ملكية البائع للشيء المبيع


ملكية البائع للشيء المبيع

151 – يجب أن يكون الشيء المبيع مملوكاً للبائع : لما كان البائع ينقل ملكية المبيع إلى المشتري ، فقد وجب أن يكون مالكاً له حتى ينقل ملكيته ، لأنه إذا لم يكن مالكاً لم يستطع نقل الملكية ، وفاقد الشيء لا يعطيه ( [1] ) .

ولا يمنع البائع من أن يكون مالكاً للشيء أن يكون قبل البيع قد أجره أو رهنه ، فبيع الشيء المؤجر والشيء المرهون جائز ، وإنما ينتقل الشيء إلى المشتري وينتقل معه حق المستأجر أو حق الدائن المرتهن .

أما إذا صدر البيع من غير المالك ، فهذا هو بيع ملك الغير ، وهو بيع قابل للإبطال ، وقد يكون البائع مالكاً ولكن يخالط ملكيته حق الشركاء وذلك في بيع المال الشائع ، أو حق الورثة وذلك في بيع المريض مرض الموت ، أو حق الدائنين وذلك في بيع الوارث لعين في التركة قبل سداد ديونها وفي بيع المحجور عليه والمعسر ، أو حق الدولة وذلك في بيع الأراضي الزراعية وفقاً لأحكام قانون الإصلاح الزراعي .

فنبحث إذن : ( 1 ) بيع ملك الغير ( 2 ) بيع المال الشائع ( 3 ) بيع المريض مرض الموت . ( 4 ) بيع الوارث لعين التركة قبل سداد ديونها ( 5 ) بيع المحجوز عليه والمعسر ( 6 ) بيع الأراضي الزراعية في قانون الإصلاح الزراعي .

1 – بيع ملك الغير

( la vente de la chose d’autrui )

152 – النصوص القانونية : تنص المادة 466 من التقنين المدني على ما يأتي :

 ” 1 – إذا باع شخص شيئاً معيناً بالذات وهو لا يملكه ، جاز للمشتري أن يطلب إبطال البيع . ويكون الأمر كذلك ولو وقع البيع على عقار ، سجل العقد أو لم يسجل ” .

 ” 2 – وفي كل حال لا يسري هذا البيع في حق المالك للعين المبيعة ولو أجاز المشتري العقد ” .

وتنص المادة 476 على ما يأتي :

 ” 1 – إذا أقر المالك البيع ، سرى العقد في حقه ، وانقلب صحيحاً في حق المشتري ” .

 ” 2 – وكذلك ينقلب العقد صحيحاً في حق المشتري إذا آلت ملكية المبيع إلى البائع بعد صدور العقد ” .

وتنص المادة 468 على ما يأتي :

 ” إذا حكم للمشتري بإبطال البيع ، وكان يجهل أن المبيع غير مملوك للبائع ، فله أن يطالب بتعويض ولو كان البائع حسن النية ” ( [2] ) .

 وتقابل هذه النصوص في التقنين المدني السابق المواد 264  /  333 و 265  /  334 و 335 مختلط ( [3] ) .

وتقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المواد 434 – 436 – وفي التقنين المدني الليبي المواد 455 – 457 – وفي التقنين المدني العراقي المادتين 135 – 136 – وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المادة 385 ( [4] ) .

 153 – تحديد منطقة بيع ملك الغير : ويخلص من النصوص المتقدمة أن بيع شخص لشيء معين بالذات وهو لا يملكه – وهذا ما يسمى ببيع ملك  الغير – عقد قابل للإبطال لمصلحة المشتري . وقبل أن نؤصل هذا البطلان ونبين أحكام البيع على هذا الوجه ، نحدد أولاً المنطقة التي ينحصر فيها بيع ملك الغير .

154 – ما يخرج من منطقة بيع ملك الغير : فبيع ملك للغير لا بد أن يكون بيعاً لعين معينة بالذات ليست مملوكة للبائع . فيخرج إذن من منطقة بيع الغير العقود الآتية :

أولا – بيع الشيء غير المعين بالذات وبيع الشيء المستقبل : فإذا باع شخص مائة أردب من القمح ، وكذلك إذا باع شخص شيئاً لم يوجد بعد ولكنه سيوجد في المستقبل ، لم يكن هذا بيعاً لملك الغير ، ولو أن البائع وقت أن باع لم يكن مالكاً للمبيع . ذلك أن المبيع لميعين بذاته ، فلا يمكن أن يقال إن البائع مالك له أو غير مالك ، ولا يقال لك إلا عندما يتعين بالذات . أما في هذه المرحلة ، والمبيع لميتعين بالذات ، فإن البائع يقتصر على الالتزام بنقل ملكية المبيع وهو قابل للتعيين . وعلى البائع تعيينه إذا كان موجوداً ، أو إيجاده إذا كان لم يوجد ، ثم ينقل ملكيته للمشتري ( [5] ) .

ثانياً – تعهد الشخص عن مالك الشيء بأن المالك يبيع الشيء لشخص آخر : فهذا ليس بيع ملك الغير لأن المتعاقد لا يبيع ملك غيره ، وإنما هو تعهد عن المالك في أن يبيع ، فيكون تعهداً عن الغير ( [6] ) . وقد بسطنا أحكام هذا الضرب من التعاقد في الجزء الأول من الوسيط .

ثالثاً – بيع الشيء المعين بالذات غير المملوك للبائع إذا علق البائع البيع على شرط أن يملك المبيع ( [7] ) : فالبائع هنا لم يلتزم بنقل ملكية المبيع التزاماً باتاً ، بل  علق التزامه على شرط واقف هو أن يملك المبيع . وليس هذا بيع ملك الغير ، فالبائع والمشتري متفقان على أن البيع ليس ببات ، بل هو معلق على شرط . فإذا تحقق هذا الشرط ، وأصبح البائع مالكاً للمبيع ، انتقلت الملكية إلى المشتري وإذا لم يتحقق الشرط سقط البيع ( [8] ) .

رابعاً – بيع الشيء المعين بالذات المملوك للبائع تحت شرط : فهنا البائع لم يبع ملك غيره ، بل باع ملك نفسه وغن كان هذا الملك غير بات ، فهو إما ملك معلق على شرط واقف فيتوقف وجوده على تحقق الشرط ، وغما ملك معلق على شرط فاسخ فيزول إذا تحقق الشرط . وفي كلتا الحالتين ينتقل الملك بوصفه إلى المشتري ، فيكون هذا مالكاً للمبيع تحت شرط واقف أو تحت شرط فاسخ ،  فإذا تحقق الشرط الواقف أو لم يتحقق الشرط الفاسخ أصبحت ملكية المشتري باتة ( [9] ) . وتختلف هذه الصورة عن الصورة السابقة في أن البيع هنا بات وملكية المبيع هي المعلقة على شرط ، أما في الصورة السابقة فالبيع هو المعلق على شرط وملكية المبيع باتة .

خامساً – بيع الشيء الشائع : فهنا يبيع الشخص شيئاً يملكه على الشيوع مع شركاء آخرين ، فلا يظهر في البداية أنه يبيع ملك غيره . ولكن يتوقف الأمر على نتيجة القسمة ، فإن وقع هذا الشيء كله في حصة البائع اعتبر أنه قد باع ملكه ، وإن لميقع في حصته اعتبر بائعاً لملك الغي .

سادساً – بيع الوارث الظاهر ، وهذا إذا كان في حقيقته بيعاً لملك الغير لأن الوارث الظاهر لا يملك المبيع ، إلا أن هناك اعتبارات ترجع إلى الاستقرار الواجب للتعامل تجعل بيع الوارث الظاهر صحيحاً نافذاً في حق الوارث الحقيقي . ومن ثم يتملك المشتري المبيع ، فلا يعود في حاجة إلى الحماية التي أولاها القانون للمشتري في بيع ملك الغير ( [10] ) .

 فيبقى بعد كل ذلك ، في منطقة بيع ملك الغير ، بيع الشخص لعين معينة بالذات غير مملوكة له إذا قصد بالبيع نقل الملكية في الحال ( [11] ) . ويستوي أن يكون البائع عالماً بأنه لا يملك المبيع أو يعتقد أنه يملكه ، كما يستوي أن يكون البيع مساومة أو بيعاً قضائياً ، ويستوي في البيع القضائي أن يكون بيعاً جبرياً أو بيعاً اختيارياً ( [12] ) .

وبيع ملك الغير ، على هذا التحديد ، يقع كثيراً في العمل . فالأب قد يبيع ملك ولده ، لا باعتباره نائباً عنه ، بل باعتباره أصيلاً عن نفسه . والزوج قد يبيع ملك زوجته ( [13] ) . والوارث قد يبيع عيناً ليست في التركة ، أو في التركة ولكنها لم تقع في حصته . والشريك في الشيوع قد يبيع كل العين الشائعة وهو لا يملك إلا حصته فيها . وواضع اليد على ملك غيره قد يبيع هذا الملك . وكثيراً ما يبيع الناس أموال الغائبين أو أموال الدولة الخاصة . فهذه كلها تعتبر بيوعاً لملك الغير ( [14] ) .

وبيع ملك الغير قابل للإبطال كما قدمنا . فنؤصل هذا البطلان ، ثم نبين أحكام البيع ذاته .

 1 – تأصيل البطلان في بيع ملك الغير

155 – النظريات التقليدية : تقضي المادة 1599 من التقنين المدني الفرنسي بأن بيع ملك الغير باطل ، وبأن للمشتري الحق في التعويض إذا كان يجهل أن المبيع ليس مملوكاً للبائع . وقد تضاربت الآراء في الفقه الفرنسي في تأصيل بطلان بيع ملك الغير ، إذ أن النص المتقدم لا يخلو من الغموض .

فهناك رأي يذهب إلى أن هذا البيع إنما هو قابل للفسخ وليس باطلاً ، وترجع قابليته للفسخ إلى أن البائع لم يقم بالتزامه من نقل ملكية المبيع إلى المشتري ، فللمشتري أن يطلب فسخ البيع ( [15] ) . وعيب هذا الرأي واضح ، إذا هو يتعارض تعارضاً صريحاً مع نص التقنين الفرنسي ومع نص التقنين المصري أيضاً ، فالنص في التقنينين على البطلان والبطلان شيء غير الفسخ . هذا إلى أنه لو كان بيع ملك الغير جزاؤه الفسخ فحسب ، لكان للقاضي سلطة تقديرية في إجابة المشتري إليه ، ولما استطاع أن يقضي به لو تمكن البائع من نقل الملكية إلى المشتري بعد رفع الدعوى ( [16] ) .

وهناك رأي ثان يذهب إلى أن البيع باطل بطلاناً مطلقاً ( [17] ) ، إما لانعدام السبب إذ التزام المشتري لا يقابل شيء ما دام البائع لا يستطيع أن ينقل إليه الملكية ، وإما لاستحالة المحل استحالة مطلقة فالبائع وهو غير مالك لا يستطيع أن ينقل الملك  إلى المشتري . وعيب هذا الرأي أنه يتعارض هو أيضاً معارضة صريحة مع الآثار الكثيرة والتي ينتجها بيع ملك الغير وسنفصلها فيما يلي ، ولو كان هذا البيع باطلاً بطلاناً مطلقاً لما أنتج أثراً . هذا إلى أن البائع يستطيع أن يلتزم بنقل ملكية شيء غير مملوك له ثم يحصل على ملكيته فينفذ التزامه ، فالسبب إذن معدوم ، والمحل غير مستحيل استحالة مطلقة ، وإذا لم يقم البائع بتنفيذ التزامه ولم ينقل ملكية المبيع إلى المشتري فالجزاء إنما هو الفسخ لا البطلان المطلق ( [18] ) .

وهناك رأي ثالث يذهب إلى أن بيع ملك الغير باطل بطلاناً نسياً ، إما لغلط فيشخص البائع فقد توهم المشتري أنه مالك للمبيع ، وإما لغلط في المبيع فقد توهم المشتري أنه مملوك للبائع ( [19] ) . وعيب هذا الرأي واضح ، فهو يقتضي ألا يكون بيع ملك الغير قابلاً للإبطال إلا إذا كان المشتري حسن النية فيكون قد وقع في غلط في البائع أو في المبيع . وهذا يتعارض مع عموم النص في التقنين الفرنسي ، ومع صريح النص في التقنين المصري فإن المادة 468 من هذا التقنين تصرح بوجوب التعويض للمشتري إذا كان حسن النية فإذا كان سيء النية بقى البيع قابلاً للإبطال وإن كان المشتري لا يستحق التعويض ( [20] ) .

 على أن الفقه الفرنسي الحديث أخذ يعدل عن هذه النظريات التقليدية ، ويذهب إلى أن دعوى بطلان بيع ملك الغير ليست إلا دعوى ضمان الاستحقاق يسبق المشتري إلى رفعها قبل أن ترفع عليه هو دعوى الاستحقاق من المالك الحقيق . فهو في دعوى ضمان الاستحقاق العادية يجب أن يتربص حتى يتعرض له المستحق ، وعند ذلك يرفع على البائع دعوى ضمان التعرض والاستحقاق . أما في بيع ملك الغير فقد أجاز المشرع للمشتري ألا ينتظر حتى يتعرض له المالك الحقيقي ، بل يبادر إلى رفع دعوى بطلان البيع ضد البائع ، فدعوى البطلان هذه ليست إلا دعوى ضمان استحقاق تعجل المشتري رفعها garantie d’evic – tion anticpee ( [21] ) . ولكن القول بأن دعوى البطلان هي دعوى ضمان استحقاق استبق إليها المشتري يقتضي أن تكون مدة التقادم ، لا عشر سنوات كما هو الأمر في القانون الفرنسي ، بل ثلاثين سنة وهذه هي مدة التقادم  في القانون الفرنسي في دعوى الضمان . فلا بد إذن أن يختلط ، في دعوى بطلان بيع ملك الغي ، معنى الضمان بمعنى البطلان ( [22] ) .

156 – رأي يستند إلى نظرية تحول العقد الباطل : والتقنين المدني المصري الجديد صريح في أنه يجوز للمشتري إبطال بيع ملك الغير ( م 466  /  1 ) ، وفي أنه إذا أقر المالك البيع سرى العقد في حقه وانقلب صحيحاً في حق المشتري ( م 467  /  1 ) ، وفي أن البيع ينقلب صحيحاً في حق المشتري إذا آلت ملكية المبيع إلى البائع بعد صدور العقد ( م 467  /  2 ) . فهذه كلها نصوص صريحة قاطعة في أن بيع ملك الغير قابل للإبطال ، وقد قنن المشرع المصري بهذه النصوص الرأي الذي ساد فعلاً في كل من الفقه المصري والفقه الفرنسي .

بقى أن نؤصل هذا البطلان . وهناك رأي ذهب إليه الأستاذ سليمان مرقس ( [23] ) في عهد التقنين المدني الجديد ، يقول بأن بيع ملك الغير باطل بطلاناً مطلقاً لاستحالة المحل استحالة مطلقة في الظروف الخارجية المحيطة بالبائع . ثم يكمل نظرية البطلان المطلق بنظرية تحول العقد الإبطال ( conversion ) المنصوص عليها في المادة 144 مدني . فيتحول بيع ملك الغير طبقاً لهذه النظرية من بيع ناقل للملكية فوراً إلى بيع منشئ لالتزامات فحسب ، متى ثبت أن نية الطرفين المحتملة كانت تنصرف إلى ذلك لو علماً أن العقد الأول لا يمكن انعقاده بسبب عدم ملكية البائع . وقد فرض المشرع فرضاً غير قابل لإثبات العكس أن البائع انصرفت نيته المحتملة إلى تحول عقد البيع على هذا النحو ، أما انصرف نية المشتري إلى ذلك فمفروض إلى أن يثبت العكس ، فإذا تمسك المشتري بإبطال البيع فقد ثبت العكس وأنه لم تنصرف نيته إلى التحول . ويختتم الأستاذ سليمان مرقس رأيه بالعبارة الآتية : ” وعلى ذلك يمكن القول بأن المشرع قد جعل من تنظيم بعي ملك الغير في المواد 466 وما بعدها تطبيقاً تشريعياً لنظرية تحول العقد الباطل ، تجاوز فيها بعض الشيء عما تقتضيه نظرية التحول العامة من انصراف نية العاقدين المحتملة إلى التحول ، إذ فرض فيه انصراف نية البائع .  المحتملة إلى التحول فرضاً غير قابل لإثبات العكس ، دون أن يفرض مثل ذلك في نية المشتري ” ( [24] ) .

ونأخذ على هذا الرأي أمرين :

أولاً – القول بأن بيع ملك الغير هو في أصله باطل بطلاناً مطلقاً يتعارض تعارضاً واضحاً مع صريح نصوص التقنين المدني المصري ، فقد بينا أن هذه النصوص قاطعة في أن يبع ملك الغير قابل للإبطال لا باطل بطلاناً مطلقاً ( [25] ) .

ثانياً – والقول بأن العقد الباطل قد تحول إلى عقد منشئ للالتزامات يتعارض مع نظرية التحول المعروفة . فهذه تقتضي أن تكون نية كل من المتعاقدين المحتملة تنصرف وقت العقد – لا بعد ذلك –إلى العقد الجديد بدلاً من العقد الباطل . ونية المشتري المحتملة تستعصى على هذا التأويل . فأما أن تكون هذه النية قد انصرفت احتمالاً إلى العقد الجديد منذ البداية ، فلا يجوز إثبات العكس ، وينبغي ألا يجوز تبعاً لذلك للمشتري أن يطلب إبطال البيع . وإما ألا تكون قد انصرفت إلى العقد الجديد ، فلا يكون هناك تحول ، وينبغي أن يبقى البيع باطلاً بطلاناً مطلقاً ، وهذا ما يتعارض مع النص الصريح .

157 – رأي آخر يذهب إلى أن بيع ملك الغير عقد موقوف : وهناك رأي آخر يذهب إلى أن بيع ملك الغير هو عقد موقوف على النحو المعروف في الفقه الإسلامي . قال بهذا الرأي الأستاذ شفيق شحاتة في كتابه ” النظرية العامة للتأمين العيني ( [26] ) ” إذ كتب ما يأتي : ” وقد تضاربت آراء الشراح في طبيعة البطلان الذي يلحق ببيع ملك الغير . على أن الرأي الصحيح هو أن بيع ملك الغير هو بيع غير نافذ في حق المالك . وعدم نفاذ العقد الناقل  للملكية يجعله كذلك عديم الأثر فيما بين المتعاقدين . وليس ذلك معناه أن العقد باطل بطلاناً مطلقاً أو نسبياً ، فالعقد يعتبر في هذه الصورة عقداً موقوفاً . والعقد الموقوف يتوقف أثره على الإقرار الصادر من المالك ، فإذا أقره المالك أنتج أثره فيما ين المتعاقدين وبالنسبة إلى المالك ، وإذا لم يقره المالك فالعقد يظل معدوم الأثر كما كان ( [27] ) ” .

ويؤخذ على هذا الرأي ما يأتي :

أولاً – لو كان بيع ملك الغير عقداً موقوفاً ، لما أنتج أي أثر قبل أن يجيزه المالك الحقيقي ، كما تقضي بذلك أحكام الفقه الإسلامي . ولكن بيع ملك الغير ينتج أثره في الحال ، شأنه شأن أي عقد قابل للإبطال ، ولا يبطل إلا إذا طلب المشتري إبطاله . ثم إن المشتري يملك الإجازة ، والعقد الموقوف في الفقه الإسلامي لا يجيزه إلا المالك الحقيقي .

ثانياً – نظرية العقد الموقوف إذا أمكن الأخذ بها في القانون المصري عن الفقه الإسلامي باعتباره مصدراً من مصادر هذا القانون ( م 1  /  2 مدني ) ، فذلك لا يكون إلا حيث لا يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه . ولذلك قد يصح الأخذ بها مجاوزة الوكيل لحدود الوكالة ، فيكون تعاقده موقوفاً على إجازة الموكل ، إذ لا نص يمنع من الأخذ بها . أما هنا فيوجد كما رأينا نص تشريعي صريح يجعل بعي ملك الغير عقداً قابلاً للإبطال لا عقداً موقوفاً ، فيجب في هذه الحالة إعمال النص الصريح ( [28] ) .

 158 – الرأي الذي تقف عنده – بيع ملك الغير قابل للإبطال بموجب نص خاص في القانون أنشأ البطلان : لذلك لا نرى بداً من القول بأن بيع ملك الغير ليس بعقد باطل ولا بعقد موقوف ، بل هو عقد قابل للإبطال كما يقطع بذلك صريح النص فيما قدمناه . ونعيد هنا ما كنا نقوله في هذا الصدد في عهد التقنين المدني السابق ( [29] ) ، فإن التقنين المدني الجديد لم يدخل أي تعديل في تأصيل بطلان بيع ملك الغير :

لا يسعنا ، إزاء تضارب الآراء في تأصيل بطلان بيع ملك الغير ، إلا أن نرجع إلى الأصل التاريخي لهذا البطلان . كان بيع ملك الغير في القانون الروماني صحيحاً ، لأن البيع في هذا القانون لم يكن من طبيعته نقل الملكية ، بل كل ما كان يلتزم به البائع هو أن ينقل حيازة المبيع إلى المشتري وأن يضمن له دوام هذه الحيازة دون تعرض من أحد ( [30] ) . وغير المالك قد يستطيع أن يقوم بذلك ، ومن ثم كان بيعه صحيحاً . وكان يترتب على ذلك أن المشتري لشيء غير مملوك للبائع لا يستطيع أن يرفع دعوى ضمان على البائع إلا إذا تعرض له المالك الحقيقي ، فيبقى قبل هذا التعرض مهدداً دون أن يستطيع شيئاً قبل البائع . واستمرت الحال على ذلك في القانون الفرنسي القديم ، رغماً من أن البيع أخذ يتدرج في طبيعته إلى عقد ناقل للملكية . ثم لما قرر التقنين المدني الفرنسي ، ومن بعده التقنين المدني المصري القديم والجديد ، بعبارة حاسمة أن البيع ينقل الملكية ، أصبح للإبطال لحماية المشتري ، فيستطيع هذا ، قبل أن يتعرض له المالك الحقيقي ، أن يبادئ البائع بطلب إبطال البيع ، فلا يبقى مكتوف اليدين ينتظر تعرض المالك الحقيقي حتى يتمكن من تصحيح موقفه ( [31] ) .

فالعلة إذن في كون بيع ملك الغير قابلاً للإبطال هي منافاة هذا العقد لطبيعة  البيع . ولكن العلة وحدها لا تكفي . فمنافاة بيع ملك الغير لطبيعة البيع قد تكون علة معقولة للبطلان ، ولكن ليس في القواعد العامة ما يجعل منها سبباً لإبطال العقد . فسبب إبطال العقد ، وفقاً للقواعد العامة ، ليس إلا نقص الأهلية أو عيباً من عيوب الرضاء . لذلك كان لا بد من نص خاص ينشئ بطلان بعي ملك الغير ، ويستند إلى العلة المعقولة التي قدمناها ، وقد وجد هذا النص . فهو نص منشئ للبطلان لا كاشف عنه ( [32] ) ، ولو لم يوجد لما أمكن القول بأن بيع ملك الغير قابل للإبطال ، بل لوجب القول بأنه صحيح ولكنه قابل للفسخ لعدم استطاعة البائع تنفيذه التزامه بنقل الملكية ( [33] ) .

وأكثر الفقهاء يفترضون أن النص ليس إلا تطبيقاً للقواعد العامة ، ثم يبحثون في نطاق هذه القواعد عن سبب البطلان ، فيحتدم الخلاف ينهم ويتضاربون . والواقع من الأمر أن البطلان هنا خاص بالبيع ، أنشأه نص تشريعي خاص ، لعلة معقولة هي منافاة بيع ملك الغير لطبيعة البيع . ومن ثم كانت قواعد هذا البطلان تختلف في بعض النواحي عن القواعد العامة في البطلان . من ذلك أن بيع ملك الغير يجيزه المالك الحقيقي ، وينقلب صحيحاً إذا أصبح البائع مالكاً للمبيع ، مع أن العقد القابل للإبطال لا ينقلب صحيحاً إلا إذا أجازه العاقد الذي تقرر البطلان لمصلحته وهو هنا المشتري ( [34] ) . فلا بد إذن من القول  بأن بطلان بيع ملك الغير بطلان خاص بعقد البيع لا يستمد من القواعد العامة ، وقد أنشأه نص تشريعي صريح واستند في إنشائه إلى علة معقولة ( [35] ) .

 159 – بيع عقار الغير قابل للإبطال بعد التسجيل وقبله : ويلاحظ  أن بيع العقار لا يزال من طبيعته نقل الملكية ، سواء سجل أو لم يسجل . فلم يغير قانون التسجيل ، ولا قانون الشهر بعده ، من طبيعة عقد البيع . ونصوص هذين القانونين صريحة في هذا المعنى . فتنص المادة الأولى من قانون التسجيل على أن ” جميع العقود الصادرة بين الأحياء بعوض أو بغير عوض التي من شأنها إنشاء ملكية . . . يجب شهرها بواسطة تسجيلها ” . وتنص المادة التاسعة من قانون الشهر على أن ” جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية العقارية الأصلية . . يجب شهرها بطريق التسجيل ” . فبيع العقار قبل أن يسجل لا يزال من شأنه – أو من طبيعته – نقل الملكية ، إذ ينشئ التزاماً بنقلها في جانب البائع . فبيع عقار الغير إذن لا يزال منافياً لطبيعة عقد البيع ، ومن ثم فعلة البطلان في البيع غير المسجل موجودة ، والنص على البطلان عام شامل لا يميز بين البيع المسجل والبيع غير المسجل . بل إن التقنين المدني الجديد جاء حاسماً في هذا الصدد ، فنص صراحة على جواز أن يطلب المشتري إبطال بيع عقار الغير ولو لم يسجل البيع ، إذ يقول في نهاية الفقرة الأولى من المادة 466 : ” ويكون الأمر كذلك ( أي يجوز للمشتري طلب إبطال البيع ) ولو وقع البيع على عقار ، سجل العقد أو لم يسجل ” . وما دامت علة البطلان موجدة ، وما دام النص المنشئ للبطلان عاماً يشمل العقد المسجل والعقد غير المسجل ، وجب القول إن بيع عقار الغير يكون قابلاً للإبطال قبل تسجيله ، ويبقى بطبيعة الحال قابلاً للإبطال بعد التسجيل .

ولا يمكن القول بأن بعي عقار الغير صحيح قبل التسجيل ، قابل للإبطال بعده ( [36] ) . فإن التسجيل لا يبطل عقداً صحيحاً ولا يصح عقداً صحيحاً ولا يصح عقداً باطلاً ، فلو كان بيع عقار الغير صحيحاً قبل التسجيل فإنه ينبغي أن يستمر صحيحاً بعده ( [37] ) . ولما كان بيع عقار الغير قابلاً للإبطال قبل التسجيل ، فإنه يجب أن يستمر قابلاً للإبطال بعد التسجيل .

 كذلك لا يمكن القول بأن بيع ملك الغير حتى يكون باطلاً يجب أن يكون المقصود بالبيع نقل الملكية في الحال ، والبيع غير المسجل لا ينقل الملكية في الحال ، فبيع عقار الغير صحيح قبل التسجيل ، ويبقى صحيحاً بعد التسجيل لأن التسجيل آل يبطل عقداً صحيحاً ( [38] ) . ذلك أنه يجوز أن يقصد المتعاقدان نقل الملكية في الحال ، ولكنها لا تنتقل فعلاً لسبب لا يرجع إلى إرادتهما . ففي حالة البيع غير المسجل لا يزال المتعاقدان يقصدان نقل الملكية في الحال ، ولكن يحول دون ذلك ضرورة التسجيل وهو وضع اقتضاه القانون لا إرادة المتعاقدين . فتبقى علة البطلان – وهي قصد نقل الملكية في الحال – متوافرة في بيع عقار الغير قبل التسجيل ، فيكون هذا البيع باطلاً للإبطال ، وقد ورد نص التقنين المدني الجديد ( م 466  /  1 ) صريحاً في هذا المعنى كما سبق القول ( [39] ) .

 ب – أحكام بيع ملك الغير

160 – فيما بين المتعاقدين وبالنسبة إلى المالك الحقيقي : بعد أن أصلنا بطلان بعي ملك الغير على النحو المتقدم ، ننتقل إلى بيان أحكام هذا البيع : ( أولا ) فيما بين المتعاقدين ( ثانياً ) بالنسبة إلى المالك الحقيقي .

أولاً – فيما بين المتعاقدين :

161 – المشتري وحده هو الذي يجوز له طلب إبطال البيع : لما كان بيع ملك الغير قابلاً للإبطال لمصلحة المشتري ، فالمشتري وحده هو الذي يجوز له طلب إبطال البيع ( م 466  /  1 مدني ) . وله أن يتمسك بإبطال البيع ، إما في صورة دعوى إبطال يرفعها على البائع ليسترد منه الثمن أو ليستبق ضمان الاستحقاق ، وإما في صورة دفع يدفع به دعوى البائع إذا طالبه هذا بالثمن ( [40] ) .

وللمشتري أن يتمسك بإبطال البيع حتى قبل أن يتعرض له المالك الحقيقي ( [41] ) ، وحتى لو كان يعرف وقت البيع أن البائع لا يملك المبيع . فهو إنما رضى بالبيع معتقداً أن البائع يستطيع أني حصل على ملكية المبيع فينقلها إليه ، فإذا تبين له أن البائع لا يستطيع ذلك ، فليس عليه أن ينتظر حتى يتعرض هل المالك الحقيق ، بل له أن يبادر إلى المطالبة بإبطال البيع . وهذه هي المزية الجوهرية في أن المشرع قد نص على جعل بيع ملك الغير قابلاً للإبطال لمصلحة المشتري ، كما سبق القول .

وإذا رفع المشتري دعوى الإبطال ( [42] ) ، فقد ثبت حقه في إبطال البيع . ويتحتم على القاضي أن يحكم له بذلك ، حتى لو أقر المالك الحقيقي البيع أو أصبح البائع مالكاً قبل صدور الحكم ، ما دام المشتري قد رفع دعوى الإبطال قبل  إقرار المالك الحقيقي أو قبل صيرورة البائع مالكاً . ذلك أن القاضي إنما يرجع في حكمه إلى وقت رفع الدعوى ، وفي هذا الوقت كان البيع قابلاً للإبطال ولم يكن المالك الحقيقي قد أقره أو أصبح البائع مالكاً للمبيع ( [43] ) .

وتسقط دعوى الإبطال بانقضاء ثلاث سنوات من وقت علم المشتري بأن البائع لا يملك المبيع ، وتسقط على كل حال بانقضاء خمس عشرة سنة من وقت  البيع ، وهذا قياساً على سائر دعاوى الإبطال ( [44] ) .

أما البائع فلا يملك طلب إبطال البيع ، لأن الإبطال لم يتقرر لمصلحته بل لمصلحة المشتري ( [45] ) . وهناك رأي وجيه يذهب إلى أن للبائع طلب إبطال البيع للغلط ، إذا كان يجهل وقت البيع أن المبيع غير مملوك له ( [46] ) .

 162 – وللمشتري أن يطلب التعويض : ولا يقتصر المشتري على طلب إبطال البيع ، بل له أيضاً أن يطالب بتعويض ما أصبه من ضرر ، من خسارة لحقت به أو كسب فاته ، بسبب إبطال البيع ( [47] ) . ولكن يشترط في ذلك أن يكون حسن النية ( [48] ) ، على ألا يكون وقت البيع عالماً بأن البائع لا يملك المبيع ( [49] ) . أما إذا كان يعلم ذلك ، فإنه يستطيع أن يطالب بإبطال البيع ، ولكنه لا يسترد إلا الثمن دون أي تعويض ، بل دون مصروفات البيع التي أنفقها ،  ذلك أنه قدم على البيع وهو عالم بأن المبيع غير مملوك للبائع ، فهو الذي يحمل تبعة ذلك ( [50] ) .

ولا يشترط في جواز المطالبة بالتعويض أن يكون البائع سيء النية ، أي أن يكون عالماً وقت البيع أن المبيع غير مملوك له . فحتى لو كان البائع حسن النية ، يعتقد وقت البيع أنه مالك للمبيع ، لم يمنع ذلك من جواز أن يطالب المشتري بتعويض على النحو المتقدم ( [51] ) . وهاذ ما تنص عليه صراحة المادة 468 مدني إذ تقول : ” إذا حكم للمشتري بإبطال البيع ، وكان يجهل أن المبيع غير مملوك للبائع ، فله أن يطالب بتعويض ولو كان البائع حسن النية ( [52] ) ” .

ومصدر التعويض ، بعد إبطال البيع ، لا يمكن أن يكون عقد البيع نفسه ، فقد زال بالإبطال . وإنما يصح أن يرد مصدر التعويض في حال سوء نية البائع إلى الخطأ التقصيري ، وفي حالة حسن نيته إلى نظرية الخطأ في تكوين العقد  ( culpa in contrahendo ) ( [53] ) . كما يجوز القول هنا بتحول العقد ، فيتحول بيع ملك الغير بعد إبطاله إلى عقد ملزم للبائع بالتعويض ، على أساس أن النية المحتملة للمتعاقدين قد انصرفت إلى هذا الإلزام لو أنهما كانا يعلمان أن البيع سيبطل ( [54] ) .

163 – وللمشتري أن يجيز البيع – دعوى الفسخ وضمان الاستحقاق : على أن المشتري قد لا يطلب إبطال البيع ، بل يجيزه صراحة أو ضمناً ( [55] ) ، فينقلب البيع صحيحاً ، ويبقى منشئاً لالتزامات في جانب البائع والتزامات في جانب المشتري . ولكن البيع على هذا النحو لا ينقل ملكية المبيع إلى المشتري ، لأن المالك الحقيقي وهو أنبي عن العقد لا تنتقل منه الملكية إلا برضائه . وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 466 مدني إذ تقول : ” وفي كل حال لا يسري هذا البيع في حق المالك للعين المبيعة ، ولو أجاز المشتري العقد ” .

وإجازة المشتري للعقد تزيل قابليته للإبطال ، وتقلبه صحيحاً فيما بين المتعاقدين كما قدمنا . فيكون البائع ملتزماً بنقل ملكية المبيع وبتسليمه ( [56] ) وبضمان  إذا آلت ملكية المبيع إلى البائع بعد صدور العقد . وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الثانية من المادة 467 مدني ، إذ تقول : ” وكذلك ينقلب العقد صحيحاً في حق المشتري إذا آلت ملكية المبيع إلى البائع بعد صدور العقد ” .

ذلك أنه إذا آلت ملكية المبيع إلى البائع – كأن ورث البائع المالك الحقيقي أو اشترى المبيع منه أو تلقاه وصية أو نحو ذلك – وهو يزال ملتزماً بنقل الملكية لأن المشتري لم يتمسك بعد بإبطال البيع ( [57] ) ، فإن هذا الالتزام ينفذ فوراً ما دام العائق الذي كان يحول دون تنفيذه ، وهو انعدام الملكية عند البائع ، قد زال وأصبح البائع مالكاً . ومن ثم تنتقل الملكية إلى المشتري – بعد التسجيل في العقار – بمجرد أيلولتها للبائع ( [58] ) . ومتى أصبح المشتري مالكاً للمبيع ، لم يعد هناك محل لإبطال البيع ، لأن الإبطال تقرر لحماية المشتري وقد أصبح الآن في غير حاجة لهذه الحماية . فينقلب البيع صحيحاً ، وذلك بحكم القانون لا بحكم الإجازة . ويكون البائع ، بعد أن انتقلت ملكية المبيع إلى المشتري ، ملتزماً  بتسليمه إياه وبضمان الاستحقاق لسبب آخر وبضمان العيوب الخفية . ويكون المشتري من جهته ملتزماً بدفع الثمن والمصروفات وبتسلم المبيع ( [59] ) .

ثانياً – بالنسبة إلى المالك الحقيقي :

165 – إذا لم يقر المالك الحقيقي بالبيع : وسواء أجاز المشتري البيع أو لم يجزه ، فإن المالك الحقيقي أجنبي عن هذا البيع ، فلا يسري في حقه كما قدمنا . ومن ثم يبقى المالك الحقيقي مالكاً للمبيع إذا لم يقر البيع ، ولا تنتقل منه الملكية على المشتري ولو أجاز المشتري البيع فانقلب صحيحاً . ويترتب على ذلك أنه إذا سلم البائع المبيع إلى المشتري ، فإن المالك الحقيقي يستطيع أن يرجع على المشتري بدعوى الاستحقاق ، وأن يرجع على البائع بدعوى التعويض .

يرجع على المشتري بدعوى الاستحقاق لأنه لا يزال مالكاً للمبيع كما قدمنا ، فيسترده من تحت يده . بل له فوق ذلك أن يطالبه بالتعويض إذا كان سيء النية . أما إذا كان حسن النية ، فلا يرجع عليه بتعويض ، بل لا يرجع عليه بالثمار فإن المشتري وهو حسن النية يملك الثمار بالحيازة . ويرجع المشتري من جانبه على البائع بضمان الاستحقاق أو بدعوى الفسخ أو بدعوى الإبطال على النحول الذي بسطناه فيما تقدم . على أن المشتري قد يتملك المبيع ، لا بعقد البيع ، ولكن بسبب آخر من أسباب كسب الملكية . فهو إذا كان حسن النية ، يكسب المنقول بالحيازة ، ويكسب العقار بالتقادم القصير . وإذا كان سيء النية ،  يكسب كلاً من المنقول والعقار بالتقادم الطويل . فإذا ما كسب المشتري ملكية المبيع بالحيازة أو بالتقادم ، لم يستطع المالك الحقيقي أن يسترده منه ( [60] ) .

