدراً أو بتقصير غير جسيم ، فلا تتحقق مسئولية الواهب في هاتين الحالتين . أما إذا هلك بفعل الواهب العمد أو بخطأه الجسيم ، فإن مسئوليته تتحقق ” . وداففت اللجنة على النص ، كما وافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 496 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 271 و ص 273 – ص 274 ) .

ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، والظاهر أن القواعد العامة هي التي كانت تسري ، وهذه تقضي بالمسئولية حتى عن الخطأ اليسير . والعبرة بتاريخ صدور الهبة ، فإن صدرت قبل 15 أكتوبر سنة 1949 فأحكام التقنين المدني السابق هي التي تسري . وإلا فأحكام التقنين المدني الجديد .

ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادة 464 وحكمها مطابق – وفي التقنين المدني الليبي المادة 485 وحكمها مطابق أيضاً – وفي التقنين المدني العراقي المادة 616 وحكمها مطابق كذلك . ولا مقابل بل لها في تقنين الموجبات والعقود اللبناني .

( [50] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 272 .

( [51] ) ويؤيد ذلك ما جاء في لجنة الشؤون التشريعية مما سبق بيانه ( أنظر مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 273 – ص 274 – وانظر آنفاً نفس الفقرة في الهامش ) .

( [52] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 675 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – لا يضمن الواهب استحقاق الشيء الموهوب ، إلا إذا تعمد إخفاء سبب الاستحقاق ، أو إلا إذا كانت الهبة بعوض . وفي هذه الحالة لا يضمن الواهب الاستحقاق إلا بقدر ما أداه الموهوب له من عوض ، كل هذا ما لم يتفق على غيره . 2 – وإذا استحق الموهوب ، حل الموهوب فيما له من حقوق ودعاوى ” . وفي لجنة المراجعة عدلت الفقرة الأولى بما جعل الحكم في الحالة الأولى مقصوراً على التعويض العادل حتى لا تسري أحكام استحقاق المبيع عليها ، فأصبح النص مطابقاً لما استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، وصار رقمه 522 في المشروع النهائي ، ووافق عليه ، مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 494 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 267 – ص 268 ) .

( [53] ) وقد قضت محكمة استئناف الإسكندرية بأنه لا معدى من الرجوع إلى الشريعة الغراء في أحكام الهبة باعتبارها من المسائل التي أسسها ونظمها الشرع وقصر القانون المدني عن الاحاطة بكل أسسها وضوابطها . وتقضي أحكام الشرع بان الواهب لا يضمن للموهوب له التعرض الحاصل من فعل الغير والاستحقاق المترتب عليه . فإذا استحق الشيء الموهوب لمالكه الحقيقي فليس للموهوب له الذي انتزع منه أن يرجع على الواهب . ويترتب على ذلك أنه إذا كان العقد الساتر للهبة هو بيع واستحق العقار الموهوب للغير ، فلا يجوز للموهوب له الرجوع على الواهب بالثمن المسمى في عقد البيع المذكور ( 18 فبراير سنة 1947 المجموعة الرسمية 48 رقم 246 ) فلا ضمان للاستحقاق إلا إذا ضمنه الواهب بشرط خاص ، أو كان الاستحقاق يرجع إلى فعله ( استئناف مختلط 28 مايو سنة 1902 م 14 ص 330 – ) مارس سنة 1916 م 28 ص 195 – 18 نوفمبر سنة 1930 م 43 ص 25 ) .

والعبرة بتاريخ صدور الهبة ، فإن صدرت قبل 15 أكتوبر سنة 1949 فأحكام الفقه الإسلامي هي التي تسري ، وإلا سرت أحكام التقنين المدني الجديد .

( [54] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى :

التقنين المدني السوري م 462 ( مطابق ) .

التقنين المدني السوري م 483 ( مطابق ) .

التقنين المدني العراقي م 614 ( مطابق لنص المشروع التمهيدي للتقنين المدني المصري ) .

م 615 : إذا تلفت العين الموهوبة ، واستحقها مستحق ، وضمن المستحق الموهوب له ، فلا يرجع هذا على الواهب بما ضمن إلا بالقدر الذي يضمن به الواهب الاستحقاق وفقا للأحكام السابقة . ( والمفروض في هذا النص أن الموهوب له يعمل أن الموهوب غير مملوك للواهب ، ولذلك رجع عليه المستحق بالضمان . فلا يرجع هو بالضمان على الواهب إلا إذا كانت الهبة بعوض ، فيرجع بقدر هذا العوض : أنظر الأستاذ حسن الذنون فقرة 33 ) ، وقارن المادة 524 من قانون الأحوال الشخصية لقدري باشا .

