الجزاء المترتب على مخالفة أحكام تحديد الأجرة


الجزاء المترتب على مخالفة أحكام تحديد الأجرة

 

615- مجاوزة احد الأقصى للجرة والجزاء المترتب على ذلك : بينا فيما تقدم أن هناك حداً أقصى للأجرة فرضه القانون في أحوال مختلفة ، ويجب التزامه في جميع هذه الأحوال .

وحتى يلزم المستأجر المؤجر بهذا الحد الأقصى ، يجب عليه أولا أن يثبت أن الأجرة قد جاوزت هذا الحد . فإذا ما أثبت ذلك وأن المؤجر قد خالف أحكام القانون في هذا الشأن ، فقد رتب القانون على هذه المخالفة جزاء جنائياً وجزاء مدنياً .

فنذكر أولا كيف يثبت المستأجر أن الأجرة قد جاوزت الحد الأقصى ، ثم نبين ما يترتب على ذلك من جزءا جنائي وجزاء مدني .

§ 1 – إثبات مجاوزة الأجرة للحد الأقصى

616- ما الذي يجب إثباته : تكون الأجرة مجاوزة للحد الأقصى من أحد جهتين :

( الوجه الأول ) ألا يخفض المؤجر الأجرة بمقدار الإعفاء الضرائبي الذي بيناه فيما تقدم . وإثبات ذلك يسير على المستأجر . فإنه يستطيع الحصول على بيان رسمي من دفاتر الحصر والتقدير من الجهات الإدارية المختصة بمقدار الضريبة الأصلية المربوطة على المكان المؤجر ، وكذلك بمقدار الضرائب الإضافية . فمتى حصل على هذا البيان ، وظهر أن المؤجر لم يخفض الأجرة بمقدار الإعفاء الضرائبي على الوجه الذي قرره القانون ، فقد وجب ترتيب الجزاء على الوجه الذي سنبينه فيما يلي :

( الوجه الثاني ) أن يزيد المؤجر الأجرة بنسبة مئوية أكبر مما يسمح به القانون في الأماكن المنشأة قبل أول يناير سنة 1944( [1] ) . أو ألا يخفض الأجرة بالنسبة $1015 المئوية التي يفرضها القانون في الأماكن التي يجب تخفيض أجورها ، أو يتقاضى أكثر من النسبة المئوية من قيمة الأرض والمباني مع إضافة الضرائب في الأماكن التي حدد القانون أجورها على هذا النحو . وفي هذه الحالة الأخيرة رأينا أن القانون قد رسم الطريق الذي تحدد به قيمة الأرض والمباني ، فيتيسر بذلك على المستأجر إثبات الزيادة . أما الحالتان الأوليان فيقتضيان من المستأجر أن يثبت أجرة الأساس التي لا تجوز زيادتها إلا بنسبة معينة ، أو التي يجب تخفيضها بنسبة معينة . فإذا ما اثبت هذه الأجرة ، جاز للمؤجر أن يثبت أن هناك شروطاً أو التزامات جديدة أو تحسينات يجب تقويمها وإضافتها إلى أجرة الأساس فيما يتعلق بالأماكن المنشأة قبل أول يناير سنة 1944 . فإذا انتهينا إلى إثبات المقدار الذي لا تجوز زيادته إلا بنسبة معينة أو الذي يجب تخفيضه بنسبة معينة ، فقد عرفنا الحد الأقصى للأجرة عن طريق إعمال الزيادة أو التخفيض . وقد يتحايل المؤجر على مجاوزة الحد الأقصى بان يتقاضى فوق الأجرة مبلغً إضافياً من المستأجر مباشرة أو عن طريق الوسيط في الإيجار . فهذه مسائل ثلاث ، نبحثها قبل أن ننتقل إلى الجزاء الذي يترتب على مجاوزة الحد الأقصى للأجرة .

617- إثبات أجرة الأساس : رأينا فيما تقدم أن أجرة الأساس تختلف باختلاف تاريخ إنشاء المكان . فهي في الأماكن المنشأة قبل أول يناير سنة1944 الأجرة الفعلية لشهر أبريل سنة 1941 أو أجرة المثل في هذا الشهر( [2] ) . وهي في الأماكن المنشأة قبل 18 سبتمبر سنة 1952 الأجرة الفعلية لشهر سبتمبر سنة 1952 أو أجرة الثمل في هذا الشهر . وهي في الأماكن المنشأة قبل 12 يونيه سنة 1958 الأجرة الفعلية أو أجرة المثل في أحد شهور السنة السابقة على هذا التاريخ $1016 وهو الشهر الأقل أجرة . وهي في الأماكن المنشأة قبل 5 نوفمبر سنة 1961 الأجرة الفعلية أو أجرة المثل في احد شهور السنة السابقة على هذا التاريخ وهو الشهر الأقل أجرة .

فيتعين إذن على المستأجر أن يثبت الأجرة الفعلية أو أجرة المثل في شهر معين( [3] ) ، فكيف يستطيع إثباته؟ تجيب المادة 5 من قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 على ذلك بما يأتي : “إذا لم توجد عقود كتابية أو تعذر الحصول عليها ، جاز إثبات شروط التعاقد والأجرة المتفق عليها والتكاليف الإضافية المشار إليها فيما تقدم بجميع طرق الإثبات مهما كانت قيمة النزاع” . ونلاحظ بادئ ذي بدء أن مكان هذه المادة كما هي موضوعة في قانون إيجار الأماكن يوهم أنها لا نتناول إلا الأماكن المنشأة قبل أول يناير سنة 1944 ، لأنها جاءت قبل المواد 5 مكررة وهي التي تتناول الأماكن الأخرى . ولكن الأحكام التي تضمنتها هذه المادة ليست إلا تطبيقاً للقواعد العامة فتسري على جميع الأماكن أيا كان تاريخ إنشائها ، ويعمل بأحكامها في إثبات أجرة شهر أبريل سنة 1941 أو أجرة شهر سبتمبر سنة 1952 ا أجرة غيرهما من شهور الأساس . ويبدو انه كان الأولى ، عندما أضاف المشرع المواد 5 مكررة إلى قانون إيجار الأماكن ، أن يجعلها المواد 4 مكررة بدلا من المواد 5 مكررة ، حتى تجيء المادة 5 بعد ذلك منسحبة على جميع الأماكن ، ومتصلة اتصالا مباشراً بالمادة 6 كما ينبغي وكما كان الأمر قبل إضافة المواد المكررة( [4] ) .

$1017 وتقرر المادة 5 سالفة الذكر أن أجرة الأساس تثبت أولا بالعقد المكتوب . فإذا كان هناك عقد مكتوب يتضمن بيان مقدار أجرة الأساس ولم يتعذر الحصول عليه ، كان هو الدليل على مقدار هذه الأجرة( [5] ) . فإذا قدم المستأجر عقد إيجار مكتوباً صادراً من المؤجر لنفس المستأجر أو لمستأجر سابق ويتناول أجرة الأساس ، احتج بهذا العقد على المؤجر ولو لم يكن له تاريخ ثابت ، ولم يجز للمؤجر إثبات خلاف ما جاء في العقد المكتوب إلا بالكتابة . وكذلك الحكم لو كان عقد الإيجار المكتوب صادراً من المالك السابق ، إذ يحتج به على المالك الجديد ولو لم يكن له تاريخ ثابت طبقاً لأحكام المادة 12 من قانون الأماكن( [6] ) . أما إذا كان المؤجر هو الذي قدم عقد الإيجار المكتوب المتناول لأجرة الأساس ، لإثبات أن الأجرة لا تزيد على الحد الأقصى أو لطلب الزيادة إذا أدعي أن الأجرة تقل عن هذا الحد ، فإذا كان العقد صادراً لنفس المستأجر كان حجة عليه ولو لم يكن ثابت التاريخ ، ولا يجوز له إثبات ما يخالفه إلا بالكتابة( [7] ) . أما إذا كان هذا العقد صادراً لمستأجر سابق ، فيجب أن يكون له تاريخ ثابت – في تاريخ شهر الأساس أو قبله – حتى يحتج به على المستأجر الحالي ، ويجوز لهذا الأخير أن يثبت ما يخالفه بجميع طرق الإثبات لأنه لم يكن طرفاً فيه . فإن لم يكن للعقد تاريخ ثابت ، لم يحتج به على المستأجر الحالي( [8] ) ، $1018 ولكنه يصلح أن يكون قرينة قضائية إذا تعززت مثلا بمطابقة الأجرة لأجور باقي الأماكن المماثلة في نفس المبنى جاز أن يكون هذا دليلاً كاملاً( [9] ) .

فإذا لم يكن هناك عقد إيجار مكتوب ، أو كان وتعذر الحصول عليه ، فإنه يجوز إثبات أجرة الأساس بجميع الطرق ، ويدخل في ذلك البينة والقرائن ، مهما كانت قيمة النزاع . وهذا ما تصرح به المادة 5 من قانون إيجار الأماكن فيما رأينا ، وهو ليس إلا تطبيقاً للقواعد العامة كما سبق القول . ذلك أن أجرة الأساس فيما نحن بصدده تعتبر واقعة مادية استند إليها القانون في تعيين الحد الأقصى للأجرة ، والوقائع المادية يجوز إثباتها بجميع الطرق .

أما إذا لم تكن العين مؤجرة خلال شهر الأساس فوجب أن يصار إلى أجر المثل ، فقد قدمنا أن أجرة المثل هي أجرة مكان مماثل من جميع الوجوه بقدر الإمكان للمكان محل النزاع في شهر الأساس . مثل ذلك أجرة طبقة مماثلة لطبقة النزاع في نفس المبنى أو في مبنى آخر . فإذا تعذر وجود طبقة مماثلة كل المماثلة ، بحث عن أكثر طبقة شبها للطبقة محل النزاع ، وروعيت الفروق بين الطبقتين بالنقص أو بالزيادة( [10] ) . ويستعان بأهل الخبرة في كل ذلك . ويجوز اتخاذ عوايد $1019 الأملاك المبنية المربوطة على المكان المؤجر في تاريخ شهر الأساس قرينة على مقدار أجرة المثل( [11] ) .

618- إثبات ما يجب تقويمه ليضاف إلى أجرة الأساس : وقد قدمنا انه يجب أن يضاف إلى أجرة الأساس ، بالنسبة إلى الأماكن المنشأة قبل أول  يناير سنة 1944 ، جميع الشروط والالتزامات الجديدة المفروضة على المؤجر ، وكذلك جميع التحسينات التي استحدثها في العين المؤجرة( [12] ) . كما يضاف أيضاً إلى أجرة الأساس بعد تقويمه الجزء غير النقدي من الأجرة الذي كان المستأجر ملتزماً به ، كالتدريس للأولاد ومعالجة الأسرة( [13] ) .

فكل ما يقوم من ذلك ليضاف إلى أجرة الأساس يقع على المؤجر عبء إثباته . فإذا أثبته وأضيف إلى أجرة الأساس ، زيد المجموع أو خفض بالنسبة التي نص عليها القانون ، وما ينتج عن ذلك يكون هو الحد الأقصى للأجرة ، إذا جاوزها المؤجر حق عليه الجزاء .

619- تحايل المؤجر بتقاضي مبلغ إضافي فوق الأجرة ( خلو الرجل ) : ويقع أن يتحايل المؤجر فيجاوز الحد الأقصى للأجرة عن طريق تقاضي مبلغ إضافي مستتر فوق الأجرة الظاهرة ، فإذا أثبت المستأجر ذلك( [14] ) وجب أن يضاف هذا المبلغ إلى الأجرة التي قبضها المؤجر ليحاسب على مجموع ما قبضه ، فإذا جاوز الحد الأقصى وجب الجزاء . وفي هذا الصدد تقول العبارة الأخيرة من $1020 المادة 6 من قانون إيجار الأماكن : “كما يحكم برد أي مبلغ إضافي يكون المؤجر قد اقتضاه من المستأجر مباشرة أو عن طريق الوسيط في الإيجار” .

وهذا المبلغ الإضافي يكون عادة مبلغاً مقطوعاً يدفع جملة واحدة للمؤجر في نظير تمكينه المستأجر من أن يستأجر المكان ، ولا تجاوز الأجرة الحد الأقصى ولكن إذا أضيف إليها هذا المبلغ جاوزته . وقد جرت العادة بتسمية هذا المبلغ “خلو الرجل” .