ومن أجل ذلك كان للمالك الحقيقي أن يرجع على البائع بالتعويض . يرجع عليه بالتعويض إذا ملك المشتري المبيع بالحيازة أو بالتقادم كما قدمنا ، فيتقاضى منه ما أصابه من ضرر بسبب فقده للمبيع . وكذلك يرجع عليه بالتعويض حتى لو لم يكسب المشتري ملكية المبيع ، ولكن ملك الثمار وهو حسن النية بموجب الحيازة ، فيتقاضى المالك الحقيقي من البائع قيمة هذه الثمار ( [61] ) . ويرجع عليه بالتعويض أخيراً حتى لو لم يملك المشتري المبيع ولا الثمار ، يطالبه بتعويض ما أصابه من ضرر بسبب خروج المبيع من يده . ومصدر التعويض هنا هو خطأ البائع ، فقد تسبب في الإضرار بالمالك الحقيقي ببيعه شيئاً مملوكاً لهذا الأخير ، لا سيما إذا كان البائع سيء النية فإنه يكون في هذه الحالة مغتصباً . ويجوز الرجوع على البائع بالتعويض حتى لو كان حسن النية ، فإن حسن النية لا ينفي أن يكون هناك خطأ في جانبه لعدم تحرزه في بيع ما لا يملكه ( [62] ) . ولكن إذا ثبت أن البائع كان حسن النية ولم يرتكب أي خطأ ، كأ ، وجد المبيع مثلاً في تركة مورثه واعتقد بحسن نية أنه قد ورثه فباعه ، لم يكن هناك محل للرجوع عليه بالتعويض .

166 – إذا أقر المالك الحقيقي البيع : وقد يقر المالك الحقيقي البيع بالرغم من أنه أجنبي عنه ، وهذه خصوصية في بيع ملك الغير كما قدمنا . وهذا الإقرار من شأنه أن ينقل من المالك الحقيقي إلى المشتري ، إذ زال العائق  الذي كان يحول دون نقل الملكية برضاء المالك الحقيقي بالبيع . ولذلك يجب تسجيل هذا الإقرار في بيع عقار الغير . ومتى انتقلت الملكية إلى المشتري ، فقد زال السبب الذي من أجله جعل المشرع البيع قابلاً للإبطال ، فينقلب صحيحاً بإقرار المالك الحقيقي ( ratification ) كما رأيناه ينقلب صحيحاً بإجازة المشتري ( confirmation ) . بل إن الإقرار أبعد أثراً من الإجازة ، إذ هو لا يقتصر على تصحيح العقد فيما بين المتعاقدين ، بل يجعل العقد فوق ذلك سارياً في حق المالك الحقيقي وينقل الملكية إلى المشتري ( [63] ) . وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الأولى من المادة 467 مدني ، إذ تقول : ” إذا أقر المالك البيع ، سرى العقد في حقه ، وانقلب صحيحاً في حق المشتري ” ( [64] ) .

وينقلب العقد صحيحاً في حق المشتري من وقت صدوره ، أي أن لإقرار المالك الحقيقي كما لإجازة المشتري في هذا الشأن أثراً رجعياً . ويسري العقد في حق المالك الحقيقي من وقت الإقرار ، فلا تنتقل الملكية منه إلى المشتري إلا من هذا الوقت وهذا فيما يتعلق بحقوق الغير . ويترتب على ذلك أنه إذا كان المالك الحقيقي قد رتب حقاً عينياً على المبيع قبل إقراره للبيع ، انتقلت ملكية المبيع إلى المشتري مثقلة بهذا الحق ، وجاز للمشتري أن يرجع على البائع بضمان الاستحقاق الجزئي ( [65] ) .

 وإذا ما انقلب العقد صحيحاً بإقرار المالك الحقيقي ، بقى مرتباً لالتزاماته . فيكون البائع متلزماً بنقل الملكية وقد انتقلت فعلاً بإقرار المالك . ويكون ملتزماً كذلك بضمان الاستحقاق كما إذا كان المالك قد رتب حقاً عينياً على البيع قبل إقراره للبيع ، وملتزماً بضمان العيوب الخفية . أما المشتري فيكون ملتزماً بدفع الثمن والمصروفات وبتسلم المبيع ( [66] ) .

2 – بيع المال الشائع

167 – صور مختلفة : إذا ملك اثنان أو أكثر مالاً بحصص معينة من غير أن تفرز حصة كل منهم ، فالمال مشاع ، وهم شركاء في الشيوع ( م 825 مدني ) . ويملك كل شريك في الشيوع حصته الشائعة ملكاً تاماً ، وله أن يتصرف فيها بجميع التصرفات الجائزة . ويتخذ التصرف في المال المشاع صوراً متعددة ، نقف عند ثلاث منها :

 1 – فتارة يتصرف الشريك في حصته كما هي شائعة ، فيبيعها مثلاً من شخص آخر ، شريك أو غير شريك ، وهذه الصورة لا تثير إشكالاً ، وهي الصورة الغالبة في التصرف في المال المشاع ( [67] ) . ونرجئ الكلام في تفصيلاتها ، فمكانه الملكية الشائعة . ويلاحظ أن صاحب الحصة الشائعة المنقولة إذا باعها من أجنبي بطريقة الممارسة ، كان لشركائه في هذا المنقول الشائع أن يستردوا الحصة المبيعة في خلال ثلاثين يوماً من تاريخ علمهم بالبيع أو من تاريخ إعلانهم به ( م 833 مدني ) . أما في العقار فللشركاء الأخذ بالشفعة ، وفقاً للقواعد المقررة في هذا الشأن .

2 – وتارة يتصرف الشريك قبل القسمة في جزء مفرز من مال الشائع أو في كل المال الشائع إلا حصة فيه . ونبحث هذه الصورة هنا في إيجاز . مرجئين التفصيل إلى حين الكلام في الملكية الشائعة في الجزء الخاص بحق الملكية .

3 – وأخيراً قد يتصرف الشريك قبل القسمة في جزء مفرز من المال الشائع أو في كل المال الشائع الذي لا يملك إلا حصة فيه . ونبحث هذه الصورة هنا في إيجاز ، مرجئين التفصيل إلى حين الكلام في الملكية الشائعة في الجزء الخاص بحق الملكية .

3 – وأخيراً قد يتصرف الشركاء جميعاً في المال الشائع عن طريق بيع التصفية ( licitation ) لعدم إمكان قسمة المال عيناً ، ونبحث هذه الصورة أيضاً في إيجاز .

أ – بيع الشريك جزءاً مفرزاً من المال الشائع أو كل المال الشائع .

168 – بيع الشريك جزءاً مفرزاً من المال الشائع : إذا باع الشريك جزءاً مفرزاً من المال الشائع قبل قسمة هذا المال ، فإنه يكون قد باع ما يملك وما لا يملك . ما يملك هو حصته في الشيوع في هذا الجزء المفرز ، وما لا يملك هو حصص سائر الشركاء في هذا الجزء . ويجب لبيان الحكم في هذا الفرض أن نميز بين حالتين : فأما أن يكون المشتري عالماً بأن البائع لا يملك الجزء المفرز الذي يبيعه وإنما يملك حصة فيه على الشيوع ، وإما أن يكون غير عالم بذلك ويعتقد بحسن نية أن البائع يملك دون شريك الحصة المفرزة التي باعها .

 ففي الحالة الأولى يكون المفروض أن المشتري قد اشترى من البائع الجزء المفرز أو ما يحل مما يقع في نصيب البائع عند القسمة . فإن وقع الجزء المفرز عند القسمة في نصيب البائع فقد خلص للمشتري ، وإن لم يقع تحول حق المشتري بحكم الحلول العيني من الجزء المفرز المبيع إلى الجزء المفرز الذي وقع فعلاً في نصيب البائع ( [68] ) . وهذا الحكم منصوص عليه صراحة في التقنين المدني الجديد في الفقرة الثانية من المادة 826 ، إذ تقول : ” وإذا كان التصرف منصباً على جزء مفرز من المال الشائع ، ولم يقع هذا الجزء عند القسمة في نصيب المتصرف ، انتقل حق المتصرف إليه إلى الجزء الذي آل إلى المتصرف بطريق القسمة ” . ومن ثم لا يجوز للمشتري في هذه الحالة أن يطلب إبطال البيع ، حتى بالنسبة إلى حصص الشركاء الآخرين غير الشريك البائع باعتبار أن البيع الواقع على هذه الحصص هو بيع ملك الغير ( [69] ) . بل يجب أن يتربص حتى يرى هل يقع عند القسمة الجزء المفرز المبيع في نصيب البائع ، فإن وقع فقد أصبح مالكاً له خلفاً عن البائع ، ومنذ البيع بفضل الأثر الكاشف للقسمة ، وإلا فقد ملك الجزء المفرز الذي وقع فعلاً في نصيب البائع بفضل الحلول العيني الذي نصت عليه المادة 826 مدني ( [70] ) .

 وفي الحالة الثانية ، إذا كان المشتري يجهل أن البائع لا يملك في الشيوع ، فقد وقع في غلط جوهري متعلق بالعين المبيعة ، إذا كان يعتقد أنها مملوكة للبائع دون شريك . فيكون البيع في حصة الشريك البائع بيعاً مشوباً بغلط جوهري ، وفي حصص سائر الشركاء بيع ملك الغير ، ومن ثم يكون قابلاً للإبطال في كل المبيع . ويجوز إذن للمشتري ، قبل القسمة ، طلب إبطال البيع ، لا في حصص الشركاء الآخرين فحسب ، بل أيضاً في حصة الشريك البائع . وهذا ما تنص عليه صراحة العبارة الأخيرة من الفقرة الثانية من المادة 826 مدني ، إذ تقول : ” وللمتصرف إليه ، إذا كان يجهل أن المتصرف لا يملك العين المتصرف فيها مفرزة ، الحق في إبطال التصرف ” ( [71] ) . ولكن إذا حصلت القسمة قبل أن  يطلب المشتري إبطال البيع ، فوقع الجزء المفرز المبيع في نصيب البائع ، اعتبر أنه مالك له وقت البيع بفضل الأثر الكاشف للقسمة ، فخلصت ملكيته للمشتري ، وانقلب البيع صحيحاً ، فلم يعد للمشتري الحق في طلب إبطال البيع . وإذا كان بيع ملك الغير ينقلب صحيحاً بصيرورة البائع مالكاً للمبيع بعد البيع ، فأولى أن ينقلب البيع في الحالة التي نحن بصددها صحيحاً وقد اعتبر البائع مالكاً للمبيع وقت البيع . أما إذا لم يقع الجزء المفرز المبيع في نصيب البائع ، فإن المشتري يستبقى حقه في طلب إبطال البيع ، ولا يجبر على أخذ الجزء المفرز الذي وقع فعلاً في نصيب البائع ، لأن الحلول العيني وفقاً للمادة 826 مدني لا يكون إلا حيث يعلم المشتري وقت البيع أن البائع لا يملك في الجزء المفرز إلا حصة في الشيوع ( [72] ) .

169 – بيع الشريك كل المال الشائع : وإذا باع الشريك كل المال الشائع ، وكان المشتري وقت البيع يعتقد أن المال مملوك للبائع وحده ، فإن البيع يكون قابلاً للإبطال في حصة الشريك البائع للغلط الجوهري ، وفي حصص سائر الشركاء لأن بيع الشريك لها هو بيع لملك الغير ( [73] ) .

فإذا كان المشتري يعلم وقت البيع أن للبائع شركاء في المال المبيع ، ولم يستطع البائع أن يستخلص ملكية كل هذا المال ، كان للمشتري الحق في طلب فسخ البيع . فإن وقع جزء مفرز من المال المبيع في نصيب البائع عند القسمة ،  كان للمشتري الحق إما في أخذه مع دفع ما يناسبه من الثمن ، وإما في فسخ البيع لتفرق الصفقة . وإذا استطاع البائع استخلاص ملكية المبيع ، كأن حصل على إقرار الشركاء للبيع أو اشترى حصصهم أو انتقلت إليهم هذه الحصص بأي سبب آخر من أسباب انتقال الملكية ، لم يعد للمشتري الحق في طلب فسخ البيع ، إذ تنتقل إليه من البائع ملكية كل المال المبيع ولا تتفرق عليه الصفقة .

170 – أثر البيع في حقوق باقي الشركاء : وسواء وقع البيع على جزء مفرز من المال الشائع أو على كل المال الشائع ، فإن الشركاء الآخرين – غير الشريك البائع – يعتبرون من الغير في هذا البيع بالنسبة إلى حصصهم الشائعة في الجزء المفرز أو حصصهم الشائعة في كل المال الشائع . وينفذ البيع في حقهم بالنسبة إلى حصة الشريك الشائعة ، فيحل المشتري محل الشريك البائع في هذه الحصة ، ويصبح شريكاً في الشيوع مع سائر الشركاء . فليس لشريك من هؤلاء أن يتعرض للمشتري في حصته الشائعة ، ولا أن يطلب إبطال البيع في هذه الحصة ، ولا أن يدعي الاستحقاق فيها . وإنما يستحق الشريك الجزء المفرز أو المال الشائع إذا وقع في نصيبه عند القسمة ، بفضل الأثر الكاشف لها ( [74] ) . وعلى العكس من ذلك  يخلص للمشتري الجزء المفرز أو المال الشائع إذا وقع في نصيب البائع عند القسمة ، أو إذا أقر سائر الشركاء البيع قبل القسمة ( [75] ) .

ب – بيع التصفية

( licitation )

171 – متى يكون بيع التصفية : إذا كان هناك شركاء على الشيوع في مال شائع ، وأراد أحد الشركاء القسمة ، ولم تمكن قسمة المال عيناً ، بيع  المال ليقتسم الشركاء الثمن بنسبة حصصهم وذلك لتصفية الشيوع ، ومن أجل هذا سمى هذا البيع بيع التصفية . وقد يشتري المال الشائع أجنبي فيدفع كل الثمن ، وقد يشتريه أحد الشركاء فيدفع الثمن بعد استنزال نصيبه فيه بقدر حصته . ونرى من ذلك أن بيع التصفية لا يكون إلا إذا توافر شرطان :

( الشرط الأول ) أن يكون هناك في الشيوع ، كحق ملكية شائع أو حق انتفاع شائع ، فإذا ملك الشيء الواحد أو حق الانتفاع فيه عدة ملاك أو عدة منتفعين على الشيوع ، جاز بيع التصفية ( [76] ) . ولا عبرة بسبب الشيوع ، فقد يكون الميراث كما هو الغالب ، وقد يكون سبباً آخر كما إذا اشترى عدة أشخاص داراً على الشيوع فيما بينهم أو كان الشيوع سببه في الأصل عقد شركة مدنية أو تجارية . ويجب أن تكون حقوق المشتاعين من طبيعة واحدة ، كأن يكونوا شركاء في حق ملكية أو شركاء في حق انتفاع . أما إذا وجد من يملك الرقبة ومعه من يملك حق الانتفاع ، فهذان لا يجوز بينهما القسمة ولا بيع التصفية ، لأن الرقبة غير حق الانتفاع . فإذا وجد ملاك شائعون للرقبة ، وكان حق الانتفاع منفصلاً عن الرقبة في يد أحد ملاك الرقبة أو في يد أجنبي . جاز بيع التصفية في الرقبة لأنها شائعة ، ولا يجوز في حق الانتفاع لأنه غير شائع ( [77] ) . وكذلك إذا كانت الرقبة في يد مالك واحد ، وكان حق الانتفاع لعدة منتفعين على الشيوع ، جاز بيع التصفية في حق الانتفاع دون الرقبة . أما إذا كانت الرقبة  مملوكة لملاك متعددين في الشيوع ، وكذلك حق الانتفاع ثابت لمنتفعين متعددين في الشيوع ، جاز بيع التصفية في الرقبة منفصلة عن حق الانتفاع ، وبيع التصفية في حق الانتفاع منفصلاً عن الرقبة ، فلا يتلازم الحقان في بيع التصفية .

( الشرط الثاني ) أن يكون المال الشائع لا تمكن قسمته عيناً بغير ضرر . وتنص المادة 841 مدني في هذا الصدد على أنه ” إذا لم تمكن القسمة عيناً ، أو كان من شأنها إحداث نقص كير في قيمة المال المراد قسمته ، بيع هذا المال بالطريق المبينة في قانون المرافعات ، وتقتصر المزايدة على الشركاء إذا طلبوا هذا بالإجماع ” . وتنص المادة 718 من تقنين المرافعات على أن ” العقار المملوك على الشيوع ، إذا أمرت المحكمة ببيعه لعدم إمكان القسمة بغير ضرر ، يجري بيعه بطريق المزايدة . . . ” . فإذا أمكنت قسمة المال عيناً دون ضرر ، لم يكن هناك محل لبيع التصفية ، بل يقسم المال أجزاء مفرزة طبقاً للإجراءات المقررة في قسمة المال الشائع . أما إذا لم تمكن قسمة المال عيناً لأن طبيعته تستعصى على هذه القسمة كالسيارة والفرس ، أو أمكنت القسمة ولكن بضرر يعود على المال المقسوم إذا تنقص قيمته نقصاً كبيراً كالمصنع والمبنى ، جاز الالتجاء إلى بيع التصفية ( [78] ) .

172 – إجراءات بيع التصفية : إذا اتفق الشركاء جميعاً ، ولم يكن بينهم من هو ناقص الأهلية ، على إجراء بيع التصفية بالممارسة أو بالمزاد بطريقة يرسمون إجراءاتها ، جاز ذلك ووجب إتباع ما اتفقوا عليه . وتقول المادة 835 مدني في هذا الصدد ” للشركاء ، إذا انعقد إجماعهم ، أن يقتسموا المال الشائع بالطريقة التي يرونها . فإذا كان بينهم من هو ناقص الأهلية ، وجبت مراعاة الإجراءات التي يفرضها القانون ” .

 أما إذا لم يتفق الشركاء جميعاً على طريقة معينة ، أو كان بينهم من هو ناقص الأهلية ، فإنه لا يمكن إجراء بيع التصفية إلا طبقاً للإجراءات المقررة في تقنين المرافعات . وقد رأينا أن المادة 718 من تقنين المرافعات تنص على أن ” العقار المملوك على الشيوع ، إذا أمرت المحكمة ببيعه لعدم إمكان القسمة بغير ضرر ، يجري بيعه بطريق المزايدة بناء على قائمة بشروط البيع يودعها قلم كتاب المحكمة المختصة من يعنيه التعجيل من الشركاء ” ( [79] ) .

ويخلص مما قدمناه أنه إذا لم يكن بين الشركاء من هو ناقص الأهلية ، جاز لهم أن يتفقوا جميعاً على أن تقتصر المزايدة على الشركاء ، فلا يدخل أجنبي في المزاد ، ويرسو المال على الشريك الذي يقدم أكبر عطاء ( [80] ) .

173 – الآثار التي تترتب على بيع التصفية : تختلف هذه الآثار اختلافاً جوهرياً بحسب ما إذاك أن مشتري المال الشائع أو من رسا عليه المزاد فيه هو أحد الشركاء ، أو كان أجنبياً . ففي الحالة الأولى يعتبر بيع التصفية قسمة محضة ، وقد وقع المال الشائع كله في نصيب الشريك الذي اشتراه . فإن زادت حصته في جميع الأموال الشائعة على الثمن الذي اشترى به ، أخذ الباقي من أموال  أخرى شائعة بعد قسمتها ، أو من طريق معدل ( soulte ) للقسمة . وإن زاد الثمن على حصة الشريك ، دفع هذا للشركاء الآخرين معدلاً للقسمة . أما في الحالة الثانية فيعتبر بيع التصفية بيعاً عادياً صادراً من جميع الشركاء للمشتري ، وتجري أحكام البيع ي العلاقة ما بينهم وبين المشتري ( [81] ) .

ومما يترتب على هذا الاختلاف في الحكم ما يأتي : ( 1 ) يتقاضى على التسجيل رسم البيع ، ويكون ضرورياً لنقل الملكية حتى فيما المتعاقدين ، إذا كان المشتري أجنبياً . ويتقاضى عليه رسم القسمة ، ولا يكون ضرورياً لنقل الملكية إلا بالنسبة إلى الغير ، إذا كان المشتري أحد الشركاء . ( 2 ) التصرفات التي صدرت من الشركاء في المال الشائع تبقى إذا كان المشتري أجنبياً ، وتزول إذا كان المشتري أحد الشركاء وذلك فيما عدا التصرفات التي صدرت من هذا الشريك . ( 3 ) الثمن يكون مضموناً بامتياز البائع إذا كان المشتري أجنبياً ، وبامتياز المتقاسم إذا كان المشتري أحد الشركاء . ( 4 ) تسري أحكام الغبن في البيع أو في القسمة ، بحسب ما يكون المشتري أجنبياً أو أحد الشركاء . ( 5 ) تسري أحكام ضمان الاستحقاق وضمان العيوب الخفية في البيع أو في القسمة ، بحسب ما يكون المشتري أجنبياً أو أحد الشركاء ( [82] ) .

3 – بيع المريض مرض الموت

174 – النصوص القانونية : تنص المادة 477 من التقنين المدني على ما يأتي :

 ” 1 – إذا باع المريض مرض الموت لوارث أو لغير وارث بثمن يقل عن قيمة المبيع وقت الموت ، فإن البيع يسري في حق الورثة إذا كانت زيادة قيمة المبيع على الثمن لا تجاوز ثلث التركة ، داخلاً فيها المبيع ذاته ” .

  ” 2 – أما إذا كانت هذه الزيادة تجاوز ثلث التركة ، فإن المبيع فيما يجاوز الثلث لا يسري في حق الورثة إلا إذا أقروه أو رد المشتري للتركة ما يفي بتكملة الثلثين ” .

 ” 3 – ويسري على بيع المريض مرض الموت أحكام المادة 916 ” .

وتنص المادة 478 على ما يأتي :

 ” لا تسري أحكام المادة السابقة إضراراً بالغير حسن النية إذا كان هذا الغير قد كسب بعوض حقاً عينياً على العين المبيعة ( [83] ) ” .

وتقابل هذه النصوص في التقنين المدني السابق المواد 254 – 256 مكررة  /  320 – 323 ( [84] ) .

 وتقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري  المادتين 445 – 446 – وفي التقنين المدني الليبي المادتين 466 – 467 – وفي التقنين المدني العراقي المادة 1109  /  1 – وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني لا مقابل ( [85] ) .

ونبين : ( أ ) ما هو مرض الموت وتقييده لتصرفات المريض ( ب ) أحكام البيع في مرض الموت .

 أ – ما هو مرض الموت وتقييده لتصرفات المريض

175 – ما هو مرض الموت : يجب في تحديد مرض الموت الرجوع إلى الفقه الإسلامي مفسراً بقضاء المحاكم . وقد جاء في الفتاوى الهندسية : ” المريض مرض الموت من لا يخرج لحوائج نفسه وهو الأصح ، كذا في خزانة المفتين . حد مرض الموت تكملوا فيه ، والمختار للفتوى أنه إذا كان الغالب منه الموت كان مرض الموت ، سواء كان صاحب فراش أم لم يكن ، كذا في المضمرات ” ( [86] ) . وجاء في ابن عابدين : ” في الهندية المريض مرض الموت من لا يخرج لحوائجه خارج البيت وهو الأصح اهـ . وفي الإسماعيلية من به مرض يشتكي منه وفي كثير من الأوقات . يخرج إلى السوق ويقضي مصالحه لا يكون به مريضاً مرض الموت ( [87] ) ” . ونصت المادة 1595 من مجلة الأحكام العدلية – وهي تقنين للفقه الحنفي – على ما يأتي : ” مرض الموت هو الذي يغلب فيه خوف الموت ، ويعجز معه المريض عن رؤية مصالحه خارجاً عن داره إن كان من الذكور وعن رؤية مصالحه داخل داره إن كان من الإناث ، ويموت على ذلك الحال قبل مرور سنة ، سواء كان صاحب فراش أو لم يكن . وإن امتد مرضه ومضت عليه سنة وهو على حال واحدة ، كان في حكم الصحيح ، وتكون تصرفاته كتصرفات الصحيح ما لم يشتد مرضه ويتغير حاله . ولكن لو اشتد مرضه وتغير حاله ومات قبل مضي سنة ، يعد حاله اعتباراً من وقت التغير إلى الوفاة مرض موت ( [88] ) ” .

 ويؤخذ مما تقدم أن هناك شروطاً ثلاثة ليكون المرض مرض موت : ( 1 ) أن يقعد المرض المريض عن قضاء مصالحه . ( 2 ) وأن يغلب فيه الموت . ( 3 ) وأن ينتهي بالموت فعلاً . فهذه العلامات مجتمعة – وكلها أمور موضوعية – من شأنها أن تقيم في نفس المرض حالة نفسية هي أنه مشرف على الموت . ولما كان الفقه الإسلامي يقف عند الضوابط الموضوعية ، ويستدل بها على الأمور الذاتية ، فإنه يكتفي بهذه العلامات المادية ليستخلص منها أن المريض وهو يتصرف كانت تقوم به حالة نفسية هي أن أجله قد دنا ، فيسر تصرفه في ضوء هذه الحالة ، ويفترض أنه إما يوصي ، فيجعل لتصرفه حكم الوصية . ولا حاجة بعد ذلك إلى التفتيش عن خفايا نفس المريض واستكناه ما يضمره ، فهذا بحث عسير إن لم يكن متعذراً ، ويكفي أن تقوم هذه العلامات المادية أمارات على حالته النفسية ، فنقلب عندها ، ولا نذهب في البحث إلى مدى أبعد من ذلك . على أنه إذا وجد شخص في هذه الحالة النفسية لسبب غير المرض ، كالمحكوم عليه بالإعدام ومن حوصر في حرب ، فإنه يعتبر في حكم المريض ، متى كان هذا السبب هو أيضاً خاضعاً للضوابط المادية .

فنستعرض شروط مرض الموت الثلاثة ، ثم نستعرض حالة الأصحاء الذين تقوم بهم حالة نفسية تجعلهم في حكم المرضى .

176 – المرضى يقعد المريض عن قضاء مصالحه : يجب أن يجعل المرض المريض عاجزاً عن قضاء مصالحه العادية المألوفة التي يستطيع الأصحاء عادة مباشرتها ، كالذهاب إلى السوق وممارسة أعمال المهنة إذا لم تكن شاقة وقضاء الحوائج المنزلية إذا كان المريض من الإناث ( [89] ) . وليس واجباً ، ليكون المريض مرض الموت ، أن يلزم المريض الفراش ، فقد لا يلزمه ويبقى مع ذلك عاجزاً عن قضاء مصالحه ( [90] ) .

 وعلى العكس من ذلك قد يكون الإنسان عاجزاً عن قضاء مصالحه ، ولكن لا بسبب المرض ، فلا يعتبر في مرض الموت . فقد يصل الإنسان إلى سن عالية ف شيخوخته تجعله غير قادرة على مباشرة الأعمال المألوفة ، ويكون في حاجة إلى من يعاونه عليها ، وليس به من مرض وإنما هي الشيخوخة أوهنته ، فهذا لا يكون مريضاً مرض الموت ، ويكون لتصرفاته حكم تصرفات الأصحاء ( [91] ) . أو يكون عاجزاً عن مباشرة الشاق من أعمال مهنته بسبب المرض ، كما إذا كان محترفاً حرفة شاقة لا يستطيع مباشرتها إلا وهو في كالم عافيته ، فيقعده مرضه عن ذلك دون أن يعجزه عن مباشرة المألوف من الأعمال بين الناس ، فلا يكون في هذه الحالة مريضاً مرض الموت .

177 – ويغلب في المرض خوف الموت : ولا يكفي أن يقعد المرض المريض عن قضاء مصالحه ، بل يجب أيضاً أن يغلب فيه خوف الموت ، فيكون مرضاً خطيراً من الأمراض التي تنتهي عادة بالموت ، أو يكون مرضاً بدأ بسيطاً ثم تطور حتى أصبحت حالة المريض سيئة يخشى عليه فيها الموت . أما إذا كان المرض لم يصل إلى هذا الحد من الخطورة ، فإنه لا يعتبر مرض موت ولو أعجز المريض عن قضاء مصالحه . مثل ذلك أن يصاب الإنسان برمد في عينيه فيعجزه عن الرؤية ، أو بمرض في قديمه فيعجزه عن المشي ، فلا يستطيع قضاء مصالحه ، ولكن المرض يكون من الأمراض التي يشفى منها المريض عادة ولا يغلب فيها خوف الموت . فهنا لا يعتبر المريض في مرض الموت وإن عجز  عن قضاء مصالحه ، لأن المرض لا يغلب فيه الهلاك ، فتكون تصرفات المريض في هذه الحالة حكمها حكم تصرفات الأصحاء ( [92] ) . وكذلك الأمراض المزمنة ، إذا طالب بحيث يطمئن المريض إلى ابتعاد خطر الموت العاجل ، لا تكون في هذا الوقت مرض موت ، وسنعود إلى بيان ذلك .

وقد ظهر مما قدمناه أن الشرط الأول وهو قعود المريض عن قضاء مصالحه ، لا يغني عن الشرط الثاني وهو أن يغلب في المرض خوف الموت . ولكن هل يغني الشرط الثاني عن الشرط الأول؟ هناك رأي يذهب إلى أنه يغني ، فيكفي أن يغلب في المرض خوف الموت دون حاجة إلى قعود المريض عن قضاء مصالحه ( [93] ) . وهنا رأي آخر يستبقي الشرطين معاً ، ويجعل الأصل  فيها هو أن يغلب في المرض خوف الموت ، أما قعود المريض عن قضاء مصالحه فهذه هي العلامة المادية التي تشعر المريض بأن المرض يتهدده بالموت . ويغني عن هذه العلامة المادية أية علامة أخرى تنبئ عن هذا الشعور ، فمتى ثبت قيام هذا الشعور بنفس المريض كان هذا كافياً ولو لم يقعد المريض عن قضاء مصالحه . ومقتضى هذا الرأي الآخر أنه لا يكفي أن يغلب في المرض خوف الموت ، بل يجب أيضاً أن يشعر المريض بذلك ، وقعوده عن قضاء مصالحه ليس إلا وضعاً مادياً يدل على شعوره بذلك ( [94] ) .

178 – وينتهي المرض بالموت فعلاً : ويجب أخيراً أن ينتهي المرض بالموت فعلاً ( [95] ) ، فإذا أصيب شخص بمرض أقعده عن قضاء مصالحه ، وغلب فيه خوف الموت ، ولكنه مع ذلك برئ منه ، وكان قد تصرف في ماله أثناء المرض ، كان حكم تصرفه هذا هو حكم تصرف الأصحاب . ونرى من ذلك أن المريض بمرض يقعد عن قضاء المصالح ويغلب فيه خوف الموت إذا تصرف في ماله أثناء هذا المرض ، كان تصرفه معتداً به حال حياته ، ولا يجوز للورثة الاعتراض عليه ما دام المريض حياً . فإذا انتهى المرض  بالموت ( [96] ) ، تبين عند ذلك أن التصرف وقع في مرض الموت ، وجاز الطعن فيه على هذا الأساس . وإذا شفى المريض ، تبين أن التصرف الذي صدر منه لم يقع في مرض الموت ، فلا يجوز الطعن فيه بذلك من الورثة ( [97] ) . ولكن يجوز لمن صدر منه التصرف نفسه أن يطعن في تصرفه بالغلط في الباعث ، بأن يثبت أنه إنما تصرف وهو معتقد أنه في مرض الموت ولو اعتقد أنه سيشفى ما كان ليتصرف ، ففي هذه الحالة يكون التصرف قابلاً للإبطال للغلط ويجوز للمتصرف أن يبطله لهذا العيب .

وقد يطول المرض ، بأن يكون من الأمراض المزمنة كالشلل والسل ، ثم ينتهي بالموت ولكن بعد مدة طويلة . والقاعدة في هذه الأمراض المزمنة أنها لا تعتبر للوهلة الأولى مرض موت إذا طالت دون أن تشتد ، بحيث يطمئن المريض إلى أن المرض قد وقف سيره ، ولم يعد هناك منه خطر داهم . وهذا حتى لو كان المرض قد أقعد المريض عن قضاء مصالحه وألزمه الفراش ، ما دام لم يعد يغلب فيه خطر الموت العاجل . لكن إذا اشتد المرض بعد ذلك ، وساءت حالة المريض حتى أصبحت تنذر بدنو الأجل ، واستمر المرض في الاشتداد حتى انتهى بالموت فعلاًن فإنه يعتبر مرض موت من الوقت الذي اشتد فيه ( [98] ) . وهناك رأي في الفقه الإسلامي – أخذت به المجلة – يقدر المدة التي يطول فيها المرض ويستقر فلا يعود يخشى منه خطر عاجل بسنة ، فإذا طال المرض المزمن سنة دون أن يشتد لم يعتبر مرض موت . وإذا اشتد المرض بعد  ذلك حتى انتهى بالموت فعلاً قبل انقضاء سنة من اشتداده ، اعتبر في هذه الفترة مرض موت ( [99] ) . وقد أخذ القضاء المصري بهذا الرأي في أكثر أحكامه ( [100] ) ،  واكتفى في بعض آخر بأن يطول المرض مدة كافية ليتولد في نفس المريض السكون إلى حالته والشعور بأنه لم يعد معروضاً لخطر الموت العاجل ، سواء طال المرض سنة أو أكثر أو أقل . وكذلك يكفي أن يشتد المرض ويطرد في الشدة حتى يتولد في نفس المريض أنه عاد مهدداً بالموت في أي وقت ، ليكون المرض مرض موت من وقت اشتداده ، حتى لو بقى مشتداً مدة أطول من سنة ولم يمت المريض إلا بعد انقضائها ( [101] ) .

179 – الأصحاء الذين تقوم بهم حالة نفيسة تجعلهم في حكم المرضى مرض الموت : وقد قدمنا أن الشروط الثلاثة المتقدمة ليست إلا إمارة مادية على قيام حالة نفسية بالمريض تجعله يعتقد بدنو أجله . فأية حالة أخرى مادية غير المريض تجعل الإنسان يعتقد بدنو أجله يكون من شأنها أن تثير في نفسه هذه  الحالة بالذات ، وتكون لتصرفاته حكم تصرفات المريض مرض الموت ولو أنه لم يكن مريضاً أصلاً . فالمحكم عليه بالإعدام وينتظر التنفيذ ، ومن كان في سفينة على وشك الغرق ولم تتهيأ له وسائل الإنفاذ ، ومن داهمته حريق لا سبيل للنجاة منها ، ومن حوصر في حرب وأيقن أنه مقتول ، ومن عقد نيته على الانتحار ، كل هؤلاء أصحاء ليس بهم مرض ، ولكنهم يعتبرون في حكم المرضى ، ويكون لتصرفاتهم وهم في هذه الحالة حكم التصرفات الصادرة في مرض الموت ( [102] ) .

180 – إثبات مرض الموت : ومرض الموت بالشروط المتقدمة الذكر واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع طرق الإثبات ، ومنها البينة والقرائن ( [103] ) . وأكثر  ما يثبت بالشهادات الطبية الدالة على حالة المريض في أواخر أيامه . كذلك يثبت بشهادة الشهود ، وبتقصي حياة المريض في أيامه الأخيرة . وعلى الورثة الذين يطعنون في تصرف مورثهم بأنه صدر في مرض الموت يقع عبء إثبات المرض . ولما كانوا يعتبرون خلفاً لمورثهم وليسوا غيراً من حيث ثبوت التاريخ ، فإن تاريخ التصرف العرفي يكون حجة عليهم كما هو حجة على مورثهم . فإذا كان التصرف مؤرخاً تاريخاً عرفياً في وقت ثبت أن المورث لم يكن فيه مرضاً ، كان هذا التاريخ العرفي حجة عليهم . ولكن لهم أن يثبتوا أن هذا التاريخ بقد قدم عمداً لإخفاء أن التصرف قد صدر في مرض الموت ، وأن التاريخ الذي صدر فيه التصرف متأخر عن التاريخ الصوري المذكور في التصرف ويقع في وقت كان فيه المورث في مرض موته . فإذا أثبتوا ذلك – ولهم أن يثبتوه بجميع طرق الإثبات لأنهم يثبتون غشاً وواقعة مادية – أصبحوا من الغير من حيث سريان التصرف ( [104] ) ، ولم يعد التصرف الصادر من المورث يسري في حقهم إلا في الحدود التي سنبينها فيما يلي .