وتقنين الموجبات والعقود اللبناني م 522 : يقوم الموهوب له مقام الواهب في جميع الحقوق والدعاوى المختصة به عند نزع اليد بالاستحقاق . على أن الواهب لا يلزم بضمان الأموال الموهوبة إلا إذا نص على العكس أو كانت الهبة مقيدة بتكليف ، وفي الحالة الأخيرة يكون الواهب مسئولا عن الاستحقاق على قدر قيمة التكليف . ( وتتفق هذه الأحكام في جملتها مع أحكام التقنين المصري ، إلا أن التقنين اللبناني لم يذكر حالة ضمان الواهب للاستحقاق إذا تعمد إخفاء سببه ) .

( [55] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 328 وما بعدها .

( [56] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 338 وما بعدها .

( [57] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 347 وما بعدها .

( [58] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 272 .

( [59] ) وقد كان المشروع التمهيدي بترك هذه الحالة للقواعد العامة ، وكان من مقتضى تطبيق هذه القواعد أن يكون الواهب مسئولا عن تعويض الضرر المتوقع وغير المتوقع ، لأنه تعمد إخفاء سبب الاستحقاق . ولذلك جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد : ” ومسئولية الواهب إنما تون عن الغش الذي ارتكبه ، فهو مسئول عن الضرر الذي أصاب الموهوب له بسبب هذا الغش ، سواء كان متوقعاً أو غير متوقع ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 272 ) .

( [60] ) أنظر م 442 مدني في البيع ، و أنظر الوسيط 4 فقرة 354 .

( [61] ) وفي الفقه الحنفي إذا استحقت الهبة ، فللموهوب له الرجوع في جميع العوض الذي أداه إن كان قائماً وبمثله إن كان هالكاً وهو مثلى أو بقيمته إن كان قيمياً . وإن استحق نصف الهبة ، رجع بنصف العوض ( أنظر م 523 من قانون الأحوال الشخصية لقدري باشا ) .

( [62] ) أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 273 .

( [63] ) وفي غير هاتين الحالتين ، أي حتى لو لم يخف الواهب سبب الاستحقاق ولم تكن الهبة بعوض ، يعوض الواهب الموهوب له ما تحمله من خسارة كمصروفات دعوى الاستحقاق ومصروفات عقد الهبة ، إذا ثبت على الواهب الفعل العمد أو الخطأ الجسيم ، أي إذا كان يعلم أن الشيء الموهوب غير مملوك له أو كان عدم علمه بذلك يرجع إلى خطأ جسيم في جانبه ، وذلك تطبيقاً لنص المادة 496 مدني لا تطبيقاً لقواعد ضمان الاستحقاق ( أنظر في هذا المعنى الأستاذ محمود جمال الدين زكي فقرة 72 ص 149 هامش رقم 1 – وقارن الأستاذ محمد كامل مرسي في العقود المسماة 2 فقرة 109 ص 145 ، والأستاذ أكثم الخولي فقرة 115 ) .

( [64] ) وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد : ” وإذا استحق الموهوب وكان للواهب حقوق قبل المستحق ، كما إذا كان قد باع الموهوب قبل الهبة ولم يقبض ثمنه ، فإن الموهوب له يحل محل الواهب في هذه الحقوق ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 273 ) .

( [65] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 358 .

( [66] ) وتقو المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد : ” ويجوز الاتفاق على إسقاط الضمان أو تخفيفه أو تشديده ، ولكن لا يجوز للواهب أن يشترط إسقاط الضمان الذي يترتب على سوء نيته ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 273 ) .