ودفع خلو الرجل عادة قديمة ، وجدت منذ مدة طويلة قبل التشريعات الاستثنائية ، وكانت مشروعة قبل صدور هذه التشريعات . وكانت أكثر ما تمارس في الأماكن المؤجرة للتجارة ، فيدفع المستأجر الجديد للمستأجر القديم – لا المؤجر – مبلغاً حتى يخلي له المكان فيستأجره هو من المؤجر . وقد يدفع المبلغ في نظير أن يحل محل المستأجر القديم في نفس الإيجار ، ويكون هذا من المستأجر القديم تنازلا عن الإيجار الثمن فيه هو هذا المبلغ الإضافي . ولكن هذه العادة فشت فشواً كبيراً على أثر التشريعات الاستثنائية منذ صدور الأمر العسكري رقم 151 لسنة 1941 ، وساعد على انتشارها أن هذا الأمر العسكري تضمن نظام الاستيلاء والتمكين ، إذ جعل التأجير لا يصدر من المالك مباشرة إلى المستأجر ، بل يكون بموجب أمر تمكين يصدر من الحاكم العسكري إلى أول المتقدمين لاستئجار المكان الذي خلا . فنجم عن ذلك أن المستأجر القديم كان يسهل عليه أن يجد الشخص الذي يريد استئجار المكان بعده ، فيمكنه من ذلك بان يخبره بعزمه على إخلاء المكان حتى يبادر إلى التقدم لاستئجاره فيكون أول المتقدمين . ويتقاضى المستأجر القديم من المستأجر الجديد في مقابل هذه الخدمة خلو الرجل ، فخلو الرجل هنا كان يدفع إلى المستأجر القديم لا إلى المالك . وقد عدل المرسوم بقانون رقم 140 لسنة 1946 عن نظام الاستيلاء والتمكين ، ورد للمالك حريته في التأجير لمن يشاء بشرط ألا يجاوز الحد الأقصى للأجرة . فتحول خلو الرجل من المستأجر القديم إلى المالك نفسه ، وأصبح المستأجر الجديد يدفع هذا المبلغ الإضافي إلى المالك حتى يرضى هذا أن يؤجر له المكان ، ولكن جزءاً منه كان يدفع إلى المستأجر القديم حتى يرضى هذا بدوره أن يخلي العين بعد أن امتد الإيجار بحكم القانون . والآن بعد صدور التشريعات الأخيرة التي خفضت الأجرة تخفيضاً $1021 جديدا عن طريق الإعفاء الضرائبي ، وهبط الحد الأقصى للأجرة هبوطاً محسوساً على النحو الذي رأيناه فيما تقدم ، أقبل الناس إقبالا شديداً على دفع خلو الرجل في نظير الحصول على مكان قد هبطت أجرته إلى هذا الحد . وكان من الممكن اعتبار دفع خلو الرجل جريمة ضمن الجرائم المعاقب عليها في المادة 16 من قانون إيجار الأماكن ، إذ هو طريق لتقاضي أجرة تزيد على الحد الأقصى المفروض في المواد 4 و 5 مكرراً ( 1 ) و 5 مكرراً ( 2 ) و 5 مكرراً ( 4 ) و 5 مكرراً ( 5 ) ، ومخالفة أحكام هذه المواد جريمة تعاقب عليها المادة 16 سالفة الذكر ، وهذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء( [15] ) . وقضت به بعض المحاكم( [16] ) . ولكن يبدو أنه كان المفهوم من العقوبة على الأجرة الزائدة على الحد الأقصى أن تكون هذه الأجرة داخل نطاق عقد الإيجار ، وخلو الرجل يؤخذ خارج هذا النطاق . فصدر أخيراً قرار بقانون في 4 يناير سنة 1962 يضيف فقرة ثانية إلى المادة 16 من قانون إيجار الأماكن ، وتجري على الوجه الآتي : “يعاقب بالعقوبة المشار إليها في الفقرة الأولى كل مؤجر يتقاضى أي مبلغ إضافي خارج نطاق عقد الإيجار ، كخلو الرجل أو ما يماثله ، من المستأجر مباشرة أو عن طريق وسيط في الإيجار ، وفي الحالة الأخيرة تطبق العقوبة ذاتها على الوسيط” . فأصبح خلو الرجل ، أو اتفاق يماثله كأن يسمى المبلغ الإضافي تعويضاً عن تحسينات مستحدثة أو نحو ذلك ، معاقباً عليه صراحة بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين . والذي يعاقب هو المؤجر والوسيط في الإيجار ، دون المستأجر الذي دفع خلو الرجل . أما المستأجر القديم فإنه إذا تقاضى من المستأجر الجديد خلو الرجل ، فلا عقوبة عليه ، بل لا يستطيع المستأجر الجديد أن يسترد منه ما دفعه له( [17] ) ، وذلك ما لم يكن المستأجر القديم وسيطاً دفع المستأجر الجديد $1022 عن طريقة خلو الرجل كله أو بعضه إلى المؤجر ، فعند ذلك يعاقب المستأجر القديم كوسيط . وإذا كان المستأجر القديم لجأ إلى طريق الإيجار من الباطن ، فأجر العين من باطنه إلى المستأجر الجديد وتقاضى منه فوق الأجرة القانونية خلو الرجل ، فإنه يكون في هذه الحالة مؤجراً تقاضى خلو الرجل ويقع تحت طائلة العقاب( [18] ) .

بقيت الناحية المدنية في خلو الرجل ، وقد رأينا المادة 6 من قانون إيجار الأماكن تقضي برد أي مبلغ إضافي يكون المؤجر قد تقاضاه من المستأجر مباشرة أو عن طريق الوسيط في الإيجار( [19] ) . والمستأجر هو الذي يحمل عبء إثبات أنه دفع للمؤجر مبلغاً إضافياً زاد به الأجرة على الحد الأقصى ، إما بدفعه المبلغ مباشرة للمؤجر أو بدفعه عن طريق سمسار أو أي وسيط آخر كالمستأجر القديم . وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، ولو بالبينة أو القرائن ، مهما بلغ مقدار خلو الرجل ، لأن الدفع عمل غير مشروع( [20] ) . فإذا ما أثبت ذلك فقد أثبت مجاوزة الأجرة للحد الأقصى ، فوجب الجزاء كما قدمنا ، وهذا ما ننتقل الآن إليه .

§ 2 – الجزاء على مجاوزة الأجرة للحد الأقصى

620- الجزاء الجنائي :  تنص المادة 16 فقرة أولى من قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 على أن “يعاقب بالحبس مدة لا  تزيد على ثلاث أشهر وبغرامة لا تتجاوز مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مؤجر خالف أحكام المواد 3 فقرة أخيرة و 4 و 5 مكرراً ( 1 ) و 5 مكرراً ( 2 ) و 5 مكرراً ( 4 ) $1023 و 9 و 10 و 11 و 14 من هذا القانون”( [21] ) . والذي يعنينا هنا ، من المواد التي تعتبر مخالفة أحكامها جريمة يعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث أشهر وبغرامة لا تجاوز مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين ، هو :

1- م 4  ، هي تفرض الحد الأقصى لأجور الأماكن المنشأة قبل أول يناير سنة 1944 .

2- م 5 مكرراً ( 1 ) و م 5 مكرراً ( 2 )  ، وهما يفرضان الحد الأقصى لأجور الأماكن المنشأة قبل 18 سبتمبر سنة 1952 .

3- م 5 مكرراً ( 4 ) ، وهي تفرض الحد الأقصى لأجور الأماكن المنشأة قبل 12 يونيه سنة 1958 .

$1024 يضاف إلى ذلك أن المادة 2 من القانون رقم 168 لسنة 1961 تنص على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث أشهر وبغرامة لا تجاوز مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مؤجر خالف أحكام المادة السابقة” . والمادة السابقة هي التي تعين الحد الأقصى لأطور الأماكن المنشأة قبل 5 نوفمبر سنة 1961 .

ويضاف إلى ذلك أيضاً أن المادة 7 من القانون رم 46 لسنة 1962 تعاقب المؤجر الذي يجاوز الحد الأقصى لأجور الأماكن المنشاة منذ 5 نوفمبر سنة 1961 بنفس العقوبات المتقدمة الذكر .

ويضاف أخيراً أن قانون 4 يناير سنة 1962 قد أضاف إلى المادة 16 فقرة جديدة تعاقب بنفي العقوبات المتقدمة الذكر “كل مؤجر يتقاضى أي مبلغ إضافي خارج نطاق عقد الإيجار ، كخلو الرجل أو ما يماثله ، من المستأجر مباشرة أو عن طريق وسيط في الإيجار ، وفي الحالة الأخيرة تطبق العقوبة ذاتها على الوسيط” .

فيخلص من كل ذلك أن مجاوزة الحد الأقصى للأجرة جريمة يعاقب عليها القانون بالعقوبات السابق ذكرها . ويشترط أن يكون المؤجر أو الوسيط عالما انه يجاوز الحد الأقصى الذي فرضه القانون للأجرة حتى يتوافر ركن النية ، وللكن لا يشترط أن يكون عالما أن القانون يعاقب على هذا العمل فالجهل بالقانون ليس بعذر في المسائل الجنائية( [22] ) .

6421- الجزاء المدني : أما الجزاء المدني فتنص عليه المادة 6 من قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 ، وهي تجري على الوجه الآتي : “يقع $1025 باطلاً كل شرط مخالف للأحكام المتقدمة ، ويحكم برد ما حصل زائدا على الأجرة المستحقة قانوناً أو باستقطاعه من الأجرة التي يستحق دفعها ، كما يحكم برد أي مبلغ إضافي يكون المؤجر قد اقتضاه من المستأجر مباشرة أو عن طريق الوسيط في الإيجار” .

ويبين من النص المتقدم الذكر ما يأتي :

1- الاتفاق على مجاوزة الحد الأقصى للأجرة باطل لمخالفته النظام العام ، وذلك بمقدار ما جاوزت فيه الأجرة الحد الأقصى .

2- للمستأجر أن يرفع دعوى بتخفيض الأجرة حتى تنزل إلى الحد الأقصى .

3- وله أن يسترد ما سبق أن دفعه للمؤجر زائدا على الحد الأقصى .

ونتناول هذه المسائل الثلاث على التعاقب .

622- بطلان الاتفاق على مجاوزة الحد الأقصى فيما زادت فيه الأجرة على هذا الحد : تقول المادة 6 من قانون إيجار الأماكن في صدورها كما رأينا : “يقع باطلا كل شرط مخالف للأحكام المتقدمة . .” . فالاتفاق على أجرة تجاوز الحد الأقصى باطل لمخالفته للنظام العام( [23] ) . وليس معنى البطلان هنا ألا ينتج الاتفاق أي أثر ، ولكن معناه انه يتناول ما زاد من الأجرة على الحد الأقصى فيبطل ، وتنقص الأجرة إلى هذا الحد . وهذا ضرب من ضروب انتقاص العقد المنصوص عليه في المادة 143 مدني( [24] ) ، ونظيره تخفيض الفوائد التي تزيد على الحد الأقصى إلى هذا الحد . وقد قضي في هذا المعنى بان تخفيض الأجرة إلى الحد الأقصى المسموح به قانوناً “تصحيح إجباري لا اختياري ، يجري بانتقاص جزء من الاتفاق ، ويترتب عليه رد الأجرة الزائدة إلى الحد القانوني مع بقاء العقد نافذا بهذا التصحيح منذ نشوئه لا من وقت تصحيحه ، وإن الاتفاق على الأجرة الزائدة يشبه تماماً الاتفاق على فائدة تجاوز الحد المقرر ، $1026 ووجه المشابهة أن الفوائد تعتبر من وجهة التكيف القانون أجرة للقرض؛ وإن التأمل في النصوص الخاصة ببطلان الاتفاق ورد الزائد في الحالتين يلاحظ ما بينهما من تماثل في المبنى وفي المعنى على صورة يمكن معها القول بأن المشرع نقل أحكام أجرة الأماكن عن أحكام فوائد الديون ، ومن المعروف في عالم القانون أن الاتفاق على الفوائد الزائدة لا تصححه الإجازة ولا الصلح ولا الإقرار ، كما أن نية الطرفين لا تأثير لها فيه”( [25] ) .

ومعنى أن نية الطرفين لا تأثير لها أنه لا يمنع من بطلان الاتفاق ووجوب تخفيض الأجرة إلى الحد المسموح به قانوناً أن يكون المؤجر غير عالم بأن هناك حداً أقصى للأجرة يفرضه القانون ، أو أن يكون معتقداً أن الأجرة المتفق عليها لا تجاوز هذا الحد الأقصى ، ففي الحالتين يجب تخفيض الأجرة ، وإن كان المؤجر في الحالة الثانية لا يكون معرضاً للجزاء الجنائي لانعدام ركن النية كما سبق القول . ولا يمنع كذلك من بطلان الاتفاق ووجوب  تخفيض الأجرة أن يكون المستأجر عالماً بأن الأجرة المتفق عليها تجاوز الحد الأقصى( [26] ) ، أو أنه لم يكن مضطراً إلى استئجار هذا المكان إذ كانت أمامه أماكن أخرى خالية وكان يستطيع استئجارها بالأجرة القانونية( [27] ) .

ويستوي أن يكون الاتفاق على ما يجاوز الحد الأقصى من الأجرة واقعاً بين المالك والمستأجر أو بين المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن ، ففي الحالتين يكون الاتفاق باطلا ويجب تخفيض الأجرة إلى الحد المسموح به قانوناً( [28] ) .

$1027 623- دعوى تخفيض الأجرة : ويخلص مما تقدم للمستأجر الحق في مطالبة المؤجر بتخفيض الأجرة إلى الحد المسموح به قانوناً ، فإن لم يجبه المؤجر إلى ذلك كان للمستأجر أن يرفع دعوى بتخفيض الأجرة . ويرفعها على المؤجر ، أو على المالك الجديد الذي حل محله ، أو على المستأجر الأصلي الذي أجر من الباطن ، بحسب الأحوال( [29] ) .