 181 – سبب تقييد التصرف في مرض الموت : وإذا كان التصرف الذي يصدر في مرض الموت مقيداً ، فسبب التقييد لا يرجع إلى أهلية المريض ولا إلى عيب في إرادته . فالمريض مرض الموت لا يفقد أهليته ، بل ولا تنتقص هذه الأهلية ، فما دام حياً حافظاً لقواه العقلية فإنه يبقى متمتعاً بأ÷ليته الكاملة إلى آخر لحظة من حياته . ولو وقع أن المرض أفقده التمييز ، فإن التصرف الذي يصدر منه وهو في هذه الحالة يكون باطلاً لانعدام التمييز ، ولا يقتصر الأمر فيه على أن يكون تصرفاً غير نفاذ في حق الورثة لصدوره في مرض الموت .

وإنما يرجع تقييد التصرف في مرض الموت إلى تعلق حق الورثة بأموال المريض من وقت المرض ( [105] ) . فإنه من المقرر في الفقه الإسلامي أن حق الورثة يتعلق بأموال مورثهم ، لا من وقت موته فحسب ، بل من وقت المرض الذي  يموت فيه . فإذا صدرت منه تصرفات تنطوي على تبرع منذ هذا المرض ، كان لهذه التصرفات حكم الوصية . ذلك أن المريض وهو على شفا الموت إذا تبرع بماله ، فإنما يقصد أن ينقل هذا المال إلى غيره بعد موته ، لا في المدة المحدودة القصيرة التي تقدر له الحياة فيها . ولا يستطيع إنسان أن ينقل ماله بعد موته بتصرف إرادي ، وإلا كان ذلك عن طريق الوصية بقيودها المعروفة . فكل تبرع يصدر في مرض الموت يتقيد إذن بقيود الوصية ، وحتى المعاوضات إذا انطوت على تبرع ، كأن يبيع بثمن أقل من قيمة المبيع ، يكون لها هي أيضاً في القدر المحابي به حكم الوصية . ومؤدى ذلك أن التصرف الصادر في موت الموت إذا انطوى على تبرع فيما يجاوز ثلث التركة لا يكون باطلاً ولا يكون قابلاً للإبطال ( [106] ) . بل يكون فيما جاوز ثلث التركة غير نافذ في حق الورثة ( [107] ) . فهو تصرف صحيح ، ولكنه لا ينفذ في حق الورثة إلا بإجازتهم ، فإذا لم توجد ورثة نفذ التصرف في كل المال .

وقد اختلف فقهاء الإسلام في تكييف حق الورثة الذي يتعلق بأموال مورثهم وقت مرض الموت . فذهب بعضهم إلى أنه حق ملكية كامل يثبت بمجرد المرض ، وذهب آخرون إلى أن حق الملكية إنما يكون عند الموت ولكنه يستند إلى وقت بدء المرض ، وذهب فريق ثالث إلى أن حق الورثة وقت المرض ليس حق ملكية بل هو حق خلافة أو إرث ( [108] ) . وأياً كانت طبيعة حق الورثة ،  فإنه حق يقيد من تصرف المريض على النحو الذي أسلفناه .

  ولما كان تقييد تصرف المريض في مرض الموت يرجع إلى حق الورثة في ماله وفقاً لمبادئ الفقه الإسلامي ، فإن هذا التقييد لا يسري إلا في حق من تجري في ميراثه أحكام الشريعة الإسلامية ، وهؤلاء هم كل المصريين مسلمين كانوا أو غير مسلمين . أما الأجنبي الذي لا تجري فيه ميراثه أحكام الشريعة الإسلامية فلا يسري هذا التقييد في حقه ( [109] ) .

182 – الحكم العام في تصرفات المريض مرض الموت : وقد أورد التقنين المدني نصاً يقرر الحكم العام في تصرفات المريض مرض الموت ، أياً كان هذا التصرف بيعاً أو غير بيع فنصت المادة 916 مدني على ما يأتي : ” 1 – كل عمل قانوني يصدر من شخص في مرض الموت ويكون مقصوداً به التبرع ، يعتبر تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت ، وتسري عليه أحكام الوصية أياً كانت التسمية التي تعطي لهذا التصرف . 2 – وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانوني قد صدر من مورثهم وهو في مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً . 3 – وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم في مرض الموت ، اعتبر التصرف صادراً على سبيل التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك . كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه ” .

ولسنا هنا في مقام شرح هذا النص ، ونقتصر فيه على القدر الذي يتعلق  بالبيع ( [110] ) ، فقد رأينا أن الفقرة الثالثة من المادة 477 مدني تنص على ما يأتي : ” ويسري على بيع المريض مرض الموت أحكام المادة 916 ) . فإذا صدر بيع من المورث ، وبعد موته طعن الورثة في هذا التصرف ، فأول شيء يجب على الورثة عمله في هذا الطعن هو أن يثبتوا أن البيع قد صدر من مورثهم وهو في مرض موته . ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق ، ويكون التاريخ العرفي للبيع حجة عليهم إلى أن يثبتوا بجميع طريق الإثبات أن هذا التاريخ قد قدم وأن التاريخ الحقيقي للبيع يقع في مرض الموت ، وقد سبق بيان كل ذلك . فإذا أثبت الورثة أن البيع قد صدر في مرض الموت ، فإن النص يفترض أن البيع حقيقته هبة وأن المريض لم يقبض ثمناً من المشتري وأن الثمن المذكور في العقد إنما هو ثمن صوري . ولكن هذا الفرض قابل لإثبات العكس ( [111] ) ، وعلى المشتري لينقض هذه القرينة أن يثبت أنه دفع فعلاً ثمناً للمبيع لا يقل عن قيمته ( [112] ) . فإذا  لم يستطع إثبات ذلك ، أو ثبت أن الثمن الذي دفعه أقل من قيمة المبيع ، اعتبر البيع –في المبيع كله في الصورة الأولى وفي حدود زيادة قيمة المبيع على الثمن في الصورة الثانية – تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت ، وتسري عليه أحكام الوصية . وهذا ما نتكفل الآن ببيانه .

ب – أحكام البيع في مرض الموت

183 – فروض مختلفة : البيع في مرض الموت إما أن يكون بثمن لا يقل عن قيمة المبيع ، أو بثمن يقل بما لا يجاوز ثلث التركة ، أو بثمن يقل بما يجاوز هذا الثلث ، أو بغير ثمن أصلاً وفي هذه الحالة يكون البيع هبة مستترة .

فهذه فروض مختلفة نستعرضها واحداً بعد الآخر ، ثم نتعقبها بما قرره القانون من حماية الغير حسن النية .

وقد قدمنا أن الورثة إذا اثبتوا أن البيع قد صدر في مرض الموت ، فإن البيع يعتبر صادراً على سبيل التبرع أي يكون هبة بغير ثمن ، ولا عبرة بالثمن المذكور في العقد . وعلى المشتري أن يثبت أنه دفع ثمناً ، وأن يثبت مقدار الذي دفعه من ذلك . فإذا لم يستطع إثبات أنه دفع ثمناً ، كان البيع هبة ، وإذا استطاع إثبات أنه دفع ثمناً ومقدار ما دفعه ، لم تخل الحال كما قدمنا من أن يكون هذا الثمن لا يقل عن قيمة المبيع أو يقل بما لا يجاوز الثلث أو بما يجاوزه ( [113] ) .

 184 – البيع بما لا يقل عن القيمة : إذا أثبت المشتري أنه دفع ثمناً للبيع لا يقل عن قيمته ، كان البيع صحيحاً نافذاً في حق الورثة دون حاجة إلى إجازتهم ، ويستوي في ذلك أن يكون البيع لوارث أو لغير وارث .

والمراد بالوارث ، في جميع أحكام بيع المريض مرض الموت ، هو من يكون وارثاً وقت موت المورث ، ولو لم يكن وارثاً وقت البيع . أما من كان وارثاً وقت البيع وأصبح غير وارث وقت موته المورث ، فلا يعتبر وارثاً في هذه الأحكام . فلو لم يكن للمورث وقت البيع من الورثة غير بنت وزوجة وأخت ، ثم رزق بعد البيع مولوداً ذكراً ، اعتبر الابن وارثاً ولو أنه لم يكن موجوداً وقت البيع ، ولم تعتبر الأخت وارثة لأنها لا ترث وقت الموت وإن كانت تعتبر وارثة وقت المبيع ( [114] ) . كذلك تقدر قيمة المبيع ، لمعرفة نسبة الثمن إليها ، وقت الموت لا وقت البيع . فلو باع المريض داراً بألفين وكانت قيمتها وقت البيع معادلة لهذا الثمن ، ثم أصبحت قيمتها وقت الموت ألفين وخمسمائة ، فإن البيع هنا يكون بأقل من القيمة بمقدار خمسمائة ، وهذا بالرغم من أنه كان يمثل القيمة في وقت البيع . وعلى العكس من ذلك لو كانت قيمة الدار وقت البيع ألفاً وخمسمائة ، ثم أصبحت ألفين وقت الموت ، فإن البيع يكون بمثل القيمة .

 وقد كان البيع بمثل القيمة في عهد التقنين المدني السابق يجري التمييز فيه بين البيع لغير وارث والبيع لوارث . ففي البيع لغير وارث يتفق التقنين السابق مع التقنين الجديد في الحكم الذي تقدم بيانه . أما في البيع لوارث فقد كان هناك ، في عهد التقنين المدني الأسبق ، رأيان . الرأي الأول ، وكان الرأي الراجح ، يجعل البيع نافذاً دون حاجة إلى إجازة الورثة كما في البيع لغير الوارث ، وهذا هو رأي الصاحبين في المذهب الحنفي . والرأي الثاني يذهب إلى أن البيع لا ينفذ في حق الورثة إلا بإجازتهم ، لأن المورث خص الوارث بعين المبيع ، وفي هذا ضرب من المحاباة والإيثار ، وهذا هو رأي الإمام أبي حنيفة ( [115] ) .

185 – البيع بأقل من القيمة بما لا يجاوز ثلث التركة : وإذا اثبت المشتري أنه دفع ثمناً للمبيع وأثبت مقدار ما دفع ، وكان هذا المقدار يقل عن قيمة المبيع وقت الموت بما لا يجاوز ثلث التركة ، فإن البيع يكون هنا أ]ضاً صحيحاً نافذاً في حق الورثة دون حاجة إلى إجازتهم ، ويستوي في ذلك أن يكون البيع لوارث أو لغير وارث .

والتركة تقدير بقيمة أموال المورث وقت الموت لا وقت البيع ، وتدخل فيها قيمة المبيع ذاته ( م 477  /  1 مدني ) . فلو أن المريض باع داراً قيمتها وقت البيع ألفان بألف ولم يكن له مال غير هذه الدار ، وقد أصبحت قيمتها وقت الموت ألفاً وخمسمائة ، كان البيع بأقل من قيمة المبيع بمقدار خمسمائة لا بمقدار ألف ، وكان نقص الثمن عن القيمة لا يجاوز ثلث التركة ، وقد أصبحت ألفاً وخمسمائة يوم الموت ودخل المبيع فيها عند تقدير قيمتها كما سبق القول .

وقد كان البيع بأقل من القيمة بما لا يجاوز ثلث التركة في عهد التقنين المدني الأسبق يجري التمييز فيه بين ما إذا كان البيع لغير وارث ويكون الحكم هو ما قدمناه ، وما إذا كان البيع لوارث ولا ينفذ إلا بإجازة الورثة ( [116] ) . ذلك  أن أية محاباة في الثمن تعتبر تبرعاً فتأخذ حكم الوصية ، وكانت الوصية في عهد التقنين المدني السابق لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة إلى أن صدر قانون الوصية ( رقم 71 لسنة 1946 ) يجيز الوصية لوارث دون حاجة إلى إجازة الورثة ( [117] ) .

186 – البيع بأقل من القيمة بما يجاوز ثلث التركة : وإذا لم يستطع المشتري أن يثبت أنه دفع ثمناً إلا مبلغاً هو أقل من قيمة المبيع وقت الموت بما يجاوز ثلث قيمة التركة وقت الموت أيضا ، فإن البيع في هذه الحالة لا يكون نافذاً في حق الورثة فيما يجاوز ثلث التركة إلا بإجازتهم ( [118] ) . وهذا هو حكم  الوصية ، وقد قدمنا أن المقدار المحابي به يعتبر في حكم الوصية . ويستوي في ذلك أن يكون البيع لوارث أو لغير وارث ( [119] ) . فلو أن المريض باع داراً قيمتها وقت البيع ألفان بألف ، ولم يكن له مال غير هذه الدار ، وقد أصبحت قيمتها وقت الموت ألفاً وثمانمائة ، فإن المقدار الذي حوبى به المشتري يكون ثمانمائة . وهذا يزيد على ثلث التركة – وقدره ستمائة – بمائتين . فلا ينفذ البيع في حق الورثة في الدار بمقدار مائتين إلا بإجازة الورثة ، وينفذ في باقي الدار دون حاجة إلى إجازتهم . فإن لم تجز الورثة في المائتين ، كان على المشتري أن يؤدي إليهم هذا المبلغ ليضاف إلى الألف الذي دفعه ثمناً ، فيخلص للورثة ألف ومائتان ، وهذا المبلغ هو ثلثا التركة الواجب أن يخلص للورثة . وللمشتري أن يفسخ البيع ، فيرد الدار للتركة ، ويسترد منها الألف وهو الثمن الذي دفعه ( [120] ) .

 وقد كان البيع بأقل من القيمة بما يجاوز ثلث التركة في عهد التقنين المدني السابق يجري التمييز فيه بينما إذا كان البيع لغير وارث ويكون الحكم هو ما قدمناه ( [121] ) ، وما إذا كان البيع لوارث فلا ينفذ في حق الورثة في جميع الدار – لا فيما يجاوز ثلث التركة فحسب – إلا بإجازتهم ( [122] ) .

187 – التصرف بغير ثمن أصلاً : وإذا لم يستطع المشتري أن يثبت أنه دفع ثمناً ما للمريض ، اعتبر التصرف هبة بغير ثمن ، وكان لها حكم الوصية لأنها وقعت في مرض الموت . فإذا كانت قيمة العين لا تزيد على ثلث التركة ، نفذ التصرف في حق الورثة دون حاجة إلى إجازتهم . وإذا زادت قيمة العين على ثلث التركة ، لم ينفذ التصرف فيما جاوز الثلث إلا بإجازة الورثة ، فإن لم يجيزوا وجب على المتصرف له أن يرد إلى التركة ما جاوز الثلث ، أي أن يرد إليها ما يفي بتكملة ثلثيها . ويستوي في ذلك كله أن يكون التصرف لوارث أو لغير وارث . فلو أن المريض تصرف في دار قيمتها وقت الموت ألفان ، ولم يستطع المتصرف له أن يثبت أنه دفع ثمناً ، وكانت قيمة التركة – ويدخل في ذلك قيمة الدار المتصرف فيها – ستة آلاف ، فإن التصرف ينفذ في حق الورثة دون حاجة إلى إجازتهم ، لأن قيمة الدار لا تجاوز ثلث التركة . أما إذا كانت قيمة التركة ثلاثة آلاف والمسألة بحالها ، فإن قيمة الدار تجاوز ثلث التركة بمقدار ألف ، فإذا لم تجز الورثة التصرف وجب على المتصرف له أن يرد إلى التركة ألفاً على النحو الذي قدمناه .

 وقد كان التصرف بغير ثمن أصلاً في عهد التقنين المدني السابق يجري التمييز فيه بين ما إذا كان التصرف لغير وارث ويكون الحكم هو ما قدمناه ، وما إذا كان التصرف لوارث فلا ينفذ في حق الورثة في جميع الدار – سواء زادت قيمتها على ثلث التركة أو لم تزد – إلا بإجازة الورثة ، فإذا لم يجيزوا وجب على الوارث رد الدار إلى التركة ( [123] ) .

188 – حماية الغير حسن النية : ويتبين مما قدمناه أن هناك حالتين لا ينفذ فيهما تصرف المريض في حق الورثة إلا بإجازتهم ، وهما : ( 1 ) إذا تصرف بغير ثمن أصلاً وكانت قيمة العين تزيد على ثلث التركة . ( 2 ) أو باع بأقل من القيمة بما يجاوز ثلث التركة .

ففي هاتين الحالتين إذا لم تجز الورثة ، ولم يرد المتصرف إليه إلى التركة ما يفي بتكملة ثلثيها ، كان للورثة أن يستوفوا من العين التي تصرف فيها المريض ما يفي بتكملة ثلثي التركة . وإذا تبرع المتصرف له بالعين ، جاز للورثة أن يتتبعوا العين في يد المتبرع له وأن يستوفوا منها حقهم على النحو الذي قدمناه ( [124] ) . أما إذا كان المتصرف له قد تصرف في العين معاوضة لا تبرعاً بأن باعها مثلاً من شخص آخر ، فإن الورثة لا يستطيعون تتبع العين في يد المشتري إذا كان حسن النية ، أي إذا كان المشتري لا يعلم وقت أن اشترى العين أن للورثة حقاً فيها بل كان يعتقد أنها ملك خالص للبائع ( [125] ) . وتقول المادة 478 مدني ، كما رأينا ، في هذا الصدد ما يأتي : ” لا تسري أحكام المادة السابقة إضراراً بالغير حسن النية وإذا كان هذا الغير قد كسب بعوض حقاً عينياً على العين المبيعة ” . ولا يبقى للورثة في هذه الحالة إلا الرجوع بحقهم على من تصرف له المريض .

 والحكم لا يتغير فيما إذا كان المتصرف له رهن العين أو رتب عليها حق إرتفاق أو حق انتفاع أو حق عيني آخر ، وكان من تلقى الحق العيني حسن النية . فيجب في هذه الحالة أن يحترم الورثة هذا الحق العيني ، ولا يستوفوا من العين حقهم إلا وهي محملة بهذا الحق ( [126] ) .

4 – بيع الوارث لعين في التركة قبل سداد الديون

189 – وضع المسألة – سريان مبادئ الفقه الإسلامي : قدمنا أن هناك صوراً مختلفة لبيع التركة ، وقد استبعدنا من هذه الصور بيع الحقوق الاحتمالية في تركة دون ضمان صفة الوارث وبيع التركة المستقبلة . وعالجنا صورة ثالثة هي بيع الوارث لحصته في التركة أي لنصيبه في مجموع من المال مع ضمان صفته كوارث ، سواء كان البيع لغير وارث أو كان لوارث وهو التخارج . ويبقى أن نعالج هنا الصورة الأخيرة وهي بيع الوارث لعين معينة بالذات من أعيان التركة قبل سداد الديون .

لو أننا كنا نطبق مبادئ القانون الفرنسي ، حيث تنتقل الديون إلى ذمة الورثة كما تنتقل الحقوق ، لكان الوارث يستطيع أن يبيع أعيان التركة قبل سداد الديون . فإن هذه الأعيان قد انتقلت إلى ملكيته بمجرد موت المورث وقبول الوارث للميراث ، كما أن الديون قد انتقلت إلى ذمته ، فله أن يبيع الأعيان ، ثم يسدد الديون بعد ذلك ولو من ماله الشخصي .

ولكن مبادئ الفقه الإسلامي تتعارض مع التصوير المتقدم ، فديون التركة وفقاً لهذه المبادئ تتعلق بأموالها ، فتجب معرفة متى تنتقل أموال التركة للورثة ، ومدى تعلق حقوق الدائنين بهذه الأموال ، ويستتبع ذلك أن نتساءل هل يستطيع الورثة أن يتصرفوا في أعيان التركة قبل سداد ديونها .

 وقد كان هناك خلاف محتدم في عهد التقنين المدني الأسبق فيما إذا كانت مبادئ الفقه الإسلامي هي التي تسري في انتقال أموال التركة إلى الورثة أو هي مبادئ القانون الفرنسي ، فانقسم الفقهاء إلى فريقين ، فريق يقول بالرأي وكان هو الرأي الراجح ، وفريق يقول بالرأي الثاني ( [127] ) . وقد حسم التقنين  المدني الجديد هاذ الخلاف وأخذ صراحة بالرأي الأول ، فنصت الفقرة الأولى  من المادة 875 مدني على أن ” تعيين الورثة وتحديد أنصبائهم في الإرث وانتقال أموال التركة إليهم تسري في شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها ” فلم يقتصر سريان أحكام الشريعة الإسلامية على تعيين الورثة وتحديد أنصبائهم في الإرث ، بل امتد أيضاً إلى انتقال أموال التركة إلى الورثة وهذه هي المسألة التي كانت محل خلاف في الماضي ، وقد حسم الخلاف فيها نص صريح كما نرى . إذن لا بد من تطبيق مبادئ الفقه الإسلامي في انتقال أموال التركة إلى الوارث ، وفي حكم بيع الوارث لأعيان التركة قبل سداد ديونها . وقد أخذت فعلاً نصوص التقنين المدني الجديد في الميراث وسداد ديون التركة بهذه المبادئ ، سواء خضعت التركة لنظام التصفية أو لم تخضع .

فنبحث إذن مسائل خمساً : ( 1 ) انتقال أموال التركة إلى الورثة في الفقه الإسلامي ( 2 ) تصرف الورثة في أعيان التركة قبل سداد الديون في الفقه الإسلامي ( 3 ) انتقال أموال التركة إلى الورثة في التقنين المدني الجديد ( 4 ) تصرف الورثة في أعيان التركة التي مل تخضع لنظام التصفية في التقنين المدني الجديد ( 5 ) تصرف الورثة في أعيان التركة التي خضعت لنظام التصفية في التقنين المدني الجديد .

 190 – انتقال أموال التركة إلى الورثة في الفقه الإسلامي : من المقرر في الفقه الإسلامي أن ديون الميت تتعلق بما يتركه من أموال ، فتصبح التركة هي المسئولة عن سداد هذه الديون . والدين يتعلق بمالية التركة لا بذوات أعيانها ، إذ حق الدائن هو أن يستوفى الدين من مالية التركة لا من عين بالذات .

وإذا بحث الفقهاء ، في الفقه الإسلامي ، متى تنتقل أعيان التركة إلى الورثة ، فليس الغرض من تحديد وقت انتقال الملكية القول بأن الورثة يستطيعون التصرف في هذه الأعيان من هذا الوقت . فإن ملكية الأعيان تنتقل إليهم والديون المتعلقة بماليتها كما قدمنا ، فيقيد هذا ومن حق الورثة في التصرف كما سنرى . ولكن هناك نتائج أخرى تتوقف على تحديد وقت انتقال ملكية التركة إلى الورثة ، وهل يكون وقت موت المورث أو تبقى التركة على ملك الميت حتى تسدد الديون . ونذكر من هذه النتائج اثنتين : ( 1 ) نماء أعيان التركة بالزيادة المتولدة – متصلة كانت أو منفصلة – كالثمرة والولد والريع والسمن ، إذا قلنا ببقاء التركة على ملك الميت يكون ملكاً للميت ، فيقضي من هذا النماء ديونه وتنفذ وصاياه . وإذا قلنا با ، الملكية تنتقل إلى الورثة بمجرد موت المورث ، فإن هذا النماء يكون ملكاً للورثة ، فلا تقضي منه ديون الميت ولا تنفذ منه وصاياه . ( 2 ) نفقات أعيان التركة ، كنفقة الحفظ والصيانة وكمصروفات الحمل والخزن وكطعام الحيوان ، تكون على التركة فيما إذا بقيت ملك الميت . أما إذا انتقلت إلى الورثة بمجرد موت المورث ، فإن هذه النفقات تكون على الورثة ، حتى إذا بيعت أعيان التركة في ديون الميت لم يكن للورثة الرجوع بما أنفقوا ، ويكون عليهم أن يتخلصوا من هذه النفقات بالمبادرة إلى بيع الأعيان لسداد الديون . وكما أن لهم نماء الأعيان يكون عليهم نفقتها ، والغرم بالغنم .

وقد اختلفت المذاهب الفقهية في تحديد وقت انتقال التركة إلى ملك الورثة ، فمنها ما ذهب إلى بقاء التركة على ملك الميت ، ومنها ما ذهب إلى انتقالها فوراً إلى ملك الورثة ، ومنها ما ميز بين حالة وحالة .

 فعند المالكية تبقى أموال التركة على ملك الميت بعد موته إلى أن يسدد الدين ، مستغرقاً للتركة أو لم يكن مستغرقاً لها .

وعند الشافعية والحنابلة تنتقل أموال التركة إلى ملك الورثة فوراً بموت المورث ، مع تعلق الدين بها على النحو الذي قدمناه ، سواء كان الدين مستغرقاً للتركة أو غير مستغرق لها . وفي المذهب الحنبلي ، إلى جانب هذا القول ، قول آخ يذهب إلى بقاء التركة على ملك الميت إلى أن يسدد الدين ، وهو قول يتفق مع مذهب مالك .

وعند الحنفية يجب التمييز بين ما إذا كان الدين مستغرقاً للتركة أو كان غير مستغرق لها . فإن كان الدين مستغرقاً ، تبقى أموال التركة على ملك الميت ولا تنتقل إلى ملك الورثة . بل لا يستطيع الورثة أن يستخلصوا أموال التركة إلا إذا دفعوا كل الديون ، ولا يكفي أن يدفعوا قيمة التركة ، وهذا على الرأي المشهور في المذهب الحنفي . وفي قول آخر يكفي لاستخلاص أموال التركة أن يدفع الورثة للدائنين قيمة هذه الأموال لا جميع الديون . وأما إن كان الدين غير مستغرق للتركة ، فالرأي الراجح أن أموال التركة تنتقل إلى الورثة بمجرد موت المورث مع تعلق الدين بهذه الأموال . وهناك رأي ثان يذهب إلى أن الأموال لا تنتقل في هذه الحالة إلى الورثة إلا بعد سداد الدين ، وهذا الرأي يتفق مع مذهب المالكية . وهناك رأي ثالث يذهب إلى أنه يبقى على ملك الميت من الأموال ما يكفي لسداد الدين ، وتنتقل بقية الأموال إلى الورثة ( [128] ) .

191 – تصرف الورثة في أعيان التركة قبل سداد الديون في الفقه الإسلامي : اختلفت المذاهب الفقهية في صحة هذا التصرف ، ولكن اختلافها لا يتفرع حتماً على اختلافها في الوقت الذي تنتقل فيه التركة إلى ملك الورثة ، وإلا لوجب أن يقول من يذهب إلى انتقالها إلى ملك الوارث بمجرد موت  المورث بصحة تصرف الوارث قبل سداد الدين ، وأن يقول من يذهب إلى بقائها على ملك الميت بعدم صحة هذا التصرف وسنرى بعد عرض المذاهب في هذه المسألة أن هذا ليس مطرداً .

فعند المالكية ، وهم القائلون ببقاء أموال التركة على ملك الميت حتى يسدد الدين ، يقتضي منطق هذا القول أن يكون تصرف الوارث في أعيان التركة قبل سداد الدين باطلاً سواء كان الدين مستغرقاً أو غير مستغرق . ولكن هذا هو أحد رأيين في المذهب ، وليس مبنياً على انعدام ملك الورثة بل على حماية حق الدائن فهو مقدم على حق الورثة . والرأي الآخر يذهب إلى أن تصرف الوارث في التركة المدينة قبل أداء الدين صحيح إذا لم يمس حق الدائن ولم يتضرر هذا به ، كأن يأذن فيه قبل أن يباشره الوارث ، أو ينزل عن دينه ، أو يبقى من التركة بعد التصرف ما يكفي لسداد الدين . لا فرق في ذلك كله بين أن يكون الدين مستغرقاً للتركة أو غير مستغرق . وإذا لم يستطع الدائنون أخذ حقوقهم إلا من المبيع ، فلذلك حالتان . الأولى أن يكون الوارث عالماً بالدين وقت تصرفه أو أن يكون الميت مشهوراً بالدين ، وعند ذلك يفسخ البيع إلا إذا دفع المشتري قيمة المبيع يوم قبضه ، فإذا دفعها لزم البيع ورجع المشتري على بائعه من الورثة بما غرم من قيمته . والحالة الثانية أن يكون الوارث غير عالم بالدين ولا يكون الميت مشهوراً بأنه مدين ، وعند ذلك يسلم المبيع لمشتريه ، ويرجع الدائنون على الوارث بقدر الثمن الذي قبضه من المشتري سواء كان فيه وفاء بالدين أو لم يكن ، ولا رجوع لهم على المشتري بشيء إلا إذا حاباه الوارث في البيع فيرجع الدائنون بقدر المحاباة فقط ( [129] ) .

 والحنابلة كالمالكية عندهم رأيان : أحدهما أن تصرف الوارث في التركة المدينة قبل أداء المدين بغير إذن الغرماء ، باطل ، والثاني أنه صحيح نافذ ما دام لم يمس حقوق الدائنين . ولكن الحنابلة يقفون عند وقت انتقال التركة للورثة ، فمن قال منهم إنها لا تنتقل إلا بعد سداد الدين ذهب إلى بطلان تصرف الوارث قبل السداد ، ومن قال إنها تنتقل فوراً بموت المورث ذهب إلى صحة هذا التصرف ( [130] ) .

وعند الشافعية ، وهم القائلون بانتقال أموال التركة إلى ملك الورثة فوراً بموت المورث ، لا يجوز مع ذلك للوارث أن يتصرف في أموال التركة المدينة ، ولو كان الدين غير مستغرق للتركة . ذلك أن التركة تنتقل إلى الوارث مثقلة بالدين ، فيتعلق الدين بها كما يتعلق الرهن ، والرهن عند الشافعية يمنع من بيع  العين المرهونة . وكان مقتضى ذلك أنه يجوز للوارث بيع مال التركة بإذن الدائن ، ولكنهم مع ذلك لا يجيزون التصرف ولو بإذن الدائن ، لأن الدين لا يزال معلقاً بنفس الميت ، بخلاف الرهن فإن إذن المرتهن يسقطه . فالشافعية إذن يذهبون إلى أن تصرف الوارث في التركة المدينة بأي دين ، ولو لم يكن مستغرقاً ، قبل سداده تصرف باطل . وللدائنين أن يتتبعوا أعيان التركة في يد المشتري ، وللمشتري الرجوع على الوارث بما أدى من الثمن . ويستثنى من ذلك تصرف الوارث في التركة لسداد الدين ، فهو صحيح إذا كان بإذن جميع الدائنين ، أو بإذن القاضي إذا لم يكن الثمن أقل من القيمة . وهناك رواية أخرى في مذهب الشافعي أنه يصح تصرف الوارث في التركة المدينة ، لأن الدين حق تعلق بالمال من غير رضا المالك فلم يمنع التصرف كمال المريض ، فإن قضى الوارث الدين لزم تصرفه ، وإن لم يقضه فسخ التصرف ( [131] ) .

وعند الحنفية ، وهم القائلون بانتقال أموال التركة إلى الورثة بمجرد موت المورث إذا كان الدين غير مستغرق وإلا فببقائها على ملك الميت ، لا يجوز مع ذلك للوارث حق التصرف لحسابه الشخصي ، وإلا كان التصرف باطلاً ، سواء كانت التركة مستغرقة بالدين أو غير مستغرقة . ويتبع الدائن العين في يد المشتري لبطلان التصرف ، ويرجع المشتري على الوارث بما أدى من الثمن . على أنه يجوز للوارث باعتباره خليفة عن الميت أن يتصرف في أموال التركة المدينة لسداد الدين ، ويصح تصرفه في هذه الحالة . وهناك من فقهاء الحنفية من لا يقول ببطلان التصرف ، إلا إذا كانت التركة مستغرقة بالدين وكان الوارث  يتصرف لحسابه الشخصي . أما إذا لم تكن التركة مستغرقة بالدين ، وتصرف الوارث لحسابه الشخصي ، كان التصرف صحيحاً نافذاً ما بقى في التركة ما يفي بسداد الدين ، أو أجاز الدائن التصرف ( [132] ) .

ويخلص مما قدمناه عن اختلاف المذاهب في هذه المسألة أن الأساس الذي يقوم عليه تقييد حق الوارث في التصرف قبل سداد الدين هو حماية الدائن ، وليس هو انعدم الملكية أو وجودها عند الوارث . واختلاف الأقوال يرجع إلى اختلاف الطريقة التي يحمي بها حق الدائن . فمن الأقوال ما يمعن في حماية الدائن إلى حد أن يبطل تصرف الوارث قبل سداد الدين ، وهذا قول في كل من المذاهب الأربعة . ومنها يجعل تصرف الوارث صحيحاً بشرط ألا يمس  حق الدائن ، فينفذ التصرف بإجازة الدائن أو بنزوله عن دينه أو ببقاء مال في التركة يكفي لسداد الدين ، وهذا قول آخر في كل من المذاهب الأربعة كذلك .

192 – انتقال التركة المدينة إلى الورثة في التقنين المدني الجديد : وقد عنى التقنين المدني الجديد بتنظيم القاعدة الفقهية التي تقضي بألا تركة إلا بعد سداد الدين ، وهي القاعدة التي رأينا المذاهب الفقهية المختلفة قد تضاربت في تحديدها وفي استخلاص نتائجها . فأورد نظاماً مفصلاً لتصفية التركات المدينة ، بعد أن قرر إجمالاً وجوب إتباع الفقه الإسلامي في الميراث ، لا في تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم فحسب ، بل أيضاً في كيفية انتقال أموال التركة إلى الورثة كما سبق القول .

ونوجز هنا ما انطوت عليه نصوص التقنين المدني الجديد من مبادئ رئيسية في انتقال أموال التركات من المورث إلى الوارث ، وفي حقوق الدائنين المتعلقة بالتركة وكيفية سداد الديون . وقد انطوى التقنين المدني في هذا الصدد على مبادئ رئيسية ثلاثة ، استقيت كلها من مبادئ الفقه الإسلامي في مذاهبه المختلة :

أولاً – تنتقل أموال التركة إلى الورثة بمجرد موت المورث ، مع تعلق حقوق الدائنين بها . فتنتقل هذه الأموال مثقلة بحق عيني هو أقرب إلى أن يكون حق رهن ، ولكنه رهن مصدره القانون وليس الاتفاق مع الدائنين ، فهو رهن قانوني . ولابد من شهر هذا الحق ليكون نافذاً في حق الغير ممن عسى أن يتصرف له الوارث ( [133] ) .

 ثانياً – ولما كانت أموال التركة تنتقل إلى الورثة بمجرد موت المورث ، فإنه يجوز للورثة منذ هذا الوقت أن يتصرفوا فيها ، ولكن تصرفهم يكون خاضعاً لحقوق الدائنين على النحو الذي أسلفناه .

ثالثاً – ويكون سداد الديون ، إذا لم تخضع التركة لنظام التصفية ، بموجب إجراءات فردية يتولاها كل دائن لنفسه ، فيتخذ من الإجراءات التحفظية والإجراءات التنفيذية لاستيفاء حقه من أموال التركة ما يقرره القانون لكل دائن ، وذلك إما عن طريق الحجز على هذه الأموال وهي في يد الورثة وإما عن طريق تتبعها والحجز عليها في يد الغير إذا تم الشهر الذي أسلفنا الإشارة إليه – ويترتب على ذلك أن حالة الدائنين بعد موت المورث ، من حيث الالتجاء إلى الإجراءات الفردية ، تماثل حالتهم قبل موته . فمن سبق منهم غيره إلى التنفيذ ظفر بحقه ، ومن تأخر فقد يضيع عليه حقه كله أو بعضه . على أنه لا يجوز لأي دائن بعد موت المدين أخذ اختصاص على عقار في التركة ( م 1085  /  2 مدني ) . أما إذا خضعت التركة لنظام التصفية ، فلا يكون سداد الديون إلا بإجراءات جماعية يتولاها المصفي نيابة عن التركة . ومن ثم لا يجوز لأي دائن أن يتخذ إجراءات فردية لاستيفاء حقه ، بل يقوم المصفي في التركة – كما يقوم السنديك في التفليسة – بجرد أموال التركة وحصر الديون التي عليها وسدادها وتزيع ما بقى بعد السداد على الموصي لهم والورثة . وإن ضاقت التركة بوفاء الديون ، تحاص الدائنون ، وأخذ كل منهم حصة بنسبة دنيه ، ولم يأخذ الموصي لهم والورثة شيئاً .

193 – تصرف الوارث في أعيان التركة المدينة التي لم تخضع لنظام التصفية : ونخصص القول هنا في حكم تصرف الوارث في أعيان التركة المدينة قبل سداد الدين إذا كانت هذه التركة لم تخضع لنظام التصفية . وقد قدمنا أن حقوق الدائنين تتعلق بأعيان التركة أشبه ما تكون بحق الرهن ، وأنه لا بد من شهر هاذ الحق ليكون نافذاً في حق من تصرف له الوارث ، ويكون الشهر بتأشير الدائن بدينه في خلال سنة من شهر حق الإرث ، ويجري التأشير  أمام اسم المورث في سجل عام تدون فيه أسماء المورثين بحسب الأوضاع المقررة للفهارس الأبجدية .