( [67] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 646 من المشروع التمهيدي على وجه يتفق مع استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، إلا أن عباة ” كان ملزماً بتعويض الموهوب له عن الضرر الذي يسببه العيب ” الواردة في الفقرة الثانية وردت في المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” كان ملزماً بتعويض الموهوب له عن الضرر الذي يلحقه بسبب العيب ” . وأقرت لجنة المراجعة النص على أصله ، وأصبح رقمه 523 في المشروع النهائي . وفي لجنة الشؤون التشريعية لمجلس النواب استبدلت بعبارة ” الذي يلحقه بسبب العيب ” عبارة ” الذي يسببه العيب ” ، حتى لا يكون العيب نفسه محلا للتعويض ، بل يكون التعويض عن الضرر الذي يسببه العيب ، فأصبح النص مطابقاً لما استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، ووافق مجلس النواب عليه كما أقرته لجنته ، ثم وافق عليه مجلس الشيوخ تحت رقم 495 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 269 – 270 ) .

( [68] ) وفي الفقه الإسلامي لا يضمن الواهب العيوب الخفيفة . والعبرة بتاريخ صدور الهبة ، فإن صدرت قبل 15 أكتوبر سنة 1949 سرت أحكام الفقه الإسلامي ، وإلا فأحكام التقنين المدني الجديد .

( [69] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى :

التقنين المدني السوري م 463 ( مطابق ) .

التقنين المدني الليبي م 484 ( مطابق ) .

التقنين المدني العراقي : لا مقابل ، فتسري أحكام الفقه الإسلامي ( أنظر الأستاذ حسن الذنون فقرة 34 ) .

تقنين الموجبات والعقود اللبناني : لا مقابل ، فتسري القواعد العامة وهي قريبة من أحكام التقنين المصري .

( [70] ) أنظر الوسيط 4 فقرة 364 وما بعدها .

( [71] ) ولا يعوض الواهب عن العيب ذاته ، ويعوض عن الاستحقاق إذا أخفى سببه تعريضاً عادلا . وقد رأى المشرع التفريق بين العيب والاستحقاق في هذا الصدد ، إذ العيب اخف جسامة من الاستحقاق ( قارن الأستاذ اكثم الخوفي فقرة 112 ) .

( [72] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 270 – وانظر آنفاً فقرة 546 في الهامش .

( [73] ) أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 273 – ويبدو أن المادة 452 مدني المتعلقة بتقادم دعوى ضمان العيب الخفى في عقد البيع بانقضاء سنة من وقت تسليم البيع خاصة بعقد البيع وحده ، فلا تسري على دعوى ضمان العيب الخفى في عقد الهبة ( أنظر آنفاً فقرة 377 ) .

هذا ويحل الموهوب له محل الواهب فيما لهذا من حقوق ودعاوى بسبب العيب الخفى على النحو الذي رأيناه في ضمان الاستحقاق ( أنظر آنفاً فقرة 544 ) . فإذا كان الواهب مثلا حق الرجوع بالعيب الخفى على من تلقى منه الشيء الموهوب ، حل الموهوب له محله في هذه الدعوى .

( [74] ) تاريخ النصوص :

        م 497 : ورد هذا النص في المادة 679 من المشروع التمهيدي على الوجه الذي استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، وكان المشروع التمهيدي يزيد فقرة ثانية نصها كالآتي : ” ويكون للواهب الحق في اقتضاء العوض إذا هو قام بتنفيذ الالتزامات التي يفرضها عليه عقد الهبة . وينتقل هذا الحق من الواهب إلى ورثته . ويجوز للأجنبي الذي اشترط العوض لمصلحته أن يطالب بأداء العوض ، وفقاً لأحكام المتعلقة بالاشتراط لمصلحة الغير ، فإذا كان العوض مشترطاً للمصلحة العامة ، كان للسلطة المختصة ، بعد موت الواهب ، حق المطالبة بادائه ” . وقد حذفت هذه الفقرة الثانية في لجنة المراجعة ، لأن حكمها مستفاد من القواعد العامة ، وأصبح رقم المادة 525 في المشروع النهائي . ووافق عليها مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 497 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 274 – ص 276 ) .

م 498 : ورد هذا النص في المادة 681 من المشروع التمهيدي على الوجه الذي استقر عليه في التقنين المدني الجديد . ووافقت عليه لجنة المراجعة تحت رقم 526 من المشروع النهائي . ثم وافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 498 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 277 – ص 278 ) .

( [75] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى :

التقنين المدني السوري م 465 – 466 ( مطابق ) .

التقنين المدني الليبي م 486 ( مطابق ) .