ودعوى تخفيض الأجرة ترفع أمام المحكمة الكلية المختصة بنظر المنازعات الناشئة عن تطبيق قانون إيجار الأماكن ، كما ترفع أمام هذه المحاكمة أيضاً دعوى استرداد ما دفع زائداً على الحد المسموح به ، وذلك حتى لو كانت قيمة النزاع لا تجاوز نصاب القاضي الجزئي( [30] ) .

وترفع دعوى تخفيض الأجرة في أي وقت ، أثناء قيام العلاقة التأجيرية مهما طالت ، أو حتى بعد انتهاء هذه العلاقة( [31] ) . ذلك أن سكوت المستأجر عن رفعها مدة من الزمن لا يستخلص منه نزوله عنها نزولا ضمنياً ، وبفرض استخلاص هذا النزول فإنه يكون باطلا لا يعتد به .

فدعوى تخفيض الأجرة مبنية على بطلان الاتفاق على أجرة تزيد على الحد الأقصى ، والبطلان هنا بطلان مطلق لتعلقه بالنظام العام ، فلا يجوز النزول عن الدعوى لا نزولا ضمنياً ولا نزولا صريحاً .

وقد اضطربت أحكام القضاء في هذه المسألة اضطراباً بيناً . فبعضها يأخذ $1028 بهذا المبدأ الصحيح الذي نقرره( [32] ) . وبعض آخر يذهب إلى جواز النزول عن $1029 دعوى تخفيض الأجرة ، والى أن سكوت المستأجر عن رفع الدعوى مدة طويلة قد يستخلص منه هذا النزول( [33] ) . بل ذهب بعض الأحكام إلى صحة الاتفاق على $1032 مجاوزة الحد الأقصى للأجرة إذا قبل المستأجر ذلك دون إكراه أو ضغط بعد إبرامه عقد الإيجار بالأجرة القانونية وتمتعه بحماية القانون ، ففي هذه الحالة لا يكون له حق تخفيض الأجرة ولا استرداد ما دفعه زائداً على الحد الأقصى( [34] ) .

$ 1034 ونرى أن في هذا خروجاً ظاهراً على النصوص الصريحة للقانون ، فالمادة السادسة من قانون إيجار الأماكن تقول في صدرها كما رأينا : “يقع باطلا كل شرط مخالف للأحكام المتقدمة ، ويحكم برد ما حصل زائداً على الأجرة المستحقة قانوناً أو باستقطاعه من الأجرة التي يستحق دفعها” . ولم يميز النص بين ما إذا كان الشرط ادمج في عقد الإيجار أو تم الاتفاق عليه بعد ذلك وبعد أن تمتع المستأجر بحماية القانون ، ففي الحالتين يكون الشرط باطلا بطلاناً مطلقاً لمخالفته للنظام العام ، والبطلان المطلق لا يجوز النزول عنه ولا ترد عليه الإجازة ويجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ، والحماية التي أضفاها القانون على المستأجر لا يستطيع هذا أن ينزل عنها سواء قبل أن يتمتع بها أو بعد أن تمتع .

والقائلون بالرأي الذي نعارضه لا يميزون فيما يبدو تميزاً واضحاً ين دعوى تخفيض الأجرة وهذه لا يجوز النزول عنها لا تتقادم إلا بخمس عشرة سنة كما سنرى ، وبين دعوى استرداد ما دفع من الأجرة زائداً على الحد الأقصى وهذه دعوى لا تتعلق بالنظام العام فيجوز النزول عنها صراحة أو ضمنا وهي كسائر دعاوي استرداد ما دفع دون حق تتقادم بثلاث سنوات كما سيأتي( [35] ) .

وإذا كانت دعوى تخفيض الأجرة لا يجوز النزول عنها لا صراحة ولا ضمنا ، فإن السكوت عنها مدة طويلة لا يسقطها كما قدمنا ولو استخلص من هذا السكوت نزول ضمني عنها . ولكنها كسائر دعاوي البطلان المطلق تسقط بمضي خمس عشرة سنة ، تطبيقاً لأحكام الفقرة الثانية من المادة 141 مدني( [36] ) . . ولكن يبدو $1035 أن مدة التقادم هنا لا تسري من وقت العقد ، لأن الإيجار عقد زمني مستمر فلا تسري مدة التقادم إلا من وقت انتهاء الإيجار( [37] ) . وإذا كانت دعوى تخفيض الأجرة تسقط بالتقادم بمضي خمسة عشر سنة على النحو الذي $1036 قدمناه ، فإن الدفع بتخفيض الأجرة لا يسقط بالتقادم ، شأنه في ذلك شان كل دفع بالبطلان المطلق( [38] ) .

ونحن فيما قدمناه إنما نفرض أن الأجرة لم تدفع للمؤجر ، ولذلك قصرنا كلامنا على دعوى تخفيض الأجرة . أما إذا كانت الأجرة أو أقساط منها قد دفعت المؤجر ، فإنه يقوم إلى جانب دعوى تخفيض الأجرة دعوى استرداد ما دفع من الأجرة زائداً على الحد الأقصى ، وهذا ما ننتقل الآن إليه .

624- دعوى استرداد ما دفع من الأرجة زائدا على الحد الأقصى : رأينا أن المادة 6 من قانون إيجار الأماكن تقول : ” . . . ويحكم برد ما حصل زائداً على الأجرة المستحقة قانونا أو باستقطاعه من الأجرة التي يستحق دفعها ، كما يحكم برد أي مبلغ إضافي يكون المؤجر قد اقتضاه مباشرة من المستأجر أو عن طريق الوسيط في الإيجار” .

ونلاحظ بادئ ذي بدء أن دعوى استرداد الزائد من الأجرة قد ترفع مستقلة ، ولكن الغالب أنها تندمج في دعوى تخفيض الأجرة ، فيرفع المستأجر دعوى على المؤجر يطالب فيها بتخفيض الأجرة إلى الحد المسموح به قانوناً ، ويطالبه في الوقت ذاته برد ما دفعه له زائدا على هذا الحد . وسواء رفعت مستقلة أو رفعت مندمجة في دعوى تخفيض الأجرة ، فإنها ترفع أمام المحكمة الكلية المختصة بنظر قضايا إيجار الأماكن ولو لم تزد قيمة النزاع على نصاب القاضي الجزئي ، وذلك طبقاً للمادة 15 من قانون إيجار الأماكن لأنها من المنازعات الناشئة عن تطبيق هذا القانون ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك( [39] ) .

أما من حيث استقلال دعوى الاسترداد عن دعوى التخفيض أو اندماجها فيها ، فهناك فرضان : ( الفرض الأول ) ألا يكون المستأجر قد دفع للمؤجر أي قسط من أقساط الأجرة ، فعند ذلك لا يكون هناك محل لرفع دعوى الاسترداد ، ولا يبقى إلا رفع دعوى التخفيض ، فإذا ما قضي بتخفيض الأجرة دفعها المستأجر مخفضة من وقت ابتداء الإيجار . ( والفرض الثاني ) أن يكون المستأجر قد دفع للمؤجر قسطاً أو أكثر من أقساط الأجرة الزائدة على $1037  الحد الأقصى . وهنا يممن أن نتصور أن المستأجر يبدأ برفع دعوى تخفيض الأجرة ، فإذا ما قضي بتخفيضها دفعها مخفض عن المستقبل ، ثم يرفع بعد ذك دعوى أخرى مستقلة باسترداد ما دفعه عن الماضي زائدا على الحد الأقصى ،ويستند في ذلك إلى الحكم الصادر له في دعوى تخفيض الأجرة .ولكن الغالب أن يرفع المستأجر الدعويين معاً مندمجين في دعوى واحدة كما سبق القول ، فيطلب تخفيض الأجرة واسترداد ما دفع زائداً . وسواء اندمج الدعويان في دعوى واحدة أو رفعت كل منهما مستقلة عن الأخرى ، فلكل من الدعويين حكمة الذي ينفرد به ، وبخاصة من ناحية جواز النزول عن الدعوى ومدة التقادم .

وموضوع دعوى الاسترداد ، سواء اندمجت في دعوى التخفيض أو استقلت ، كما تقول المادة 6 سالفة الذكر ، “ردا ما حصل زائداً على الأجرة المستحقة قانوناً . . ( و ) رد أي مبلغ إضافي يكون المؤجر قد اقتضاه من المستأجر مباشرة أو عن طريق الوسيط في الإيجار” . أما ما حصله المؤجر زائداً على الأجرة المستحقة قانوناً ، فيمكن حسابه من معرفة الأجرة المستحقة قانوناً والأجرة المدفوعة فعلا واستنزال تلك  من هذه( [40] ) . وإذا كان المكان المؤجر $1038 قد انتقل إلى مالك جديد ، فالمالك القديم يلزم برد ما حصله زائداً ، وتقتصر مطالبة المالك الجديد على ما يحصله هو زائدا بعد ذلك( [41] ) . كذلك يسترد المستأجر أي بملغ إضافي يكون المؤجر قد تقاضاه منه مباشرة أو عن طريق الوسيط في الإيجار ، وهذا ما يعرف بخلو الرجل وقد سبق بحث هذه المسألة( [42] ) . فيسترد المستأجر كل مبلغ دفعه زائدا على الحد الأقصى للأجرة ، سواء كان ذلك في صورة خلو رجل أو في أية صورة أخرى كمقابل لتحسينات صورية أو تعويض أو نحو ذلكم من الطرق المختلفة التي يلجأ إليها المؤجر عادة للتحايل على تقاضي أجرة تزيد على الحد الأقصى ويستوي أن يكون المستأجر قد دفع هذا المبلغ الإضافي مباشرة إلى المؤجر ، أو دفعه عن طريق وسيط كسمسار ، أو عن طريق المستأجر القديم كما هو الغالب . ففي جميع هذه الأحوال يسترد المستأجر كل المبلغ الإضافي الذي دفعه للمؤجر ، ولو كان المؤجر قد أعطي الوسيط جزءاً منه( [43] ) . أما إذا كان المستأجر قد دفع خلو الرجل للمستأجر القديم كما يحصل $1039 في بعض الأحيان ، فيبدو أنه لا يستطيع أن يسترده منه ، لأن المستأجر القديم قد تقاضى هذا المبلغ في نظير خدمة أداها للمستأجر الجديد بأن أخلى العين فمكن المستأجر الجديد بذلك من استئجارها . ولم يجعل القانون حتى اليوم هذه الخدمة غير مشروعة ، وقد صدر قانون خلو الرجل أخيراً يعاقب المؤجر والوسيط دون أن يعاقب المستأجر القديم كما رأينا( [44] ) . لكن إذا شارك المؤجر المستأجر القديم في المبلغ الإضافي الذي دفعه المستأجر الجديد للمستأجر القديم كما يحصل عادة ، وأثبت المستأجر الجديد ذلك ، كان لهذا الأخير أن يسترد ما تقاضاه المؤجر من هذا المبلغ الإضافي . وفي جميع الأحوال يستطيع المستأجر ، عند مطالبته المؤجر برد ما حصله زائدا على الأجرة القانونية وما تقاضاه من مبلغ إضافي ، أن يطالبه أيضاً بالفوائد القانونية على كل هذه المبالغ من وقت رفع الدعوى طبقاً للقواعد العامة( [45] ) .

ويقول النص : “يحكم برد ما حصل زائداً على الأجرة المستحقة قانوناً أو باستقطاعه من الأجرة التي يستحق دفعها” . والقاضي هو الذي يبت في ذلك ، فله أن يقضي بالرد فوراً ، كما له أن يقضي باستقطاع ما حصل زائداً من الأجرة المستقبلة التي سيستحق دفعها( [46] ) . وله كذلك أن يجري المقاصة ين المحكوم له به وبين المتأخر من الأجرة في ذمته( [47] ) . أما المبلغ الإضافي الذي يكون المؤجر قد تقاضاه من المستأجر مباشرة أو عن طريق الوسيط في الإيجار ، فيقضي برده جملة واحدة أو بمقاصة في الأجرة التي استحقت ، ولا يجوز للقاضي أن يحكم باستقطاعه من الأجرة التي ستستحق في المستقبل ، فإن الاستقطاع مقصور على ما دفع زائداً من الأجرة ، ولا ينسحب على المبلغ الإضافي ، كما يتبين في وضوح $1040 من النص . ويرجع ذلك إلى أن المبلغ الإضافي قد دفع جملة واحدة فيسترد جملة واحدة كما دفع ، أما ما دفع زائداً من الأجرة فقد دفع مع الأجرة على أقساط فيجوز الحكم برده مستقطعاً من الأجرة على أقساط كذلك . ولكن يجوز على كل حال للقاضي أن ينظر المستأجر في رد المبلغ الإضافي إلى أجل معقول أو آجال إذا استدعت حالته ذلك ولم يلحق المستأجر من هذا التأجيل ضرر جسيم ، وذلك عملا بأحكام المادة 346/2 مدني( [48] ) .

ويستطيع المستأجر أن يرفع دعوى الاسترداد في أي وقت ، ولو بعد انقضاء العلاقة التأجيرية ، ما دامت لم تسقط بالتقادم على الوجه الذي سنبينه . ولا يجوز للمؤجر أن يدفع الدعوى بزوال صفة المستأجر ، فإن هذا الأخير يطالب بالاسترداد عن مدة كانت له فيها هذه الصفة( [49] ) .