فإذا تم التأشير على هذا النحو ، استطاع الدائن أن ينفذ بحقه على عقارات التركة ولو كان الورثة قد تصرفوا فيها ، فيتتبعها في يد من وقع التصرف لهم . وقد ورد ها الحكم في المادة 914 مدني ، إذ تنص على ما يأتي ، ” إذا لم تكن التركة قد صفيت وفقاً لأحكام النصوص السابقة : جاز لدائني التركة العاديين أن ينفذوا بحقوقهم أو بما أوصى به لهم على عقارات التركة التي حصل التصرف فيها أو التي رتبت عليها حقوق عينية لصالح الغير ، إذا أشروا بديونهم وفقاً لأحكام القانون ( [134] ) ” . وأحكام القانون هنا تبينها المادة 14 من قانون تنظيم الشهر العقاري ، وتجري على الوجه الآتي : ” يجب التأشير بالمحررات المثبتة لدين من الديون العادية على المورث في هامش تسجيل الإشهادات أو الأحكام أو السندات وقوائم الجرد المتعلقة بها ويحتج بها التأشير من تاريخ حصوله ، ومع ذلك إذا تم التأشير خلال سنة من تاريخ التسجيل المشار إليه فللدائن أن يحتج بحقه على كل من تلقى من الوارث حقاً عينياً عقارياً وقام بشهره قبل هذا التأشير ( [135] ) ” .

 وتطبيقاً لما قدمناه نفرض أن الوارث قد باع عقاراً في التركة قبل أن يسدد ديونها . فإذا كان الدائن قد أشر بدينه على النحو الذي أسلفناه في خلال سنة من تاريخ شهر حق الإرث ، ولم يستوف حقه من الوارث أو من أي طريق آخر ، كان له أن يتتبع العقار تحت يد المشتري ، كما كان يتتبعه لو أنه كان دائناً مرتهناً ، فيستوفي حقه منه ، حتى لو كان البيع مسجلاً قبل تأشير الدائن بدينه ما دام التأشير قد تم في خلال سنة من تاريخ شهر حق الإرث كما سبق القول . ونرى من ذلك أن من يتعامل مع الوارث فيشتري منه عقارات للتركة ، يجب عليه أن يتحوط فلا يقدم على الشراء قبل انقضاء سنة من تاريخ شهر حق الإرث ( [136] ) . وعند ذلك يستطيع أن يتبين ما إذا كان هناك دائن للتركة أشر بدينه  حتى يتعامل مع الوارث على هذا الأساس . فأما أن يحتجز من الثمن مقدار الدين ليقوم هو بسداده للدائن ، وإما أن يجعل الوارث يفي بالدين ، فإن لم يفعل لا هذا ولا ذاك عرض نفسه لإجراءات التتبع التي يقوم بها دائن التركة ( [137] ) .

فإذا لم يقم الدائن بالتأشير بدينه في خلال سنة من تاريخ شهر حق الإرث ، لم يعد حقه نافذاً في مواجهة المشتري إذا سجل المشتري البيع بقبل أن يقوم الدائن بالتأشير بعد انقضاء السنة . فإذا أشر الدائن بدينه بعد انقضاء سنتين مثلاً ، فإن كان المشتري قد سجل البيع قبل هذا التأشير لم يستطع الدائن تتبع العقار في يده ، ما لم يكن المشتري سيء النية متواطئاً مع الوارث بحيث يجوز للدائن أن يطعن في البيع بالدعوى البولصية . وإن كان المشتري قد سجل البيع بعد تأشير الدائن ، كان للدائن أن يتتبع العقار في يد المشتري وأن يستوفى منه حقه ( [138] ) . وفي جميع الأحوال يجوز للدائن ، إذا لم يستطع أو لم يرد تتبع العقار ، أن يستوفى حقه من أموال التركة الأخرى التي لا تزال باقية في يد الوارث ، كما له أن يرجع بالتعويض على الوارث في ماله الشخصي إذا كان هذا قد باع العقار غشاً وإضراراً بحقوق الدائن ولو لم تتوافر شروط الدعوى البولصية .

أما إذا كانت العين التي باعها الوارث قبل سداد الدين منقولاً ، فلا تأثير لتأشير الدائن بدينه في هذا البيع وينظر في هذه الحالة إلى المشتري ، فإن كان سيء النية ، أي يعلم أن المنقول الذي يشتريه هو من أموال تركة لم تسدد ديونها ،  جاز للدائن أن يتتبع هذا المنقول في يد المشتري وأن يستوفي حقه منه . أما إذا كان المشتري حسن النية ، فقد ملك المنقول بالحيازة ، ولا يستطيع الدائن أن يتتبعه في يده ، وليس له إلا الرجوع بحقه على بقية أموال التركة التي لا تزال في يد الوارث . فإن لم يجد شيئاً يستوفي منه حقه ، رجع بثمن المنقول على الوارث إذا كان حسن النية ، أو رجع عليه بالتعويض إذا كان سيء النية أي يعلم قبل أن يبيع المنقول أن على التركة ديناً لم يسدد .

194 – تصرف الوارث في أعيان التركة المدينة التي خضعت لنظام التصفية : وقد تخضع التركة المدينة لنظام التصفية . ونبادر إلى القول إن كل تركة لا تخضع حتماً لهذا النظام ، بل إ الكثرة الغالبة من التركات لا تخضع له ، لما فيه من إجراءات طويلة ومصروفات كثيرة ، مما يجعل النظام غير صالح إلا للتركات الكبيرة الكثيرة الديون . ومن ثم جعل طلب إخضاع التركة لنظام التصفية رخصة لأي من ذوي الشأن – الدائن أو الموصي له أو الوارث على أن يخضع هذا الطلب لتقدير القاضي ، فإن لم ير موجباً لذلك رفض إخضاع التركة لهذا النظام ( [139] ) . وهذا كله إذا لم يعين المورث نفسه وصياً لتركته . فإن عين وصياً للتركة ، وأقر القاضي هذا التعيين ، فإنه يسري على وصي التركة ما يسري على المصفي من أحكام ( م 878 مدني ) . وهذا ما تنص عليه المادة 876 مدني في خصوص جواز إخضاع التركة لنظام التصفية : ” إذا لم يعين المورث وصياً لتركته ، وطلب أحد ذوي الشأن تعيين مصف لها ، عينت المحكمة ، إذا رأت موجباً لذلك ، من تجمع الورثة على اختياره . فإن لم تجمع الورثة على أحد ، تولى القاضي  اختيار المصفي ، على أن يكون بقدر المستطاع من بين الورثة ، وذلك بعد سماع أقوال هؤلاء ” .

فإذا خضعت التركة للتصفية ، قام مقام تأشير الدائن بدينه على النحو الذي بيناه فيما تقدم قيد الأمر الصادر بتعيين المصفي . وقد نصت المادة 879 مدني في هذا الصدد على ما يأتي : ” 1 – على كاتب المحكمة أن يقيد يوماً فيوماً الأوامر الصادرة بتعيين المصفي وبتثبيت أوصياء التركة في سجل عام تدون فيه أسماء المورثة بحسب الأوضاع المقررة للفهارس الأبجدية . ويجب أن يؤشر في هامش السجل بكل أمر يصدر لعزل ، وبكل ما يقع من تنازل . 2 – ويكون لقيد الأمر الصادر بتعيين المصفي من الأثر في حق الغير الذي يتعامل مع الورثة في شأن عقارات التركة ما للتأشير المنصوص عليه في المادة 914 ” . فأي تصرف يصدر من الوارث ، إذا قيد الأمر الصادر بتعيين المصفي في خلال سنة من تاريخ شهر حق الإرث ، لا يكون نافذاً في حق دائني التركة ، ولهؤلاء أن يتتبعوا العقار المبيع في يد المشتري على النحو الذي بيناه تفصيلاً في حالة تأشير الدائن بدينه في خلال السنة . أما إذا قيد الأمر المذكور بعد انقضاء سنة من تاريخ شهر حق الإرث ، فالعبرة بالأسبقية في الشهر كما سبق القول . وكذلك للدائنين تتبع منقولات التركة التي يبيعها الورثة قبل سداد الديون ، ما لم يكن المشتري حسن النية على التفصيل الذي أوردناه فيما تقدم . بل إن الوارث إذا تصرف غشاً في شيء من مال التركة الخاضعة لنظام التصفية ، عوقب بعقوبة التبديد كما سنرى .

على أن نظام التصفية ذاته يقضي بغل يد الورثة عن التصرف في أعيان التركة ، ويجعل سداد ديون التركة عن طريق إجراءات جماعية كما سبق القول . فيقوم المصفي ، كما قدمنا ، بجرد أموال التركة ، وحصر الديون التي عليها ، وسدادها وتوزيع ما بقى بعد السداد على الموصي لهم والورثة . ولا يجوز من وقت قيد الأمر الصادر بتعيين المصفي أن يتخذ الدائنون أي إجراء ، كما لا يجوز لهم أن يستمروا في أي إجراء اتخذوه ، إلا في مواجهة المصفي ( م 883  /  1 مدني ) . ولا يجوز للوارث ، قبل أن تسلم إليه شهادة التوريث ، أن يتصرف في مال التركة ، كما لا يجوز له أن يستوفى ما للتركة من ديون أو أن يجعل ديناً عليه قصاصاً بدين للتركة ( م 884 منه ) . وعلى المصفي أن يكلف دائني التركة  ومدينيها أن يقدموا بياناً بما لهم من حقوق وما عليهم من ديون ، وأن يودع قلم كتاب المحكمة خلال أربعة أشهر من يوم تعيينه قائمة تبين ما للتركة وما عليها وتشتمل على تقدير لقيمة هذه الأموال ( م 886 – 887 مدني ) . ويعاقب بعقوبة التبديد كل من استولى غشاً على شيء من مال التركة ، ولو كان وارثاً ( م 889 مدني ) . ثم تصفى المنازعات في صحة الجرد ، ولو عن طريق دعاوى أمام المحكمة المختصة ، ويقوم المصفي بعد ذلك بوفاء ديون التركة . ولكن عليه في حالة إعسار التركة أو احتمال إعسارها ، أن يقف تسوية أي دين حتى يفصل نهائياً في جميع المنازعات المتعلقة بديون التركة ( م 892 مدني ) . ويجوز للمحكمة بناء على طلب جميع الورثة أن تحكم بحلول الدين المؤجل الذي على التركة بشروط معينة ، فإذا لم يقض بحلول الأجل تتولى المحكمة توزيع الديون المؤجلة وتوزيع أموال التركة بحيث يختص كل وارث من جملة ديون التركة ومن جملة أموالها بما يكون في نتيجته معادلاً لصافي حصته في الإرث . وترتب المحكمة لكل دائن من دائني التركة تأميناً كافياً على عقار أو منقول ، على أن تحتفظ لمن كان له تأمين خاص بنفس هذا التأمين . فإن استحال تحقيق ذلك ، ولو بإضافة ضمان تكميلي يقدمه الورثة من مالهم الخاص أو بالاتفاق على أية تسوية أخرى ، رتبت المحكمة التأمين على أموال التركة جميعها ( م 895  /  1 و 2 مدني ) . وبعد تسوية الديون على هذا النحو ، إذا ظهر دائن للتركة لم يستوف حقه لعدم ذكره في قائمة الجرد ولم تكن له تأمينات على أموال التركة ، لم يجز لهذا الدائن أن يرجع على من كسب بحسن نية حقاً عينياً على أموال التركة ، وإنما له الرجوع على الورثة بسبب إثرائهم ( م 897 مدني ) .

وبعد أن يقوم المصفي بتنفيذ التزامات التركة من تجهيز الميت وسداد الديون والتكاليف والوصايا وغير ذلك ( [140] ) ، يخلص ما بقى من المال للورثة كل بحسب نصيبه الشرعي ، ويسلم المصفي لهم ما آل إليهم من هذه الأموال ( م 899 –  900 مدني ) . و تسلم المحكمة إلى كل وارث يقدم إعلاماً شرعياً أو ما يقوم مقام هذا الإعلام شهادة تقرر حقه في الإرث ، وتبين مقدار نصيبه منه ، وتعين ما آل إليه من أموال التركة ( م 901 مدني ) . وهذه الشهادة هي التي يسجلها ، فيشهر بذلك انتقال المال الموروث إليه . وهي تبيح له من وقت تسلمها التصرف في هذه الأموال ، كما سبق القول . على أنه يجوز للورثة ، بمجرد انقضاء الميعاد المقرر للمنازعات المتعلقة بالجرد ، المطالبة بأن يستلموا بصفة مؤقتة الأشياء أو النقود التي يحتاج لها في تصفية التركة ، أو أن يتسلموا بعضاً منها ، وذلك مقابل كفالة أو بدون تقديمها ( م 900 مدني ) . وغني عن البيان أن الوارث الذي يتسلم شيئاً من ذلك يكون له حق التصرف فيه ، ولو قبل أن يتسلم شهادة التوريث .

5 – بيع المحجوز عليه والمعسر

195 – بيع المحجوز عليه : يبدأ التنفيذ على عقار المدين بإعلان التنبيه بنزع ملكية العقار إلى المدين ( م 610 مرافعات ) . ويجب تسجيل التنبيه قبل انقضاء ستين يوماً على إعلانه وإلا اعتبر كأن لم يكن ، ولا يجوز تسجيله قبل مضي خمسة عشر يوماً على إعلانه ( 613 مرافعات ) . ويترتب على تسجيل التنبيه اعتبار العقار محجوزاً ، ويسقط هذا التسجيل ويحصل شطبه بمجرد طلبه بعريضة تقدم إلى مكتب الشهر إذا لم يعقبه خلال المائتين والأربعين يوماً التالية له التأشير على هامشه بما يفيد الإخبار بإيداع قائمة شروط البيع أو صدور أمر قاضي البيوع بمد هذا الميعاد ( 651 مرافعات ) .

فإذا ما تم تسجيل التنبيه على النحو المتقدم فاعتبر العقار محجوزاً ، لم يعد يجوز لمالك العقار المحجوز ، سواء كان هو المدين أو الحائز للعقار ، أن يبيعه . وبيع المالك العقار لا يكون نافذاً في حق الدائن الحاجز ولا في حق الراسي عليه المزاد ، إلا إذا كان البيع قد حصل تسجيله قبل تسجيل تنبيه نزع الملكية . فإن سجل التنبيه قبل تسجيل البيع ، كان البيع غير نافذ في حق هؤلاء . وقد كان تقنين المرافعات الوطني السابق لا ينص صراحة على هذا الحكم ، وإن  نص عليه تقنين المرافعات المختلط ( [141] ) . فاختلف الرأي في تحديد الوقت الذي يمنع فيه المحجوز عليه من بيع عقاره أهو وقت تسجيل التنبيه أم هو وقت البيع بالمزاد ( [142] ) . ولكن تقنين المرافعات الجديد حسم هذا الخلاف ، ونص صراحة على منع المحجوز عليه من بيع العقار المحجوز من وقت تسجيل التنبيه ، إذ نصت المادة 616 مرافعات على أنه ” لا ينفذ تصرف المدين أو الحائز في العقار ، ولا ما يترتب عليه من رهن أو اختصاص أو امتياز ، في حق الحاجزين ولو كانوا دائنين عاديين ولا في حق الدائنين المشار إليهم في المادة 637 ( الدائنين المقيدة حقوقهم قبل تسجيل التنبيه فأصبحوا طرفاً في الإجراءات ) ولا الراسي عليه المزاد ، إذاك أن التصرف أو الرهن أو الاختصاص أو الامتياز قد حصل شهره بعد تسجيل تنبيه نزع الملكية . ومع ذلك ينفذ التصرف أو الرهن أو الاختصاص أو الامتياز المشار إليه إذا قام ذوو الشأن قبل اليوم المحدد للبيع ، بإيداع مبلغ يكفي للوفاء بأصل الديون والفوائد والمصاريف التي للحاجزين والدائنين المشار إليهم سواء حلت ديونهم أو لم تحل مع إعلانهم جميعاً بالإيداع ، وتكون هذه المبالغ مخصصة لوفاء ديون من ذكروا دون غيرهم من الدائنين . فإذا لم يحصل الإيداع قبل إيقاف البيع ، فلا يجوز لأي سبب منح ميعاد للقيام به ” .

ويخلص من النص المتقدم أن بيع العقار المحجوز إذا لم يسجل قبل تسجيل تنبيه نزع الملكية – فلا يكفي إذن أن يكون البيع ثابت التاريخ قبل تسجيل التنبيه – لا يكون نافذاّ في حق الدائنين الحاجزين والدائنين المقيدة حقوقهم قبل تسجيل التنبيه والراسي عليه المزاد ( [143] ) . فيستطيع هؤلاء أن يواصلوا إجراءات التنفيذ دون التفات لهذا البيع ، إذ هو غير سار في حقهم ، وللراسي عليه المزاد أن  يخلص بالعقار دون أن يحتج عليه بالبيع ( [144] ) . فإذا استوفى الدائنون حقوقهم من الثمن الذي رسا به المزاد ، وبقى فضل ، فهذا الفضل للمشتري ، لأن البيع لا يزال قائماً بينه وبين البائع . وللمشتري بعد ذلك أن يرجع على البائع بضمان الاستحقاق ، كما أن له أن يفسخ البيع ، وذلك كله وفقاً للقواعد العامة . ونرى من ذلك أن عدم نفاذ التصرف في حق الدائنين هنا هو تطبيق مبسط للدعوى البولصية ، فقد فرض القانون أن المشتري الذي سجل البيع بعد تسجيل التنبيه يعلم بالحجز وأنه متواطئ مع مالك العقار ، ومن ثم يكون البيع غير نافذ في حق الدائنين كما لا ينفذ تصرف المدين الذي وقع إضراراً بحقوق الدائنين في الدعوى البولصية .

ويترتب على ما قدمناه أن بيع العقار المحجوز ، إذا سجل بعد تسجيل التنبيه ، ينفذ مع ذلك في حق الدائنين ( [145] ) في الأحوال الآتية : ( 1 ) إذا قام المشتري قبل اليوم المحدد للبيع في المزاد بإيداع مبلغ يكفي للوفاء أصل الدين والفوائد والمصروفات التي للدائنين الحاجزين والدائنين المقيدة حقوقهم على العقار ، وسواء حلت ديونهم أو لم تحل ، مع إعلانهم جميعاً بالإيداع . وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 616 مرافعات السالفة الذكر . ( 2 ) إذا نزل الدائنون الحاجزون والدائنون المقيدة حقوقهم عن الإجراءات التي اتخذت ، بأن وجدوا مثلاً أن المشتري قد اشترى العقار بثمن لا يؤملون أن يحصلوا على أكثر منه لو بعي العقار في المزاد . وفي هذه الحالة يستوفون حقوقهم من هذا الثمن بالاتفاق مع المشتري والبائع ( [146] ) . ( 3 ) إذا سقط التسجيل بأن لم يعقبه خلال المائتين والأربعين يوماً التالية له التأشير على هامشه بما يفيد الإخبار بإيداع  قائمة شروط البيع أو صدور أمر قاضي البيوع بمد هذا الميعاد ( م 615 مرافعات السالفة الذكر ) .

196 – بيع المعسر : من أهم مزايا شهر إعسار المدين عدم نفاذ تصرفات المدين في ماله ( [147] ) . فالمبيع الذي يصدر من المدين المعسر بعد تاريخ تسجيل صحيفة دعوى الإعسار لا يسري في حق الدائنين ، وذلك دن حاجة إلى إثبات إعسار المدين فهو ثابت بحكم شهر الإعسار ، ودون حاجة إلى إثبات سوء نية المدين أو سوء نية المشتري . وقد نصت المادة 257 مدني صراحة على هاذ الحكم ، إذ تقول : ” متى سجلت صحيفة دعوى الإعسار ، فلا يسري في حق الدائنين أي تصرف للمدين يكون من شأنه أن ينقص من حقوقه أو يزيد في التزاماته ، كما لا يسري في حقهم أي وفاء يقوم به المدين ” . ويلاحظ أن النص هنا لم يشترط ، ليكون البيع نافذاً في حق الدائنين ، أن يكون مسجلاً قبل تسجيل صحيفة دعوى الإعسار ، فيكفي أن يكون البيع ثابت التاريخ قبل تسجيل صحيفة الدعوى لينفذ في حق الدائنين ، ولو سجل بعد تسجيل هذه الحصيفة . وهذا بخلف ما رأيناه في البيع الصادر من المحجوز عليه ، فإنه يجب أن يكون مسجلاً قبل تسجيل التنبيه ليكون نافذاً في حق الدائنين .

والبيع الصادر بعد تسجيل صحيفة دعوى الإعسار لا يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال ، بل هو بيع صحيح نافذ فيما بين البائع والمشتري ، ولكنه لا ينفذ في حق الدائنين ، شأنه شأن البيع الصادر من المحجوز عليه فيما قدمنا . فللدائنين أن ينفذوا على العين المبيعة ، فيرجع المشتري على المدين بضمان الاستحقاق أو بدعوى الفسخ ، وإن كان هذا الرجوع لأي جدي إذ المفروض أن المدين معسر . و إذا ترك الدائنون العين دون أن ينفذوا عليها ، بقتي في ملك المشتري ، لأن البيع لا يزال قائماً كما قدمنا . وإذا انتهت حالة الإعسار بسبب من أسباب انتهائه ، بقى التصرف غير نفاذ في حق الدائنين ، ولكنه يبقى أيضاً قائماً ما بين المدين والمشتري .

 على أن البيع ينفذ في حق الدائنين إذا كان بثمن المثل أو أكمل إلى ثمن المثل ، وأودع الثمن كله بما في ذلك تكملة ثمن المثل في خزانة المحكمة على ذمة الدائنين . وقد نصت المادة 258 مدني على هذا الحكم ، إذ تقول ” 1 – يجوز للمدين أن يتصرف في ماله ، ولو بغير رضاء الدائنين على أن يكون ذلك بثمن المثل ، وأن يقوم المشتري بإيداع الثمن خزانة المحكمة حتى يوزع وفقاً لإجراءات التوزيع . 2 – فإذا كان الثمن الذي بيع به المال أقل من ثم المثل ، كان التصرف غير سار في حق الدائنين ، إلا إذا أودع المشتري فوق الثمن الذي اشترى به ما نقص من ثمن المثل ” ( [148] ) .

6 – بيع الأراضي الزراعي في قانون الإصلاح الزراعي

197 – المسائل التي يثيرها قانون الإصلاح الزراعي بالنسبة إلى بيع الأراضي الزراعية : لا نعرض هنا إلى قانون الإصلاح الزراعي ( [149] ) إلا فيبعض المسائل الهامة التي يثيرها هذا القانون بالنسبة إلى بيع الأراضي الزراعية ، لا سيما ما كان من هذه الأحكام ذا أثر دائم . فنترك الأحكام الخاصة باستيلاء الحكومة في خلال الخمس السنوات التالية لتاريخ العمل بهذا القانون على ملكية ما يجاوز مائتي الفدان التي يستبقيها المالك لنفسه وما يتجمع حولها من مسائل متعددة ، ونترك الأحكام الخاصة بالتعويض الذي تدفعه الحكومة ملاك الأراضي الزراعية في مقابل الإستيلاء على أراضيهم ، والأحكام الخاصة بتوزيع الأراضي المستولى عليها على صغرا الفلاحين وتقدير أثمانها وكيفية دفع الثمن ، والأحكام الخاصة بجمعيات التعاون الزراعي ، فكل هذه تخرج عن طاق البحث في عقد البيع فوق أنها أحكام تتسم كثيراً أو قليلاً بالوقتية ( [150] ) .

 ونقتصر هنا على بحث المسألتين الآتيتين ، وهما ذاتا صفة دائمة وتدخلان في نطاق عقد البيع : ( 1 ) القاعدة الأساسية التي وضعها قانون الإصلاح الزراعي من عدم جواز امتلاك الشخص لأكثر من مائتي فدان ، وبطلان كل عقد يخالف هذا الحكم . ( 2 ) الحد من تجزئة الأراضي الزراعية ( [151] ) .

198 – عدم جواز تملك أكثر من مائتي فدان : تنص المادة الأولى من قانون الإصلاح الزراعي على أنه ” لا يجوز لأي شخص أن يمتلك من الأراضي الزراعية أكثر من مائتي فدان وكل عقد يترتب عليه مخالفة هذا الحكم يعتبر باطلاً ولا يجوز تسجيله ( [152] ) . وتنص المادة 17 من هذا القانون على أنه ” يعاقب بالحبس كل من قام بعمل يكون من شأنه تعطيل أحكام المادة الأولى ، فضلاً  عن مصادرة ثمن الأراضي الواجب الإستيلاء عليها . و يعاقب أيضاً بالحبس كل من يتعمد من مالكي الأراضي التي يتناولها حكم القانون أن يحط من معدنها أو يضعف تربتها أو يفسد ملحقاتها ، بقصد تفويت تمام الانتفاع بها وقت الإستيلاء عليها . . . ” ( [153] ) .

ويخلص من هذه النصوص أنه لا يجوز لشخص أن يمتلك من أراضي مصر الزراعية أكثر من مائتي فدان أياً كانت درجة جودتها ، فالعبرة بعدد الأطيان لا بتربتها . فإذا كان شخص يملك – يوم نفاذ القانون ، وهو يوم 9 سبتمبر سنة 1952 بل وقبل ذلك إلى يوم 23 يولية سنة 1952 إذ أنه لا يعتد بتصرفات المالك التي لم يثبت تاريخها قبل يوم 23 يوليه سنة 1952 ( م 3 ) – أكثر من مائتي فدان ، استولت الحكومة على ملكية ما يجاوز مائتي الفدان التي يستبقيها المالك لنفسه ( م 3 ) . وبعد ذلك لا يجوز للشخص ، وقد أصبح لا يملك أكثر من مائتي فدان ، أن يكسب بأي سبب من أسباب كسب الملكية أي أرض زراعية فوق مائتي الفدان إذاك أن يملك هذا المقدار ، أو أي أرض زراعية تجعل ما يملكه أكثر من مائتي فدان إذا كان يملك أقل من هذا المقدار .

وهو يكسب من الأراضي الزراعية ما يزيد على النصاب إما بسبب إرادي من جهته وذلك بالعقد أو بالشفعة ، وإما بسبب غير إرادي من جهته أو بواقعة مادية وذلك بالميراث والوصية والتقادم .

199 – التملك بالميراث والوصية والتقادم : فإذا كان الشخص يملك مائتي فدان أو أقل ، ثم كسب ملكية أرض زراعية بعد ذلك بطريق الميراث أو الوصية أو التقادم ، فأصبح مجموع ما يملكه أكثر من مائتي فدان ، صح التملك ،  لأنه تم إما بتصرف قانوني لا يتعلق بإرادة المالك وهذه هي الوصية ، وإما بواقعة مادية لا بتصرف قانوني وهذا هو الميراث أو التقادم . ولكن تستولى الحكومة ، بعد أن أصبح الشخص يمتلك أكثر من مائتي فدان ، على ما يزيد على هذا المقدار بالطرق والإجراءات التي نص عليها قانون الإصلاح الزراعي . وقد نصت المادة الثانية من اللائحة التنفيذية لهذا القانون على أن ” كل شخص أصبحت مساحة الأطيان التي يملكها أو يضع اليد عليها تزيد على مائتي فدان بأي سبب ، كالميراث أو الوصية أو القسمة أو غير ذلك ، يلزم بتقديم الإقرار سالف الذكر ( وهو إقرار يمهد للاستيلاء على ما يجاوز مائتي الفدان ) خلال شهرين من علمه بقيام سبب الملكية ” ( [154] ) .

200 – التملك بالعقد : أما إذا تملك الشخص بالعقد – والغالب أن يكون عقد بيع ولكن قد يكون عقداً آخر كالمقايضة ( [155] ) والهبة – وما يجعل الأراضي الزراعية التي يمتلكها أكثر من مائتي فدان ، فالعقد باطل بطلاناً مطلقاً ولا يجوز لمصلحة الشهر أن تسجله ، كما هو صريح نص المادة الأولى من قانون الإصلاح الزراعي إذ تقول : ” وكل عقد يترتب عليه مخالفة هذا الحكم يعتبر باطلاً ، ولا يجوز تسجيله ” .

ولا عبرة في بطلان العقد بحسن نية البائع أو المشتري أو بسوء نيته ، فقد يكون أحدهما أو كلاهما حسن النية ويكون العقد مع ذلك باطلاً . على أن حسن نية المشتري هنا لا يمكن إلا أن يكون مقترناً بالإهمال ، فالمشتري مفروض فيه أنه يعرف مقدار ما يملك فإذا جهل ذلك كان هذا تقصير منه .

 ويستوي في بطلان العقد أن يكون الشخص مالكاً قبل العقد مائتي فدان فيكون ما ملكه بالعقد مقداراً زائداً على النصاب الجائز تملكه ، كما لو اشترى عشرين فداناً وكان يملك قبل ذلك مائتي فدان ، أو أن يكون الشخص مالكاً قبل العقد أقل من مائتي فدان ولكنه كسب بالعقد ما جعل مجموع ما يملكه أكثر من مئاتي فدان ، كما لو اشترى أربعين فداناً وكان يملك قبل ذلك مائة وثمانين . وفي الحالة الثانية يكون البيع باطلاً في الأربعين فداناً كلها ، لا فيما يجاوز مائتي فدان فحسب وذلك لأن النص على البطلان عام لا يميز بين حالة وحالة ، فهو يقول : ” كل عقد يترتب عليه مخالفة هذا الحكم يعتبر باطلاً ” ، ولأ ، الصفقة لا تتجزأ فلا يمكن جعلها صحيحة في عشرين فداناً في الشيوع وباطلة في العشرين الأخرى وقد يتضرر من تجزئتها البائع أو المشتري .

والعقد الذي يعتبر باطلاً هو العقد الذي يصدر في تاريخ غير سابق على 9 من شهر سبتمبر سنة 1952 تاريخ نفاذ قانون الإصلاح الزراعي ، أو العقد غير الثابت التاريخ . أما العقود الثابتة التاريخ السابقة على 9 من شهر سبتمبر سنة 1952 فإنها تكون صحيحة ويجوز تسجيلها ، إذ ليس لقانون الإصلاح الزراعي في هذه المسألة أثر رجعي ( [156] ) . فإن كان من شأنها أن تجعل المالك يجوز حد النصاب الجائز تملكه ، استولت الحكومة على ما يجاوز هذا الحد .

201 – التملك بالشفعة : ويبدو أن الشفعة تقاس على البيع فلا يجوز لشخص أن يأخذ بالشفعة أرضاً زراعية من شأنها أن تجعل مجموع ما يملكه من الأراضي الراعية أكثر من مائتي فدان وهو لا يستطيع أن يجزئ الصفقة بحيث يقتصر على الأخذ بالشفعة فيما لا يجعله يجاوز مائتي الفدان ، لأن تجزئة الصفقة غير جائزة في الشفعة . والشفعة تنطوي على واقعة مادية وتصرف قانوني ، وهذا التصرف القانوني – وهو إرادة الأخذ بالشفعة – سبب يتعلق بإرادة المالك ، فشأنه شأن البيع في عدم جواز التملك به لما يجاوز النصاب ( [157] ) .

 202 – الحد من تجزئة الأراضي الزراعية : تنص المادة 23 من قانون الإصلاح الزراعي على أنه ” إذا وقع ما يؤدي إلى تجزئة الأراضي الزراعية إلى أقل من خمسة أفدنة ، سواء كان ذلك نتيجة للبيع أو المقايضة أو الميراث أو الوصية أو الهبة أو يغر ذلك من طرق كسب الملكية ، وجب على ذوي الشأن أن يتفقوا على من تؤول إليه ملكية الأرض منهم . فإذا تعذر الاتفاق ، رفع الأمر إلى المحكمة الجزئية الواقع في دائرتها أكثر العقارات قيمة ، بناء على طلب أحد ذوي الشأن أو النيابة العامة ، للفصل فيمن تؤول إليه الأرض . فإذا لم يوجد من يستطيع الوفاء بباقي الأنصبة ، قررت المحكمة بيع الأرض بطريق المزاد . وتفصل المحكمة في الطلب بغير رسوم ” . وتنص المادة 24 على أن ” تفضل المحكمة الجزئية ، في أيلولة الأرض غير القابلة للتجزئة ، من يحترف الزراعة من ذوي الشأن ، فإن تساووا في هذه الصفة اقترع بينهم . على أنه إذا كان سبب كسب الملكية الميراث ، فضل من يشتغل بالزراعة من الورثة ، فإن تساووا في هذه الصفة قدم الزوج فالولد ، فإذا تعدد الأولاد اقترع بينهم ” ( [158] ) .

والمفروض أن شخصاً يملك خمسة أفدنة أو أقل أو أكثر ، وباع جزءاً منها أو قايض عليه أو وهبه بحيث أصبح لا يملك إلا أقل من خمسة أفدنة ، وأصبح المشتري أو المقايض الآخر أو الموهوب له لا يملك هو أيضاً إلا أقل من خمسة أفدنة ، أو ورث المالك لسبعة أفدنة مثلاً عدد من الورثة بحيث أصبح نصيب كل منهم أقل من خمسة أفدنة ، أو أوصى المالك لسبعة أفدنة مثلاً بفدانين لشخص  وترك الباقي لعدد من الورثة بحيث أصبح كل من الموصي له والورثة لا يملك إلا أقل من خمسة أفدنة ، ففي كل هذه الصور تجزأت الأرض الزراعية إلى أجزاء يقل كل منها عن خمسة أفدنة .

فيجب في هذه الحالة أن تتركز الأرض في أيد أحد هؤلاء الملاك ممن يقدر على دفع ثمن ما لا يملكه ، ويكون الاختيار باتفاق الجميع . فإذا لم يتفقوا ، جاز لأحد هؤلاء الملاك أو للنيابة العامة رفع الأمر إلى المحكمة الجزئية الواقع في دائرتها أكثر العقارات قيمة ، لتختار من بين الملاك من تؤول إليه الأرض ويكون قادراً على دفع ثمن ما لا يملك . فإذا لم يوجد من يستطيع الوفاء بثمن باقي الأنصبة ، بيعت الأرض كلها بالمزاد لتكون في يد واحدة ولا تتجزأ ملكية الأرض الزراعية إلى أقل من خمسة أفدنة ، ويقسم الثمن على الملاك كل بقدر حصته .

وعند اختيار المحكمة للمالك الذي تؤول إليه ملكية الأرض على النحو الذي أسلفناه ويتعدد الراغبون ، تفضل المحكمة من يحترف الزارعة فإن تعدد هؤلاء اقترعت بينهم . و إذا كان سبب التجزئة الميراث ، فضلت المحكمة من الورثة من يحترف الزراعة ، فإن تساووا كلهم أو بعضهم في هذه الحصة ، فضل الزوج ، ثم الولد ، فإن تعدد الأولاد اقترعت بينهم .

وغني عن البيان أن من يملك أرضاً زراعية قبل يوم 9 من سبتمبر سنة 1952 ، أي 4 قبل نفاذ قانون الإصلاح الزراعي ، وكان ما يملك أقل من خمسة أفدنة ، يبقى مالكاً للأرض بهذا المقدار . فإذا جد سبب للتجزئة ، ابتداء من يوم 9 من سبتمبر سنة 1952 ، وجب إعمال القواعد المتقدمة الذكر .


( [1] ) ويتفرع على ذلك أنه إذا تبين أن يشتري ملكه ، وقد قضت محكمة مصر الوطنية بأنه إذا حكم بملكية شخص لعين متنازع عليها ، وكان المحكوم له مقد اشترى هذا العين من المحكوم ضده ، فالبيع باطل لوقوعه على عين هي ملك المشتري ( 4 يناير سنة 1923 المجموعة الرسمية 25 رقم 15  /  1 ص 19 ) .

( [2] ) تاريخ النصوص :

م 466 : ورد هذا النص في المادة 632 من المشروع التمهيدي على وجه يتفق مع ما استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، فيما عدا بعض فروق لفظية طفيفة . وأقرته لجنة المراجعة بعد إزالة بهذه الفروق ، وأصبحت المادة رقمها 493 في المشروع النهائي . ووافق عليها مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 466 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 183 – ص 184 وص 186 – ص 188 ) .

م 467 : ورد هذا النص في المادة 633 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق لما استقر عليه في التقنين المدني الجديد . وأقرته لجنة المراجعة تحت رقم 494 من المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 467 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 190 – ص 191 ) .

م 468 : ورد هذا النص في المادة 634 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق لما استقر عليه في التقنين المدني الجديد . وأقرته لجنة المراجعة تحت رقم 495 من المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 468 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 192 وص 194 ) .

( [3] ) التقنين المدني الأسبق م 264  /  333 : بيع الشيء المعين الذي لايملكه البائع باطل ، إنما يصح إذا أجازه المالك الحقيقي .

م 265  /  334 : إذا باع أحد شيئاً على أنه مملوك له ، ثم تبين بعد انعقاد البعي عدم ملكيته للمبيع ، جاز للمشتري أن يطلب منه تضمينات إذا كان معتقداً وقت البيع صحة ملكية البائع .

م 335 مختلط : إذا تعهد غير المالك بنقل ملكية شيء معين والانتفاع به لآخر بثمن معين ، يحكم في التعهد بالتطبيق للقواعد العامة المقررة للتعهدات الاتفاقية .

( والأحكام واحدة في التقنينين السابق والجديد ، غير أن نصوص التقنين الجديد أكثر إحاطة ، على أن نصوص التقنين السابق هي بدورها أكثر وضوحاً من نصوص التقنين المدني الفرنسي المقتضبة في هذه المسألة . ولمي نقل التقنين المدني الجديد المادة 335 مختلط لأنها مجرد تطبيق للقواعد العامة ، وقد أغفلها التقنين الوطني من قبل : المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 193 – ص 194 ) .