التقنين المدني العراقي م 618 ( مطابق للمادة 497 من التقنين المدني المصري – ولا مقابل في التقنين المدني العراقي للمادة 498 من التقنين المدني المصري ) .

تقنين الموجبات والعقود اللبناني : لا مقابل ، ولكن نصوص التقنين المصري تتفق مع القواعد العامة .

( [76] ) أنظر آنفاً فقرة 91 .

( [77] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 276 – وانظر آنفاً فقرة 118 في الهامش .

( [78] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 275 في الهامش .

( [79] ) محكمة الإسكندرية الكلية المختلطة 11 ديسمبر سنة 1917 جازيت 8 رقم 29 ص 59 .

( [80] ) أنظر الوسيط الأول فقرة 378 ص 578 .

( [81] ) فلا يسرى من أحكام النص المحذوف استرداد الواهب أو ورثته مقابلا نقدياً للعوض حتى لو لم ترد الهبة على نقود ، وعدم جواز فسخ الهبة من الواهب إذا تمحض العوض لمصلحة أجنبي ، أو من ورثته إذا كان العوض مشترطا لمصلحة عامة .

وليس للعوض حق امتياز على الشيء الموهوب ، لأن الامتياز إنما يتقرر للثمن على الشيء المبيع ، فإذا كانت حقيقة الهبة بيعاً وكان العوض هو الثمن كان هناك امتياز ( الأستاذ محمد كامل مرسي في العقود المسماة ، ص 151 ) .

وإذا وفى الموهوب له العوض ثم استحق في يد الواهب ، جاز أن يرجع في هبته . وأن ورد الاستحقاق على بعض العوض ، فلا يرجع بشيء حتى يرد ما بقى من العوض . لأن الباقي منه يصلح لإسقاط الرجوع ، ولهذا لو عوضه هذا القدر من الابتداء سقط به حقه فيه . إلا أنه لم يرض بسقوط حقه إلا بسلامة كل العوض ، فإذا لم يسلم له كله ، كان له الخيار إن شاء رضى بما بقى من العوض ، وإن شاء رد الباقي عليه ورجع في الهبة ( أنظر مختصر الأستاذ محمد زيد ص 436 – ص 437 . وانظر م 523 من قانون الأحوال الشخصية لقدري باشا ) .

( [82] ) أنظر آنفاً فقرة 91 .

( [83] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 682 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق لما استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، ووافقت عليه لجنة المراجعة تحت رقم 527 من المشروع النهائي ، ثم وافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 499 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 278 – ص 279 وص 281 ) .

ولا مقابل للنص في التقنين المدني السابق ، ولكن الحكم تطبيق القواعد العامة .

ويقابل في التقنين المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري 467 ( مطابق – وفي التقنين المدني الليبي م 488 ( مطابق ) – وفي التقنين المدني العراقي م 619 ( مطابق ) – وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني م 523 ، وتجري على الوجه الآتي : ” إذا كانت الهبة مقيدة بشرط إيفاء ديون الواهب ، فلا يدخل تحت هذا الشرط إلا الديون التي عقدت قبل الهبة ، مع ينص على العكس . ( والنص متفق في الحكم مع الفقرة الأولى من نص التقنين المصري ، أما الفقرة الثانية من هذا التقنين الأخير فتتفق مع القواعد العامة ) .

( [84] ) قارن الأستاذ محمود جمال الدين زكي فقرة 76 – والأستاذ أكثم الخولي ص 165 .

( [85] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 280 – ص 281 .

( [86] ) كان هذا النص يقضي أيضاً ، كما نرى ، بجعل مصروفات التسليم على الموهوب له خلافاً للقواعد العامة . فلما حذف ، وجب الرجوع إلى القواعد العامة ، فتصبح هذه المصروفات على الواهب ( أنظر آنفاً فقرة 105 ) .

( [87] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 271 – أنظر أيضاً في هذا المعنى المادة 617 من التقنين المدني العراقي ( الأستاذ حسن الذنون فقرة 38 ) .

( [88] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 279 .

( [89] ) وهناك رأي في الفقه الإسلامي – يحكي عن أهل الظاهر وهو رواية عن أحمد بن حنبل – يقضي بأنه لا يجوز الرجوع في الهبة أصلاً ، ويشمل المنع من الرجوع هبة الوالد لولده . ويستدل أصحاب هذا الرأي بالحيث : ” العائد في هبته كالعائد في قيئه ” ، وبأن الهبة عقد تمليك منجز كالبيع فلا يجوز الرجوع فيها ( المغنى 5 ص 608 ) .