ولما كان استرداد ما دفع زائداً حقاً مالياً للمستأجر لا يتعلق بالنظام العام ، بعكس الحق في تخفيض الأجرة على ما رأينا ، فإن للمستأجر أن ينزل عن حق الاسترداد نزولا صريحاً أو نزولا ضمنياً ، وكل عمل يستخلص منه هذا النزول يعتد به ويعتبر $1041 نزولا عن هذا الحق وإذا كنا قد قررنا أن للمستأجر أن يطالب بالاسترداد في أي وقت ولو بعد انقضاء العلاقة التأجيرية ، فإنه يجب أن يلاحظ مع ذلك أن سكوت المستأجر مدة طويلة عن المطالبة بالاسترداد ، وبخاصة سكوته عن المطالبة طوال مدة قيام العلاقة التأجيرية ، قد يحمل على أنه نزول ضمني عن هذا الحق . ولكن النزول عن الحق لا يجوز التوسع في تفسيره ، فلا بد أن يكون واضحاً من تصرف المستأجر أنه قصد النزول عن حقه في الاسترداد . فإذا كان سكوته ولو لمدة طويلة ، ولو إلى ما بعد انقضاء العلاقة التأجيرية ، يمكن تفسيره بغير النزول عن الحق ، كأن يكون المستأجر لم يعلم بمجاوزة الأجرة للحد الأقصى إلا متأخراً ،أو كأن يكون قد تعذر عليه جمع المستندات التي تثبت مجاوزة الأجرة للحد الأقصى ولم يعثر عليها إلا أخيراً ، فإن السكوت في مثل هذه الظروف لا يجوز أن يستخلص منه أن المستأجر قد نزل عن حقه ، ويكون له الحق في الاسترداد ما لم يكن هذا الحق قد سقط بالتقادم .

ويسقط حق الاسترداد بالتقادم بمضي ثلاثة سنوات من اليوم الذي يعلم فيه المستأجر بحقه في الاسترداد ، ويسقط في جميع الأحوال بمضي خمسة عشر سنة من يوم الدفع . وهذا تطبيق لحكم التقادم في دعاوي استرداد ما دفع دون حق ( انظر م 187 مدني ) ، إذ أن دعوى الاسترداد هنا ليست إلا دعوى استرداد ما دفع دون حق . ولا يعترض على ذلك بأن المستأجر قد يكون عالماً وقت الدفع أن ما دفعه زائداً غير مستحق في ذمته ، لأنه من المقرر في أحكام دعوى استرداد ما دفع دون حق أنه إذا كان الدين الذي دفع مصدره عقد باطل لسبب يرجع إلى النظام العام ، كما في حالتنا هذه ، استطاع الدافع أن يسترد ما دفع بالرغم من علمه وقت الدفع بالبطلان ، كما إذا دع دين قمار أو فوائد ربوية فتجيز المادة 739/2 مدني استرداد دين القمار وتجيز المادة 227/1 مدني استرداد الفوائد الربوية ، لأن هذا هو الحل الذي يقتضيه النظام العام( [50] ) . فإذا دفع المستأجر $1042 قسطاً أو أكثر من أقساط الأجرة الزائدة على الحد القانوني ، وكان يعلم وقت الدفع بأن الزيادة غير قانونية ، وسكت عن طلب الاسترداد مدة ثلاث سنوات من وقت الدفع ، سقط حقه في استرداد الزيادة عن أي قسط مضي على دفعه ثلاث سنوات( [51] ) . أما إذا كان المستأجر لا يعلم وقت الدفع بأن الزيادة غير $1043 قانونية ، فإن التقادم يتم بمضي ثلاث سنوات من وقت أن يعلم بذلك ، أو بمضي خمس عشر سنة من وقت الدفع ، وذلك طبقاً للقواعد العامة .


( [1] )  وقد قضي بأنه إذا تضمن عقد الإيجار التزام المستأجر أن يدفع للمؤجر ، عدا أجرة المقهى المؤجر إليه وثمن المياه المستهلكة فيه ، ثمن استهلاك المياه التي يستهلكها أيضاً باقي المستأجرين في العمارة التي يقع بأسفلها المقهى ، وثبت أن مجموع ما يؤديه المستأجر على تلك الصورة يربي على أجرة المكان في أبريل سنة 1941 مضافاً إليها العلاوة العسكرية وثمن ما يخصه في المياه المستهلكة ، فإنه يتعين عملا بالمادة الثالثة من الأمر 598 اعتبار مثل هذا الشرط ساتراً لأجرة غير قانونية والقضاء ببطلانه وإنزال الأجرة إلى الحد القانوني ( مصر الكلية الوطنية 13 أكتوبر سنة 1945 المحاماة 27 رقم 277 ش 649 ) .

( [2] )  أو شهر أغسطس سنة 1939 بالنسبة إلى مدينة الإسكندرية ( بالاختيار بينه وبين شهر أبريل سنة 1941 ) ، أو شهر أغسطس سنة 1943 أو شهر أغسطس سنة 1944 أو شهر يوليه سنة 1945 بالنسبة إلى الأماكن المؤجرة لشخص معنوي عام .

( [3] )  وقد يكون المؤجر هو الذي يكلف بإثبات ذلك ، لو أدعي أن الأجرة تقل عما يسمح به القانون وطلب الزيادة .

( [4] )  ونرى أن المادة 5 سالفة الذكر إنما تتناول التعاقد عن شهر ابريل سنة 1941 أو أي شهر أساس آخر ، ولا تتناول التعاقد الحالي فإن هذا التعاقد يخضع للقواعد العامة في إثباته ( مصر الكلية الوطنية 12 يناير سنة 1943 المحاماة 23 رقم 237 ص 574 – وقارن سليمان مرقس إيجار الأماكن فقرة 23 ) . أما إذا أراد المستأجر أن يثبت انه يدفع في التعاقد الحالي أجرة تجاوز الحد الأقصى ، فله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، لا استناداً إلى المادة 5 سالفة الذكر ، بل استناداً إلى القواعد العامة وهي تقضي بأن دفع أجرة تزيد على الحد الأقصى تحايلا وغشاً ضد القانون يجوز إثباته بجميع الطرق .

كذلك لا تتناول المادة 5 التعاقد السابق – أي التعاقد الذي يتناول شهر الأساس – في ذاته ، فإن هذا يخضع في إثباته للقواعد العامة كما يخضع التعاقد الحالي . وإنما تتناول مقدار أجرة الأساس وشروط التعاقد التي يجب تقويمها لإضافتها إلى أجرة الأساس ( طنطا الكلية بهيئة استئنافية 20 يناير سنة 1950 التشريع والقضاء 4 – 3 رقم 55 ص 157 – وقرب مصر الكلية 13 فبراير سنة 1958 دائرة 13 قضية رقم 2081 سنة 1957 – وانظر سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 33 ص 88 هامش 1 ) .

( [5] )  وكعقد الإيجار المكتوب إيصال صادر من المؤجر بقبض الأجرة . فإذا وجد عقد إيجار أو إيصال لا يدخل فيه شهر الأساس ، فإنه لا يصلح دليلا كاملا ( الإسكندرية المختلطة 17 يناير سنة 1946 م 58 ص 51 ) ، ولكن يجوز اتخاذه قرينة قضائية .

( [6] )  مصر الكلية 10 يونيه سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 4182 سنة 1952 .

( [7] )  ومع ذلك إذا أدعي المستأجر أن الأجرة الواردة في العقد تزيد على الأجرة الفعلية وأن المؤجر استكتبه هذه الأجرة الصورية توقعاً لصدور تشريع بتخفيض الأجرة ، كان على المستأجر عبء إثبات ذلك . وله أن يثبت زيادة الأجرة المكتوبة على الأجرة الفعلية بجميع الطرق ، لأن الصورية هنا قد داخلها الغش . فله أن يثبت الزيادة بالقرائن ، ومن القرائن المضاهاة على أجرة المثل ، فإذا كانت الأجرة المكتوبة تزيد كثيراً على أجرة الثمل دون مقتض يبرر ذلك ، كان في هذا قرينة على أن الأجرة المكتوبة أجرة صورية .

( [8] )  وقد قضي بأنه لما كان المؤجر يقرر أن أجرة العين المؤجرة وقت العمل بالقانون كانت عشرين جنيهاً وان المدعي أقر بذلك عندما استأجر العين المذكورة على حين أن المدعي يدفع بأن هذا الإقرار لا يطابق الواقع وأن العقد الصادر للمستأجر السابق للعين المذكورة إنما اصطنعه خدمة للمدعى ، لما كان ذلك فإنه يتعين على المؤجر إثبات أنه كان للعين المؤجرة وقت صدور المرسوم بقانون 199 لسنة 1952 أجرة معينة هي عشرون جنيهاً شهرياً ، بحيث إذا عجز عن ذلك يجري تحديد الأجرة وفقاً لأجرة المثل ( مصر الكلية 23 يونيه سنة 1955 دائرة 13 قضية رقم 4742 سنة 1954 ) .

( [9] )  مصر الكلية 6 مارس سنة 1950 المحاماة 30 رقم 277 ص 508 – وقد قضت محكمة الإسكندرية الكلية المختلطة بأنه إذا قدم أحد الطرفين عقداً مثبتاً لأجرة الأساس ، وقدم الآخر عقداً صادراً من المستأجر الأصلي إلى مستأجر من الباطن يدخل فيه شهر الأساس بأجرة تختلف عما جاء في العقد الأول ، فإن العقدين يتهاتران ، ويتعين إثبات الأجرة بغيرهما ( الإسكندرية الكلية المختلطة 17 أبريل سنة 1947 م 59 ص 178 ) . ويذهب بعض الفقهاء إلى أن العقد الصادر من المؤجر إلى المستأجر الأصلي يثبت الأجرة في إيجار أصلي ، والعقد الصادر من المستأجر الأصلي إلى مستأجر من الباطن يثبت الأجرة في إيجار من الباطن ( سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 21 ص 53 ) .

( [10] )  انظر آنفاً فقرة 584 .

( [11] )  محكمة القضاء الإداري 16 ديسمبر سنة 1953 مجموعة أحكام مجلس الدولة 8 رقم 122 ص 259 – 27 يناير سنة 1954 مجموعة أحكام مجلس الدولة 8 رقم 273 ص 544 – ولكن العوايد لا تصلح أساساً لتعيين الأجرة المتفق عليها وإن صلحت لتعيين أجرة المثل ، وقد تقدم ذكر ذلك ( انظر آنفاً فقرة 584 في الهامش )

( [12] )  انظر آنفاً فقرة 585 .

( [13] )  انظر آنفاً فقرة 584 في الهامش .

( [14] )  ولا يجوز الإثبات بتوجيه اليمين الحاسمة ، لأن واقعة خلو الرجل مخالفة للنظام العام . وقد قضت محكمة مصر الكلية بأن في اقتضاء مبلغ مقابل التأجير أو ما يطلق عليه “خلو رجل” أمراً مخالفً للنظام العام ، ولا يجوز توجيه اليمين الحاسمة في واقعة مخالفة للنظام العام ، ومن ثم لا يجوز للمدعي أن يوجه اليمني الحاسمة للمدعي عليه بأنه لم يقبض المبلغ المطالب به مقابل خلو رجل ( مصر الكلية 19 فبراير سنة 1959 دائرة 13 قضية رقم 4892 سنة 1957 ) .

( [15] )  سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 32 ص 83 هامش 2 .

( [16] )  فقد قضى بأنه إذا أخذ المالك أو المؤجر بدل إخلاء ، وجب إلزامه برد ما أخذه طبقاً للمادة 67 من قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 ، واستحق العقوبة المنصوص عليها في المادة 16 من نفس القانون ( مصر الكلية 30 أكتوبر سنة 1954 المحاماة 36 رقم 443 ص 910 ) .

( [17] )  وقد قضي قبل صدور قانون 4 يناير سنة 1962 ، في نفس المعنى ، بأن المستأجر القديم لا يقع تحت أي الجزائين – المدني والجنائي – فيما أخذه من بدل الإيجار ، لأن المادتين 6 و 16 صريحتان في سريان حكمهما على المؤجر دون سواه ( مصر الكلية 30 أكتوبر سنة 1954 المحاماة 36 رقم 443 ص 910 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) .

( [18] )  مصر الكلية 30 أكتوبر سنة 1954 المحاماة 36 رقم 443 ص 910 ( وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) .

( [19] )  الإسكندرية الكلية 3 يوليه سنة 1950 التشريع والقضاء 3 رقم 150 ص 501 .

( [20] )  مصر الكلية 30 نوفمبر سنة 1957 دائرة 4 قضية رقم 1406 سنة 1956 – وتسقط المطالبة بالرد بثلاث سنوات أو بخمس عشر سنة ، لا طبقاً للمادة 172 مدني الخاصة بالعمل غير المشروع كما ذهب بعض الأحكام ( مصر الكلية 17 يناير سنة 1957 دائرة 13 قضية رقم 2772 سنة 1956 ) ، بل طبقاً للمادة 187 مدني الخاصة باسترداد ما دفع دون حق ، وسيأتي بيان ذلك عند الكلام في تقادم دعوى استرداد المستأجر ما دفعه زائداً على الحد المسموح به قانونا ( انظر ما يلي فقرة 624 ) .