( [4] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى : التقنين المدني السوري م 434 – 436 ( مطابقة للمواد 466 – 468 من التقنين المدني المصري ، وأنظر في القانون المدني السوري الأستاذ مصطفى الزرقا فقرة 254 – فقرة 277 ) .

التقنين المدني الليبي م 455 – 457 ( مطابقة للمواد 466 – 468 من التقنين المدني المصري ) .

التقنين المدني العراقي م 135 : 1 – من تصرف في ملك غيره بدون إذنه ، انعقد تصرفه موقوفاً على إجازة المالك . 2 – فإذا أجاز المالك تعتبر الإجازة توكيلاً ، ويطالب الفضولي بالبدل إن كان قد قبضه من العاقد الآخر . 3 – وإذا لم يجز المالك تصرف الفضولي ، بطل التصرف ، وإذا كان العاقد الآخر قد أدى للفضولي البدل فله الرجوع عليه به . فإن هلك البدل في يد الفضولي بدون تعد منه ، وكان العاقد الآخر قد أداه عالماً أنه فضولي ، فلا رجوع له بشيء منه . 4 – وإذا سلم الفضولي العين المعقود علهيا لمن تعاقد معه ، فهلكت في يده بدون تعد منه ، فللمالك أن يضمن قيمتها أيهما شاء . فإذا اختار تضمين أحدهما سقط حقه في تضمين الآخر .

م 135 : 1 – إجازة العقد الموقوف تكون صراحة أو دلالة ، وتستند إلى الوقت الذي تم فيه العقد . ويشترط في صحتها وجود من يملكها وقت صدور العقد ، ولا يشترط قيام العاقدين أو المالك الأصلي أو المعقود عليه وقت الإجازة . 2 – ويجب أن يستعمل خيار الإجازة أو النقض خلال ثلاثة أشهر ، فإذا مل يصدر في هذه المدة ما يدل على الرغبة في نقض العقد اعتبر نافذاً . 3 – ويبدأ سريان المدة . . . وإذا كان سبب التوقف انعدام الولاية على المعقود عليه ، فمن اليوم الذي يعلم فيه المالك بصدور العقد .

( والتقنين المدني العراقي سار في هذه المسألة على قواعد الفقه الإسلامي : فبيع الفضولي – أي بيع ملك الغير – موقوف على إجازة المالك . وقد نقل التقنين العراقي أحكام العقد الموقوف في الفقه الإسلامي بعد إدخال تعديلات هامة جعلت هذه القواعد أكثر مسايرة لقواعد الفقه الغربي الحديث . ويختلف في ذلك عن التقنين المصري ، ففي هذا التقنين الأخير بيع ملك الغير قابل للإبطال . وقد ساعد التقنين العراقي على الأخذ بهذه الأحكام ، التي تفضل من بعض الوجوه أحكام التقنين المصري وبخاصة فيما يتعلق بأن العقد موقوف لا قابل للإبطال ، أن التقنين العراقي قد أخذ بنظرية البطلان كما هي في الفقه الإسلامي لا في الفقه الغربي الحديث ، وهي نظرية تفضل الفقه الغربي : أنظر في ذلك مصادر الحق في الفقه الإسلامي للمؤلف الجزء الرابع في نظرية البطلان – وأنظر في بيع الفضولي في القانون المدني العراقي الأستاذ عباس حسن الصراف فقرة 642 – فقرة 648 ، وأنظر بوجه خاص فقرة 647 حيث ينتقد الأستاذ للصرف نقل المشروع العراقي لنظرية الفقه الإسلامي في بيع الفضولي ، وهذا بالرغم من أن هذه النظرية تفضل نظرية الفقه الغربي كما سبق القول ) .

تقنين الموجبات والعقود اللبناني م 385 : بيع مال الغير باطل إلا في الأحوال الآتية : أولاً – إذا كان البيع معيناً بجنسه أو بنوعه فقط . ثانياً –إذا أجازه المالك . ثالثاً – إذا اكتسب فيما بعد حق الملكية على المبيع . أما إذا أبى المالك أن يجيز البيع ، فالبائع يضمن بدل العطل والضرر للمشتري إذا كان عالماً بأنه لا يملك المبيع وكان المشتري يجهل ذلك . ولا يجوز للبائع أن يدعي بطلان العقد بحجة أن البيع انعقد على ملك الغير . كل ذلك مع الاحتفاظ بتطبيق أحكام القرار رقم 188 الصادر من المفوض السامي بتاريخ 15 آذار سنة 1926 . ( وهذه الأحكام فيم جموعها تتفق مع أحكام التقنين المصري ، فيما عدا أن التقنين اللبناني لا يجعل للمشتري الحق في التعويض إلا إذا كان حسن النية وكان البائع في الوقت ذاته سيء النية ، أما التقنين المصري فيشترط حسن نية المشتري دون سوء نية البائع ) .

( [5] ) استئناف مختلط 10 فبراير سنة 1909 م 2 ص 169 – 30 مارس سنة 1915 م 27 ص 249 ( يتعهد بأ ، ينقل لملشتري ملكية شيء غير مملوك له عن طريق الاتفاق مع المالك بأية كيفية ) – أوبري ورو 5 فقرة 351 ص 42 – بودري وسينيا فقرة 116 ص 105 – ص 106 – جوسران 2 فقرة 1042 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي ص 575 .

( [6] ) استئناف مختلط 7 يونيه سنة 1900 م 12 ص 313 – بودري وسينيا فقرة 122 .

( [7] ) أو على شرط أن تظهر ملكيته بعد فحص مستنداته ( استئناف مختلط 18 أبريل سنة 1916 م 28 ص 259 ) .

( [8] ) فإذا باع شخص شيئاً ، وجعل البيع موقوفاً على شرط أن يرسو عليه مزاد هذا الشيء عند بيعه بالمزاد ، فإنه إذا رسا المزاد على البائع انتقلت الملكية إلى المشتري ، وإلا سقط البيع ( استئناف مختلط 23 ديسمبر سنة 1924 م 37 ص 89 ) .

وقد يتفق المتعاقدان ، لا على بيع معلق على شرط أن يملك البائع المبيع ، بل على بيع احتمالي . فالمبيع في هذه الحالة يكون مجرد احتمال ، قد يتحقق بأن يملك البائع المبيع فتنتقل ملكيته للمشتري ، وقد لا يتحقق فلا يملك البائع المبيع ولا ينتقل شيء إلى المشتري ، ويراعى ذلك بطبيعة الحال في تحديد الثمن ، فيكون الثمن منخفضاً حتى يقابل احتمال عدم تملك البائع للمبيع .

وقد يتفق المتعاقدان ، لا على بيع معلق على شرطن بل على أن يعمل أحدهما على أن يكسب ملكية شيء معين بالذات فينقلها للآخر ( أنظر 335 مختلط ) . وهنا أيضاً ليس العقد بيعاً لملك الغير ، بل هو ليس بيعاً أصلاً ، لأ ، المتعاقد لم يلتزم بنقل ملكية ، بل التزام أن يقوم بعمل هو كسب الملكية . فإذا ما كسبها ، تلى ذلك عقد بيع بنقل هذه الملكية للمشتري . وإذا لم يكسبها ، كان مسوئلاً عن التعويض . وتختلف هذه الصورة عن صورتها التعهد عن الغير في أن المتعهد عن الغير يلتزم بأن يجعل المتعاقد معه يكسب الملكية من الغير رأساً ، فلا تنتقل إليه أولاً ثم ينقلها هو إلى المشتري ( أوبري ورو 5 فقرة 351 ص 42 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 46 ص 48 – كولان وكابيتان 2 فقرة 865 – جوسران 2 فقرة 1042 ص 545 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 400 ص 387 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 233 ) . وتختلف عن صورة بيع الشيء غير المعين بالذات بأن المتعاقد هنا يتعهد بكسب ملكية شيء معين بالذات ثم ينقلها إلى المتعاقد الآخر ، أما في بيع الشيء المعين بالذات فالبائع يتعد بنقل ملكية غير معين بالذات .

ولا يعتبر بيعاً لملك الغير الوعد بالبيع الصادر من غير المالك . بل يصح الوعد في هذه الحالة ، فإذا أظهر الموعود له رغبته في الشراء ، وكان الواعد قد أصبح مالكاً للشيء ، تم البيع . وإذا لم يكن الواعد قد أصبح مالكاً للشيء وقت ظهور رغبة الموعود له في الشراء ، انقلب الوعد بالبيع بيعاً لملك الغير وكان قابلاً للإبطال ( الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 390 ص 573 ) .

( [9] ) أما إذا لم يتحقق الشرط الواقف أو تحقق الشرط الفاسخ ، فقد أصبح المشتري غير مالك ، وليس له الرجوع على البائع إذا كان البيع احتمالياً ( بودري وسينيا فقرة 120 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 400 ص 386 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 389 – قارن الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 178 ) .

( [10] ) أوبري ورو 5 فقرة 351 ص 43 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2320 . ونظير ذلك المشتري في بيع ملك إذا ملك المبيع بالحيازة في المنقول أو بالتقادم في المنقول والعقار ، أو إذا أصبح البائع مالكاً للمبيع ، أو أجاز المالك الحقيقي البيع ، فتنتقل في جميع هذه الأحوال الملكية إلى المشتري ( أوبري ورو 5 فقرة 351 ص 42 – بودري وسينيا فقرة 124 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 46 ص 48 ) .

على أن المشتري في بيع ملك الغير ، إذا كسب ملكية المبيع بالحيازة في المنقول أو بالتقادم في المنقول والعقار ، يكون قد كسبها بالحيازة أو بالتقادم ، لا بالبيع الصادر من غير المالك . ويذهب رأي إلى أن المشتري في هذه الحالة لا يلزم بالتمسك بوضع اليد ، لأن التمسك بهذا الدفع قد لا يقره ضميره ( بيدان 11 فقرة 123 – الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 180 ص 172 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 411 – الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 114 ص 251 ) .

وإذا كسب المشتري في بيع ملك الغير ملكية المبيع من طريق آخر غير هذا البيع ، كأن اشترى المبيع من المالك الحقيقي أو ورثه عنه أو أخذه وصية منه ، فإن بيع ملك الغير لا ينقلب صحيحاً في هذه الحالة ، بل يبقى قابلاً للإبطال ويكون للمشتري الحق في طلب إبطاله ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 275 ) .

( [11] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 193 – ويتقدم البائع عادة في بيع ملك الغير يضيف البيع إلى نفسه فإن أضافه إلى المالك الحقيقي وكان نائباً عنه ، فإن البيع يعتبر صادراً من المالك الحقيقي وفقاً للقواعد المقررة في النيابة . أما إذا لم يكن نائباً عنه ، فإن البيع في هذه الحالة يكون بعي ملك الغير . ومع ذلك فقد قضت محكمة استئناف مصر بأن من المقرر شرعاً أن من يبيع ملك غيره على أنه ملك لنفسه فبيعه باطل ، ولا تلحقه الأجازة لعدم انعقاده أصلاً . إنما ينعقد موقوفاً على إجازة مالكه إذا باعه على أنه ملك لغيره . وولاية الأب على ولده الصغير وإن كانت تخول له حق بيع عقار قاصره ، إلا أنها لا تخرجه عن القاعدة العامة السابق ذكرها ، ويجب لانعقاد هذا البيع أن يقرر الولي أنه ملك ابنه ( 23 مايو سنة 1934 المجموعة الرسمية 36 رقم 44 ) .

( [12] ) بودري وسينيا فقرة 126 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 46 ص 49 – أنسيكلوبيدي داللوز 5 لفظ vente فقرة 365 .

( [13] ) استئناف مختلط 27 مايو سنة 1909 م 31 ص 370 .

( [14] ) بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 46 ص 47 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2316 – جوسران 2 فقرة 1048 – أنسيكوبيدي داللوز 5 لفظ vente فقرة 367 – الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 157 ص 152 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 265 ص 445 .

( [15] ) كولميه دي سانتير 7 فقرة 28 مكررة . بفنوار في الملكية والعقد سنة 1924 ص 516 – جودمين في النظرية العامة للالتزامات باريس سنة 1937 ص 107 – ص 108 – الأستاذ جميل الشرقاوي رسالة في نظرية البطلان فقرة 103 ص 293 – ص 396 ( ويقول بهذا الرأي حتى في عهد التقنين المدني المصري الجديد ، البيع فقرة 41 ص 102 ) . وقد جعل التقنين المدني الإيطالي الجديد الصادر في سنة 1942 ( م 1479 ) بيع ملك الغير قابلاً للفسخ حتى لو كان المشتري يجهل أن البائع غير مالك .

ويذهب الأستاذان كولان وكابيتان ( 2 فقرة 869 ) إلى أن التقنين المدني الفرنسي جعل المشتري يجهل أن البائع غير مالك .

ويذهب الأستاذان كولان وكابيتان ( 2 فقرة 869 ) إلى أن التقنين المدني الفرنسي جعل الجزاء البطلان لا الفسخ ولكن الفسخ كان أوفق .

( [16] ) بودري وسينيا فقرة 117 ص 107 – ص 108 .

( [17] ) أوبري ورو 5 فقرة 35 هامش رقم 43 – استئناف 10 مارس سنة 1931 م 43 ص 276 – بيدان 11 فقرة 104 – استئناف مختلط 10 مارس سنة 1931 م 43 ص 276 .

( [18] ) بودري وسينيا فقرة 117 ص 108 – ص 109 – والذي يعتبر مستحيلاً استحالة مطلقة ليكون العقد معه باطلاً بطلاناً مطلقاً هو أن يبيع شخص لآخر شيئاً يتبين بعد ذلك أنه كان مملوكاً للمشتري وقت البيع ، كأن يكون هذا الشيء موصى به من المالك الحقيقي للمشتري دون أن يكون هذا عالماً بالوصية ، فهذا البيع يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً لاستحالة المحل استحالة مطلقة ( كولان وكابيتان 2 فقرة 864 – أنسكلوبيدي داللوز 5 لفظ vente فقرة 379 – وأنظر آنفاً فقرة 151 في الهامش ) – ويقول الأستاذ إسماعيل غانم ؛ ” أما استحالة محل البيع في بيع ملك الغير فهي استحالة نسبية ، إذ أن هناك شخصاً كان يستطيع أن ينقل ملكية المبيع وذلك هو المالك الحقيقي ” مذكرات غير مطبوعة في البيع ص 15 ) .

( [19] ) جوسران 2 فقرة 1043 وفقرة 1045 ، ويذهب إلى أن بيع ملك الغير الباطل يفترض فيه دائماً أن المشتري حسن النية وأنه يجهل أن الشيء مملوك لغير البائع ( أنظر عكس ذلك كولان وكابيتان 2 فقرة 865 ص 577 ) . وأنظر م 334 من المشروع الفرنسي الإيطالي . وهي تبني بطلان بيع ملك الغير على الغلط .

( [20] ) بودري وسينيا فقرة 118 – والبطلان النسبي هو الذي وقف عنده التقنين المدني المصري السابق ، فقد نص صراحة على أن بيع ملك الغير يصح إذا أجازه المالك الحقيقي ( م 264  /  333 ) ، والعقد الباطل مطلقاً لا تلحقه الإجازة ، وإنما تلحقه الأجازة العقد الباطل بطلاناً نسبياً . وبالرغم من صراحة النص ، فقد اضطرب الفقه المصري في عهد التقنين المدني الأسبق ، وساير الفقه الفرنسي في اضطرابه ( أنظر في الفقه المصري في عهد التقنين السابق الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 163 – فقرة 168 – عقد الإيجارات للمؤلف فقرة 78 ص 108 هامش رقم 3 – الأستاذ حلمي بهجت بدوي في مقال في مجلة القانون وبالاقتصاد 1 ص 588 وما بعدها ) .

( [21] ) بيدان 11 فقرة 104 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 45 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2317 .

ويذهب بودري وسينيا إلى أن بيع ملك الغير مشوب بعيب أصلي هو استحالة تنفيذه ، وأن هذه الاستحالة تنطوي على خطأ في جانب البائع إذ التزم بما لا يستطيع تنفيذه . فالبطلان الذي يقوم على هذا الأساس إنما هو بطلان لمصلحة المشتري ، فهو بطلان نسبي وتقرب آثاره من آثار البطلان للغلط ( بودري وسينيا فقرة 118 ص 111 ) .

ويذهب بلانيول وريبير وهامل إلى أنه لما كان البيع في القانون الروماني لا يلزم البائع بنقل الملكية ومن ثم كان بيع ملك الغير صحيحاً ، فإن البيع في القانون الحديث وهو يلزم البائع بنقل الملكية يجب أن يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً ، وقد نص التقنين المدني الفرنسي ( م 1599 ) فعلاً على هذا البطلان . ولكن الفقه والقضاء في فرنسا لم يجدا من الضروري أن يسلبا بيع ملك الغير من أي أثر يترتب عليه ، فحولا البطلان لحماية مصلحة المشتري ، فيستطيع هذا طله إذا هو لم يظفر بعد البيع بملكية المبيع ، وصارت دعوى البطلان أقرب إلى أن تكون دعوى ضمان استحقاق مستبقة ( garantie d’eviction anticipee ) ( بلانيول وريبر رهامل 10 فقرة 45 ) .

( [22] ) أنسيكلوبيدي داللوز 5 لفظ vente فقرة 389 .

( [23] ) البيع فقرة 281 .

( [24] ) الأستاذ سليمان مرقس في البيع فقرة 281 ص 462 – وأنظر في رد مطول على هذا الرأي الأستاذ منصور مصطفى ص 254 – 258 .

( [25] ) ولا يقال إن هناك استحالة مطلقة في أن يلتزم البائع بنقل ملكية شيء لا يملكه ، فقد بينا أن البائع يمكنه أن يلتزم بذلك ، فإذا لم يقم بتنفيذ التزامه كان الجزاء هو الفسخ لا البطلان المطلق .

( [26] ) الجزء الأول فقرة 92 .

( [27] ) ويشير الأستاذ شفيق شحاتة في الحاشية إلى نظرية الفقه الإسلامي في البيع ، وإلى المادة 108 من التقنين المدني الألماني وتقضي بأن العقد الصادر من القاصر بدون إجازة الوصي هو عقد غير نافذ ، وإلى المادة 109 وتقضي بأن الطرف الآخر في التعاقد يستطيع الرجوع في العقد ما لم يجزه الوصي .

( [28] ) وهذا لا يمنع ، من ناحية السياسة التشريعية ، أن نظرية العقد الموقوف تفضل بكثير نظرية العقد القابل للإبطال في بيع ملك الغير . وقد بسطنا ذلك تفصيلاً في كتاب ” مصادر الحق في الفقه الإسلامي ” الجزء الرابع ص 305 – ص 307 .

( [29] ) مذكرات غير مطبوعة في البيع للمؤلف سنة 1927 – عقد الإيجار للمؤلف سنة 1929 ص 108 هامش رقم 3 نظرية العقد للمؤلف سنة 1934 ص 116 هامش رقم 2 .

( [30] ) بودري وسينيا فقرة 116 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 45 .

( [31] ) بودري وسينيا فقرة 119 مكررة .

( [32] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 193 .

( [33] ) وهذا هو المقرر فعلاً في التقنين المدني الألماني حيث لا يوجد نص على بطلان يع ملك الغير . فالبائع في هذا التقنين يلتزم بنقل ملكية المبيع إلى المشتري ( م 433 ) ، فإذا لم ينفذ التزامه جاز للمشتري طلب فسخ البيع 0 م 440 ) . وتنفيذ الالتزام بنقل الملكية يكون باتفاق تال مستقل عن عقد البيع مع قيده في السجلات العقارية بالنسبة إلى العقار ( م 873 ) ، أو مع التسليم بالنسبة إلى المنقول ( م 929 ) . ويستطيع المشتري في بيع ملك الغير في القانون الألماني أن يرفع دعوى الفسخ على البائع ، حتى قبل أن يتعرض له المالك الحقيقي ، وفي هذا يختلف القانون الألماني عن القانون الروماني اختلافاً بيناً ( سالي في الالتزامات فقرة 152 وفقرة 206 – بلانيول وريبير وهامل 10 ص 45 هامش رقم 3 ) . وأنظر أيضاً في تقنين الالتزامات السويسري المادة 184 في الالتزامات بنقل الملكية ، والمادة 656 في نقل ملكية العقار باتفاق تال يقيد في السجل العقاري ، والمادة 714 في نقل ملكية المنقول باتفاق تال يصحبه التسليم .

( [34] ) وسنرى أن المشتري إذا كان له أن يجيز بعي ملك الغير ، فإن المالك الحقيقي له أيضاً أن يجيزه ، بل إن إجازة المالك الحقيقي أبلغ أثراً من إجازة المشتري ، فهي تقلب العقد صحيحاً وتجعله في الوقت ذاته سارياً في حق المالك . وسنرى أيضاً أن العقد ينقلب صحيحاً بمجرد أن يصبح مالكاً للمبيع ، وهذه خصوصية لا تعرف في العقد القابل للإبطال طبقاً للقواعد العامة .

( [35] ) قارب بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 48 ص 49 – ص 50 – والأستاذ إسماعيل غانم ص 15 – وأنظر الأستاذ أنور سلطان فقرة 404 ص 391 – ص 392 .

وقد قررنا هذا الرأي نفسه في كتاب الإيجار في العبارات الآتية : ” بيع ملك الغير باطل بطلاناً نسبياًن ولكن هذا البطلان غير مستند من القواعد العامة ، لأنه خاضع في مصدره وفي أحكامه إلى مبادئ أخرى خاصة به . فمن البعث إذن أن نحاول البحث في القواعد العامة على ما يستند إليه بطلان بيع ملك الغير . أما العلة في البطلان فراجعة إلى أن البيع ناقل بطبيعته للملكية ، ولم يكن كذلك من قبل . فقد كان البائع في القانون الروماني لا يلتزم بنقل الملكية بل بنقل مجرد الحيازة ، ولذلك كان بيع ملك الغير صحيحاً . واستمر الحال كذلك في القانون الفرنسي القديم ، مع الالتجاء إلى بعض أوضاع تسهل نقل الملكية . أما في القانون الفرنسي الحديث فقد تقرر أن البائع يلتزم بنقل الملكة . ولذلك تغيرت طيعة البيع ، وأصبح بيع ملك الغير مناقضاً لها . ولاحظ واضعوا قانون نابليون هذا التغيير ، فرتبوا عليه نتيجته المنطقية وهي بطلان بيع ملك الغير . ولم تكن علة البطلان – وهي تناقض بيع ملك الغير مع طبيعة البيع – على وجاهتها بكافية وحدها في تقرير البطلان من الوجهة القانونية ، لأنها لا تستند إلى مبدأ عام يطبق على جميع العقود وكان لا بد من نص صريح ينشئ البطلان ويخلقه ، فالمواد 264  /  333  /  1599 تعتبر نصوصاً منشئة لا مقررة ، بحيث لو كانت غير موجودة لما جاز القول ببطلان بيع ملك الغير حتى مع بقاء علة البطلان المشار إليها ( وهذا هو الأمر في القانون الألماني ) – ونرى مما تقدم أنه حتى يكون إيجار ملك الغير باطلاً ، يجب وجود نص خاص بذلك ، ولا يصح القياس على البيع – وفي الوقت الذي كان بيع مالك الغير فيه يعتبر صحيحاً ، كان يترتب على ذلك أن المشتري لا يستطيع أن يحرك ساكناً قبل أن يتعرض له المالك الحقيقي . فلما أصبح البيع ناقلاً للملكية ، كان هذا كافياً لإخراج المشتري من هذا المأزق حتى ولو لم يتقرر بطلان بيع ملك الغير ، لأنه كان يستطيع طلب فسخ البيع ما دام البائع لم يقم بالتزامه من نقل الملكية . ولكن المشرع – مراعاة للاعتبار المتقدم وهو أن تغيير طبيعة عقد البيع وصيرورته عقداً ناقلاً للملكية يستلزم منطقياً بطلان بيع ملك الغير – قرر أيضاً هذا البطلان . فأصبح المشتري بالخيار بين أن يلجأ إلى الحماية الخاصة التي أعطاها له القانون بالنص الخاص بالبطلان ليطلب بطلان العقد ، والفرق واضح بين دعوى الفسخ ودعوى البطلان ” ( عقد الإيجار للمؤلف سنة 1929 فقرة 78 ص 108 هامش رقم 3 ) .

ويتفق معنا الأستاذ حلمي بهجت بدوي في أن بطلان بيع ملك الغير غير مستمد من القواعد العامة ، وقد نشأ من نص تشريعي خاص . ولكنه يقول إن الاتفاق إذا كان من شأنه نقل الملكية في الحال ، فالبيع قابل للإبطال أما إذا كان الاتفاق لا ينقل الملكية في الحال بل يكتفي بتقرير التزام في ذمة البائع بنقلها ، فلا تناقض ، إذ يجوز أن يحصل البائع على الملكية وينقلها للمشتري وبذلك يفي بالتزامه ( أنظر مقالاً له في مجلة القانون والاقتصاد السنة الأولى ص 599 ) . وفي رأينا أن البيع الذي يقرر التزاماً بنقل الملكية في ذمة البائع لا يختلف في طبيعته عن البيع الذي ينقل الملكية في الحال ، فالبيع لا ينقل الملكية إلا لأنه أولاً ينشئ التزاماً ينقلها ، ثم ينفذ الالتزام فتنتقل الملكية فعلاً . ولذلك لا نفرق – من حيث طبيعة العقد – بين بيع العقار غير المسجل ويقرر التزاماً بنقل الملكية ، وبيع العقار المسجل وينقل الملكية فعلاً . فكلاهما عقد ناقل للملكية تتناقض طبيعته مع بيع ملك الغير ، وكلاهما قابل للإبطال . وقد اضطر الأستاذ حلمي بهجت بدوي ، وهو ينكر على يع العقار غير المسجل طبيعته كعقد ناقل للملكية ، أن ينكر هذه الطبيعة أيضاً على بعي العقار غير المسجل ، إذ التسجيل لا يغير من طبيعة العقد ، ولا يبطله إذا كان صحيحا . وقاده هذا المنطق إلى اعتبار بيع عقار الغير بعد تسجيله صحيحاً ، مخالفاً في ذلك البداهة والإجماع . وسنعود إلى هذه المسألة فيما يلي .

ويتفق معنا كذلك الأستاذ حامد زكي في أن بطلان بيع ملك الغير ليس تطبيقاً للقواعد العامة بل أنشأه الشارع بنص خاص . ولكن علة البطلان عنده ترجع ” إلى أن المقصود من عقد البيع هو حصول المشتري على الملكية وانتقالها إليه ، سواء تم هذا الانتقال وقت الاتفاق أو كان متراخياً إلى حين حصول التسجيل ، فمن يبيع ملك غيره ليس في مقدوره أن يحقق المقصود من عقد البيع وهو انتقال الملكية ، ولذا أبطل المشرع تصرفه ” ( الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي ص 166 ) . ولا نرى فرقاً ، في استظهار علة البطلان ، بين القول بأن ذلك راجع إلى أن البيع ينشئ التزاماً بنقل الملكية فتتناقض طبيعته مع بيع ملك الغير ، والقول بأن ذلك راجع إلى أن المقصود من عقد البيع هو أن يحصل المشتري على الملكية ومن يبيع ملك غيره لا يحقق هذا المقصود ، فالتعبيران وإن كانا مختلفين ينطويان على فكرة جوهرية واحدة .

أنظر في استعراض هذه الآراء وانتقادها الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 115 ص 259 – ص 261 – وينتهي إلى القول : ” ويبدو لنا ، بعد عرض هذه الآراء ، أن نص المشرع على قابلية بيع ملك الغير للإبطال دون النص على مثل هذا الحكم بالنسبة للعقود الأخرى كالإيجار مثلاً ، لا يستند إلى أي أساس فني . وإنما هو حكم اقتضته السياسة التشريعية ، وقد تأثر فيه المشرع المصري بمسلك القضاء الفرنسي الذي لم يلتزم حدود النص ، وخرج عما قصده واضعو قانون نابليون الذي يبدو أنهم كانوا يقصدون تقرير البطلان المطلق . . . . ولهذا ننتهي إلى أنه لا يوجد أساس فني يبرر إبطال بيع ملك الغير . وربما كان مسلك القضاء الفرنسي الذي تأثر به المشرع المصري قد جاء نتيجة الرغبة في تكملة أحكام ضمان الاستحقاق . . ولهذا نجد المحدثين من الشراع الفرنسيين يقولون إن دعوى إبطال ملك بيع الغير ليست إلا إعمالاً لضمان الاستحقاق قبل أن يتحقق التعرض الفعلي ، أو أنها تكملة لأحكام الضمان ” ( الأستاذ منصور مصطفى منصور ص 261 وص 263 وص 264 ) .

( [36] ) وهذا ما قال به الأستاذ أحمد نجيب الهلالي فقرة 170 – فقرة 171 .

( [37] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 193 – وهذا هو الأمر في القانون الألماني كما سبق القول .

( [38] ) وهذا ما ذهب إليه الأستاذ حلمي بهجت بدوي في المقال المشار إليه ( مجلة القانون والاقتصاد 1 ص 598 وما بعدها ) . فهو يرى – كما سبق القول ، أن علة بطلان بيع ملك الغير هي أن الملكية في البيع يجب أن تنتقل في الحال ، ومن بيع ملك غيره لا يترتب على بيعه هذا الأثر ولما كانت هذه العلة قد زالت بصدور قانون التسجيل ، فقد زال سبب البطلان ، ومن ثم يكون بيع عقار الغير في رأيه صحيحاً قبل أن يسجل ، ويبقى صحيحاً حتى بعد التسجيل . هذا وقد حسم التقنين المدني الجديد ( م 466  /  1 ) كل خلاف في هذه المسألة بنص صريح كما قدمنا .

( [39] ) أنظر في هذا المعنى الأستاذ أنور سلطان فقرة 401 – الأستاذان سليمان مرقس فقرة 282 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 391 – وهذا هو الرأي الذي قلنا به في عهد التقنين المدني السابق ، وأوجزناه في كتاب الإيجار في العبارات الآتية : ” هذا ويلاحظ أن بيع ملك الغير في مصر لا يزال باطلاً حتى بعد صدور قانون التسجيل الحديث ، لأن البيع لا يزال من طبيعته نقل الملكية ، إذ هو يولد التزاماً في جانب البائع بنقل الملكية ، إن كانت لا تنتقل إلا بالتسجيل . وعلى ذلك فالتناقض بين بيع ملك الغير وطبيعة البيع لا يزال موجودا ، والنص المنشئ للبطلان ( م 264  /  333 ) لم يلغه قانون التسجيل . ومن ثم قلنا ببطلان بيع ملك الغير ، سواء قبل تسجيل العقد أو بعد التسجيل . ولا يصح في نظرنا للقول بأن بيع ملك الغير صحيح قبل تسجيل العقد باطل بعد التسجيل – أنظر الأستاذ الهلالي في البيع فقرة 346 – فقرة 348 – لأن التسجيل لازال حتى الآن لمجرد الإشهار ، وليس من شأنه أن يبطل عقداً صحيحاً أو يصحح عقداً باطلاً ( عقد الإيجار للمؤلف فقرة 78 ص 108 هامش رقم 3 – وأنظر أيضاً نظرية العقد للمؤلف ص 611 هامش رقم 2 ) .

وأنظر أيضاً في هذا المعنى في عهد التقنين المدني السابق الأستاذ حامد زكي ( البيع للأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 174 – فقرة 175 ) .

( [40] ) أوبري ورو 5 فقرة 351 ص 40 – بودري وسينيا فقرة 149 ص 111 – بيدان 11 فقرة 105 – بلانيول وهامل 10 فقرة 48 ص 50 – ص 51 كولان وكابيتان 2 فقرة 867 .

( [41] ) استئناف مختلط 11 مايو سنة 1922 م 34 ص 398 .

( [42] ) وسنرى أن دعوى الإبطال هي غير دعوى الفسخ وغير دعوى ضمان الاستحقاق .

( [43] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا أقر المالك الحقيقي البيع قبل أن يتمسك المشتري بالبطلان بإجراء صحيح ، فإن البيع ينقلب صحيحاً ( 11 نوفمبر سنة 1930 م 43 ص 17 – 25 فبراير سنة 1941 م 53 ص 108 ) . وقضت أيضاً بأن للبائع أن يحتج بإقرار المالك الحقيقي للبيع في دعوى الإبطال التي رفعها المشتري ( 27 أبريل سنة 1926 م 38 ص 365 ) . ويسير القضاء الفرنسي على هذا النحو ( أنظر بودري وسينيا فقرة 119 ص 114 – ص 115 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2321 وأحكام القضاء الفرنسي المشار إليها ) .

ومع ذلك فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن مجرد رجوع المشتري عن البيع في بيع ملك الغير وإعلان البائع بهذا الرجوع ( أي ولو قبل رفع الدعوى ) قبل صدور الإقرار من المالك الحقيقي يكفي لسقوط البيع ، ولو أقر المالك بعد ذلك ( 25 مارس سنة 1914 م 26 ص 292 – وأنظر أيضاً في هذا المعنى بلانيول وريبير وهاملي 10 فقرة 50 ص 54 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 234 ص 446 ) .

وعلى العكس مما تقدم قضت محكمة استئناف مصر بأن إجازة بيع ملك الغير ، إذا تمت بعد رفع الدعوى وقبل الحكم ، تعتبر قياماً من جهة البائع لمالك الغير بنفاذ تعهده وهو نقل الملكية ، ويصح قبول الإجازة بعد رفع الدعوى متى لم يصب المشتري ضرر من هذا التأخير ، وذلك بناء على أن بيع ملك الغير قابل للفسخ ( 20 ديسمبر سنة 1927 المجموعة الرسمية 29 رقم 39  /  2 ص 84 – وأنظر أيضاً في هذا المعنى جيوار فقرة 189 – دي هلتس 4 لفظ vente ص 14 – الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 179 ص 171 ) .

ولا شك في أن إبطال البيع بمجرد إعلان المشتري رجوع 8 ه فيه وقبل رفع دعوى الإبطال ، بالرغم من إقرار المالك الحقيقي للبيع أو صيرورة البائع مالكاً وذلك قبل رفع الدعوى ، يتعارض مع النص الصريح ( م 467 مدني ) . أما قبول إقرار المالك الحقيقي بعد رفع دعوى الإبطال وقبل صدور الحكم ، أو صيرورة البائع مالكاً ما بين هاتين الفقرتين ، فقد يتفق مع المبدأ القاضي بتحريم التعسف في استعمال حق الإبطال ، إذا ظهر أنه لم تعد للمشتري مصلحة بعد ذلك في التمسك بالإبطال . ونظير ذلك ما نصت عليه المادة 124 مدني من أنه ” 1 – ليس لمن وقع في غلط أن يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية . 2 – ويبقى بالأخص ملزماً بالعقد الذي قصد إبرامه ” إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد ” .

( [44] ) أنظر من هذا الرأي في الفقه المصري الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 396 ص 581 – الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 114 ص 250 – الأستاذ إسماعيل غانم ص 17 – ص 18 – وفي الفقه الفرنسي : أوبري ورو 5 فقرة 351 ص 42 – بودري وسينيا فقرة 119 ص 112 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 48 ص 51 – ص 52 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2318 .

ومع ذلك فقد ذهب الأستاذ سليمان مرقس – ويوافقه الأستاذ محمد كامل مرسي ( فقرة 233 ص 444 ) – إلى أن ” المادة 466 مل تتضمن حكماً للتقادم خاصاً بهذا الحق ، فتسري عليه الأحكام العامة . غير أن المادة 140 التي حددت مدة تقادم دعاوى الإبطال بثلاث سنوات قد عيت في كل حالة من حالات الإبطال مبدأ هذه المدة ، وهو تاريخ كشف الغلط أو التدليس أو انقطاع الإكراه أو زوال نقص الأهلية ، ولم تحدد مبدأ لمدة تقادم دعوى إبطال بعي ملك لغير ، فيتعين القول بأن هذه المدة تبدأ من وقت إبرام العقد ، وبأ ، الحق في رفع هذه الدعوى لا يتقادم بمضي ثلاث سنوات لأن المشرع لم يأخذ بالمدة الأخيرة إلا في الحالات التي حدد فيها مبدأ لهذه المدة تالياً لوقت إبرام العقد . أما حيث تبدأ المدة من وقت العقد ، فإن التقادم لا يتم إلا بخمس عشرة سنة ” ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 269 ص 499 – ص 450 ) . ونخالف هذا الرأي ، فإن المواد 138 – 140 مدني جاءت العبارة فيها عامة تشمل جميع العقود القابلة للإبطال أياً كان سبب البطلان ، فيدخل فهيا يع ملك الغير ، ويسقط الحق في إبطال هذا البيع بثلاث سنوات ( م 140  /  1 مدني ) . ولما كانت الفقرة الثانية من المادة 140 مدني لم تحدد مبدأ سريان التقادم بالنسبة إلى بيع ملك الغير ، فقياساً على الأحوال التي حدد فيها النص مبدأ سريان التقادم – ويستخلص منها أن مبدأ السريان لا يكون إلا عند تمكين صاحب الحق في الإبطال من رفع الدعوى – يجب القول بأن التقادم في حالة بيع ملك الغير لا يبدأ سريانه إلا من وقت تمكين المشتري من رفع دعوى الإبطال أي من وقت علمه بأن البائع لا يملك المبيع . وقياساً أيضاً على الحالات المتقدمة – الغلط والتدليس والإكراه – تسقط دعوى الإبطال أيضاً بانقضاء خمس عشرة سنة من وقت صدور بعي ملك الغير . وليس صحيحاً أن مدة الثلاث السنوات تبدأ دائماً من وقت تال لإبرام العقد ، فقد تبدأ من وقت إبرام العقد ، كما إذا انقطع الإكراه بمجرد تمام العقد فتتقادم دعوى الإكرآه بثلاث سنوات من هذا الوقت ، وكما إذا كان المشتري في بيع ملك الغير يعلم وقت البيع أن المبيع غير مملوك للبائع فتتقادم الدعوى بانقضاء ثلاث سنوات من وقت صدور البيع ( الأستاذ إسماعيل غانم ص 18 ) .