( [90] ) أنظر في اعتصار الهبة في مذهب مالك الخرشي 7 ص 113 – ص 115 .

( [91] ) جاء في المبسوط للسرخسي ( جزء 12 ص 53 – ص 54 ) : ” المقصود من الهبة للاجانب العوض والمكافأة ، والمرجع في ذلك إلى العرف والعادة الظاهرة أن الانسان يهدى إلى من فوقه ليصونه بجاهه ، والى من دونه ليخدمه ، والي من يساويه ليعوضه . . وبهذا يتبين أن حق الرجوع اليس بمقتضى العقد عندنا ، بل لتمكن الخلل في المقصود بالعقد علي معنى أن المعروف كالمشروط . ولا يقال انما يقصد العوض بالتجارات فأما المقصود بالهبة اظهار الجود والسخاء والتودد والتحبب وقد حصل ذلك ، وهذا لان العوض في التجارات مشروط وفى التبرعات مقصود ، ومعنى اظهار الجود ايضا مقصود ، فانما يمكن الخلل في بعض المقصود ، وذلك يكفى للفسخ . . . وقد بينا الفرق بين هذا وبين الاخوين والزوجين لحصول ما هو المقصود هناك وتمكن الخلل فيما هو المقصود هنا ، ولهذا يحتاج إلى القضاء أو الرضا في الرجوع لانه بمنزلة الرد بالعيب بعد القبض من حيث ان السبب تمكن الخلل في المقصود ، فلا يتم الا بقضاء أو رضا ” .

وجاء في البدائع ( جزء 6 ص 128 ) : ” حق الرجوع في الهبة ثابت عندنا . . . ولان العوض المالى قد يكون مقصودا من هبة الاجانب ، فان الاسنان قد يهب من الأجنبي احسانا إليه وانعاما عليه ، وقد يهب له طمعا في المكافأة والمجازاة عرفا وعادة . . . وقد لا يحصل هذا المقصود من الأجنبي ، وفوات المقصود من عقد محتمل للفسخ يمنع لزومه . . . كما في البيع إذا وجد المشترى بالمبيع عبيا لم يلزمه العقد لعدم الرضا عند عدم حصول المقصود وهو السلامة ، كذا هذا ” .

ويقول الأستاذ أحمد إبراهيم ، في معنى أن الرجوع في الهبة موكول إلى الواهب لعذر يستقل هو بتقديره لأنه أمر خفي لا يمكن ضبطه ما يأتي : ” إن الذي يعطي لأجل العوض المالي أو لمنفعة تعود عليه ، وقد يعطي لأجل صلة الرحم أو لأجل التودد والتحبب إلى الموهوب له أو لأجل المكافأة على جميل سابق أو لأجل الرشوة ، إلى غير ذلك من الأغراض ، والعرف المستمر أعظم شاهد بذلك . فإن كان للواهب غرض دنيوي من هبته ، فنفسه لا تطيب بالهبة إذا لم يتحقق غرضه ، وإن كان غرضه وجه الله تعالى فنفسه طيبة بما أعطت بدون انتظار عوض دنيوي . لكن ذلك أمر خفي لا يمكن ضبطه ، إذ المرجع فيه للعرف والعادة والقرائن ونية المعطى . فإذا طلب الرجوع فيما وهب ، علمنا أن له غرضاً دنيوياً فيما أعطى ، وإلا فلا . وإذن فيكون ملك الموهوب بعد قبضه ملكاً قلقاً لعدم تبين غرض الواهب وطيبة نفسه به ، وعلى ذلك فتح له باب الرجوع إذا لم تطب نفسه بما أعطى . وهذا نظر جيد جداً ، ولا منافاة بينه وبين القول بامتناع الرجوع في الهبة عند وجود أحد الموانع السبعة ، لأن ذلك إما مبنى على أدلة أخرى رجحت ما تقدم ، وإما لوجود قرينة تدل على طيبة نفسه بما أعطى بدون انتظار مكافأة عليه . هذا هو فقه المسألة ” ( التزام التبرعات مجلة القانون والاقتصاد 3 ص 52 ) .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s