( [21] )  كان النص الأصلي للمادة 16 من القانون رقم 121 لسنة 1947 يجري على الوجه الآتي : “يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرين جنيهاً ولا تتجاوز مائة جنيه كل مؤجر خالف أحكام المواد 3 الفقرة الأخيرة و 4 و 9 و 11 و 14 وكل من خالف المادة 10” . ثم أضاف القانون رقم 87 لسنة 1949 إلى هذا النص فقرة جديدة تجري على الوجه الآتي : “ويعاقب بغرامة من خمسين جنيهاً إلى خمسمائة جنيه كل مؤجر خالف حكم المادة 2 الفقرة هـ” ( انظر المذكرة الإيضاحية لهذا القانون فيما يلي فقرة 665 في الهامش ) – ثم صدر القانون رقم 199 لسنة 952 يضيف إلى المواد التي يعاقب على مخالفة أحكام المادة 5 مكرراً ( 1 ) والمادة 5 مكرراً ( 2 ) – ثم صدر القانون رقم 55 لسنة 1958 يضيف إلى المواد سالفة الذكر المادة 5 مكرراً ( 4 ) ،  ويشدد العقوبة فيرفعها إلى الحبس مدة لا تزيد على ثلاث أشهر والغرامة التي لا تزيد على مائتي جنيه ، ويقصر عقوبة من يخالف المادة 10 على المؤجر دون المستأجر أسوة بسائر الحالات ، ويغفل دون سبب ظاهرة عقوبة من يخالف المادة 2 فقرة هـ ، فأصبح النص بعد هذه التعديلات على الوجه الذي نراه في المتن .

ثم صدر بعد ذلك القانون رقم 168 لسنة 1961 يضيف إلى القانون رقم 121 لسنة 1947 المادة 5 مكرراً ( 5 ) ، وبدلا من تضمين هذه المادة الجديدة للمادة 16 لتشملها عقوبات هذه المادة الأخيرة كما كان الأمر بالنسبة إلى التشريعات السابقة ، اتبع المشرع خطة أخرى ، فنص في نفس قانون سنة 1961 في المادة الثانية منه على توقيع نفس العقوبات على من يخالف أحكام هذا القانون . فأصبحت المادة 16 بذلك غير شاملة لجميع المواد التي يعاقب من يخالف أحكامها ، إذ ينقصها أن تتضمن المادة 5 مكرراً ( 5 ) .

ثم صدر أخيراً القانون رقم 46 لسنة 1962 يعاقب في المادة 7 منه بنفس العقوبات المؤجرة الذي يخالف أحكام هذا القانون من حيث تحديد الأجرة على أساس قيمة الأرض والمباني ، وبقي هذا القانون كقانون 168 لسنة 1961 مستقلا لم تتضمنه المادة 16 .

ولكن المادة 16 أضيفت إليها فقرة جديدة بقانون 4 يناير سنة 1962 كما رأينا ، للعقاب على خلو الرجل .

( [22] )  وقد قضت محكمة النقض بأن القصد الجنائي الذي يتطلبه القانون في جريمة تأجير محل بأكثر من أجرة المثل هو القصد الجنائي العام ، وليس بلازم أن تتحدث عنه المحكمة صراحة في الحكم ( نقض جنائي 4 مايو سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 194 ص 571 ) .

وقضت أيضاً بأنه لما كانت المحكمة الجنائية مختصة بموجب المادة 221 من قانون الإجراءات الجنائية بالفصل في جميع المسائل التي يتوقف عليها الحكم في الدعوى الجنائية أمامها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ، دون أن تتقيد بالأحكام المدنية التي صدرت ، أو تعلق قضاءها على ما عساه أن يصدر من أحكام بشأن نزاع مدني قائم على موضوع الجريمة ، فإن المحكمة ، إذا أدانت المتهم في جريمة تأجير بإيجار يزيد على أجر المثل والزيادة المقررة قانوناً دون انتظار الفصل في الدعوى المدنية المرفوعة بشأن تخفيض الأجرة ، لا تكون قد خالفت القانون ( نفس الحكم السابق ) .

( [23] )  وقد قضي بأنه إذا تم الصلح بين المؤجر والمستأجر على تحديد إيجار الشقة المتنازع على أجرتها ، فإن مثل هذا الاتفاق ينبغي إهداره والالتفات عنه ، لأن أحكام تحديد الأجرة المنصوص عليها في القانون 121 لسنة 1947 هي أحكام متعلقة بالنظام العام ( مصر الكلية 20 يناير سنة 1960 دائرة 52 قضية رقم 4848 سنة 1958 ) .

( [24] )  سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 34 ص 89 هامش 1 .

( [25] )  مصر الكلية 13 نوفمبر سنة 1954 المحاماة 36 رقم 446 ص 911

( [26] )  مصر الكلية 10 نوفمبر سنة 1949 المحاماة 29 رقم 432 ص 794 .

( [27] )  مصر الكلية 19 أكتوبر سنة 1953 دائرة 12 قضية رقم 4040 سنة 1952 – وسنرى ( انظر ما يلي فقرة 623 ) أنه لا يمنع أيضاً من بطلان الاتفاق ووجوب تخفيض الأجرة أن يكون المستأجر قد قبل هذا الاتفاق بعد أن أبرم عقد الإيجار بالأجرة القانونية وشغل المكان وتمتع بحماية القانون . ومن باب أولى لو قبل المستأجر الاتفاق عند إبرام عقد الإيجار ولكن بعد أن شغل المكان دون عقد ، فإن الاتفاق يكون باطلا وتكون الأجرة واجبة التخفيض ( مصر الكلية 10 نوفمبر سنة 1949 المحاماة 29 رقم 432 ص 794 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم – 16 سبتمبر سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 1498 سنة 1953 ) .

( [28] )  مصر الكلية 19 يونيه سنة 1955 دائرة 19 قضية رقم 2846 سنة 1952 – أما لو نزل المستأجر الأصلي عن الإيجار ، فله أن يتقاضى من المتنازل له ثمن هذا التنازل ، إذ العقد بينهما حوالة لا إيجار . والمبلغ الذي يتقاضاه المستأجر الأصلي من المتنازل له ثمن لا أجرة . ومن ثم يجوز أن يلتزم المتنازل له بدفع هذا المبلغ بالإضافة إلى الأجرة التي يدفعها المالك ، فيكون مجموع ما يدفعه زائداً على الحد الأقصى ( مصر الكلية 30 أكتوبر سنة 1954 المحاماة 36 رقم 443 ص 910 – محمد لبيب شنب فقرة 58 ) .

( [29] )  وكما يجوز طلب تخفيض الأجرة بطريق الدعوى ، يجوز ذلك أيضاً بطريق الدفع ( الإسكندرية المختلطة 24 أبريل سنة 1947 م 60 ص 12 ) . فإذا رفع المؤجر على المستأجر دعوى يطالبه فيها بالأجرة المتفق عليها ، جاز للمستأجر أن يدفع الدعوى بأن  المبلغ المطلوب أكبر من المستحق في ذمته ( سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 34 ص 91 ) .

( [30] )  مصر الكلية 27 يونيه سنة 1953 دائرة 4 قضية رقم 2143 سنة 1951 – 11 أكتوبر سنة 1953 دائرة 12 قضية رقم 5237 سنة 1952 .

( [31] )  سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 38 .

( [32] )  من ذلك ما قضت به محكمة مصر الكلية من أن القول بأن سكوت المؤجر مدة طويلة عن رفع دعوى تخفيض الأجرة يعتبر بمثابة قرينة قاطعة على رضائه بالأجرة الحالية مردود بما نصت عليه المادة السادسة من القانون رقم 121 لسنة 1947 من إبطال كل شرط مخالف للمادة الرابعة من ذلك القانون التي تضع حداً أعلى للأجرة الجائزة الاتفاق عليها ، وأنه لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلاف ذلك لأن الحظر الوارد بالمادتين الرابعة والسادسة من النظام العام ، ويؤيد ذلك أن المادة السادسة عشرة من القانون المذكور تعاقب المؤجر الذي يجاوز حدود الأجرة المقررة قانوناً ( مصر الكلية 14 يناير سنة 1954 دائرة 13 قضية رقم 3237 سنة 1953 ) . وقضت أيضاً بأن الدفع بسقوط حق المدعي في طلب التخفيض لسكوته عن ذلك مدة طويلة مردود عليه بما استقر عليه قضاء هذه المحكمة من أن الرضاء بزيادة الأجرة لا يجوز الاستناد إليه ، سواء كان صريحاً بشرط أو ضمناً بالسكوت ، في دفع دعوى التخفيض لتعلق أحكام تحديد الأجرة بالنظام العام ، يؤكد هذا النص المادة 6 من القانون رقم 121 لسنة 1947 التي تنص على بطلان كل شرط مخالف ، فهي تفترض إمكان الشرط المخالف فتبطله ، وهو بطلان مطلق يجوز التمسك به في أي وقت لمخالفته النظام العام ، وإنه لما يتعارض مع هذا النظام العام القول بإمكان مخالفته والتنازل عن حق متعلق به ( مصر الكلية 15 يناير سنة 1956 دائرة 19 قضية رقم 1855 سنة 1953 ) . وقضت أيضاً بأنه لا جدوى من القول بسقوط حق المدعي في المطالبة بتخفيض الأجرة لقعوده عن ذلك مدة تقرب من الست السنوات ، إذ أن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن الرضاء بزيادة الأجرة لا يجوز الاستناد إليه سواء أكان صريحاً أم ضمنياً بالسكوت عن رفع دعوى التخفيض ، وذلك لتعلق أحكام تحديد الأجرة بالنظام العام ، ويؤكد ذلك ما نصت عليه المادة 6 من قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 من بطلان كل شرط مخالف لهذه الأحكام ، والبطلان هنا مطلق يجوز التمسك به في أي وقت لمخالفة النظام العام ( مصر الكلية أول يناير سنة 1960 دائرة 52 قضية رقم 696 سنة 1959 ) . وقضت أيضاً بأنه لما كان الاتفاق على أجرة زائدة على الحد القانوني يعتبر جريمة مستمرة لا تسقط الدعوى بشأنها إلا من وقت انقطاع حالة الاستمرار ، وتحديد الأجرة على هذا الوضع من النظام العام ، ويعتبر الاتفاق على الأجرة الزائدة ميتا منذ نشأته ولا شيء بعد ذلك يبعثه حياً . ولا يمكن أن يعتبر سكوت المستأجر عن طلب تخفيض الأجرة إلى الحد القانوني مسقطاً لحقه مهما طال أمد ذلك ، لأن القول بغير ذلك غريب على الفكرة القانوني إذ أنه يقدم على ابتكار نوع من التقادم لا يعرفه القانون . والحكم بالتخفيض يعتبر مقرراً لحقوق المدعية ، إذ هو يكشف عن حقيقة الأجرة من بدء التعاقد ( مصر الكلية 29 مايو سنة 1961 دائرة ثانية إيجارات قضية رقم 4445 سنة 1960 ) .

وانظر أيضاً في نفس المعنى : مصر الكلية 16 مارس سنة 1953 دائرة 12 قضية رقم 1399 سنة 1951 – 16 سبتمبر سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 1498 سنة 1953 – 8 أكتوبر سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 702 سنة 1953 – 12 أكتوبر سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 4415 سنة 1953 – 15 أكتوبر سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 5261 سنة 1953 – 10 ديسمبر سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 4631 سنة 1952 – 10 ديسمبر سنة 1953 دائرة 13  رقم 1020 سنة 1953 – 16 ديسمبر سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 4901 سنة 1952 – 9 ديسمبر سنة 1954 دائرة 13 قضية رقم 391 سنة 1954 – 9 ديسمبر سنة 1954 دائرة 13 قضية رقم 4399 سنة 1954 – ذ5 ديسمبر سنة 1954 دائرة 13 قضية رقم 5943 سنة 1954 – 2 مايو سنة 1955 دائرة 12 قضية رقم 5394 سنة 1953 – 9 يونيه سنة 1955 دائرة 13 قضية رقم 760 سنة 1953 – 17 أبريل سنة 1957 دائرة 12 قضية رقم 660 سنة 1957 – 29 مايو سنة 1961 دائرة ثانية إيجارات قضية رقم 3569 سنة 1957 – 29 مايو سنة 1961 دائرة ثانية إيجارات قضية رقم 2937 سنة 1960 – 3 يونيه سنة 1961 دائرة ثانية إيجارات قضية رقم 1754 سنة 1961 .

وانظر نفي المعنى منصور مصطفى منصور فقرة 153 ص 371 – ص 372 – عصام الدين حواس في تعليقه المستفيض في قضاء الإيجارات ص 254 – ص 263 في مؤلفه الآخر في شرح قانون رقم 55 لسنة 1958 فقرة 25 – فقرة 25 – فقرة 26 مكررة – كامل محمد بدوي في قانون إيجار الأماكن فقرة 180 ص 160 ويشير في ص 187 إلى حكم لمحكمة مصر الكلية دائرة 12 قضية رقم 1219 سنة 1954 – محمد أبو الحسن حمودة في رأي له منشور في قوانين تنظيم العلاقات الإيجارية مجموعة محمود عاصم .