( [45] ) بيدان 11 فقرة 105 .

( [46] ) ديفرجيه 1 فقرة 220 – ماركاديه م 1599 فقرة 2 – كولان وكابيتان 2 فقرة 867 ص 579 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2318 – الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 185 – الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 114 ص 248 – الأستاذ جميل الشرقاوي فقرة 41 ص 100 – بل يذهب بعض الفقهاء إلى أن للبائع حتى لو كان سيء النية أن يدفع بعدم تسليم المبيع إذا كان لم يسلمه إلى المشتري ، لأن إجبار البائع على تسليم المبيع وهو ليس بمالكه فيه إكراه له على أن يعتدي على ملك الغير ( بيدان 11 فقرة 105 ) .

على أن طائفة من الفقهاء يذهبون إلى أنه لا يجوز للبائع طلب إبطال البيع ، سواء كان سيء النية أو حسن النية ، لأن طلب الإبطال لم يتقرر إلا لمصلحة المشتري ، ولأن التزام البائع بالضمان يتعارض مع إبطاله للبيع ، ولأن البائع حتى لو كان حسن النية مقصر في بيعه شيئاً غير مملوك له : بودري وسينيا فقرة 119 ص 111 – ص 112 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 48 ص 51 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 406 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 270 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 399 – وأنظر عرضاً لهذه الآراء المختلفة : الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي ص 175 هامش رقم 3 .

ولا يجوز للمالك الحقيقي أن يطعن في البيع بالإبطال ، إذ أن البطلان لم يتقرر لحمايته هول بل لحماية المشتري ، وإنما يرفع دعوى استرداد المبيع من تحت يد حائزه ، ولا يحتج عليه بالبيع فالبيع غير نافذ في حقه ( أوبري ورو 5 فقرة 351 ص 40 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 48 ص 51 ) .

( [47] ) ويميل الفقه الفرنسي إلى جعل مدى التعويض هنا كمداه في ضمان الاستحقاق ( بيدان 11 فقرة 108 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 49 ص 53 – أنسيكلوبيدي داللوز 5 لفظ vente فقرة 406 ) .

( [48] ) استئناف مختلط 16 مارس سنة 1899 م 11 ص 162 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 235 ص 449 .

( [49] ) ويكون حسن النية لو جهل ذلك ، حتى لو كان جهله راجعاً إلى خطأ جسيم في جانبه ( بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 49 – قارن أوبري ورو 5 فقرة 351 ص 41 – بيدان 11 فقرة 108 ) .

( [50] ) استئناف مختلط 12 فبراير سنة 1935 م 47 ص 150 – أوبري ورو 5 فقرة 351 هامش 48 – بودري وسينيا فقرة 119 ص 115 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 49 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 235 ص 449 .

ولكن يجوز للمشتري ، حتى لو كان عالماً وقت البيع بأن المبيع غير مملوك للبائع ، أن يشترط في عقد البيع الرجوع بالتعويض على البائع فوق استرداده للثمن إذا انتزع المالك الحقيقي المبيع من يده ( بلانيول وريبير هامل 10 فقرة 49 ص 53 – أنسيكلوبيدي داللوز 5 لفظ vente فقرة 404 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 405 ) – وعلى العكس من ذلك لا يستطيع البائع إخلاء نفسه من المسئولية عن التعويض إذا كان أساس هذه المسئولية هو الخطأ التقصيري إذ لا يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية التقصيرية ( الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 114 ص 252 ) .

( [51] ) قارن جوسران 2 فقرة 1046 مكررة .

( [52] ) نقض مدني 19 نوفمبر سنة 1931 مجموعة عمر 1 رقم 4 ص 13 – استئناف مختلط 12 مارس سنة 1890 م 2 ص 221 – ولكن قارن في عهد التقنين المدني السابق رأياً يذهب إلى أن البائع حسن النية لا يكون مسئولاً عن التعويض ، استناداً إلى النص الفرنسي للمادة 365  /  333 وهو يشترط في التعويض سوء نية البائع ( استئناف مختلط 27 مايو سنة 1930 م 42 ص 518 – دي هلتس 4 لفظ vente فقرة 19 – والتون 1 ص 339 – الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 186 – فقرة 188 ) .

( [53] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 193 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 276 ص 455 – الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 114 ص 252 – الأستاذ إسماعيل غانم ص 18 .

( [54] ) ويقول بعض الفقهاء الفرنسيين إن مصدر المسئولية عن التعويض إذا كان البائع حسن النية هو أنه يعتبر مقصراً إذا باع ما لا يملك ، وإذا كان سيء النية فمصدر المسئولية هو اختلاسه لملك الغير ( stellionat ) ( بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2319 ) . ويقول فقهاء آخرون بأن مصدر التعويض هو خطأ البائع في أنه باع ما لا يملك ، ولكن مسئولية البائع ليست مسئولية تعاقدية لأن العقد قد أبطل ، ولا هي مسئولية تقصيرية لأن الخطأ وقع بمناسبة عدم تنفيذ العقد ، ولكنه خطأ يتقدم العقد ( precontractuelle ) ( بيدان 11 فقرة 98 ص 67 . ويشير إلى رسالة روبيه ليون سنة 1911 ) .

( [55] ) وتستخلص الإجازة الضمنية من تنفيذ المشتري للبيع مختاراً بعد علمه بأن المبيع غير مملوك للبائع ، كأن يتسلم المبيع أو أن يدفع الثمن ( بودري وسينيا فقرة 119 ص 112 ) .

( [56] ) بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 48 ص 52 – وهناك خلاف في التزام البائع بتسليم المبيع ، فقد قدمنا أن هناك رأيا يذهب إلى أن للبائع أن يدفع دعوى المشتري بالتسليم ولو كان : البائع سيء النية حتى لا يجبر على الاعتداء على ملك الغير ( بيدان 11 فقرة 105 ) . وهناك رأي آخر يذهب إلى وجوب أن يكون البائع حسن النية ليكون له هذا الدفع ، إذ يستطيع عندئذ أن يطعن في البيع بالغلط ( كولان وكابيتان 2 فقرة 867 ص 579 ) . أنظر آنفاً فقرة 161 .

ولكن إذا سلم البائع المبيع إلى المشتري ، لم يستطع أن يسترده منه ليسلمه إلى المالك الحقيق ، ذلك أنه يضمن تعرضه الشخصي ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 268 ص – 447 ) .

( [57] ) وقد قدمنا أنه إذا رفع المشتري دعوى الإبطال قبل أيلولة ملكية المبيع إلى المشتري ، وجب الحكم بإبطال البيع ولو أصبح المبيع ملكاً للمشتري قبل صدور الحكم النهائي ( بودري وسينيا فقرة 119 ص 114 – ص 115 – بلانيول وريبير 2 فقرة 2321 ) . وبينا أن هناك رأياً يذهب إلى أنه يكفي أنيطلب المشتري إبطال البيع بأية طريقة ولو بمجرد كتاب ، دون حاجة إلى رفع دعوى الإبطال ، حتى يمتنع تصحيح العقد ولو آلت ملكية المبيع إلى البائع قبل رفع دعوى الإبطال ( بالنيول سوريبير وهامل 10 فقرة 50 ص 54 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 234 ص 446 ) . وقلنا إن هذا رأي يتعارض مع النص الصريح ( م 467 مدني ) . وذكرنا أن هناك رأياً آخر يذهب ، على العكس من الرأي المتقدم ، إلى أن البيع يصح بأيلولة ملكية المبيع إلى البائع ، حتى لو تم ذلك بعد رفع دعوى الإبطال ما دام قد تم قبل صدور الحكم النهائي ( جيوار فقرة 189 – دي هلتس 4 لفظ vente فقرة 14 ) ، وأسسنا هذا على المبدأ للقاضي بتحريم التعسف في استعمال حق الإبطال ، وأنظر أيضاً الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 179 ص 171 ، ولكنهما فيما يتعلق بإقرار المالك الحقيقي للبيع يذهبان إلى أن البيع لا يصح إلا إذا صدر الإقرار قبل رفع المشتري دعوى الإبطال ( أنظر فقرة 181 ) – أنظر في كل ذلك ما قدمناه آنفاً فقرة 161 في الهامش .

( [58] ) وينتقل المبيع إلى المشتري محملاً بالحقوق التي رتبها عليه المالك الحقيقي قبل أن تنتقل الملكية منه إلى البائع ( الأستاذ أنور سلطان فقرة 410 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 234 ص 447 – الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 114 ص 249 – الأستاذان أحمد نجيب الهلال وحامد زكي فقرة 179 ) .

( [59] ) وقد قدمنا أن المشتري قد يكسب الملكية ، لا عن طريق أيلولتها إلى البائع ، بل عن طريق التقادم أو حيازة في المنقول ، فيصح البيع في هذه الحالة بعد زوال السبب الذي كان يدعو إلى إبطاله . وذكرنا أن هناك رأياً يذهب إلى أن المشتري في هذه الحالة لا يلزم بالتمسك بوضع اليد فقد لا يقره ضميره على ذلك ( أنظر آنفاً فقرة 154 في الهامش ) – وقد يكون البائع قد سبق له التصرف فيما باعه ثم استرد ملكيتهن فيصبح مالكاً ويصح البيع . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا تمسك المشتري بأن البائع له ، وإن كان قد سبق أن تصرف في القدر المبيع ، إلا أنه قد استرد ملكيته بعدوله عن العقد الذي كان تصرف به فيه وأن البيع الحاصل له هو قد أجازه من كان حصل هل التصرف أولاً ، فيجب على المحكمة أن تحقق هذا الدفاع وتفصل فيه بناء على أدلة منتجة لحكمها ( نقض مدني 8 يونيه سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 147 ص 403 ) .

( [60] ) بودري وسينيا فقرة 125 – وأنظر آنفاً فقرة 154 في الهامش وفقرة 164 في الهامش .

( [61] ) استئناف مصر 23 أبريل سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 138 .

( [62] ) فيكون البائع بالرغم من حسن نيته معرضاً لدعوى تعويض يرفعها عليه البائع ، ودعوى تعويض أخرى يرفعها عليه المشتري كما سبق القول . ودعوى التعويض التي يرجع بها المالك الحقيقي على البائع لا يبدأ سريان التقادم بالنسبة إليها من وقت وضع البائع يده على المبيع ، بل من وقت البيع الذي صدر منه للمشتري فهو سبب التعويض . وتقدر قيمة الشيء وقت وجوب رده للمالك الحقيقي لا وقت البيع ( استئناف مختلط 31 مارس سنة 1942 م 54 ص 153 ) .

( [63] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 193 .

( [64] ) استئناف مختلط أول أبريل سنة 1915 م 27 ص 257 – وقد قضت محكمة النقض بأن توقعي المالك الحقيقي على عقد البيع الصادر من غيره ببيع ملكه هو باعتباره ضامناً متضامناً مع البائع يعتبر إقراراً للبيع ، وليس من الضروري أن يرد الإقرار في صيغة إقرار صريح ( نقض مدني 20 أبريل سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 111 ص 433 – أنظر أيضاً نقض مدني 15 ديسمبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 31 ص 106 ) . ولا يكون إقرار المالك الحقيقي للبيع إقراراً ضمنياً بمجرد قبضه للثمن ، بل لا بد أيضاً أن يعرف أن هذا هو ثمن ماله المبيع ( استئناف مختلط 25 مارس سنة 1914 م 26 ص 292 ) ، وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن وكيل المسجون لا يجوز له أن يبيع ماله والموكل محجور عليه أثناء تنفيذ الحكم ، فإذا باعه كان البيع بيع ملك الغير ، ويقبل إقرار المسجون بعد تنفيذه مدة العقوبة وفك الحجر عنه ( 2 فبراير سنة 1943 م 55 ص 46 ) .

( [65] ) بودري وسينيا فقرة 125 – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 55 ص 54 هامش 5 وص 55 – بيدان 11 فقرة 107 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 408 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 273 .

( [66] ) ويقول الأستاذ سليمان مرقس : ” إن إقرار المالك يعد اعتماداً منه لما قام به البائع ، فيترتب عليه التزام المالك من وقت صدور هذا الإقرار منه بكل ما التزم به البائع ، أي أنه يحل في عقد البيع ابتداء من هذا التاريخ محل البائع ، وتقوم العلاقة بينه وبين المشتري مباشرة . فيجوز للمالك أن يطالب المشتري بالثمن وأن يعرض عليه تسلم المبيع ، ويجوز للمشتري أن يطالب المالك بالتسليم وأن يرجع عليه بضمان التعرض أو بضمان العيوب الخفية عند الاقتضاء . ويترتب على إقرار المالك أيضاً أن تبرأ ذمة البائع من الالتزامات التي أنشأها عقد البيع ، لأن هذه الالتزامات تنتقل كما تقدم إلى ذمة المالك . غير أنه إذا كان البائع قد حصل شيئاً من الثمن ، عليه أن يؤدي عنه إلى المالك حساباً ، وأن يدفع إليه رصيد هذا الحساب كما لو كان وكيلاً عنه في عقد البيع ” ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 273 – وأنظر أيضاً الأستاذ جميل الشرقاوي فقرة 40 ص 97 ) ومقتضى هذا الرأي أن إقرار المالك للبيع يجعل البائع في حكم النائب عنه ، فينصرف أثر العقد إلى المالك بعد أن كان منصرفاً إلى البائع ، وذلك بأثر رجعي من وقت البيع – لا من وقت الإقرار إلا في حقوق الغير – ويصح القول هنا إن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة ( دي باج 4 فقرة 32 ص 69 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 401 ص 586 ) ، أو يقال إن المشتري ، في حالة إقرار المالك ، يكون له مدينان بالتضامم ( in solidium ) ، البائع والمالك ، ويكون هذان كذلك دائنين بالتضمم للمشتري ( قارن الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 113 ص 246 ) .

( [67] ) ويخلف المشتري البائع في حصته الشائعة ، وتصبح له جميع الحقوق التي للبائع ، ويدخل في ذلك الحق في طلب القسمة وما يترتب على الأثر الكاشف ( بودري وسينيا فقرة 121 ص 117 ) .

( [68] ) استئناف مختلط 24 مايو سنة 1938 م 50 ص 321 ( بيع المزاد الجبري ) .

( [69] ) قارن الأستاذ سليمان مرقس فقرة 287 ص 471 – ص 472 – وذلك لأن البيع الواقع على حصص الشركاء يختلف عن بيع ملك الغير في أن هذه الحصص قد تقع في نصيب الشريك البائع عند القسمة ، فتعتبر بفضل الأثر الكاشف للقسمة أنها كانت مملوكة للشريك البائع وقت البيع ، فلا يكون قد باع ما لا يملك . هذا إلى أن المشتري ، وهو يعلم أن البائع لا يملك كل الجزء المفرز الذي يبيعه ، يكون قد أرتضى شراء ما ستتركز عليه حصة البائع الشائعة بعد القسمة .

( [70] ) الأستاذ أنور سلطان فقرة 414 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 386 – وأنظر في عهد التقنين المدني الأسبق : استئناف وطني 26 مايو سنة 1914 الشرائع 1 رقم 408 ص 249 – 7 أبريل سنة 1924 المجموعة الرسمية 26 رقم 87 – استئناف مختلط 24 فبراير سنة 1931 م 43 ص 244 – 13 يناير سنة 1944 م 56 ص 34 ( البيع صحيح إذا أقره باقي الشركاء ) – 27 مايو سنة 1947 م 59 ص 230 – وأنظر عكس ذلك في أن البيع باطل بطلاناً مطلقاً : استئناف مصر 18 فبراير سنة 1932 المحاماة 13 رقم 34 ص 19 .

وقد قضت محكمة النقض بأنه ليس ثمة ما يمنع البائع ، وإن كان مالكاً على الشيوع ، أن يبيع ملكه محدداً مفرزاً . وحالة التحديد هذه ، وإن ظلت موقوفة أو معلقة على نتيجة القسمة أو إجازة الشريك على الشيوع ، إلا أن ذلك كله لا يبطل عقد البيع ( نقض مدني 7 ديسمبر سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 27 ص 138 ) .

( [71] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر في عهد التقنين المدني السابق بأن الشراح والمحاكم اختلفوا رأياً في حكم المبيع المفروز من مالك على الشيوع ، وترى المحكمة الأخذ بالرأي القائل ببطلان البيع طالما لم يثبت أن المشتري كان علاماً بحالة الشيوع . ذلك لأن المفروض فيمن يشتري عيناً محددة أن ينتفع بها فوراً بغير منازع ، فجعل البيع موقوفاً على نتيجة القسمة فيه تعليق للملكية على أمور احتمالية غير محققة قد يطول أمرها وتستلزم مصاريف كثيرة وجهوداً شاقة ، وليس من العدل تحميل المشتري بها ( 18 فبراير سنة 1932 المجموعة الرسمية 33 رقم 167 – وأنظر أيضاً استئناف مصر 29 ديسمبر سنة 1936 المجموعة الرسمية 38 رقم 91 ) .

ولا يوجد في التقنين المدني الفرنسي نص يقابل الفقرة الثانية من المادة 826 من التقنين المدني المصري . ومن ثم لا يميز القضاء الفرنسي بين المشتري الذي يعلم بأ ، البائع لا يملك إلا حصة شائعة والمشتري الذي يعتقد أن البائع يملك المبيع دون شريك ، ففي الحالتين يكون بيع الجزء المفرز قابلاً للإبطال ، لا موقوفاً على شرط هو نتيجة القسمة ، إذ لا يجوز الخلط بين الأثر الكاشف للقسمة والأثر الرجعي للشرط . ويستطيع المشتري أن يطلب إبطال البيع قبل القسمة ، ولا يستطيع البائع ذلك ، وفقاً لأحكام بعي ملك الغير . وكذلك يستطيع الشركي في الشيوع غير البائع استردادب حصته الشائعة فيما باعه شريكه . فإذا رفع المشتري دعوى الإبطال ، جاز له أن يطلب إبطال البعي في كل المبيع إذا أثبت أنه لم يكن ليشتري حصة البائع وحده ، وذلك كما في الاستحقاق الجزئي ( بيدان 11 فقرة 110 – فقرة 111 ) . وأنظر أيضاً في القانون الفرنسي بودري وسينيا فقرة 121 ( ويذهبان إلى أن البيع يكون موقفاً على نتيجة القسمة في الحالتين ) – بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 51 – أنسيكلوبيدي داللوز 5 لفظ vente فقرة 370 – فقرة 376 .

( [72] ) وللمشتري بطبيعة الحال أن يجيز البيع ، فيأخذه الجزء المفرز الذي وقع في نصيب البائع بدلاً من الجزء المفرز المبيع . وليس هذا تحولاً لعقد باطل ، بل هو إجازة لعقد قابل للإبطال ( قارن الأستاذ سليمان مرقس فقرة 286 ص 467 ) .

وهذا كله مفروض فيه أن المبيع جزء مفرز . أما إذا باع الشريك جزءاً شائعاً مجاوزاً فيه نصيبه في الشيوع ، فالبيع غير نافذ منذ البداية فيما جاوز نصيبه . وقد قضت محكمة النقض بأن القول بأ ، الشريك الذي يملك مشاعاً القدر الذي باعه مفرزاً لا يقبل منه ولا من شركائه الإدعاء بعدم نفاذ البيع في حصصهم ما دامت القسمة لم تقع ولم يقع البيع في نصيبهم – هذا القول محله أن يكون المبيع جزءاً مفرزاً معيناً من الأموال الشائعة . أما إذا كا المبيع غير مفرز ، وتجاوز البائع مقدار نصيبه للشائع ، فلا يقبل هذا القول ( نقض مدني 15 ديسمبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 27 ص 92 ) . وأنظر في حالة ما إذا كان الجزء المبيع المفرز أقل أو أكثر من قيمة الحصة الشائعة ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 286 ص 468 – ص 469 ) .

( [73] ) الأستاذ أنور سلطان فقرة 415 .

( [74] ) وقد قضت محكمة النقض في عهد التقنين المدني السابق بأنه إن اختلف الفقهاء والقضاة في حكم بيع الشريك جزءاً مفروزاً من مال مشاع هل يقع صحيحاً في حصة البائع منه وباطلاً في حصر شركائه أم يقع موقوفاً على نتيجة القسمة بين جميع الشركاء ، فإنما وقع اختلافهم هذا في تقرير حكم العقد بين عاقديه . فمن ذهب إلى اعتباره باطلاً جعل للمشتري حق إبطاله من يوم العقد لما فيه من تفريق الصفقة عليه ، ومن رأي أنه بيع موقوف لم يجعل للمشتري سبيلاً على البائع إلا عند خروج المبيع من حصة بائعه بالقسمة . أما في تقرير حكم العقد في علاقة المشتري مع من يدعى استحقاق المبيع لنفسه – سواء أكان هذا المدعى شريكاً في المال المشاع أم متلقياً ملكه عن شريك فيه على المشاع – فلا خلاف في أنه ليس للمستحق أن يدعي الاستحقاق في البيع إلا بعد قسمة المال الشائع ووقوع المبيع في نصيبه هو لا في نصيب البائع لذلك المشتري . وإذن فكل ادعاء منه قبل ذلك يكون سابقاً لأوانه ، خليقاً بأن نحكم المحكمة فيه بعدم قبوله أو برفضه ( نقض مدني 16 يونيه سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 58 ص 131 – 2 مايو سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 54 ص 189 ) . وقضت أيضاً بأن للشريك في الشيوع في التركة أن يبيع حصته محددة ، ولا يستطيع أحد الشركاء الاعتراض على هذا البيع والإدعاء بأنه يستحق المبيع ما دام أن التركة لم تقسم قسمة إفراز ( نقض مدني 30 يونيه سنة 1955 مجموعة أحكام النقض 6 رقم 180 ص 1341 ) . وقضت كذلك بأنه ليس ثمة ما يمنع البائع ، وإن كان مالكاً على الشيوع ، أن يبيع ملكه محدداً مفرزاً ، وأن حالة التحديد هذه وإن ظلت موقوفة أو معلقة على نتيجة القسمة أو إجازة الشريك على الشيوع ، إلا أن هذا كله لا يبطل عقد البيع . وبتسجيل المشتري لعقده تنتقل الملكية إليه ، ويصبح شريكاً لباقي الشركاء تجب مخاصمته في دعوى القسمة إن لم يجز هؤلاء الباقون من الشركاء عقده . وعلى ذلك فإنه ليس للمستحق – سواء أكان شريكاً على الشيوع أم متلقياً ملكه من شريك على الشيوع – أن يدعى الاستحقاق في المبيع إلا بعد القسمة ووقوع المبيع في نصيبه هو لا في نصيب البائع لذلك المشتري . وهذا الذي استقر عليه قضاء هذه المحكمة في ظل القانون المدني القديم هو ما أخذ به القانون المدني الحالي في المادة 628 منه ( نقض مدني 28 يونيه سنة 1956 مجموعة أحكام النقض 7 رقم 107 ص 760 . وأنظر أيضاً استئناف مصر 24 أبريل سنة 1940 المجموعة الرسمية 42 رقم 81 – استئناف أسيوط 13 أكتوبر سنة 1947 المجموعة الرسمية 49 رقم 73 – ولكن قارن استئناف مصر 5 يناير سنة 1932 المجموعة الرسمية 33 رقم 194 ) .

( [75] ) نقض مدني 31 ديسمبر سنة 1944 المحاماة 77 رقم 362 ص 866 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 416 ص 399 – وإذا كان المشتري حسن النية يعتقد أن الشريك البائع يملك وحده المبيع دون شريك ، فإن البيع الصادر إليه يعتبر سبباً صحيحاً ؛ فإذا حاز المبيع خمس سنوات ملكه بالتقادم القصير حتى فيما يتعلق بحصص الشركاء الآخرين ، ولم يعد لهؤلاء الحق في استرداد حصصهم من تحت يده ( نقض مدني 23 أبريل سنة 1943 مجموعة عمر 3 رقم 152 ص 423 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 416 ص 399 هامش رقم 1 – الأستاذ سليمان مرقس رقم 288 ص 473 ) .

وقبل القسمة يملك بقية الشركاء مطالبة المشتري بالاتفاق معهم على طريقة الانتفاع بالمال المبيع بعد أن أصبح مملوكاً لهم وللمشتري على الشيوع ( استئناف مصر 24 أبريل سنة 1940 المحاماة 41 رقم 31 ص 469 . ولهم أن يطالبوه بالقسمة ، فإذا تمت القسمة اختص كل منهم بما يقع في نصيبه ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 288 ص 473 ) .

( [76] ) ويصح أن يكون الشيء المملوك على الشيوع حقاً شخصياً ، كحق المستأجر وحق المدعو له بالبيع ، فإذا تعدد أصحاب هذه الحقوق وكانوا في الشيوع ، أو تركوا ورثة متعددين ، جاز بيع الحق الشخصي بيع تصفية . كما يجوز بيع الديون التي للتركة يع تصفية ، ويقع ذلك غالباً إذا كانت هذه الديون مشكوكاً في صحتها أو مشكوكاً في ملاءة مدينيها ( بوري وسينيا فقرة 732 ص 766 – ص 767 ) .

( [77] ) فيبقى حق الانتفاع قائماً على العين كلها إذا بيعت بيع تصفية ، أو قائماً على الأجزاء المفرزة إذا حصلت القسمة عيناً . وهناك رأي يذهب إلى جواز بيع العين كلها – رقبة ومنفعة – بيع تصفية ، ويكون للمنتفع حق انتفاع على الثمن . ولكن هذا الرأي غير سليم ، لأن المنتفع لا يجبر على التحول من الانتفاع بالعين إلى الانتفاع بالثمن ما دام حقه غير شائع وليس هناك محل لقسمة هذا الحق ولا لبيع التصفية فيه ( ديمولومب 15 فقرة 490 . جيوار 2 فقرة 731 – لوبري ورو 2 فقرة 226 – بودري وسينيا فقرة 728 ص 761 ) .

( [78] ) فمن قبيل بيع التصفية ما جاء في المادة 906 مدني من أنه ” إذا كان بين أموال التركة مستغل زراعي أو صناعي أو تجاري مما يعتبر وحدة اقتصادية قائمة بذاتها ، وجب تخصيصه برمته لمن يطلبه من الورثة إذا كان أقدرهم على الاضطلاع به . وثمن هذا المستغل يقوم بحسب قيمته ، ويستنزل من نصي الوارث في التركة . فإذا تساوت قدرة الورثة على الاضطلاع بالمستغل ، خصص لمن يعطى من بينهم أعلى قيمة بحيث لا تقل عن ثمن المثل ” .

( [79] ) وتنص المادة 719 مرافعات على أن ” تشتمل قائمة شروط البيع فضلاً عن البيانات المذكورة في المادة 713 على بيان جميع الشركاء وموطن كل منهم ، كما يرفق بها فضلاً عن الأوراق المذكورة في المادة 714 صورة من الحكم الصادر بإجراء البيع ” . وتنص المادة 720 مرافعات على أن ” يخبر قلم الكتاب بإيداع قائمة شروط البيع الدائنين المذكورين في المادة 715 وجميع الشركاء ” . وتنص المادة 721 مرافعات على أن ” لكل من الشركاء أن يبدي ما لديه من أوجه البطلان والملاحظات على شروط البيع ، بطريق الاعتراض على القائمة ” . وتنص المادة 723 مرافعات على أن ” تطبق على بيع العقار لعدم إمكان قسمته وعلى بيعه اختياراً الأحكام المقررة لبيع عقار المفلس وعديم الأهلية والغائب ، فيما عدا إخبار النيابة العامة بإيداع قائمة شروط البيع ” . والأحكام المشار إليها في النص تقضي بأن تكون إجراءات البيع هي نفس إجراءات بيع العقار بناء على طلب الدائنين ( م 717 مرافعات ) .

( [80] ) وتقضي المادة 1687 من التقنين المدني الفرنسي بأن الأصل ألا يدخل في المزايدة غير الشركاء ، فلا يدخل أجنبي ، ما لم يطلب ذلك أحد الشركاء أو ما لم يكن بين الشركاء من هو ناقص الأهلية ( أنظر في هذه المسألة بلانيول وريبير وهامل 10 فقرة 224 ) .

( [81] ) أما في اقتسام الثمن ما بين الشركاء ، فتجري أحكام القسمة ، وأنظر في حقوق الغير المكسوبة على المال الشائع بالنسبة إلى هذا الثمن بودري وسينيا فقرة 747 .

( [82] ) أنظر في فروق أخرى تترتب على هذا الاختلاف في الحكم بودري وسينيا فقرة 743 – فقرة 746 .

( [83] ) تاريخ النصوص :

م 477 : ورد هذا النص في المادتين 643 و 644 من المشروع التمهيدي على وجه يميز بين التصرف للوارث والتصرف لغير الوارث ، حيث كانت الوصية للوارث غير جائزة في ذلك الوقت ، ثم أجيزت بعد ذلك . وفي لجنة المراجعة عدل النص بحيثأصبح لا يميز بين التصرف لوارث والتصرف لغير وارث ، وصار – مع عبارة أضافتها لجنة مجلس الشيوخ – مطابقاً لما استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، وأصبح رقمه 504 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . وفي لجنة مجلس الشيوخ أضيفت عبارة ” فيما يجاوز الثلث ” حتى لا تقوم شبهة في أن بيع المريض إذا جاوز ثلث التركة لا يسري في كل المبيع مع أن الواجب ألا يقف سريانه إلا بالنسبة إلى الزيادة فقط . ولوحظ في هذه اللجنة أن المشرع لم يضع لمرض الموت تعريفاً وضوابط ، فرد على ذلك بأن هذا الموضوع خاص بالأحوال الشخصية ومرده ظهور حق آخر ورثه عند قرب أفول حياة المريض وليس انعدام رضائه . ثم وافقت اللجنة على النص تحت رقم 477 . ووافق عليه مجلس الشيوخ كما عدلته لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 216 – ص 219 ) .

م 478 : ورد هذا النص في المادة 645 من المشروع التمهيدي على وجه يتفق مع ما استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، ولكن بغير اشتراط العوض في الكسب بحسب نية . واشتراط العوض في لجنة المراجعة ، وأصبح النص رقمه 505 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 478 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 219 وص 221 – ص 222 ) .

( [84] ) التقنين المدني السابق : م 254  /  320 : لا ينفذ البيع الحاصل من المورث وهو في حالة مرض الموت لأحد ورثته ، إلا إذا أجازه باقي الورثة . م 255  /  321 : يجوز للطعن في البيع الحاصل في مرض الموت لغير وارث إذا كانت قيمة المبيع زائدة على ثلث مال البائع . م 256  /  322 : فإذا زادت قيمة المبيع على ثلث مال البائع وقت البيع ، ألزم المشتري ، بناء على طلب الورثة ، إما بفسخ البيع ، أو بأن يدفع للتركة ما نقص من ثلثي مال المتوفي وقت البيع ، وللمشتري المذكور الخيار بين الوجهين المذكورين . م 256 مكررة أهلي : أحكام المادتين السابقتين لا تضر في جميع الأحوال بحقوق أرباب الرهن على المبيع ، ولا بحقوق من انتقلت إليهم ملكية المبيع من المشتري بعوض متى كانوا حسني النية .

م 323 مختلط : أحكام المادتين السابقتين لا تكون مرعية إلا في حق البائع الذي يحكم في أهليته الشخصية بمقتضى قواعد الشريعة المحلية . وفي جميع الأحوال لا تضر أحكام المادتين المذكورتين بحقوق أرباب الرهون على المبيع ، ولا بحقوق من انتقلت إليهم ملكية المبيع من المشتري بعوض متى كانوا حسني النية .

[ويلاحظ على نصوص التقنين المدني السابق ما يأتي : ( 1 ) أنها كانت تميز بين التصرف لوارث والتصرف لغير وارث ، إذ كانت الوصية لوارث وقت ذاك لا تجوز . أما التقنين الجديد ، فلا محل فيه لهذا التمييز منذ أصبحت الوصية لوارث جائزة ( المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 221 ) – ( 2 ) أنها تصرح بعدم سريانها على أجنبي حيث يجب تطبيق قانون أحواله الشخصية ، وذلك لأن أحكام المريض مأخوذة من الشريعة الإسلامية وتتعلق بانتقال أموال المورث إلى الوارث وحقوق الوارث على هذه الأموال في مرض الموت ، فإذا كان هناك أجنبي لا تسري في شأن ميراثه الشريعة الإسلامية وجب ألا تسري أيضاً هذه النصوص في شأنه : قارن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 220 – وقد يؤخذ مما جاء فيها أن أحكام البيع في مرض الموت تسري على الجميع مصريين أو أجانب . ولكن الظاهر أن المذكرة الإيضاحية أرادت القول بأن هذه الأحكام تسري على جميع المصريين مسلمين أو غير مسلمين ، بدليل إشارتها إلى المادة 1438 من المشروع التمهيدي التي أصبحت المادة 915 من التقنين الجديد والتي جاء فيها : تسري على الوصية أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها ” ، وقد جاء في مذكرة المشروع التمهيدي : ” تسري الشريعة الإسلامية وما استمد منها من تقنينات وتشريعات على الوصية من ناحية الموضوع . ويستوي في ذلك وصايا المسلمين وغير المسلمين من المصريين ” . أما الأجانب فإن وصاياهم تبقى خاضعة من حيث الموضوع لقانون الموصي ( م 17 مدني ) : أنظر الأستاذ سليمان مرقس فقرة 303 . الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 264 ص 501 – ص 502 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 424 – ( 3 ) وردت أخطاء مادية وقانونية في هذه النصوص صححها القضاء في عهد التقنين المدني الأسبق . وهذه الأخطاء هي : أولاً – خطأ مادي عندما عرضت المادة 256 مكررة  /  323 لأحكام النصوص السابقة عليها لتقيد من أثرها ، فاقتصرت على ذكر ” المادتين السابقتين ” ، وكان الواجب أن تقول ” المواد الثلاث السابقة ” . ثانياً – ذكرت النصوص قيمة المبيع ، والصحيح شرعاً المقدار المحابي به فقط . ثالثاً – ذكرت النصوص أنه ينظر في تقدير التركة إلى وقت البيع : والصحيح شرعاً أن ينظر في تقديرها إلى وقت الموت لا إلى وقت البيع ، وإن كان الوقتان في كثير من الأحوال يتقاربان . أنظر في التوفيق ما بين أحكام الفقه الإسلامي وأحكام التقنين المدني الأسبق مذكراتنا في البيع فقرة 115 . وأنظر في بيع المريض في عهد التقنين السابق : الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 216 – فقرة 217 وفقرة 220 – فقرة 222 – الأستاذ محمد كالم مرسي فقرة 260 – فقرة 261 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 299 ص 482 – المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 4 ص 220 – استئناف أسيوط 17 أبريل سنة 1929 المجموعة الرسمية 30 رقم 84  /  2 ص 200 – استئناف مصر 31 ديسمبر سنة 1930 المحاماة 11 رقم 430  /  2 ص 828 – 18 يونيه سنة 1931 المحاماة 12 رقم 263 ص 531] .

( [85] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى : التقنين المدني السوري م 445 – 446 ( مطابقتان للمادتين 477 – 478 من التقنين المدني المصري – وأنظر في القانون المدني السوري الأستاذ مصطفى الزرقا فقرة 296 – فقرة 303 ، وبوجه خاص فقرة 299 حيث يذكر أنه صدر في سورية بعد التقنين المدني قانون الأحوال الشخصية وجاءت المادة 238 منه منع الوصية لوارث ، فوجب أن يراعى ذلك في أحكام بيع المريض مرض الموت ) .

التقنين المدني الليبي م 466 – 467 ( مطابقتان للمادتين 477 – 478 من التقنين المدني المصري ) .

التقنين المدني العراقي م 1109  /  1 : كل تصرف ناقل للملكية يصدر من شخص في مرض الموت مقصود به التبرع أو المحاباة يعتبر كله أو بقدر ما فيه من محاباة تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت ، وتسري عليه أحكام الوصية ( أنظر في القانون المدني العراقي الأستاذ حسن الذنون فقرة 403 – فقرة 414 ) .

تقنين الموجبات والعقود اللبناني : لا يوجد في تقنين الموجبات والعقود اللبناني نصوص مقابلة لنصوص التقنين المدني المصري . وقد ورد فيه – على غرار التقنين المدني الفرنسي – نص ( هو المادة 516 ) يحرم على الطبيب قبول هبة من مريض في مرض الموت ليس من أقرباء الطبيب . وقد قضت المادة 909 من التقنين المدني الفرنسي ببطلان التصرفات الحاصلة في مرض الموت للأطباء والصيادلة ورجال الدين .

( [86] ) الفتاوى الهندسية 4 ص 176 .

( [87] ) ابن عابدين 4 ص 707 – ص 708 .

( [88] ) وهذه هي نصوص مرشد الحيران في البيع في مرض الموت : م 358 – بيع المريض في مرض موته لوارثه موقوف على إجازة بقية الورثة ولو كان بثمن المثل فإن أجازوه جاز ، وإن لم يجيزه بطل – م 359 – يجوز بيع المريض في مرض موته لغير وارثه بثمن المثل أو بغبن يسير ، ولا يعد الغبن اليسير محاباة عند عدم استغراق الدين – م 360 – إذا باع المريض في مرض موته لغير الوارث بغبن فاحش نقصاً في الثمن ، فهو محاباة تعتبر من ثلث ماله . فإن خرجت من ثلث ماله بعد الدين ، بأن كان الثلث يفي بها لزم البيع ، وإن كان الثلث لا يفي بها بأن زادت عليه يخير المشتري بين أن يدفع للورثة الزائد لإكمال ما نقص من الثلثين أو يفسخ البيع .

( [89] ) استئناف مصر 10 يناير سنة 1928 المحاماة 8 رقم 486  /  1 ص 796 – استئناف مختلط 23 مارس سنة 1911 م 22 ص 135 .

( [90] ) ولا عبرة بانتقال المريض مرض الموت بنفسه إلى المحكمة للتصديق على العقد الصادر منه ، لأن الكاتب المختص بالتصديق غير مقيد بإثبات حالة البائع ( استئناف مصر 6 مايو سنة 1931 المحاماة 12 رقم 420  /  4 – ص 440 – قارن مع ذلك حكم المحكمة العليا الشرعية في 26 فبراير سنة 1934 المحاماة الشرعية 5 ص 403 ) . وقد يجازف المريض مرض الموت بالخروج من بيته للقيام ببعض أعمال فردية ، كالحضور أمام محكمة الجنح للدفاع عن نفسه في تهمة تبديد ( محكمة مصر 29 مايو سنة 1937 المحاماة 9 رقم 539  /  6 ص 996 ) .

( [91] ) وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأن الشيخوخة ليست مرض الموت ، وإنما هي دور من الأدوار الطبيعية لحياة الإنسان . أما مرض الموت فهو المرض الذي يعتري الإنسان شيخاً أم شاباً ، وينتهي بالموت ، بحيث يشعر المصاب معه بقرب انتهاء أجله ( 20 فبراير سنة 1918 المجموعة الرسمية 19 رقم 42 ص 61 – وأنظر أيضاً استئناف وطني 23 فبراير سنة 1905 الاستقلال 4 ص 448 – استئناف مصر 7 ديسمبر سنة 1936 المحاماة 17 ص 546 – بني سويف 26 فبراير سنة 1929 الجريدة القضائية 112 ص 18 ) .

( [92] ) وقد جاء في شرح الأستاذ سليم باز للمادة 1595 من المجلة في خصوص شرطي القعود عن قضاء المصالح وغلبة الموت ما يأتي : ” مرض الموت هو الذي يغلب فيه خوف الموت ، ويعجز معه المريض عن رؤية مصالحه خارجاً عن داره إن كان من المذكور ، كعجز الفقيه عن الإتيان إلى المسجد وعجز السوقي عن الإتيان إلى دكانه . قال في رد المحتار ينبغي أن يكون المراد العجز عن نحول ذلك من الإتيان إلى المسجد أو الدكان لإقامة المصالح القريبة في حق الكل ، إذ لو كان محترفاً بحرفة شاقة ، كما لو كان مكارياً أو حمالاً على ظهره أو دقاقاً أو نجاراً أو نحو ذلك مما لا يمكن إقامته مع أدنى مرض ، وعجز عنه مع قدرته على الخرج إلى المسجد والسوق ، لا يكون مريضاً وإن كانت هذه مصالحه . وإلا لزم أن يكون عدم القدرة على الخروج إلى الدكان للبيع والشراء مثلاً مرضاً وغير مرض بحسب اختلاف المصالح ، فتأمل . ثم هذا إنما يظهر في حق من كان له قدرة على الخروج قبل المرض ، أما لو كان غير قادر عليه قبل المرض للكبر أو علة في رجليه فلا يظهر ، فينبغي اعتبار غلبة الهلاك في حقه . وهو ما قاله أبو الليث من أن كونه صاحب فراش ليس بشرط لكونه مريضاً مرض الموت ، بل العبرة لغلبة الهلاك ، لو الغالب من هذا المرض الموت ، فهو مرض موت وإن كان يخرج من البيت ، وينبغي اعتماده لما علمت من أنه كان يفتي به الصدر الشهيد ، وأن كلام محمد يدل عليه ، ولاطراده فيما كان عاجزاً قبل المرض . ويؤيد أن من ألحق بالمريض ، كمن بارز رجالً ونحوه ، إنما يعتبر فيه غلبة الهلاك دون العجز عن الخروج . . . قال في الدر المختار وفي حق المرأة أن تعجز عن مصالحها داخل البيت كما في البزازية ، ومفاده أنها لو قدرت على نحو الطبخ دون صعود السطح لم تكن مريضة ، قال في النهر وهو الظاهر 1 هـ . ” ( شرح سليم باز ص 887 – ص 888 ) .

( [93] ) أنظر في هذا المعنى ما نقلناه في الحاشية السابقة من شرح الأستاذ سليم باز ( ص 887 – ص 888 ) . وأنظر أيضاً الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 253 ص 480 . وأنظر استئناف وطني 2 أبريل سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 رقم 40 ص 174 – محكمة مصر 14 يوليه سنة 1891 الحقوق 6 ص 153 .

( [94] ) والأستاذ سليم باز ينقل ما يوفق بين الشرطين على هذا النحو : ” ولأن بعض من يكون مطعوناً أو به استسقاء قبل غلبة المرض عليه قد يخرج لقضاء مصالحه مع كونه أقرب إلى الهلاك من مريض ضعف عن الخروج لصداع و هزال مثلاً . لكن مقتضى قول بعضهم أنه لو كان مريضاً مرضاً يغلب منه الهلاك ، لكنه لم يعجزه عن مصالح ، كما يكون في ابتداء المرض لا يكون مريضاً . وقد يوفق بين القولين بأنه إن علم أن به مرضاً مهلكاً غالباً وهو يزداد إلى الموت فهو المعتبر ، وغن لم يعلم أنه مهلك يعتبر العجز عن الخروج للمصالح ، هذا ما ظهر لي اهـ ملخصاً ” شرح المجلة ص 887 – ص 888 ) – وقد قضى بأن المصاب بالبول السكري إصابة غير خطرة لا يعتبر مريضاً مرض الموت ، إذا ثبت أنه لم يكن عنده وقت صدور التصرف منه شعور بدنو أجله ، وإن كان يباشر أثناء مرضه أعماله الخصوصية وهو في منزله ( استئناف وطني 12 يناير سنة 1916 الشرائع 3 رقم 107 – استئناف مصر 21 نوفمبر سنة 1927 المحاماة 8 ص 314 ) .

( [95] ) ولو لم يكن الموت بسبب المرض ، كأن قتل المريض أو غرق . ذلك أن المريض وقت أن تصرف كان يشعر بدنو أجله ، ولو لم يمت بهذا السبب العارض لمات بسبب المرض ( الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 417 ص 607 – الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 129 ص 291 – الأستاذ مصطفى الزرقا فقرة 297 ) .

( [96] ) على أن يمتد المرض من وقت صدور التصرف إلى وقت الموت ( استئناف وطني 21 ديسمبر سنة 1905 الحقوق 25 ص 5 ) . فإذا انتهى بمرض آخر ( دوسنطاريا حادة ) هو الذي انتهى بالموت ، لم يكن المرض الأول مرض موت ( استئناف مختلط 28 مارس سنة 1918 م 30 ص 316 ) .

( [97] ) فجميع تصرفات المريض نافذة حال حياته ، ولا يجوز للورثة أن يطعنوا فيها إلا بعد الوفاة ( الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 208 – الأستاذ محمد كامل مرسي ص 493 هامش رقم 2 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 418 ) .

( [98] ) وقد قضت محكمة الإسكندرية الوطنية بأن السل ، وإن كان من الأمراض التي تطول مدتها ، إذا دخل في دور جديد واشتدت وطأته ، يجعل تصرفات المريض في ذلك الوقت قابلة للبطلان ( 13 أبريل سنة 1912 الحقوق 33 ص 59 ) – وقضت محكمة مصر الوطنية بأنه لا يعتبر مرض موت تصلب الشرايين وإصابة القلب والكلى ، فهي من الأمراض المزمنة التي لا يصح اعتبارها في الأصل مرض موت لبطء سيرها وعدم إحساس المريض بخطورتها ، ولكن إذا اشتدت فجأة وشعر المريض بتفاقم خطورتها اعتبرت مرض موت ( 29 مايو سنة 1927 المحاماة 9 رقم 539 ص 996 ) – وقضت محكمة مصر بأنه لا يعتبر مرض موت احتباس البول وتضخم البروستاتا ما لم يثبت أن هذا المرض المزمن قد تزايد فجأة وانتهى بالموت ( 4 مايو سنة 1937 المحاماة 18 رقم 74 ص 155 ) . وقضت أيضاً بأنه لا يعتبر مرض موت الالتهاب الشعبي المزمن ما لم يتزايد ( 20 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 20 رقم 111 ص 304 ) . وقضت أيضاً بأن الربو المصحوب بنزلة شعبية ، ولو توفى به شخص فجأة في سن يندر في الجيل الحاضر تجاوزها ، لا يعتبر مرض موت ، لأن هذا المرض ذاته قابل للشفاء وغير مانع للمريض من مباشرة أعماله في الفترات التي تتخلل النوبات ( 24 أبريل سنة 1928 المحاماة 9 رقم 38 ص 58 – المحكمة العليا الشرعية 7 مايو سنة 1935 المحاماة الشرعية 6 رقم 147 ص 560 ) . وقضت أيضاً بأن مرض الموت يجب أن يكون هو المرض الذي أحدث الوفاة ، أو هو المرض الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمرض المباشر الذي أحدثها بحيث تصعب التفرقة بينهما . ويجب أن يكون المرض مستمراً وحالة المريض تسوء تدريجياً دون أن يتخللها فترات تحسين واضحة ، فإذا كان هناك مثل هذه الفترات اعتبر بدء المرض متفقاً مع تاريخ بدء الانتكاس الأخير . وحينما يكون الشخص مرياَ بمرض غير مميت حتماً ، ولكن نشأ من هاذ المرض مرض آخر مميت ، فهذا المرض الأخير لا المرض الأول من الذي يعتبر مرض موت ( 7 مايو سنة 1932 المحاماة 14 رقم 11 ص 17 ) . وقضت أيضاً بأن الإصابة بمرض السكر إصابة غير خطيرة لا تعتبر مرض موت ( 12 يناير سنة 1916 الشرائع 3 رقم 107 ص 362 ) .

( [99] ) وقد جاء في شرح المجلة على المادة 1595 للأستاذ سليم باز : ” وإن امتد مرضه ومضت عليه سنة وهو على حال واحدة ، كان في حكم الصحيح ، وتكون تصرفاته كتصرفات الصحيح ، ما لم يشتد مرضه ويتغير حاله . فظهر من هذا أن مرض الموت مقيد بغير الأمراض المزمنة التي طالت ولم يخف منها الموت ، كالفالج ونحوه ، وإن صيرته ذا فراش ومنعته عن الذهاب في حوائجه . فلو أصاب رجلاً فالج فذهب لسانه ، أو مرض فلم يقدر على الكلام . ثم أشار إلى شيء أو كتب شيئاً ، وقد تقادم ذلك وطال سنة ، فهو بمنزلة الأخرس الصحيح . وكذا صاحب السل إذا أتى عليه سنة ، فهو بمنزلة الصحيح . ولكن لو اشتد مرضه ، وتغير حاله ، ومات قبل مضي سنة ، يعد حالة اعتباراً من وقت التغير إلى الوفاة مرض موت ( شرح المجلة للأستاذ سليم باز ص 888 ) .

( [100] )          وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه لا يعتبر مرض موت السرطان أو السل إذا أنه يظل أكثر من سنة قبلي أن يأتي على حياة المصاب به ، وعلى الوارث أن يثبت أن المورث الذي مات بمرض السرطان أو السل لم يمكث مرضه أكثر من سنة ( 18 يونيه سنة 1917 المجموعة الرسمية 19 رقم 100 ص 229 – وأنظر أيضاً : استئناف وطني 8 مايو سنة 1907 المجموعة الرسمية 9 رقم 99 ص 227 – 4 يونيه سنة 1907 الحقوق 22 ص 185 – 23 يونية سنة 1907 الحقوق 23 ص 331 – 17 يناير سنة 1912 المجموعة الرسمية 13 رقم 36 ص 70 – 29 يناير سنة 1924 المجموعة الرسمية 26 رقم 33 ص 56 – 21 نوفمبر سنة 1927 المحاماة 8 رقم 234  /  2 ص 2314 – 19 مارس سنة 1930 المحاماة 11 رقم 84  /  1 ص 143 – 28 مايو سنة 1920 المحاماة 11 رقم 91 ص 150 – استئناف مختلط 16 يونيه سنة 1910 م 22 ص 375 – 23 مارس سنة 1911 م 23 ص 253 .

ويحسب حساب السنة من وقت اشتداد المرض إلى وقت الموت ( استئناف مختلط 22 مايو سنة 1913 م 35 ص 545 – 9 يونيه سنة 1913 م 25 ص 431 – 25 فبراير سنة 1915 م 27 ص 182 – 25 مارس سنة 1922 م 34 ص 248 – 3 يونيه سنة 1922 م 34 ص 453 – أول مايو سنة 1928 م 40 ص 330 – 25 فبراير سنة 1930 م 42 ص 315 ) .

( [101] )          وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأن المرض يعتبر مرض موت ولو وقع منذ أكثر من سنة قبل الوفاة إذا كان قد أخذ دائماً في الازدياد لغاية الوفاة ، ولم يثبت أنه تحسن تحسناً محسوساً في خلال هذه المدة . أما التفسير القاضي بتحديد المدة القانونية لمرض الموت الذي يقع في السنة السابقة على الوفاة فليس تحديداً حتمياً ، ولكنه ينطبق فقط على الأحوال التي يكون فيها المرض طويلاً فيشتد طوراً إلى درجة الخطورة وتارة يعود المريض إلى صحته . أما المرض الذي يأخذ سيراً مستمراً بغير تحسن محسوس في مدته ، بل يتمشى نحو الازدياد وينتهي بالموت ، فهو مرض الموت مهما كانت مدته ( 6 فبراير سنة 1912 المجموعة الرسمية 14 رقم 86 ص 173 ) .

( [102] )          وقد جاء في شرح المجلة على المادة 1595 للأستاذ سليم باز : ” ومن بارز رجلاً ، أو قدم ليقتل في قصاص أو رجم ، أو بقى على لوح من السفينة ، أو افترسه سبع وبقى في فيه ، فهو كمريض مرض الموت اهـ . وفي الهندية ومن كان محبوساً في السجن ليقتل قصاصاً أو رجعاً لا يكون حكمه حكم المريض . وإذا أخرج ليقتل ، فحكمه في تلك الحال حكم المريض ، ولو كان في صف القتال فحكمه حكم الصحيح ، وإذا بارز فحكمه في تلك الحال حكم المريض ، ولو كان في السفينة فحكمه حكم الصحيح ، وإذا هاج الموج فحكمه في تلك الحال حكم المريض . ولو أعيد إلى السجن ولم يقتل ، أو أرجع بعد المبارزة إلى الصف ، أو سكن الموج ، صار حكمه كحكم المريض الذي برئ من مرضه تنفذ تصرفاته من جميع ماله . والمرأة إذا أخذها الطلق ، فما فعلته في تلك الحالة يعتبر من ثلث مالها ، وإذا سلمت من ذلك جاز ما فعلته من ذلك كله اهـ ” . ( شرح المجلة للأستاذ سليم باز ص 888 ) – أنظر أيضاً الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 207 ص 201 – الأستاذين محمد كامل مرسي فقرة 254 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 445 ص 423 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 300 ص 486 .

وغني عن البيان أن العبرة بحالة الإنسان النفسية ، فمن كان محكوماً عليه بالإعدام وهو في نفس السجن ينتظر التنفيذ ، يبدو ، بالرغم مما جاء في شرح المجلة نقلاً عن الهندية ، أن حالته النفسية تكون كحالة المريض مر ض الموت . فإذا صدر عفو عنه ، أو نجا من كان على وشك الغرق أو من كان في حكمه ، فإنه يعتبر في حكم المريض مرضاً يغلب فيه الهلاك ولم ينته بالموت بل برئ منه المريض ، فلا يكون للورثة حق الطعن في التصرف ، ولكن يجوز للمتصرف نفسه أن يطعن في التصرف بالغلط كما سبق القول .

( [103] )          وقد قضت محكمة النقض بأنه ما دامت محكمة الموضوع قد استخلصت من التحقيقات التي أجريت في الدعوى ومن الشهادتين الطبيتين المقدمتين فيها عن مرض الموت أنه كان مريضاً قبل وفاته بأربعة شهور بالسل الرئوي ، وأن هذا المرض اشتد به وقت تحرير العقد المطعون عليه ، ثم فندت للطعون الموجهة إلى الشهادة المقدمة من الصادر له العقد ، فإنها تكون قد أوردت في حكمها من الأسباب ما يكفي لحمل قضائها ( نقض 23 مارس سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 92 ص 365 ) . وقضت أيضاً بأن محكمة الموضوع قد استخلصت من أقوال الشهود أن البائعة أصيبت بمرض يغلب فيه الهلاك وانتهى فعلاً بوفاتها ، وهذا يكفي ( نقض مدني 8 مايو سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 158 ص 1048 ) . وقضت كذلك بأنه متى كان الحكم إذا نفى حصول البيع في مرض موت البائع قد قرر للأسباب السائغة التي أوردها أنه في الوقت الذي تصرف فيه كان حال صحته وأنه سابق على فترة مرض عادي لا يغلب فيه الهلاك ، فإن هذا الذي قرره لا يعب فيه ( نقض مدني 10 ديسمبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 35 ص 237 ) .

ويستخلص من قضاء محكمة النقض المتقدم أنه إذا كانت شروط مرض الموت مسألة قانون ، فإن حصول هذا المرض متوافرة فيه شروطه مسألة واقع تستخلصه محكمة الموضوع ، ولا رقابة عليها لمحكمة النقض في ذلك متى بنت محكمة الموضوع قضاءها على أسباب سائغة .

( [104] )          وقد سبق أن بينا في الجزء الثاني من الوسيط ( فقرة 119 ص 204 – ص 212 ) أن الوارث لا يعتبر غيراً بالنسبة إلى تاريخ الورقة الصادرة من مورثه في مرض الموت ، ويعتبر غيراً بالنسبة إلى سريان التصرف الصادر في مرض الموت . وقلنا في هذا الصدد : ” والذي أوقع اللبس في هذه المسألة هو الخلط ما بين الغيرية في سريان التصرف والغيرية في ثبوت التاريخ . فالوارث . في تصرفات مورثه الصادرة في مرض الموت ، يعتبر غيراً من ناحية سريان هذه التصرفات في حقه ، فهي لا تسري عليه فيما يجاوز ثلث التركة ، ولا يعتبر غيراً من ناحية ثبوت التاريخ فيحتج عليه بالتاريخ العرفي للتصرف الصادر مورثه إلى أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح ” ( الوسيط جزء 2 فقرة 119 ص 206 – 207 ) . وأنظر مقال الأستاذ سليمان مرقس في قوة المحررات العرفية في الإثبات وحجية تاريخها على الوارث الذي يطعن فيها بصدورها في مرض الموت في مجلة القانون والاقتصاد 14 ص 287 – ص 304 ، وإلى هذا المقال يرجع الفضل في تحول الفقه المصري إلى الرأي الصحيح في هذه المسألة كما سبق أن بينا ( الوسيط 2 ص 206 هامش رقم 1 ) . وأنظر أيضاً الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات ص 143 – الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 130 ص 293 – ص 294 – وقارن الأستاذ أنور سلطان فقرة 448 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 419 .

ومن القرائن على صدور التصرف في مرض الموت أن يكون البيع محرراً بخط المشتري ولم يسجل إلا قبل وفاة البائع بيومين ( استئناف وطني أول فبراير سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 108  /  1 ص 296 ) . ومنها تسجيل العقد تسجيل تاريخ الوفاة بمدة قليلة ثم تسجيله بعد الوفاة تسجيلاً تاماً ( استئناف وطني 24 ديسمبر سنة 1913 الشرائع 1 رقم 204 ص 95 ) . ومنها أن يكون العقد قد تحرر قبل الوفاة بأيام قليلة ما لم يكن البائع قد مات فجأة ( استئناف وطني 25 نوفمبر سنة 1914 الشرائع 2 رقم 118 ص 116 ) . ولا مانع من الطعن في التصرف بأنه صادر في مرض الموت بعد الطعن فيه بالتزوير ( محكمة مصر الوطنية 29 مايو سنة 1927 المحاماة 9 رقم 539  /  1 ص 996 ) .

( [105] )          وعلى هذا انعقد إجماع الفقه المصري : الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحمد زكي فقرة 206 وفقرة 210 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 447 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 299 ص 483 – ص 484 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 258 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 418 .

( [106] )          قارن الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 212 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 260 .

( [107] )          وتسقط دعوى عدم نفاذ التصرف بخمس عشرة سنة من وقت موت المريض ( الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي يودعانها بدعوى بطلان ) ، فلا يكفي إذن سكوت الورثة ولو مدة طويلة إذ كانت دون مدة السقوط ( استئناف مختلط 15 يونيه سنة 1926 م 38 ص 472 ) ، ما لم يستخلص من هذا السكوت إجازة ضمنية للتصرف من الورثة ، وقد قضت محكمة الاستئناف أسيوط بأن سكوت الوارث بعد وفاة المورث مع ظهور العقد ونقل التكليف للمشتري دون أن يطعن الوارث ، بل سكت مدة ثلاث سنوات أو أربع حتى وفاته يعتبر إجارة للعقد الصادر في مرض الموت ( 18 مارس سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 242 ) .

( [108] )          فعند الشافعي لا يثبت الإرث إلا عند الموت ، وفي المسألة خلاف عند الحنفية . ويظهر أثر ذلك ي المطلقة دون رضاها طلاقاً بائناً في مرض الموت ومات مطلقها وهي في العدة ، هل ترث أو لا ترث؟ عند الحنفية ترث ، وعند الشافعية لا ترث . ويورد صاحب البدائع حجج الفريقين على الوجه الآتي : ” وإن كان ( الطلق ) بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عندنا ، وعند الشافعي لا ترث . ويورد صاحب البدائع حجيج الفريقين على الوجه الآتي : ” وإن كان ( الطلاق ) بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عندنا ، وعند الشافعي لا ترث . ومعرفة هذه المسألة مبنية على معرفة سبب استحقاق الإرث وشرط الاستحقاق ووقته . أما السبب فنقول لا خلاف أن سبب استحقاق الإرث في حقها النكاح . . . واختلف في الوقت الذي يصير النكاح سبباً لاستحقاق الإرث . وعند الشافعي هو وقت الموت ، فإن كان النكاح قائماً وقت الموت ثبت الإرث ، وإلا فلا . واختلف مشايخنا . قال بعضهم هو وقت مرض الموت ، والنكاح كان قائماً من كل وجه من أول مرض الموت ، ولا يحتاج إلى إبقائه من وجه إلى وقت الموت ليصير سبباً . وتفسير الاستحقاق عندهم هو ثبوت الملك من كل وجه للوارث من وقت المرض بطريق الظهور ، ومن وجه وقت الموت مقصوراً عليه وهو طريق الاستناد ، وهما طريقتا مشايخنا المتقدمين . وقال بعضهم : وهو طريق المتأخرين منهم ، إن النكاح القائم وقت مرض الموت سبب لاستحقاق الإرث وهو ثبوت حق الإرث من غير ثبوت الملك للوارث أصلا لا من كل وجه ولا من وجه . وجه قول الشافعي أن الإرث لا يثبت إلا عند الموت ، لأ ، المال قبل الموت ملك المورث بدليل نفاذ تصرفاته ، فلا بد من وجود السبب عند الموت . ولا سبب ههنا إلا النكاح ، وقد زال بالإبانة والثلاث ، فلا يثبت الإرث ، ولهذا لا يثبت بعد انقضاء العدة ولا يرث الزوج منها بلا خلاف ولو كان النكاح قائماً في حق الإرث لورث لأن الزوجية لا تقوم بأحد الطرفين فدل أنها زائلة . ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم والمعقول . إما لإجماع . . . وأما المعقول فهو أن سبب الاستحقاق الإرث وجد مع شرائط الاستحقاق فيستحق الإرث ، كما إذا طلقت طلاقاً رجعياً . ولا كلام في سبب الاستحقاق وشرائطه ، وإنما الكامل في وقت الاستحقاق . فنقول وقت الاستحقاق هو مرض الموت . أما على التفسير الأول والثاني وهو ثبوت الملك من كل وجه أو من وجه ، فالدليل عليه النص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ودلالة الإجماع والمعقول . أما النص فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم ، أي تصدق باستبقاء ملككم عليكم في ثلث أموالكم زيادة على أعمالكم . أخبر عن سنة الله تعالى على عباده أنه استبقى لهم الملك في ثلث أموالهم ليكون الوسيلة إلى الزيادة في أعمالهم بالصرف إلى وجوه الخير ، لأن مثل هذا الكلام يخرج مخرج الإخبار عن المنة . وآخر أعمارهم مرض الموت ، فدل على زوال ملكهم عن الثلثين إذ لو لم يزل لم يكن ليمن عليهم بالتصدق بالثلث بل بالثلثين ، إذ الحكيم في موضوع بيان المنة لا يترك أعلى المتنين ويذكر أدناهما . وإذا زال ملكه عن الثلثين يؤول إلى ورثته ، لأنهم أقرب الناس إليهم . . . أما إجماع الصحابة رضي الله عنهم . . . وأما دلالة الإجماع فهي أنه لا ينفذ تبرعه فيما زاد على الثلث من يد الموهوب له من غير رضاه إذا لم يدفع القيمة ولو نفذ لما كان لهم الأخذ من غير رضاه . فدل عدم النفاذ على زوال الملك ، وإذا زال يزول إلى الورثة لما بينا . وأما المعقول فهو أن المال الفاضل عن حاجة الميت يصرف إلى الورثة بلا خلاف ، والكلام فيما إذا فضل ووقع من وقت المرض الفراغ عن حوائج الميت . فهذه الدلائل تدل على ثبوت الملك من كل وجه للوارث في المال الفاضل عن حوائج الميت ، فيدل على ثبوت الملك من وجه لا محالة . وأما على التفسير الثالث ، وهو ثبوت حق الإرث فدلالة الإجماع والمعقول . أما دلالة الإجماع فهو أن ينقض تبرعه بعد الموت ، ولولا تعلق حق الوارث بماله في مرض موته لكان التبرع تصرفاً من أهل في محل مملوك له لا حق للغير فيه فينبغي ألا ينقض ، فدل حق النقض على تعلق الحق . وأما المعقول فهو أن النكاح حال مرض الموت صار وسيلة إلى الإرث ، ووسيلة حق الإنسان حقه لأنه ينتفع به ، والطلاق البائن والثلاث إبطال لهذه الوسيلة فيكون إبطالاً لحقها ، وذلك إضرار بها فيرد عليه ” ( البدائع 3 ص 218 – ص 220 ) . وأنظر أيضاً في هذه المسألة الأستاذ محمد أبو زهيرة في أحكام التركات والمواريث ص 10 – ص 13 .

( [109] )          ومع ذلك فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن أحكام بيع المريض مرض الموت تسري ولو كان البائع أجنبياً : 25 مارس سنة 1922 م 34 ص 247 – 3 يونيه سنة 1922 م 34 ص 247 – 3 يونيه سنة 1922 م 34 ص 452 – 15 يونيه سنة 1926 م 38 ص 472 – 25 فبراير سنة 1930 م 42 ص 315 .

( [110] )          ولم يكن التقنين المدني السابق يشتمل على نص يماثل نص المادة 916 من التقنين المدني الجديد ، ولذلك تضارب القضاء في مد أحكام بيع المريض مرض الموت إلى تصرفاته الأخرى غير البيع . فقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن شراء المريض من الوارث لا تسري عليه أحكام البيع ( 25 فبراير سنة 1930 م 42 ص 314 ) . ولكن إقرار المريض لوارثه يسري عليه حكم البيع ( استئناف مصر 29 أكتوبر سنة 1925 المحاماة 6 رقم 534  /  2 ص 856 – 6 مايو سنة 1931 المحاماة 12 رقم 220  /  2 ص 440 – المنصورة 25 يناير سنة 1927 المحاماة 8 رقم 344 ص 524 – طنطا 28 يناير سنة 1930 المحاماة 11 رقم 37  /  3 ص 67 – الزقازيق 28 يونيه سنة 1930 المحاماة 11 رقم 438 ص 848 – الزقازيق 4 ديسمبر سنة 1930 المجموعة الرسمية 33 رقم 49 ص 87 – أسيوط 29 يناير سنة 1931 المحاماة 12 رقم 80 ص 134 = – استئناف مختلط 11 ديسمبر سنة 1928 م 41 ص 93 – أنظر عكس ذلك أي عدم جواز الطعن في الإقرار الصادر في مرض الموت : استئناف مصر 30 يناير سنة 1928 المحاماة 8 رقم 470 – ص 771 – الزقازيق 22 ديسمبر سنة 1928 المجموعة الرسمية 30 رقم 56 ص 135 – مصر 18 يناير سنة 1933 المحاماة 13 رقم 645  /  2 ص 1275 ) . أما الإيجار فلا يتأثر بصدوره في مرض الموت ( مصر 19 يناير سنة 1924 المحاماة 4 رقم 636 ص 850 ) .

( [111] )          الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي ص 207 هامش رقم 1 – الأستاذ محمد كامل مرسي ص 486 – قارن استئناف مصر 6 مايو سنة 1931 المحاماة 12 ص 44 .

( [112] )          ولا يجوز للمشتري التمسك بإقرار البائع أنه قبض ثمناً وذكر ذلك في عقد البيع ، لأن هذا إقرار من مريض في مرض موته فلا يعتد به ، ولأن الشبهة قائمة في أن البائع والمشتري متواطئان على تصوير أن هناك ثمناً دفع ( الأستاذ سليمان مرقس فقرة 301 ص 489 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 421 ص 612 هامش رقم 1 ) .

( [113] )          أما بالنسبة إلى الدائنين ، فكل محاباة أو تبرع في مرض الموت يعتبر في حكم الوصية ، فتتقدم عليها الديون ، ولا تنفذ إذا كانت التركة مستغرقة . وقد جاء في المادة 361 من مرشد الحيران في هذا المعنى : ” إذا باع المريض لأجنبي ( أو لغير أجنبي من باب أولى ) شيئاً من ماله بمحاباة فاحشة أو يسيرة ، وكان مديوناً بدين مستغرق لماله ، فلا تصح المحاباة سواء أجازته الورثة أم لم يجيزه . ويخير المشتري من قبل أصحاب الديون ، فإن شاء بلغ المبيع تمام القيمة ، وإلا فسخ البيع . فإن كان قد تصرف في المبيع قبل الفسخ ، تلزمه قيمته بالغة ما بلغت ” – وإذا برئ المريض من مرضه ، جاز للدائنين الطعن بالدعوى البولصية في تصرفه باعتباره تبرعاً ( الأستاذان أحمد نجيب الهلالي فقرة 218 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 300 ص 486 – ص 487 ) ، وهذا فوق دعوى الإبطال للغلط التي تكون للمريض نفسه بعد أن يبرأ من مرضه كما سبق القول ، وهي دعوى يجوز لدائنيه أن يرفعوها باسمه .

( [114] )          الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 211 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 263 – وبيت المال لا يعتبر وارثاً ” فالبيع في مرض الموت للزوجة صحيح إذا لم يكن للزوج وارث آخر . ولذلك لا يصح لبيت المال ( الحكومة ) أن يطعن في العقد بحجة أن له ثلاثة أرباع التركة ، لأن بيت المال ليس بوارث . بل الحكومة تستحق التركة إذا دخلت من الورثة أو وجد منهم فقط من لا يمكن الرد عليه ، لا من طريق الإرث ، بل لاعتبارها مالاً لا مالك له ( محكمة اللبنان 24 ديسمبر سنة 1914 الرائع 2 رقم 142 ص 127 – وانظر المنيا 18 مارس سنة 1930 المحاماة 10 رقم 377 ص 757 – وقارن مع ذلك استئناف مختلط 25 مارس سنة 1895 م 7 ص 192 ) . وهذا الحكم يتفق مع ما جاء في الفقه الإسلامي من أن بيت المال يأخذ المال من جهة أنه لا مالك له ( أحكام القرآن للجصاص 2 ص 100 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 266 ) – وقد جاء في قانون الوصية نص صريح في هذا المعنى ، فقضت المادة 37 من هذا القانون بأن ” تنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ماله أو بعضه ، من غير توقف على إجازة الخزانة العامة ” .

( [115] )          الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 215 .

( [116] )          استئناف مصر 25 فبراير سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 19 – 4 مايو سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 17 .

( [117] )          والعبرة في معرفة أي حكم يسري تكون بتاريخ موت المورث . فإن كان هذا التاريخ قبل نفاذ التشريع الذي يجيز الوصية لوارث ( قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946 ) ، فحكم التقنين القديم هو الذي يسري ، وإلا فحكم التقنين الجديد .

وكان القضاء في العهد الأسبق يكشف عن تحايل المريض إذا باع لغير وارث ثم يحول المشتري البيع إلى وارث ، فصدور البيع لولد الزوجة وهو غير وارث ثم تحويل العقد من الولد إلى أمه فيه تحايل ، ويعتبر بيعاً صادراً لوارث في مرض الموت ( استئناف مصر 31 ديسمبر سنة 1930 المحاماة 11 رقم 430  /  3 ص 828 ) .

( [118] )          نقض مدني 26 أبريل سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 177 ص 380 – استئناف وطني 25 أبريل سنة 1899 الحقوق 14 ص 138 .

هذا والإجازة يجب أن تصدر من أهل للتبرع ، فلا يصح أن يكون الوارث المجيز صبياً أو مجنوناً أو محجوراً عليه ، أو أن يكون هو نفسه مريضاً مرض الموت . والمجيز إذا كان مريضاً مرض الموت لا تنفذ إجازته إلا في حدود ثلث تركته بغير إجازة ورثته ( الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي ص 206 هامش رقم 2 ) . ويجب أن يكون المجيز عالماً بالعيب وراغباً في تصحيحه ، فاشتراك الوارث في تحرير محضر جرد التركة وإشارته في المحضر إلى التصرف لا يكون إجازة إلا إذا أراد بذلك الموافقة على التصرف ( نقض مدني 20 مايو سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 57 ص 164 استئناف وطني أول فبراير سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 108  /  2 ص 296 – استئناف مختلط 24 فبراير سنة 1897 م 9 ص 171 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 301 ص 490 ) .

ويجب أن تقع الإجازة بعد الموت ، فالإجازة الحاصلة وقت العقد أو اشتراك الورثة في نفس العقد لا يعتبر إجازة ، ويجب صدور الإجازة مرة ثانية بعد الموت . وإجازة بعض الورثة دون بعض لا تنفذ إلا في حصص من أجاز من الورثة ( نقض مدني 20 مايو سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 57 ص 164 وهو الحكم السابق الإشارة إليه ) . ويجوز للمشتري أن ينذر الورثة ليعلونا ما إذا كانوا يجيزون التصرف أو لا يجيزونه ، وأن يلتجئ إلى القضاء لتحديد ميعاد لذلك ، لكن إذا انقضى الميعاد عد هذا عدم إجازة منهم للتصرف ( الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 214 – الأستاذان محمد كامل مرسي فقرة 262 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 450 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 301 ص 490 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 422 ) . و سكوت الوارث بعد وفاة المورث مع ظهور العقد ونقل التكليف للمشتري دون أن يطعن الوارث ، بل سكت مدة ثلاث سنوات أو أربع حتى وفاته ، يعتبر إجازة ضمنية للعقد الصادر في مرض الموت ( استئناف أسيوط 18 مارس سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 242 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) .