( [33] )  من ذلك ما قضت به محكمة مصر الكلية من أن لصاحب الحق أن يتنازل عنه بمشيئته ، وإذا كان القانون الذي يحمي هذا الحق يعتبر من النظام العام فإن التنازل عن الحق جائز إذا كان من قبيل المسائل المالية . وتطبيقاً لهذه الأسس يتعين على المستأجر ، لكيلا يؤخذ عليه أن تنازل عن حقه ، أن يلجأ إلى القاضي في فترة معقولة تخضع لتقدير القضاء تمسكاً ومطالباً بما شرع القانون لصالحه بحيث إذا تراخى في ذلك دون أسباب مقبولة كان للمؤجر والقضاء أن يعتبره بحق أنه تنازل عن استخدامه هذا الحق وأن ممارسته إياه بعد ذلك على سبيل الكيد والتعنت . . والقول بغير ذلك يحدث رجة اقتصادية شديدة بالأفراد وبالتالي بالبلاد ، ويقلب الأوضاع بأن يجعل المؤجر تحت رحمة المستأجر يستعمل ضده سلاح التخفيض في أي وقت شاء ويطالبه برد الزيادة من تاريخ سكنه ، وقد يبلغ ذلك مبلغاً كبيراً قد يؤدي إلى إعسار المؤجر وينزل به هزة مالية عنيفة فيختل الميزان الاقتصادي ، وحاشا للمشرع أن يهدف إلى ذلك ( مصر الكلية 7 ديسمبر سنة 1953 دائرة 12 قضية رقم 224 سنة 1952 ) . وانظر في نفس المعنى : مصر الكلية 6 نوفمبر سنة 1949 المحاماة 29 رقم 564 ص 1228 – 9 مارس سنة 1953 المحاماة 33 رقم 565 ص 1309 – 27 يونيه سنة 1953 دائرة 4 قضية رقم 3034 سنة 1952 – 13 ديسمبر سنة 1953 دائرة 12 قضية رقم 3576 سنة 1953 – 21 ديسمبر سنة 1953 دائرة 12 قضية رقم 2606 سنة 1953 – 9 يناير سنة 1954 دائرة 4 قضية رقم 755 سنة 1952 – 11 يناير سنة 1954 دائرة 12 قضية رقم 3623 سنة 1953 – 18 يناير سنة 1954 دائرة 12 قضية رقم 2423 سنة 1953 – 24 يناير سنة 1954 دائرة 12 قضية رقم 1542 سنة 1953 – 8 فبراير سنة 1954 دائرة 12 قضية رقم 1332 سنة 1953 – 6 ديسمبر سنة 1954 دائرة 12 قضية رقم 2770 سنة 1954 – 14 أبريل سنة 1956 دائرة 4 قضية رقم 4611 سنة 1955 – بنها الكلية 23 مارس سنة 1953 المحاماة 33 رقم 566 ص 1314 – ومن الأحكام ما اعتبرت أن السكوت وحده لا يكفي لاستخلاص النزول الضمني ، وإنما يجب أن تقوم لدى المحكمة قرائن أخرى تفيد رضاء المستأجر بالأجرة التعاقدية مع علمه بمجاوزتها للحد الأقصى وأنه نزل بذلك عن التمسك بتخفيضها : مصر الكلية 17 يونيه سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 1679 سنة 1952 – 7 ديسمبر سنة 1953 دائرة 12 قضية رقم 435 سنة 1953 – 20 مارس سنة 1954 دائرة 12 قضية رقم 2401 سنة 1953 – 19 يناير سنة 1955 دائرة 12 قضية رقم 5251 سنة 1952 – 23 يناير سنة 1955 دائرة 12 قضية رقم 763 سنة 1953 – 3 نوفمبر سنة 1956 دائرة 4 قضية رقم 4898 سنة 1955 – 3 نوفمبر سنة 1956 دائرة 4 قضية رقم 3597 سنة 1956 – 10 نوفمبر سنة 1956 دائرة 4 قضية رقم 2226 سنة 1955 – 10 نوفمبر سنة 1956 .

وسواء اعتبر السكوت وحدة كافياً لاستخلاص النزول الضمني أو وجب أن تقوم إلى جانبه قرائن أخرى ، ففي الحالتين تسلم هذه الأحكام بأن النزول صحيح ويعمل به : انظر أيضاً في هذا المعنى سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 36 –  محمد كامل مرسي فقرة 389 – محمد لبيب شنب فقرة 59 – فقرة 60 ( وهو يتحفظ فيقول : “على أنه إذا ثبت أن قبول المستأجر للزيادة إنما تم  تحت تأثير إكراه مادي أو معنوي أو تحت تهديد المؤجر له باستعمال حقه في إخلاء العين المؤجرة ، فهذا القبول لا يمنعه من طلب التخفيض واسترداد ما دفعه زائداً على الأجرة القانونية : محمد لبيب شنب فقرة 59 ص 75 ) .

وهذا يخالف المبدأ المسلم به من أنه لا يجوز النزول عن حق متعلق بالنظام العام . أما القول بأنه إذا كان القانون الذي يحمي الحق يعتبر من النظام العام فإن التنازل عن الحق جائز إذا كان من قبيل المسائل المالية ، ففيه خلط واضح بين حقين : ( 1 ) حق مالي خاص وإن كان يترتب على حق يعتبر من النظام العام ، كحق الميراث المترتب على حق النسب وحق التعويض المترتب على حق العقوبة الجنائية ، فيجوز التنازل عن الحق الأول دون الحق الثاني ( 2 ) وحق مالي هو ذاته يعتبر من النظام العام فلا يجوز النزول عنه وإن كان حقاً مالياً ، كحق المقترض في تخفيض الفوائد الربوية وحق المستأجر في تخفيض الأجرة التي تزيد على الحد الأقصى وهو الحق الذي نحن بصدده . وقد يترتب على هذا الحق المالي المعتبر من النظام العام حق مالي خاص يجوز النزول عنه ، كحق استرداد ما دفع من الفوائد زائداً على الحد المسموح به أو ما دفع من الأجرة زائداً على الحد الأقصى .

ويبدو أن الذي دفع القضاء في الأحكام المتقدمة إلى الخروج على المبادئ المسلم بها إشفاقه على المؤجر من أن يطالب برد مبالغ قد تكون طائلة فيرهقه ذلك . ويتم هذا عن عدم التمييز بين دعوى تخفيض الأجرة ودعوى استرداد الزيادة فالأولى تتعلق بالنظام العام ولا يجوز النزول عنها ، وهي لا ترهق المؤجر فإن موضوعها تخفيض الأجرة التي لم يقبضها لا رد ما قبضه منها . والثانية لا تتعلق بالنظام العام ، وهذه هي التي ترهق المؤجر فإن موضوعها هو رد ما قبض من الجرة وقد يكون مبلغاً كبيراً ، وسنرى أنه يجوز النزول عن هذه الدعوى صراحة أو ضمناً ، وأنها على كل حال تسقط بالتقادم بمضي مدة قصيرة ، ومن ثم تتجرد عن معنى الإرهاق ( قارن تعليق الأستاذ عصام الدين حواس في قضاء الإيجارات 259 ، وهو يطالب بتعديل التشريع في هذا المعنى ، والواقع أن التشريع هو في هذا المعنى دون حاجة إلى أي تعديل ) .

وقد نهجت بعض الأحكام نهجاً أسلم ، فلم تخرج على المبادئ المقررة ، وعالجت المسألة من ناحية الواقع لا من ناحية القانون ، فقررت أن سكوت المستأجر مدة طويلة عن رفع دعوى التخفيض لا يسقط حقه في هذه الدعوى لأنها متعلقة بالنظام العام ، ولكنه يعتبر قرينة قوية على عدم جدية النزاع وعلى أن الأجرة التعاقدية هي نفس الأجرة القانونية . من ذلك ما قضت به محكمة مصر الكلية من أن قعود المستأجر عن طلب تخفيض الأجرة والمطالبة بالفرق زمناً طويلا لا يسقط حقه في الطلب . ولكنه إن طال أمده وتضاءلت مبرراته يعتبر قرينة قوية على عدم جدية النزاع ، ودليلا على أن الأجرة التعاقدية هي نفس الأجرة القانونية . فإذا أبطأ المستأجر في المطالبة سنين عدداً ، ولم يبرر ذلك بمبرر مقبول ، فإن إبطاءه لا ينشئ للمؤجر حقاً في الدفع بسقوط المطالبة لتعلق الأمر بالنظام العام . ولكن السكوت يحسب على المستأجر كقرينة موضوعية تضعف موقفه في النزاع ، وتفيد أنه استأجر المكان بأجرة المثل منذ البداية ( مصر الكلية 27 نوفمبر سنة 1954 المحاماة 36 رقم 560 ص 1384 ) – وانظر أيضاً مصر الكلية مارس سنة 1956 دائرة 4 رقم 4562 سنة 1954 – وقضي أيضاً في نفس المعنى بأن القول بأن السقوط الطويل مسقط للحق أو للطب هو قول غريب على الفكر القانوني ، إذ أنه يقوم على ابتكار نوع من التقادم لا يعرفه القانون . ولقد ذهب القائلون بالسقوط إلى أن المدة اللازمة له هي المدة المعقولة التي يراها القضاء ، وذهب بعضهم إلى تحديد المدة بثلاث سنين قياساً على حالات أخرى . وكلا الرأيين لا يتقبله المنطق القانوني ، لأن الرأي الأول يقحم على القضاء مهمة التشريع أو يدعوه إلى انتهاج خطة مائعة يس لها ضابط معين ، أما الرأي الثاني فإنه ينادي بتحديد تحكمي أو قياسي أغفلت فيه الفوارق المانعة من المقابلة والقياس . ولا يبرر إسقاط الحق أن المطالبة المتأخرة قد تنزل بالمؤجر هزة مالية عنيفة عند إلزامه برد مجموع فرق الأجرة عن زمن طويل . ذلك أن اقتضاء الأجرة الزائدة طوال هذه الزمن يعد مخبثة منه يجب أن يتحمل عقباها وأن يلقى جزاءها . ولا تصح إفادته من سكوته حتى لو كان المستأجر قد أسهم فيه على مضض واضطرار . . . إن السكوت الطويل عن المطالبة ، ولو أنه لا يسقط الحق ولا يعتبر تنازلا أو إجازة ، قد ينهض قرينة قوية على عدم جدية النزاع الخاص بالتخفيض والرد ، فيعتبر شاهد عنت وكيد أو دليلا على أن الأجر الواكس الذي يطلب المستأجر اعتماده ليس هو أجر المثل الحقيقي الذي يتمثل هنا في ذات الأجر المتفق عليه . وإذن فالقرينة المستمدة من طول السكوت ليسن قرينة سقوط واجبة الإتباع ، وإنما هي قرينة إثبات واقتناع . ويترتب على ذلك أن السكوت الطويل يمكن اعتباره قرينة قضائية ذات أثر موضوعي في أمر يجوز الإثبات والنفي فيه بجميع الطرق . والتقدير موكول إلى القاضي ، فقد يكتفي بقرينة السكوت لرفض الدعوى موضوعاً ، وقد تتعدد القرائن ومنها السكوت وهي جميعاً لا تصل إلى حد الإقناع . وإذا قبل المستأجر باختياره زيادة الأجرة بعد دخوله العين المؤجرة وإقامته فيها متمتعاً بحماية القانون ، لزمته الزيادة وامتنع عليه التخفيض والرد . ولا يعد ذلك خروجاً على نظرية البطلان ، أو أخذا بفكرة التنازل والإجازة ، وإنما هو إعمال لقرينة قضائية مؤداها أن سلوك المستأجر يفيد صحة الأرجة التي حصل عليها الاتفاق ( مصر الكلية 13 نوفمبر سنة 1954 المحاماة 36 رقم 446 ص 911 ) – وقضي في حكم صدر حديثاً في نفس المعنى بأن سكوت المدعي عن المنازعة  في القيمة الإيجارية مدة طويلة دون أن يقدم سبباً معقولا يكون قد حال بينه وبين استعمال هذا الحق ، وإن كان لا يسقط حقه في طلب خفض الأجرة ، إلا أنه يعتبر قرينة قضائية قوية في جانب المؤجر على عدم جدية المنازعة التي يثيرها بعد ذلك ( مصر الكلية 3 يونيه سنة 1961 دائرة أولى إيجارات قضية رقم 1434 سنة 1961 .

( [34] )  من ذلك ما قضت به محكمة مصر الكلية من أن المشرع إنما يهتم بالأجرة التي يتفق عليها وقت إبرام عقد الإجارة ، سواء أبرمت بعد صدور القانون أو قبل ذلك حتى مايو سنة 1941 . وقصر الاهتمام على وقت انعقاد الإجارة أمر طبيعي ، لأن المستأجر قبل دخوله العين التي يريد استئجارها في هذه الظروف العسيرة يكون تحت رحمة المالك فيما يفرضه عليه من شروط ، ويكون مضطراً لقبولها مهما كانت قاسية . أما بعد انعقاد العقد في حدود الشروط القانونية وتحت ظل الحماية التي فرضها القانون ، فلا يكون المستأجر في حاجة لتلك الحماية ، إلا فيما يختص بضمان بقائه بالعين المؤجرة دون تعرض له في الانتفاع مادام قد قام بما فرض عليه من التزامات مشروعة وهو ما فعله المشرع بالمادة الثانية من القانون ( مصر الكلية 27 يونيه سنة 1953 دائرة 4 قضية 3034 سنة 1952 ) . وقضت أيضاً بأنه واضح من تسلسل العقود التي قدمها المدعيان أنهما كانا يقبلان طواعية واختياراً زيادة الأجرة دون أدنى إكراه عليهما ، إذ أنهما كانا يشغلان العين وقت تحرير هذه العقود ، ولم يكونا تحت ضغط أو إكراه ناشئين عن حاجتهما لها حتى يمكن القول بأن رضاءهما بهذه الجرة المرتفعة كان معيباً بسبب اضطرارهما للتعاقد عليها حتى يظفرا بالعين ( مصر الكلية 15 فبراير سنة 1954 دائرة 12 قضية برقم 4236 سنة 1953 ) . وفي قضية حديثة تبين أن المستأجر كان قد استأجر الشقة بمبلغ 17 جنيهاً ، وطلب تخفيضها بعد أن تأكد أن أجرة المثل هي 6 جنيهات ، ولكنه قبل بعد ذلك تحرير عقد إيجار بمبلغ 10 جنيهات وتعهد بالكف عن أية منازعة ، ثم عاد ورفع الدعوى يطلب تخفيض الإيجار إلى أجر المثل . والمحكمة رفضت الدعوى وقالت في هذا الشأن : حيث إن المحكمة ترى أن يجوز للمستأجر أن ينزل عن حقه في طلب تخفيض الأجرة ورد الزيادة بإرادته الصريحة التي تصدر منه بعد إبرام عقد الإيجار وتسلم العين المؤجرة ، لأن الرضاء بالزيادة في هذه الحالة لا تتوافر فه الحكمة التي من أجلها قرر التشريع الاستثنائي بطلان الاتفاق على أجرة زائدة عن الحد القانوني . بل إن الرضاء في هذه الظروف يكون دليلا على شعور المستأجر بالغبن الواقع على المؤجر بحكم القانون ورغبته في إنصاف المؤجر نوعا ما بقبوله هذه الزيادة ، فيتعين إعمال إرادته بذلك وعدم إبطالها . . وما دام المدعي قد قبل طائعاً مختاراً ، رغم علمه وإقراره بالأجرة القانونية لشقة النزاع ، زيادة الأجرة عن الحد القانوني ، فلا يمكن القول بأن التشريع الاستثنائي يحميه ( مصر الكلية 20 نوفمبر سنة 1961 دائرة ثانية إيجارات قضية رقم 4319 سنة 1961 ) . وفي قضية حديثة أخرى أقام المدعي الدعوى بطلب تخفيض الأجرة ، وتبين أنه هو الذي قبل طائعاً مختاراً زيادة الأجرة دون أن يطلب منه المؤجر الزيادة ، وتبينت المحكمة أن الدافع على ذلك هو صلة القربى وأن المستأجر لم يكن مكرهاً على ذلك ، ولم يتخذ المؤجر معه أي إجراء يحمله على زيادة الأجرة ، وظل راضياً بهذا الوضع بمحض اختياره إلى أن رفعت عليه دعوى إخلاء للضرورة فرفع دعوى التخفيض . وقررت المحكمة أنها ترى ، خلافاً لما ذهبت إليه بعض الأحكام ، أن المدعي إذا قبل اختياراً بالرغم من الحماية التي يقررها له القانون زيادة الأجرة ، لزمته الزيادة وامتنع عليه التخفيض ، لأنه لم يكن واقعاً تحت ضغط أو إكراه ، وأن حكمة التشريع في إبطال الاتفاقات التي تجاوز الحد القانوني تنعدم بالنسبة إليه ، ويعتبر متنازلا عن الحماية التي قررها له المشرع ( مصر الكلية 16 ديسمبر سنة 1961 دائرة ثانية إيجارات قضية رقم 4690 سنة 1961 ) . وفي عهد الأوامر العسكرية قضي بأنه إذا قبل المستأجر عن طيب خاطر ، وهو محصن بحماية الأوامر العسكرية الخاصة بالإيجار ، أن يزيد الأجرة على الحد القانوني ، فلا تكون ثمة أية حكمة لتدخل الشارع أو المحاكم في أمر هذه الزيادة ، ويصبح النظام العام ولا شأن له بهذا الموضوع ، لأن لصاحب الحق الذي كسبه فعلا تحت ظل القانون أن ينزل عن حقه إذا شاء ، متى كان من قبيل المصالح المالية ولو كان القانون الذي كسب تحت ظله من النظام العام ( مصر الكلية أول مايو سنة 1944 المجموعة الرسمية 44 رقم 70 ) .

انظر أيضاً في هذا المعنى : مصر الكلية 27 أكتوبر سنة1948 المحاماة 28 رقم 449 ص 1079 – 90 مارس سنة 1953 المحاماة 33 رقم 565 ص 1309 – 27 يونيه سنة 1953 دائرة 4 قضية رقم 3034 سنة 1952 – 26 أكتوبر سنة 1953 دائرة 12 قضية رقم 1897 سنة 1953 – وانظر سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 35 .

أما إذا قبل المستأجر الزيادة أثناء إقامته بالعين المؤجرة بعقد يكفل له حماية القانون ، ولكنه قبلها تحت تأثير إكراه واعتداء مادي ، أو تحت تهديد المؤجر باستعمال حقه في طلب إخلاء العين لأي سبب يجيزه التشريع الاستثنائي كحاجة المؤجر للعين لزواج ابنه أو صدور قرار من مصلحة التنظيم بأن العين أصبحت آيلة للسقوط فلا يرممها المؤجر ، فإن الاتفاق يكون باطلا ويجوز للمستأجر طلب تخفيض الأجرة ( مصر الكلية 12 ديسمبر سنة 1953 دائرة 13 قضية رقم 1232 سنة 1952 – 12 ديسمبر سنة 1953 دائرة 4 قضية رقم 4245 سنة 1953 – 8 نوفمبر سنة 1956 دائرة 13 قضية رقم 2893 سنة 1956 ) – وانظر أيضاً في هذا المعنى سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 35 .

والتفريق بين قبول المستأجر للزيادة بعد تمتعه بحماية القانون طواعية واختياراً دون إكراه ، وبين قبوله للزيادة تحت تهديد المؤجر ، تفريق لا يتفق مع القواعد المسلمة . ففي الحالتين قبول المستأجر للزيادة مخالف للنظام العام ، فيكون باطلا . والصحيح ما قيل في هذا الصدد من أنه “إذا كان القانون قد قضيب ببطلان كل شرط مخالف لأحكام الأجرة الواردة في المادتين 4 و 5 مكرراً منه ، فإنه لم يستهدف إبطال الشروط الواقعة تحت إكراه لأن هذه تبطل وفقاً للقواعد العامة . فكونه قد عني بالنص على بطلان ما يخالف المادتين 4 و 5 مكررا منه ، فإنما قد استهدف تلك الشروط التي لا يسعف القانون العام في إبطالها” ( كامل محمد بدوي في قانون إيجار الأماكن فقرة 180 ص 160 ) . وما دام الفضاء يشبه الاتفاق على أجرة تزيد على الحد الأقصى بالاتفاق على فوائد تزيد على الحد القانوني في أن كلا منهما باطل لمخالفته للنظام العام ، أفهل يجوز للمدين بعد إبرام عقد القرض بفوائد لا تزيد على الحد القانوني أن يقبل وهو متمتع بحماية القانون فوائد تزيد على هذا الحد؟ لا شك في أن هذا لا يجوز ، وكذلك لا يجوز للمستأجر أن يقبل أجرة تزيد على احد الأقصى ولو كان ذلك أثناء تمتعه بحماية القانون .

( [35] )  انظر ما يلي فقرة 624 .

( [36] )  وعند مناقشة مجل الشيوخ لقانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 ، اقترح أحد الشيوخ أن تسقط دعوى تخفيض الأجرة بانقضاء ستة أشهر من تاريخ العقد ، وذلك بإضافة فقرة جديدة في آخر المادة 6 تجري على الوجه الآتي : “وعلى أية حال يسقط حق المستأجر في المطالبة بتخفيض الأجرة التعاقدية بعد مضي ستة أشهر من تاريخ العقد” . وقال في تبرير اقتراحه إن النص “بعد إدخال هذه الإضافة عليه ، من شأنه أن يمنع كثيراً من القضايا . فمن الملاحظ أنه بعد مضي سنة أو أكثر يدعي المستأجر أن قيمة الإيجار تزيد على ما يجب أن يدفعه ، وأنه لا يستطيع الدفع ، وينتهي الأمر إلى رفع الدعاوي على أساس غير صحيح ، إما لأسباب ليست جدية ، وإما لأنه يتعذر تقديم الإثبات . وتلافيا للقضايا التي لا مبرر لها ، أرى النص على أن يسقط حق المستأجر في المطالبة بتخفيض الأجرة بعد مضي مدة لا تزيد على ستة أشهر من تاريخ التعاقد ، وأظن هذا القول معقولاً ، وبذلك تمنع هذه القضايا التي هي إلى الكيد أقرب منها إلى المطالبة الحق” . فعقب رئيس لجنة العدل بمجلس الشيوخ مقترحاً أن يضاف إلى دعوى تخفيض الأجرة دعوى استرداد ما دفع زائداً على الحد الأقصى ، فيسقط كل من الدعويين بانقضاء ستة أشهر . فرد أحد الشيوخ معارضاً الاقتراحين معاً ، وقال : “أعارض في هذه الإضافة ، إذ أنها تحمل كل مالك ( اقرأ كل مستأجر ) على يعجل بالمطالبة بالزيادة حتى لا يسقط حقه فيها ، على أنه قد يرى من مصلحته أن يستبقي الساكن وسترضيه ( أقرأ أن يسترضي المالك ) . والنصر المقترح يدفع المؤجرين ( اقرأ المستأجرين ) دفعا إلى التعجيل بهذه المطالبة حتى لا يسقط حقهم فيها ، فليس فيها مصلحة للمستأجر ( اقرأ المؤجر ) ، ومن الواجب التريث والتفكير قبل إقرار النص” . وقد رفض المجلس الاقتراح ، وبقيت المادة 6 على حالتها . ومعنى ذلك أن دعوى التخفيض تسقط بخمس عشرة سنة ، لا بستة أشهر كما كان المقترح .

( [37] )  وقد قضي بأن المشرع لم يحدد أجلا لرفع دعوى التخفيض ، فيجوز رفعها في أي وقت طالما أنها لم تسقط بالتقادم . وهي لا تسقط طوال انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة مهما طالت المدة ، ذلك لأن الاتفاق على أجرة تزيد على الحد القانوني يعتبر جريمة مستمرة لا تسقط الدعوى بشأنها إلا من وقت انقطاع حالة الاستمرار ، فيكون دفاع المدعي بشأن سقوط حق المدعي عليه في المطالبة بحقه في التخفيض وهو لا يزال بالعين المؤجرة غير سديد ( مصر الكلية 7 يناير سنة 1961دئرة أولى إيجارات قضية رقم 491 سنة 1957 ) . وانظر أيضاً في نفس المعنى مصر الكلية 23 يناير سنة 1961 دائرة أولى إيجارات قضية رقم 2685 سنة 1958 – وقضى بأن القانون لم يحدد أجلا لرفع دعوى تخفيض الأجرة إلى الحد القانوني ، فيجوز للمستأجر رفعها في أي وقت طالما أنها لم تسقط بالتقادم ، وبأن ترك المستأجر للعين لا يسقط حقه في رفع دعوى التخفيض ( مصر الكلية 4 مارس سنة 1961 دائرة أولى إيجارات قضية رقم 2311 سنة 1957 ) .

وفي قضية كان قد مضى قرابة عشرين سنة من وقت إبرام عقد الإيجار ، ومع ذلك لم تقض المحكمة بتقادم دعوى تخفيض الجرة ، بل قالت في حكمها ما يأتي : “وحيث إنه مما لامراء فيه أن سكوت المستأجر عن المنازعة في القيمة الإيجارية مدة طويلة دون أن يقدم سبباً مقبولا ، وإن كان لا يسقط حقه في طلب خفض الأجرة ، يعتبر قرينة قضائية قوية في جانب المؤجر على نزوله عن هذا الحق بعد نشئوه وعلى عدم جدية المنازعة التي يثيرها بعد ذلك . وحيث إن المدعي لم يقدم أي دليل لا يرقى إليه الشك على صحة دعواه ، ولم يقدم سبباً مقبولا يكون قد حال بينه وبين استعمال حقه في التخفيض قرابة عشرين سنة ، مما تعتبر معه المحكمة أنه نزل عن حقه في التخفيض بعد نشوئه ، وأنه غير جاد في دعواه ( مصر الكلية 31 ديسمبر سنة 1960 دائرة أولى إيجارات قضية رقم 7022 سنة 1960 ) . والذي يؤخذ على هذا الحكم أنه كان يستطيع الاقتصار على القول بأن السكوت هذه المدة الطويلة قرينة قوية على عدم جدية النزاع ، ولا يجاوز ذلك إلى القول بأنه قرين على نزول المدعي عن حقه ، فقد قدمنا أنه لا يجوز النزول عن هذا الحق .