وإذا تعددت العقود الصادرة من المورث في مرض الموت ، اعتبر المشترون في حكم الموصي لهم ، واقتسموا الثلث بنسبة ما أوصى به لكل منهم ، ولا محل للرجوع إلى تواريخ العقود لتقديم أقدمها تاريخاً أو تسجيلاً ( استئناف مصر 31 ديسمبر سنة 1930 المحاماة 11 رقم 430  /  5 ص 828 ) . ويبدو أنه بالنسبة إلى الموصي له يعتبر بيع الموصي في مرض موته هو أيضاً في حكم الوصية ، فيكون البيع في مرض الموت إما ناقضاً للوصية الأولى وإما نافذاً معها في حدود ثلث التركة ( قارن استئناف وطني 15 أبريل سنة 1912 المجموعة الرسمية 13 رقم 106 وتعليق الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي ص 208 هامش رقم 1 ) .

( [119] )          فإذا لم يكن للمريض ورثة نفذ البيع أياً كان المقدار المحابي به ولو كان البيع في حقيقته هبة ، ولا يعتبر بيت المال وارثاً كما سبق القول ( الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 219 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 266 ) .

( [120] )          كذلك للورثة أن يستبقوا الدار شائعة بينهم وبين المشتري ، وتكون حصتهم فيها بمقدار المائتين اللتين اعتبر فيهما غير نافذ . وقد أجازت محكمة استئناف أسيوط للوارث أن يأخذ حقه وهو الثلثان عيناً إذا كانت العين المبيعة قابلة للتجزئة ( 17 أبريل سنة 1929 المحاماة 9 ص 645 – وأنظر أيضاً استئناف مصر 31 ديسمبر سنة 1935 المحاماة 11 ص 828 ) .

( [121] )          الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 219 – فقرة 222 ومراجع الفقه والقضاء المشار إليها .

( [122] )          الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 215 . والعبرة فيم عرفة أي حكم يسري تكون هنا أيضاً بتاريخ موت المورث ، فإن كان هذا التاريخ قبل نفاذ قانون الوصية ( رقم 17 لسنة 1946 ) الذي يجيز الوصية لوارث فحكم التقنين القديم هو الذي يسري ، وإلا فحكم التقنين الجديد .

( [123] )          والعبرة هنا أيضاً بتاريخ موت المورث ، فإن كان قبل نفاذ قانون الوصية ( رقم 71 لسنة 1946 ) الذي يجيز الوصية للوارث سرى حكم التقنين السابق ، وإلا فيسري حكم التقنين الجديد .

( [124] )          وذلك ما لم تكن العين منقولاً وقد حازه المتبرع بحسن نية .

( [125] )          أما إذا كان المشتري سيء النية ، كأن أعلنه الورثة قبل أن يقدم على الشراء بعدم إجازتهم لتصرف المريض ، لم يجز له أن يطلب الحماية ( استئناف مختلط 10 يناير سنة 1922 م 34 ص 107 ) .

( [126] )          الأستاذان أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 224 – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 265 – الأستاذ أنور سلطان فقرة 451 – الأستاذ سليمان مرقس فقرة 302 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 423 – الأستاذ منصور مصطفى منصور فقرة 131 .

( [127] )          وأصحاب الرأي الأول يستندون إلى أن المشرع في عهد التقنين المدني الأسبق قد أحال الميراث على الشريعة الإسلامية ، لا فحسب من حيث تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم في الميراث ، بل أيضاً باعتبار الميراث طريقاً لانتقال الملكية من المورث إلى الوارث . والوارث في الشريعة الإسلامية لا يستمر شخص مورثه ولا يحل محله في التزاماته ، بل إن ديون المورث تتعلق بالتركة ، وتبقى التركة ضامنة لديونه بعد موته كما كان ماله ضامناً لها حال حياته . ولا يرث الوارث إلا ما يتبقى بعد سداد الديون ، إذ لا تركة إلا بعد سداد الدين . أما حق الدائنين في الشريعة الإسلامية فهو أشبه بحق الاختصاص أو الرهن على جميع التركة ، فإذا باع الوارث عيناً من أعيان التركة قبل سداد الدين ، كان للدائن أن يتتبعها في يد المشتري ويستوفي منها حقه . هذا إذا كانت التركة مستغرقة بالدين ، أما إذا كانت غير مستغرقة فللدائنين كذلك رهن عام بمقدار ديونهم لأن أموال التركة مثقلة بحقوقهم ، ولكن الفقهاء أباحوا للورثة التصرف في أعيان التركة لأن ضمان الدائنين هي التركة جميعها لا عين بالذات . على أن حق الورثة في التصرف يقف حين لا يبقى في التركة إلا ما يكفي للوفاء بالديون ، وكل تصرف زاد على هذا الحد فهو غير نفاذ في حق الدائنين ، وللدائنين أخذ حقهم من أعيان التركة حيث توجد إذا لم يكن الباقي منها كافياً ( الأستاذ عبد الحميد بدوي في مجلة مصر العصرية 1914 ص 14 وما بعدها – وملاحظات الأساتذة عزيز كحيل وعبد الخالق ثروت وعبد الحميد مصطفى ومحمد حلمي عيسى في ص 40 ) . وأنظر من أحكام القضاء في هذا الرأي : استئناف وطني 15 فبراير سنة 1894 الحقوق 9 ص 17 – 29 ديسمبر سنة 1913 الشرائع 1 رقم 424 ص 277 – استئناف مصر 18 يونيه سنة 1927 المجموعة الرسمية 31 رقم 142  /  1 ص 364 – 30 ديسمبر سنة 1930 المحاماة 11 رقم 428 ص 826 – 8 مارس سنة 1932 المحاماة 13 رقم 70 ص 168 – 10 ديسمبر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 429  /  6 ص 871 – 5 ديسمبر سنة 1944 م 57 ص 17 – محكمة مصر 28 يناير سنة 1896 القضاء 3 ص 196 – 22 مارس سنة 1904 الاستقلال 3 ص 107 – 20 فبراير سنة 1906 الحقوق 21 ص 112 – محكمة طنطا 21 أكتوبر سنة 1919 المحاماة 1 رقم 32  /  1 ص 199 – الإسكندرية 3 أبريل 1924 المجموعة الرسمية 28 رقم 130 ص 250 – استئناف مختلط 22 ديسمبر سنة 1898 م 11 ص 62 – 13 يونيه 1900 م 12 ص 335 – 16 ديسمبر سنة 1903 م 16 ص 69 – 20 أبريل 1905 م 17 ص 221 – 3 يونيه سنة 1911 م 23 ص 354 – 11 مارس سنة 1914 م 26 ص 270 – 9 يناير سنة 1917 م 29 ص 146 – 29 مارس سنة 1917 م 29 ص 234 – 30 أكتوبر سنة 1917 م 30 ص 13 – 8 فبراير سنة 1940 م 52 ص 124 ومن أصحاب هذا الرأي الأول من يذهب إلى حد القول بحلول الديون المؤجلة بموت المدين وفقاً لمبادئ الفقه الإسلامي ( الأستاذ علي زكي العرابي في مركز الوارث في الشريعة الإسلامية سنة 1913 ومقال له في المحاماة السنة الأولى العدد الخامس ) .

أما أصحاب الرأي الثاني فيذهبون إلى أن الشريعة الإسلامية أنما تسري في تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم ، أما في كيفية انتقال المال إلى الورثة فليس هذا متصلاً بالأحوال الشخصية ، بل هو داخل في أسباب كسب الملكية ، فتسري فيه القواعد العامة في القانون المدني . ومن ثم يجب أن تفصل أموال التركة عن أموال الوارث الخاصة ، ويقدم دائنوا المورث على دائني الوارث في اقتضاء حقوقهم من أموال التركة ، لأن حق الضمان العام الذي كان لهم في حياة المورث لا يزال باقياً كما كان ما دام المالان منفصلين . ولكن طبيعة هذا الحق لا تتغير فلا يصير عينياً بالموت ، ولا يكون للدائن حق تتبع العقار إذا خرج من يد الوارث بالبيع إلا إذا كان المشتري سيء النية . وشأن الدائن أمام تصرف الوارث هو شأنه أمام تصرف المورث بلا فرق ، له أن يطعن في تصرف الوارث بالدعوى البولصية إذا توافرت شروطها كما كان له ذلك بالنسبة إلى تصرف المورث . ولكن الوارث يلتزم في أمواله الخاصة بقيمة ما تصرف فيه من أموال التركة ، وليس لدائنيه أن يتضرروا من ذلك لأن كل تصرفاته واقعة نتائجها على أمواله ، ولا سبيل إلى منعه عن التصرف إلا بالحجر ( الأستاذ أحمد عبد اللطيف المحاماة السنة الثانية العدد الثالث – الأستاذ عبد الوهاب محمد الشرائع السنة الأولى ص 57 ) . وأنظر من أحكام القضاء في هذا الرأي : استئناف وطني 9 ديسمبر سنة 1912 المجموعة الرسمية : 1 رقم 23 ص 42 – استئناف مصر 8 مارس سنة 1932 المجموعة الرسمية 33 رقم 214 – محكمة الإسكندرية 31 ديسمبر سنة 1896 القضاء 4 ص 18 .

وأنظر في هذه المسألة وما احتدم فيها من خلاف الأستاذين أحمد نجيب الهلالي وحامد زكي فقرة 199 – فقرة 204 ( وما أشير إليه من مراجع في الفقه والقضاء ) . وأنظر بحثاً للأستاذ أحمد إبراهيم فيم جلة القانون والاقتصاد 7 ص 357 – ص 398 .

وقد أخذت محكمة النقض في عهد التقنين المدني السابق ، بالرأي الأول . فقضت بأن التركة عند الحنفية ، مستغرقة كانت أو غير مستغرقة ، تنشغل بمجرد الوفاة بحق عيني لدائني المتوفي تخولهم تتبعها واستيفاء ديونهم منها بالتقدم على سواهم ممن تصرف لهم الوارث أو من دائنيه . وهذا ه والقانون الواجب على المحاكم المدنية تطبيقه إذا ما تعرضت للفصل فيم سائل المواريث بصفة فرعية . ولا يحول دون ثبوت هذا الحق العيني لدائني التركة التعلل بأن الحقوق العينية في القانون المدني وردت على سبيل الحصر ، وبأن حق الدائن هذا من نوع الرهن القانوني الذي لم يرد في التشريع الوضعي ، وذلك لأن عينية الحق مقررة في الشريعة الإسلامية ، وهي – على ما سبق القول – القانون في المواريث . وإذن فالحكم الذي ينفي حق الدائن في تتبع أعيان تركة مدينه تحت يد من اشتراها ، ولو كان المشتري حسن النية وكان عقده مسجلاً ، مخالف للقانون ( نقض مدني 27 فبراير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 159 ص 356 ) .

وقضت أيضاً بأن تصرف الورثة في التركة المستغرقة ببيع بعض أعيانها خاضع لحكم القانون المدني من حيث اعتباره من غير مالك ، وبالتالي سبباً صحيحاً لاكتساب الملكية بالتقادم الخمسي ، ومن حيث عدم اعتباره محلاً لدعوى إبطال التصرف إضراراً بدائن التركة . لكن الحكم الصادر على هذا الأساس بملكية المشتري للعين المبيعة له لا يكسبه هذه الملكية إلا محملة بحق الدائن العيني ، لأن التقادم قصير المدة المكسب للملكية لا يمكن أن يكون في الوقت نفسه تقادماً مسقطاً للحق العيني الذي يقلها ، إذ هذا الحق إنما هو حق بيع لا يسقط بالتقادم مستقلاً عن الدين الذي هو تابع له . وبقاء هذا الحق العيني على الأرض المبيعة هو سند الدائن في تتبعها بالتنفيذ تحت يد المتصرف إليه . وإذن فمن الخطأ أن يلغى بإلغاء إجراءات نزع الملكية التي يتخذها الدائن على تلك الأرض ، إذ هذا القضاء يكون فيه إهدار لحق الدائن في تتبع العين لاستيفاء دينه ( نقض مدني 27 فبراير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 160 ص 365 ) . ويؤخذ على هذا الحكم الأخير أنه متى قرر للدائن حقاً عينياً على العين الموروثة يمكنه من تتبع العقار تحت يد المشتري ، لم يعد في حاجة إلى إنكار ملكية الوارث للعقار وإلى ترتيب التقادم الخمسي على انعدام الملكية . ولو أن الوارث كان غير مالك حقاً ، وباع إلى مشتر حسن النية ، لملك هذا بالتقادم الخمسي المبيع خالصاً من حق التركة ودائنيها ، فهؤلاء لا يعدون أن يكونوا في مركز المالك الحقيقي ومركز من كسب حقاً من هذا المالك ، فيسري التقادم في حقهم .

( [128] )          أنظر عرضاً مفصلاً لهذه المذاهب وللأدلة التي يحتج بها كل مذهب في مقال للأستاذ على الخفيف في مدى تعلق الحقوق بالتركة في مجلة القانون والاقتصاد السنة الثانية عشرة ص 158 – ص 174 .

( [129] )          وقد جاء في المدونة الكبرى في هذا الصدد : ” قلت أرأيت رجلاً هلك وترك مالاً وترك ديوناً للناس عليه ، وليس في مال هذا الذي ترك وفاء لحق واحد من الغرماء ، فأخذ الوصي المال أو أخذته الورثة فقضوه رجلاً واحداً وهم لا يعلمون بالذين لهم الدين ، أو كانوا يعلمون فقضوا واحداً من الغرماء دون بقيتهم . قال إذا لم يعلموا ببقية الغرماء ولم يكن الميت موصوفاً بالدين ، فلا شيء على الوصي ولا على الورثة . فإن علموا أو كان موصوفاً بالدين ، فعليهم ما يصيب هؤلاء إذا تحاصوا ، ويرجع الورثة أو الوصي الذي اقتضى المال بما غرموا لهؤلاء الغرماء . وإن كانوا لم يعلموا ، فإنما يتبع الغرماء الذين استوفوا المال ، ولا يكون على الوصي ولا على الورثة شيء . قلت وهذا قول مالك ، قال نعم هو قوله . . . قلت أرأيت إن باع الورثة تركة الميت فأكلوها واستهلكوها ، ثم قدم قم فأقاموا البينة على دين لهم على الميت ، قال قال مالك إن كان الرجل الميت معروفاً بالدين ، فبادر الورثة الغرماء فأخذوا ماله فباعوه واقتسموه وأكلوه ، كان للغرماء أن يأخذا مال الميت حيثما وجدوه ، ولا يجوز بيع الورثة ، واتبع الذين اشتروا الورثة . وإن كان الرجل الميت لا يعرف بالدين ، فباعوا على مثل ما يبيع الناس تركة ميتهم ، ابتع الغرماء الورثة ، ولم يكن لهم على من اشترى منهم سبيل ، ولا يأخذون من الذين اشتروا ما في أيديهم . قال ابن القاسم أخبرني بهذا عن مالك غير واحد من أصحابنا ، وهو رأيي . سحنون عن ابن وهب قال مالك في الرجل يهلك وهو مديان أو غير مديان معروف كلاهما في حاله ، ثم يبيع الورثة أمواله فيقتسمونها : ثم يأتي دين على هذا الميت ، فيوجد المال بأيدي الناس الذين اشتروا . قال أما الذي يعرف بالدين ولا يجهل أمره ، فإن الغرماء يأخذون ما وجدوا بأيدي الناس الذين اشتروا ، ويتبع الذين اشتروا الورثة بأموالهم . وأما الذين لا يعرف بالدين ولا يظن به الدين ، فإنما يتبع غرماؤه الورثة بثمن ما باعوا كان فيه وفاؤهم أو لم يكن ” ( المدونة الكبرى جزء 13 ص 57 – ص 59 ) .

( [130] )          وقد جاء في المغني في هذا الصدد : ” حكى بعض أصحابنا فيمن مات وعليه دين ، هل يمنع الدين نقل التركة إلى الورثة؟ روايتين : إحداهما لا يمنعه ، للخبر ولأن تعلق الدين بالمال لا يزيل الملك في حق الجاني والراهن والمفلس فلم يمنع نقله . فإن تصرف الورثة في التركة ببيع ونحوه ، صح تصرفهم ، ولزمهم أداء الدين ، فإن تعذر وفاؤه فسخ تصرفهم ، كما لو باع السيد عبده الجاني أو النصاب الذي وجبت فيه الزكاة . والرواية الثانية يمنع نقل التركة إليهم لقوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين ، فجعل التركة للوارث من بعد الدين والوصية ، فلا يثبت لهم الملك قبلهما . فعلى هذا لو تصرف الورثة ، لم يصح تصرفهم ، لأنهم تصرفوا في غير ملكهم ، إلا أن يأذن الغرماء لهم . وإن تصرف الغرماء ، لم يصح إلا بإذن الورثة ” ( المغني جزء 4 ص 487 ) .

( [131] )          وقد جاء في المهذب في هذا الصدد : ” ومن مات وعليه ديون ، تعلقت الديون بمال كما تتعلق بالحجر في حياته . . . فإن تصرف الورثة في التركة قبل مضي الدين ، ففيه وجهان : أحدهما لا يصح ، لأنه مال تعلق به دين ، فلا يصح التصرف من غير رضا من له الحق كالمرهون . والثاني يصح ، لأنه حق تعلق بالمال من غير رضا المالك ، فلم يمنع التصرف كمال المريض . وإن قلنا إنه يصح ، فإن قضى الوارث الدين نفذ تصرفه ، وإن لم يقض فسخنا . . . وإذا قسم مال المفلس أو مال الميت بين الغرماء ، ثم ظهر غريم آخر ، رجع على الغرماء وشاركهم فيما أخذوه على قدر دينه ، لأنا إنما قسمنا بينهم بحكم الظاهر أنه لا غريم له غيرهم ، فإذا بان بخلاف ذلك وجب نقض القسمة ، كالحاكم إذا حكم بحكم ثم وجد النص بخلافه ” ( المهذب جزء أول ص 327 ) .

( [132] )          وقد جاء في المبسوط للسرخسي : ” الدين إذا كان محيطاً بالتركة يمنع ملك الوارث في التركة ، وإن لم يكن محيطاً فكذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله الأول ، وفي قوله الآخر لا يمنع ملك الوارث بحال لأنه يخلف الموروث في المال ، والمال كان مملوكاً للميت في حال حياته مع اشتغاله بالدين كالمرهون ، فكذلك يكون ملكاً للوارث . وحجتنا في ذلك قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين ، فقد جعل الله تعالى أداء الميراث بعد قضاء الدين ، والحكم لا يسبق أوانه . فيكون حال الدين كحاله في حياة المورث في المعنى ، ثم الوارث يخلفه فيما يفضل من حاجته ، فأما المشغول بحاجته لا يخلفه وارثه فيه . وإذا كان الدين محيطاً بتركته فالمال مشغول بحاجته ، وقيام الأصل يمنع ظهور حكم الخلف . ولا يقال يبقى مملوكاً بغير مالك ، تبقى مالكية المديون في ماله حكماً لبقاء حاجته ” ( المبسوط جزء 29 ص 136 – ص 138 ) .

وجاء في الزيلعي : ” إن الدين يجب في الذمة . . . ولا ينتقل بالموت من الذمة إلى التركة . ألا ترى أن التركة لو هلكت لا يسقط ، وأن الوارث أن يستخلص التركة بقضاء الدين من محل آخر . بخلاف الوصية فإن حق الموصي له يتعلق بعين التركة حتى لا يبقى بعد هلاك التركة ، وليس للوارث أن يستخلص التركة ويطلبه من محل آخر . . . ولأبي يوسف رحمه الله أن الدين بالموت يتعلق بالتركة لخراب الذمة ، ولهذا لا يثبت الملك فيها للوارث ولا ينفذ تصرفه فيها إذا كانت مستغرقة بالدين ” ( الزيلعي جزء 6 ص 214 ) . وجاء في حاشية الشلبسي على الزيلعي ( جزء 6 ص 214 ) : ” إذا كانت التركة مستغرقة بالدين ، فأراد الوارث استخلاص التركة ونقد المال ، يجبر رب الدين على القبول . لأن عند استغراق التركة بالدين ، وإن كان لا ملك لهم ، ولكن لهم حق استخلاص التركة . أما لو قالوا نحن نؤدي الدين ولم يكن المال نقداً ، كان للقاضي أن يبيع التركة ويقضي حق الغرماء . والأجنبي لو فقد الدين لا يجبر رب الدين على القبول ، لأنه ليس له ولاية استخلاص التركة بخلاف الورثة . والدين إذا كان زائداً على التركة ، فللورثة ولاية استخلاص التركة بأداء جميع الدين لا بقدر التركة ، كالعبد الجاني إذا فداه مولاه فداه بارشه ” .

( [133] )          وقد قضت محكمة دمنهور الكلية بأن التركة ، مستغرقة كانت أو غير مستغرقة ، تنتقل بمجرد الوفاة مثقلة بحق عيني لدائني المتوفي ، يخول لهم تتبعها واستيفاء ديونهم بالتقدم على سواهم ممن تصرف هل الوارث أو من دائنيه . هذا الحق العيني يتوافر له خصيصة التتبع والتقدم لاستيفاء دائني المورث حقوقهم من التركة بلا تفرقة بين حائز حسن النية وآخر سيء النية ، وإنه متعلق بالتركة كلها تعلق دين الرهن بالمرهون ( دمنهور الكلية 21 ماس سنة 1954 المحاماة 36 رقم 575 ص 1570 ) .

( [134] )          أنظر في عهد التقنين المدني السابق : استئناف مختلط 24 أبريل سنة 1928 م 40 ص 317 .

( [135] )          وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لقانون تنظيم الشهر العقاري في هذا الصدد : ” ومؤدى هذا النص أن تأشير الدائن بدينه في الميعاد المشار إليه يحفظ له حق مطلقاً قبل الغير ، حتى لو كان هذا الحق قد تلقاه صاحبه وشهره قبل هذا التأشير . أما بعد هذا الميعاد ، فالعبرة بأسبقية الشهر بين الدائن وبين من تلقى الحق من الوارث . ولا يبدأ ميعاد السنة بالنسبة إل الدائن إلا من تاريخ شهر الإرث . أما إذا لم يشهر حق الإرث ، فللدائن أن ينفذ على أعيان التركة استيفاء لحقه ، والمفروض أنها تكون باقية على ملك الوارث إذ لا يجوز شهر أي تصرف صادر منه قبل شهر حق الإرث ذاته . وللدائن في جميع الأحوال ، ولو أغفل التأشير بدينه بعد استطاعته ذلك – أي بعد شهر حق الإرث – أي ينفذ على أعيان التركة التي تكون باقية على ملك الوارث . بمعنى أنه إذا باع الوارث بعض عقارات التركة وسجل عقد البيع ( بعد تسجيل حق الإرث ) ، ولم يؤشر الدائن بدينه ، كان لهذا الأخير الرجوع على عقارات التركة التي لم يتعلق بها حق الغير . وإذا رهن الوارث بعض عقارات التركة وقيد الرهن ، فللدائن الذي لم يؤشر بدينه أن يرجع على هذا العقار المرهون ، ولكن يكون للدائن المرتهن أن يحتج قبله بحق الرهن . ومما تقدم يرى أن المادة 14 مكملة للمادة 13 التي أوجبت شهر الإرث حتى يستطيع الوارث التصرف في عقارات التركة . وقد أخضت المادة 14 ديون الغرماء لنظام التأشير الهامشي ، ولم توجب شهرها استقلالاً بطريق التسجيل . فإذا أهمل الوارث شهر حقه ، لم يلتزم دائن التركة بشهر دينه ، مع بقائه محمياً بقاعدة لا تركة إلا بعد وفاء الديون ، فتظل ديون التركة رغم خفائها عالقة بأعيانها كما لو كانت مرهونة بها ” . وانظر الأستاذ محمد كامل مرسي في الحقوق العينية الأصلية جزء 5 فقرة 159 ص 196 – والأستاذ محمد علي عرفة في الاتجاهات الحديثة في الميراث وتصفية التركة في مجلة القانون والاقتصاد 18 ص 223 .

وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 18 من قانون تنظيم الشهر العقاري على أن ” لكل ذي شأن أن يطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة محو التأشير المشار إليه في المادة الرابعة عشرة ، فيأمر به القاضي إذا كان سند الدين مطعوناً فيه طعناً جدياً ” . فيجوز إذن أن يطلب المحو الوارث أو دائن آخر للتركة أو دائن شخصي للوارث أو مشتر من الوارث يضره التأشير فيطلب محوه .

والأفضلية المترتبة على أسبقية الشهر لا تكون فيما بين دائني التركة ” فلا يتقدم أحدهم على الآخر لمجرد أنه أشر بحقه قبله . ولكن الدائن الذي أشر في خلال السنة له أن يتتبع العقار في يد الغير ، ولا يستطيع هذا التتبع الدائن الذي لم يؤشر في خلال هذه المدة ( الأستاذ محمد كامل مرسي في الحقوق العينية الأصلية جزء 5 فقرة 162 – الأستاذ محمد علي عرفة المقال المشار إليه في مجلة القانون والاقتصاد 18 ص 227 ) .

( [136] )          أما قبل شهر حق الإرث ، فإن القانون لا يمكن الوارث من التصرف في عقارات التركة ، إذ يمنع شهر أي تصرف يصدر منه قبل أن يشهر حق أرثه . وتقول المادة 13 من قانون تنظيم الشهر العقاري في هذا الصدد : ” يجب شهر حق الإرث بتسجيل إشهادات الوراثة الشرعية أو الأحكام النهائية أو غيرها من السندات المثبتة لحق الإرث ، مع قوائم جرد التركة إذا اشتملت على حقوق عينية عقارية ، وذلك بدون رسم . وإلى أن يتم هذا التسجيل لا يجوز شهر أي تصرف يصدر من الوارث في حق من هذه الحقوق ” .

( [137] )          ويبدو أن المشتري من الوارث لا يستطيع تطهير العقار ، كما كان يستطيع لو أن العقار كان مرهوناً رهناً رسمياً ، فإن التطهير إجراء استثنائي لا يمتد من الرهن الرسمي إلى غيره من الحقوق المماثلة إلا بنص في القانون . ولذلك جاز التطهير في حق الاختصاص لوجود هذا النص ( م 1095 مدني ، ولم يجز في الرهن الحيازي لانعدامه ) .

( [138] )          الأستاذ محمد علي إمام فقرة 176 ص 95 – الأستاذ عبد المنعم البدراوي فقرة 199 ص 296 – وإذا باع المورث عقاراً ولم يسجل المشتري البيع قبل موت المورث ، ثم باع الوارث العقار ذاته ، فإن المشتري من المورث يفضل على المشتري من الوارث إذا سجل عقده في خلال السنة التي تلي شهر حق الإرث أو أشر بدينه باعتباره دائناً للتركة في خلال هذه المدة ، حتى لو سجل المشتري من الوارث عقده قبل ذلك . أما إذا سجل المشتري من المورث البيع أو أشر بالدين بعد انقضاء السنة ، فالعبرة في المفاضلة بينه وبين المشتري من الوارث بالأسبقية في التسجيل أو التأشير . وسنعود إلى هذه المسألة بتفصيل أو في فيما يلي ( أنظر فقرة 270 ) .

( [139] )          ونرى من ذلك أن ما يوجهه الأستاذ محمد أبو زهيرة ، في كتابه أحكام التركات والمواريث ( ص 64 – ص 74 ) ، من الانتقاد لنظام التصفية ، لما يتضمنه من مصروفات كثيرة وإجراءات طويلة ، لا محل له . فهو ليس بنظام إجباري ، بل هو ليس بنظام اختياري يجوز لذوي الشأن يطبقوه متى شاءوا . وإنما هو نظام وضع لتصفية التركات الكبيرة إذا أثقلتها الديون وتعقدت شؤونها ، فالنظام ملائم كل الملاءمة لمثل هذه التركات . والقاضي وحده هو الذي يقدر ما إذا كان يستجيب لطلب إخضاع التركة لنظام التصفية ، وهو لا يستجيب لهذا الطلب إلا إذا وجد من ظروف التركة ما يبرر ذلك ( أنظر من هذا الرأي الأستاذ محمد كامل مرسي في الحقوق العينية الأصلية جزء ب 5 ص 159 هامش رقم 1 ) .

( [140] )          ويدخل ، لتنفيذ الديون والوصايا ، في مال التركة نماؤها . ويتفق هذا مع رأي الكثيرين من الحنابلة فهم يجعلون التركة ملكاً للورثة بمجرد موت المورث ويجعلون الديون مع ذلك متعلقة بنمائها لتعلها بأصل النماء ( الأستاذ علي الخفيف في المقال المشار إليه ص 220 – الأستاذ محمد أبو زهيرة في أحكام التركات والمواريث ص 27 ) .

( [141] )          فكانت المادة 608 من تقنين المرافعات المختلط تنص على أنه ” لا يجوز للمدين من يوم تسجيل التنبيه أن يتصرف في العقارات المذكورة في التنبيه ، وإلا كان التصرف باطلاً من تلقاء نفسه وبلا حاجة إلى حكم بذلك ” .

( [142] )          وكانت محكمة النقض تقضي بأن المدين يبقى على حقه في التصرف في العقار حتى يباع عليه بالمزاد ( نقض جنائي 19 مارس سنة 1934 ملحق مجلة القانون والاقتصاد 4 ص 115 – نقض مدني 19 ديسمبر سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 309 ص 988 ) .

( [143] )          ولكنه لا يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال ، بل يكون بيعاً صحيحاً نافذاً فيما بين البائع والمشتري .

( [144] )          الأستاذ رمزي سيف في وقاعد تنفيذ الأحكام والعقود الرسمية في قانون المرافعات الجديد سنة 1950 فقرة 341 وما بعدها – الأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 287 – فقرة 288 .

( [145] )          ويبقى بطبيعة الحال قائماً فيما بين المشتري والبائع ، دون أن يرجع المشتري على البائع بضمان الاستحقاق أو بدعوى الفسخ .

( [146] )          ولا يجوز للمشتري أن يجبر الدائنين على قبول الثمن الذي اشترى به العقار ، ولو كان ثمن المثل أو أكمله إلى ثمن المثل – فهذا الإجبار لا يكون إلا بنص كنص المادة 258 مدني بالنسبة إلى المشتري من المدين المعسر كما سنرى – لجواز أن يحصل الدائنون على ثمن أكبر من ثمن المثل إذا بيع العقار في المزاد .

( [147] )          الوسيط جزء 2 فقرة 708 .

( [148] )          ونظير هذا ما نصت عليه المادة 241 مدني في الدعوى البولصية من أنه ” إذا كان من تلقى حقاً من المدين المعسر لم يدفع ثمنه ، فإنه يتخلص من الدعوى متى كان هذا الثمن هو ثمن المثل ، وقام بإيداعه خزانة المحكمة ” .

( [149] )          المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 الصادر في 9 سبتمبر سنة 1952 .

( [150] )          أنظر في ذلك أحكام الإصلاح الزراعي للأستاذ عثمان حسين عبد الله . وشرح قانون الإصلاح الزراعي للأستاذ محمد علي عرفة والبيع . للأستاذ محمد كامل مرسي فقرة 290 – فقرة 304 .

( [151] )          أما تحديد علاقة مستأجر الأرض الزراعية بمالكها وحقوق العامل الزراعي ، فهذه أحكام دائمة هي أيضاً ، ولكنها لا تدخل في نطاق عقد البيع ، ومكان بحثها هو عقد الإيجار وعقد العمل .

( [152] )          وتنص المادة الثانية على ما يأتي : ” استثناء من حكم المادة السابقة : ( أ ) يجوز للشركات والجمعيات أن تمتلك أكثر من مائتي فدان في الأراضي التي تستصلحها لبيعها ، وذلك على الوجه المبين في القوانين واللوائح . ( ب ) ويجوز للأفراد أن يمتلكوا أكثر من مائتي فدان من الأراضي البور والأراضي الصحراوية لاستصلاحها . ولا يسري على هذه الأراضي حكم المادة الأولى إلا بعد انقضاء خمس وعشرين سنة من وقت التملك ، هذا مع دم الإخلال بجواز التصرف فيها قبل انقضاء هذه المدة . ( ج ) ويجوز للشركات الصناعية الموجودة قبل صدور هاذ القانون أن تمتلك مقداراً من الأراضي الزراعية يكون ضروريا للاستغلال الصناعي ولو زاد على مائتي فدان . ( د ) ويجوز للجمعيات الزراعية العلمية الموجودة قبل صدور هاذ القانون أن تمتلك مقداراً من الأراضي الزراعية يكون ضرورياً لتحقيق أغراضها ولو زاد على مائتي فدان . ( هـ ) ويجوز للجمعيات الخيرية الموجودة قبل صدور هاذ القانون أن تمتلك من الأراضي الزراعية ما تزيد على مائتي فدان على ألا تتجاوز ما كانت تمتلكه قبل صدوره . ويجوز لها التصرف في القدر الزائد على مائتي فدان وفقاً لأحكام المادة 4 ، ويكون للحكومة الإستيلاء على المساحة الزائدة لدى الجمعية خلال عشر سنوات على أن يؤدي إليها التعويض نقداً على أساس حكم المادة 5 ( و ) ويجوز أيضاً للدائن أن يمتلك أكثر من مائتي فدان إذا كان سبب الزيادة هو نزع ملكية مدينه ورسو المزاد على الدائن طبقاً للمادة 664 من قانون المرافعات ، ويجوز للحكومة بعد مضي سنة من تاريخ رسو المزاد أن تستولى على الأطيان الزائدة على مائتي فدان بالثمن الذي رسا به المزاد أو نظير التعويض المحدد في المادة 5 أيهما أقل . وإلى أن تستولى الحكومة على الزيادة يجوز للدائن أن يتصرف فيها دون تقيد بشروط المادة 4 . وكذلك يستثنى الوقف ” .

( [153] )          ومن أهم أمثلة التعطيل أن يخفى المالك ما يمتلكه من أطيان تزيد على القدر المسوح بامتلاكه : كأن يقدم إقراراً غير صحيح بما يملك ، أو كأن يصطنع عقوداً صورية يسعى من ورائها إلى التهرب من أحكام القانون . ومتى تكشف الحقيقة استولت الحكومة على ما كان يجب الإستيلاء عليه من الأراضي الزراعية مع مصادرة ثمن هذه الأطيان فلا يدفع شيء للمالك ، ويعاقب هذا فضلاً عن ذلك بالحبس . وقد يعمد بعض الملاك إلى إفساد الأرض التي تستولى عليها الحكومة ، فيخربها بالحط من معدنها أو يضاعف تربتها أو بإتلاف ملحقاتها من عزب ومبان وزرايب ونحو ذلك حتى يفوت على من يملكها من بعده كمال الانتفاع بها ، فهذا أيضاً يعاقب بالحبس .

( [154] )          وقد يقال إن الوصية لا تنفذ في حق الورثة فيما يجاوز مائتي الفدان ، قياساً على عدم نفاذها فيما يجاوز ثلث التركة . ولكن هذا الحل يخالف النص الصريح الوارد في المادة 2 من اللائحة التنفيذية كما رأينا ، فوق أنه ينقص الوصية المستحقة للموصي له دون سبب تقرره الشريعة الإسلامية . فيجب إذن أن يؤول إلى الموصي له جميع المقدار الموصي به ما دام لا يجاوز ثلث التركة ، وبعد ذلك تستولى الحكومة في مقابل تعويض يستحقه الموصي له على ما يزيد على مائتي الفدان . وبذلك يتحول الزائد من الوصية لمصلحة الموصي له كما هو الواجب ، لا لمصلحة الورثة .

( [155] )          فيقايض بدار مثلاً على أرض زراعية ، أو يقايض بقطعة أرض زراعية على قطعة أرض زراعية أكبر منها .

( [156] )          الأستاذ عثمان حسين عبد الله في أحكام الإصلاح الزراعي ص 11 .

( [157] )          أما الصلح فله شأن آخر ، فهو كاشف عن الملكية لا منشئ لها ، فإذا صالح شخص آخر ، وكان من نتيجة هذا الصلح مثلاً أنه أعطى للطرف الآخر داراً وأخذ منه خمسين فداناً فزاد بذلك مجموع ما يملكه على مائتي فدان ، فإن أثر الصلح الكاشف يجعله مالكاً للخمسين الفدان منذ البداية ثم تستولى الحكومة بعد ذلك على ما يجاوز النصاب .

( [158] )          وقد جاء في المذكرة الإيضاحية ما يأتي : ” إذا كانت الملكيات الكبيرة جداً غير مرغوب فيها ، فكذلك الملكيات الصغيرة جداً : فهي تهبط بإنتاج الأرض ، وتحرم أصحابها من مستوى المعيشة اللائق بالإنسان . ولذلك عالجت المادتان 23 و 24 ( الباب الثالث ) مسألة تفتيت الملكية درءاً لازدياد حصوله في المستقبل بسبب تزايد عدد السكان وتقسيم الأرض بالإرث وغيره من أسباب كسب الملكية . ولما كان قد رؤى أن أصغر ملكية لا ينبغي أن تقل في المستقبل عن خمسة أفدنة فقد نص على أنه إذا وقع ما يؤدي إلى تجزئة الملكية إلى أقل من هذا القدر ، وجبت أيلولة الأرض إلى واحد ممن لهم نصيب فيها ، مع تفضيل من يشتغل منهم بالزراعة ، فإذا لم يستطع أيهم الوفاء بثمنها بيعت بالمزاد العلني ” .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s