( [38] )  انظر في هذه المسألة الوسيط جزء أول فقرة 319 فقرة 319 – فقرة 320 .

( [39] )  انظر آنفاً فقرة 623 .

( [40] )  فيسترد المستأجر بذلك كل ما دفعه زائداً على الحد الأقصى منذ أول قسط دفعه . وقد كانت بعض المحاكم تقضي ، في عهد الأمر العسكري رقم 315 لسنة 1942 ، بأن المستأجر لا يسترد ما دفعه زائداً إلا من  وقت رفع دعوى الاسترداد . وقد تأثر المشرع بذلك ، فقضى في الأمر العسكري رقم 598 لسنة 1945 ( م 6 ) بأن “يحكم برد المبالغ المتحصلة بغير وجه حق من تاريخ المطالبة أمام القضاء” ، فلم يسع القضاء إلا تطبق النص ( الإسكندرية المختلطة 21 فبراير سنة 1946م 58 ص 58 – 12 مارس سنة 1946م 58 ص 74 – 23 أبريل سنة 1946م 58 ص 162 – 18 يونيه سنة 1946م 58 ص 200 ) . ولما كان هذا الحكم مخالفاً للقواعد العامة ، وهو في الوقت ذاته مجحف بحق المستأجر ، فقد يقتضيه البحث عن مستندات يثبت بها أن الأجرة تزيد على الحد الأقصى وقتاً طويلا فلا يستطيع رفع الدعوى إلا متأخراً فيضيع ما دفعه زائداً قبل رفع الدعوى ، فقد أغفل المرسوم بقانون رقم 140 لسنة 1946 ، ومن بعد قانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 ، عبارة “من تاريخ المطالبة أمام القضاء” . فوجب الرجوع إلى القواعد العامة ، وهي تقضي باسترداد ما دفع زائداً منذ أول قسط ولو قبل رفع الدعوى . أما ما دفعه المستأجر قبل نفاذ المرسوم بقانون رقم 140 لسنة 1946 زائداً على الأجرة القانونية ، فهذا تسري عليه أحكام الأمر العسكري رقم 589 لسنة 1945 ، فلا يسترد منه إلا ما دفع من وقت رفع دعوى الاسترداد . فإذا رفع دعوى الاسترداد بعد ثلاثة أشهر مثلا من نفاذ الرسوم بقانون رقم 140 لسنة 1946 ، وكان المستأجر قد دفع أقساط الأجرة الزائدة على الحد القانوني عن مدة ستة أشهر مثلا ، فإنه يسترد الزيادة عن أقساط الثلاثة الأشهر التي يسري عليها تشريع سنة 1946 ولو أن هذه الزيادة قد دفعت قبل رفع الدعوى ، ولا يسترد الزيادة عن أقساط الثلاثة الأشهر السابقة على ذلك إذ أن هذه تسري عليها أحكام الأمر العسكري رقم 598 لسنة 1945 فلا يسترد ما دفع زائداً قبل رفع الدعوى . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون رقم 140 لسنة 1946 إشارة صريحة في هذا المعنى ، إذ تقول : “كذلك لم يجعل النص الجديد حق المستأجر في استرداد ما دفعه بدون وجه حق من تاريخ المطالبة به أمام القضاء كما كان الحال في النص القديم – على أنه مما يقتضي التنويه أن هذا الحكم لا ينفذ إلا من تاريخ العمل بهذا المرسوم بقانون ، فلا يسري على الماضي” ( انظر في هذه المسألة سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 34 ص 89 هامش 2 ) .

( [41] )  الإسكندرية المختلطة 17 يناير سنة 1946م 58 ص 51 – وقد قضي بأن للمستأجر أن يطالب المالك الجديد بتخفيض الأجرة إلى الحد القانوني ويرد الفرق الذي حصله هو من يوم تملك لعين المؤجرة ، ولو لم يكن قد حرر عقد جديد بينهما ( مصر الكلية 27 فبراير سنة 1955 دائرة 12 قضية رقم 856 سنة 1955 ) – وانظر أيضاً مصر الكلية 28 مارس سنة 1955 دائرة 12 رقم 5960 سنة 1953 . وقد قضي بأنه إذا رفعت على المالك السباق دعوى قضائية برد الزيادة في حدود ما حصله في المدة السابقة على تاريخ بيعه ، لم يكن ثمة محل لطلب المدعي عليه إدخال المشتري في الدعوى لأن المشتري لا شأن له بالفرق المطلوب رده ( مصر الكلية 17 ديسمبر سنة 1953 قضية رقم 5218 سنة 1952 ) .

( [42] )  انظر آنفاً فقرة 619 .

( [43] )  كامل محمد بدوي في قانون إيجار الأماكن فقرة 180 ص 161 .

( [44] )  انظر آنفاً فقرة 619 .

( [45] )  وقد قضي بأن رد فروق الأجرة الزائدة يحكم به على المجرين إذا تعددوا بالتضامن ، لأن الاتفاق على أجرة زائدة على الأجرة القانونية مخالف للنظام العام ، فيكون الرد ناشئاً عن عمل غير مشروع ( مصر الكلية 5 مارس سنة 1959 دائرة 13 قضية رقم 1177 سنة 1958 ) .

( [46] )  سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 34 ص 90 – كامل محمد بدوي في قانون إيجار الأماكن فقرة 181 ص 162 . ومع ذلك فقد قضي بأن الخيار للمستأجر بين الاسترداد فوراً والاستقطاع من الأجرة ، فلا يجوز فرض الاستقطاع لعيه إذا اختار الاسترداد فوراً ( مصر الكلية 28 مارس سنة 1955 دائرة 12 قضية رقم 5960 سنة 1953 ) .

( [47] )  مصر المختلطة 7 ديسمبر سنة 1944م 57 ص 65 .

( [48] )  انظر في هذا المعنى كامل محمد بدوي في قانون إيجار الأماكن فقرة 181 ص 162 – ص 163 .

( [49] )  سليمان مرقس في إيجار الأماكن فقرة 34 ص 91 وفقرة 38 ص 109 – مصر الكلية أول أكتوبر سنة 1955 قضية رقم 977 سنة 1955 – 21 أبريل سنة 1956 دارة 4 قضية رقم 2485 سنة 1955 – وانظر عكس ذلك مصر الكلية أول مارس سنة 1958 دائرة 4 قضية رقم 1843 سنة 1956 ( وتقول المحكمة إن سكوت المستأجر وإن كان لا يسقط حقه ، إلا أنه يجعل المؤجر في منزلة من يقبض الثمرة بحسن نية ، فلا يجب عليه الرد إلا من تاريخ المنازعة القضائية والتي ينتهي بها حسن نيته . وهذا التعليل لا يخلو من الغرابة ، فالمؤجر قبض الأجرة الزائدة على احد القانوني بموجب عقد واجب التخفيض ، فلا يمكن قياسه على حائز حسن النية في علاقته مع المالك . هذا إلى أن المؤجر في الغالبية العظمى من الأحوال يعلم أن الأجرة التي يقبضها تزيد على الحد القانوني ، فلا يمن وصفه بأنه حسن النية . وقد قدمنا أن الأمر العسكر رقم 598 لسنة 1945 كان ينص على عدم جواز استرداد المستأجر ما دفعه زائداً إلا من تاريخ المطالبة أمام القضاء ، وقد عدل عن ذلك كل من المرسوم بقانون رقم 140 لسنة 1946 وقانون إيجار الأماكن رقم 121 لسنة 1947 ، فأصبح المستأجر يسترد ما دفعه زائداً منذ أول قسط دفعه . وها نحن أمام حم يرجعنا إلى الأمر العسكري رقم 598 لسنة 1945 فلا يجيز للمستأجر الاسترداد إلا من تاريخ المطالبة القضائية ، بالرغم من أن أحكام هذا الأمر قد ألغتها التشريعات التي صدرت بعده ) . وانظر أيضاً عكس ذلك وأن المؤجر يكون في منزلة من يقبض الثمرة بحسن نية فلا يجب عليه الرد إلا من تاريخ المطالبة القضائية حكماً في المحاماة 31 رقم 184 أشار إليه الأستاذ كامل محمد بدوي في قانون إيجار الأماكن فقرة ص 184 – ص 185 .

( [50] )  الوسيط 1 فقرة 825 ص 1195 – وقد قضي بأنه طبقا للأم المادتين 181 و 187 مدني من وفي بدين مصدره عقد باطل أيا كان سبب البطلان يسقط حقه في استرداده بمضي ثلاث سنوات من تاريخ علمه بحقه في الاسترداد . وبما أن المستأجر أقر في صحيفة دعواه أنه دفع لمورث المدعي عليهم بتاريخ 27 يونيه سنة 1954 مبلغ 2352 جنيهاً كخلو رجل ، وهو أمر محظور الاتفاق عليه بنص المادة السادسة من القانون رقم 121 لسنة 1947 ، ومفروض علم الطرفين به ، ولم يرفع الدعوى باسترداد هذا المبلغ إلا في 7 أكتوبر سنة 1959 أي بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات من تاريخ الوفاء به ، فقط سقط حق المستأجر في المطالبة برد المبلغ المذكور ، ( مصر الكلية أول أبريل سنة 1961 دائرة أولى إيجارات قضية رقم 2136 سنة 1959 ) .

وقد قضت بعض المحاكم بأن قبول المستأجر أن يدفع للمؤجر مبلغاً يزيد على الحد الأقصى للجرة قبول مشوب بإكراه اقتصادي ناشئ من أزمة المساكن ( مصر الكلية 10 نوفمبر سنة 1949 المحاماة 29 رقم 432 ص 794 – خ مارس سنة 1953 المحاماة 33 رقم 565 ص 1309 – محمد لبيب شنب فقرة 59 ) .

( [51] )  ومع ذلك فقد قضت محكمة مصر الكلية بان القول بأن سكوت المدعي أربع سنوات من المطالبة بالتخفيض مسقط لحقه قول بعيد عن الرشاد ، لأنه لم يظهر من الأوراق ما يفيد تنازل المدعي الصريح عن هذا الحق ( مصر الكلية 298 فبراير سنة 1955 دائرة 12 رقم 3653 سنة 1952 ) . ولم تبين المحكمة ما إذا كان المدعي يعلم أنه يدفع أكثر من المستحق فسكوته أربع سنوات يسقط حقه في المطالبة بما دفعه زائداً في السنة الأولى منها إذا مضي عليها ثلاث سنوات فقسط الحق بالتقادم ، أو كان لا يعلم أنه يدفع أكثر من المستحق فحقه لا يسقط إلا بثلاث سنوات من وقت العلم أو بخمس عشرة سنة من وقت الدفع ، ومن ثم يكون له الحق في استرداد  ما دفعه زائداً على مدة الأربع سنوات .

وفي حكم آخر قضي بأن المطالبة بالرد لا تسقط بالتقادم ، وقد هب القائلون بالسقوط إلى أن المدة اللازمة هي المدة المعقولة التي يراها القضاء ، وذهب بعضهم إلى تحديد المدة بثلاث سنوات قياساً على حالات أخرى – وكلا الرأيين لا يتقبله المنطق القانوني . لأن الرأي الأول يقحم على القضاء مهمة التشريع أو يدعوه إلى انتهاج خطة مائعة ليس لها ضابط معين ، أما الرأي الثاني فإنه ينادي بتحديد تحكمي أو قياسي أغفلت فيه الفوارق المائعة من المقابلة أو القياس  – ومن جهة أخرى فإنه لا يبرر إسقاط الحق في طلب الرد أن المطالبة المتأخرة قد تنزل بالمؤجر هزة مالية عنيفة عند إلزامه برد مجموع فرق الأجرة عن زمن طويل ، ذلك لأن انتفاء الأجر الزائد طوال هذا الزمن يعد مخالفة للقانون ، يجب أن يتحمل عقباها ويلقي جزاءها ، ولا تصح إفادته من سكوت حتى لو كان المستأجر أسهم فيه على مضض واضطرار . والمشرع الذي أبطل الاتفاق وأوجب التخفيض والرد ، وقرر تجريم المؤجر ومعاقبته ، لم يكن عابثاً حين جعل للأمر  كل هذه الأهمية ، ولم يغب عن فطنته ما قد يتعرض له بعض المؤجرين من متاعب ، ولعله قصد أن ثقل كاهلهم جزاء على ما اقترفوا ( مصر الكلية 30 سبتمبر سنة 1961 دائرة ثانية إيجارات قضية رقم 2996 سنة 1958 ) . والذي يؤخذ على هذا الحكم أنه لم يبين كيف أن تحديد مدة التقادم بثلاث سنوات هو تحديد تحكمي أو قياس أغفلت فيه الفوارق المانعة من المقابلة أو القياس على ما يقول الحكم ، مع أن المقرر في دعاوي استرداد ما دفع دون حق – وهذه الدعوى منها – أنها تتقادم بثلاث سنوات أو بخمسة عشر سنة على حسب الأحوال .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s